أشهر 5 شعراء عرب قتلتهم قصائدهم

أشهر 5 شعراء عرب قتلتهم قصائدهم
7078
عدد القراءات

2019-12-11

الشعر ليس ديوان العرب وحسب؛ بل كان في العصور الأولى من حياة العرب والمسلمين، ممثَلاً بالقصيدة والشاعر، وسيلة إعلامية اجتماعية وسياسية مهمة، وأسلوباً لرواية الأحداث، وتدوين حياة الأشخاص، والنقد أو الذم أو المدح.

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
وعبّر الشعر أيضاً، عن الاتجاهات الثقافية والتوجهات السياسية للأفراد والجماعات في بعض الأحيان، وربما كان دافعاً لتغيير هذه التوجهات، مما جعله يكتسب بعد كلّ هذا أهميةً كبيرة، وضعت الشعراء في قائمة المشاهير والعظماء حيناً، وفي قائمة المغضوب عليهم أحياناً أخرى، ناهيك عن الأسباب الشخصية، التي جعلت شعراء خلدهم التاريخ، إما يعيشون حياتهم طبيعية، أو يقتلون، فمن هم أبرز أولئك الشعراء من الذين قتلتهم قصائدهم؟
لأقتلنّ منهم مئة
في صحراء العرب وقبل الإسلام، لم يكن من الضروري أن يكون المرء سيداً في قومه أو غنياً، أو مثقفاً فقط، حتى يكون شاعراً كبيراً، لذا كان للمطرودين من قبائلهم، ولأصحاب العداوات، ممن يعيشون حياتهم خارج أيّ قانون أو عادات مثلاً، أن يكونوا شعراء، ومن هؤلاء؛ ثابت ابن أواس الأزدي، المشهور بالشنفرى، صاحب العداوات الكبيرة، والشاعر الشهير بأنّه سريع الخطو والركض، وقد اشتهر بقصيدته "لامية العرب"، ومطلعها: "أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم فإني، إلى قومٍ سِواكم لأميلُ، فقد حُمّت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ وشُدت، لِطياتٍ، مطايا وأرحُلُ".

قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده
وقد قتل الشنفرى في خلافٍ كبير مع قبيلة سلامان التي قتلت والده، فانتقم الشنفرى منهم بسيفه وهجائه الذي أرّقهم، وقتل منهم 99 رجلاً في أكثر من عراك، إلى أن قتلوه في النهاية.
وتقول الرواية التاريخية؛ إنّ الشنفرى قطع وعداً بقتل مئة رجلٍ منهم انتقاماً لأبيه في إحدى قصائده، وإنّ جمجمته التي ركلها أحد قتلته بعد زمن، تسبّبت في دخول عظمة في ساقه، التي تلوثت ومات على إثرها؛ لذا يعرف الشنفرى بأنّه الشاعر الذي أوفى بوعده، بعد أن قُتل.
ضيعني أبي صغيراً
اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة، لكنّه، في النهاية، كان ابن أحد ملوك القبائل الأغنياء والمؤثرين، وهو حجر الكندي، ورغم فقدانه لأمه صغيراً، وخروجه إلى الصحراء بعيداً عن كنف أبيه منذ الشباب، إلا أنّ لعنة عائلته ظلّت تلاحقه إلى أن قتل.

الخيل والليل والبيداء سدّت طريق الهرب على المتنبي ودفعته حتى يواجه خصمه ثم يُقتل على يده

وامرؤ القيس، هو واحد من شعراء المعلقات المشهورين، ومطلع معلقته هو:
"قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل، بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ، فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمها لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ".
بعد أن قتل بنو أسدٍ والد امرىء القيس، ونهبوا ثروته، دار بين العرب يطلب ثأر أبيه، وقد عاونته بعض القبائل بالرجال والسلاح، مما جعل بني أسد يفرون من وجهه، إلا أنّه لاحقهم وقاتلهم، وكثر أعداؤه من القبائل بعدما قوي، ونكّل بالعديد منهم، فلجأ إلى قيصر الروم في المشرق، الذي أجاره، إلى أن بعث بنو أسد برجلٍ يسمى الطماح، كشف لقيصر حبّ امرئ القيس لابنته، وكيف أنّه كتب بها قصائد غزلٍ فاحش كعادته حين يتقرب من النساء، فقام قيصر بتسميمه والتخلص منه، وذلك بعد زمنٍ على أخذ امرئ القيس بثأره من بني أسد، وهو الذي قال حين بلغه خبر مقتل أبيه وهو سكران: "ضيعني أبي صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر، وغداً أمر".

الخيل والليل تقتل شاعرها
لم يكذب أبو الطيب المتنبي، حين قال: إنّ الخيل والليل والبيداء تعرفه جميعاً، فهو شاعر شقّ الآفاق، ولم يقترب من نجمه ولغته وجمال شعره أي شاعرٍ في التاريخ العربي تقريباً، لكنّ قصائده، التي مدحت بطولات سيف الدولة الحمداني، وهجت كافور الإخشيدي في مصر، وتغنت بالحكمة والطبيعة في أرض العرب، حملت رغم عظمتها وتنوعها بذور مقتله وموته. ورغم قوله: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صممُ"، ورغم تغنّيه بالكتب والقراءة والثقافة أيضاً، إلّا أنّه قتل في النهاية بسبب الهجاء، الذي لا يمثل جزءاً أساسياً من شعره.

عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره
وبينما عرف المتنبي بالزهو لفرط قوة شعره، فإنّه هجا رجلاً بخيلاً وجباناً، في حادثة حصلت له مع ذلك الرجل، وهو ضبة بن زيد الأسدي، الذي لم يرد على المتنبي بخيرٍ أو بشرّ، إلا أنّ أخاه، ويدعى فاتك الأسدي، غضب لما وصف فيه المتنبي أخاه وعائلته من هجاء، وأدرك أنّ قصيدته فيهم، ولا بدّ من أنّ العرب ستتناقلها طول الزمن، فأضمر الشرّ، وبقي مترصداً للمتنبي إلى أن لقيه، بحسب الروايات التاريخية، في طريقٍ، سدته قصيدة المتنبي الشهيرة: "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، فقد واجهه فاتك بقصيدته هذه، واصفاً إياه بالجبان، إذا هرب، فلم يهرب المتنبي، وقتل في تلك الحادثة.

حامل موته بيده
يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره؛ فقد تفوق عليهم من خلال مآسيه الخاصة؛ إذ مات والده وهو طفل، وسرق أقاربه ميراثه، فعانى الفقر بعد طفولةٍ ميسورة، وكتب أعذب القصائد في الحب والحكمة، وهو من أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته المشهورة: "لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ، وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـم، يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ".

اشتهر امرؤ القيس بصولاته وجولاته بين الصعاليك، وبمجونه مع النساء، وبقصائده التي تراوحت بين الغزل والمديح والبطولة

ورغم تنوع قصائده بين الغزل والحكمة والطبيعة، إلا أنّ طرفة بن العبد، لم يكن ليلقى مصيراً أفضل من سابقيه من الشعراء، ممن انتقدوا أو هجوا القادة في قصائدهم، فهو لم يهب من انتقاد ملك الحيرة الشهير عمرو بن هند، الذي كان صاحب دهاء وبطش شديدين، فاختار لطرفة ميتةً ستظلّ حديثاً لكلّ الأجيال، بدهشتها وبشاعتها؛ إذ أرسله بكتابٍ خاص، رسولاً إلى عامل البحرين في ذلك الزمن، وكان الكتاب يضمّ أمراً من عمرو بن هند بقتل طرفة، الذي قتل وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر.

الجمال لا يعفي من الموت
من بين الشعراء العرب، يُقال إنّ جمال وجه وضاح اليمن، نافس جمال قصائده، وقد اختلف العرب في أصله، إن كان فارسياً أم يمنياً، لكنّ أحداً لم يختلف في أنّه، وقصائده، سعيا خلف النساء، ومديحهن والتغزل بهن.

يتميز طرفة بن العبد بأنّه شاعر شاب تفوق على العديد من كبار الشعراء في عصره
لكنّ شعره لم يكن غزلاً عفيفاً، بل اتسم هو الآخر بالفحش كما كانت تقول العرب، وقد تجاوزت قصائده العديد من عادات العرب وأخلاقهم، ومنها قوله: "سموت إليها بعدما نام بعلها... وقد وسدته الكف في ليلة الصرد، أشارت بطرف العين أهلاً ومرحباً... ستعطي الذي تهوى على رغم من حسد".
وقد بلغ الحدّ بوضاح اليمن أنّ غزله في النساء لم يكفه، فخاض مغامراته النسائية، إلى أن رست به الروايات التاريخية، أنّه أحبّ أم البنين، زوجة الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي.

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته

وتقول الروايات إنّه كان يزورها سراً، إلى أن فاجأها خدم الوليد ذات يوم، فأخفته في صندوقٍ كبيرٍ داخل غرفتها، ورآها أحد الخدم، وأخبر الوليد، الذي دخل عليها وطلب منها أن تهديه الصندوق، فأهدته إياه صامتةً خوفاً من الفضيحة، فأمر بحمل الصندوق بما فيه، ودفنهِ في الصحراء كما هو، عارفاً بوجود وضاح اليمن في الصندوق، وهكذا قتل شاعرٌ آخر.


المصادر:

سمير فراج: شعراء قتلهم شعرهم، مكتبة مدبولي، 1997.
سلسلة شعراء قتلتهم الكلمات، جمال حامد، دار غراب، 2008
مختارات الكنعاني، دار بغداد، 1964

اقرأ المزيد...
الوسوم:



صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:

رسمي أبو علي يترجل ضاحكاً

2020-01-09

لعلّه عندما أغمض عينيه، للمرة الأخيرة، ليلة أمس الأربعاء بالعاصمة الأردنية عمّان، كانت المرة الأولى التي يهدأ فيها الأديب والإعلامي الأردني رسمي أبو علي عن المشاكسة والسخرية، منذ ميلاده في قرية المالحة المقدسية في العام 1937، والتحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في العام 1964، ثم انخراطه في الوسط الإذاعي وصفوف الثورة الفلسطينية.

أبو شايب: معظم مثقفينا لم يقرأوا أبو علي ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن

ما إن أعلنت عائلة أبو علي وفاته، حتى انثالت كلمات رفاقه في الوسط الثقافي لنعيه واستذكار ماضيه الثوري والإنساني، ومنجزه الأدبي، المتمثل في ستة مؤلفات، كانت باكورتها مجموعة قصصية تحت عنوان "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس" 1980، وديوان شعر معنوَن بـِ "لا تشبه هذا النهر" 1984، ورواية "الطريق إلى بيت لحم" 1990، وديوان شعر "ذات مقهى" 1998، وسيرة ذاتية بعنوان "أوراق عمان الخمسينات" 1998، ومجموعة قصصية تحت عنوان "ينزع المسامير ويترجّل ضاحكاً" 1999.

"حفريات" التقت مجموعة من أصدقاء ورفاق أبو علي الذين نعوه بهذه الكلمات، مستذكرين مكانته الأدبية والإبداعية، والفراغ الذي تركته روحه الإنسانية في وجدانهم.

ولد الراحل في قرية المالحة المقدسية في العام 1937

أبو شايب: ساخر من أنظمة حياتنا المهترئة

يقول الشاعر زهير أبو شايب: ليس الموت هو المرعب، نحن لا نعرفه، اهتراء الحياة هو الذي يصيبني بالذعر، هؤلاء الذين يموتون يتركون ثقوباً في حياتنا لا يمكن رتقها، هكذا تهترئ حياتنا ونحن نتفرّج عليها بعجز كامل، هذا هو المرعب، رسمي أبو علي لا مثيل له، وما سيتركه من خرق في مادة هذه الحياة البالية لا يمكن إصلاحه بالنسبة لي.

حوامدة: حينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال: قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى

ويتابع أبو شايب: نحن دائماً نحوّل الراحلين إلى مادة متحفية لنوهم أنفسنا بأننا نكنزهم في ذاكرتنا الثقافية، ونحوّلهم إلى قيمة، لكننا في الحقيقة نتحول إلى ما يشبه جامعي الموتى، هذا أيضاً مرعب، يُفترَض أنّ كاتباً وشخصاً فذاً مثل رسمي أبو علي هو كائن مضاد للموت وصانع حياة حقيقي، أظنّ أنّ معظم مثقفينا لم يقرأوه ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن، لا فائدة قط من المراثي التي ندبّجها في توديع صنّاع حياتنا المخذولين، الذين أنفقوا أعمارهم كلها في محاولة إنقاذنا ثم اكتشفوا أنّنا لا نشعر بوجودهم إلا حين يموتون.
رسمي أبو علي من القلائل الذين سخروا جيداً من أنظمة حياتنا المهترئة، وجعلوا من السخرية فعل مقاومة. وغيابه سيجعل حياتنا الثقافية أكثر تجهماً وأقل حكمة.

حوامدة: مات حكيم الثورة

حوامدة: قلب كبير يستوعب كل التناقضات

من جهته، قال الشاعر موسى حوامدة: مات حكيم الثورة، في آخر جلسة جسلتها مع رسمي أبو علي في مقهى "كوكب الشرق" في عمّان قبل ثلاثة أشهر قال لي "لا بد أن نعيد تقييم الثورة؛ لقد فلشنا وعليهم أن يتوقفوا، لنعيد التفكير في طريقة جديدة نقررها نحن الشعب الفلسطيني".
كان رسمي أبو علي، القاص والكاتب الساخر، يحمل قلباً بحجم العالم، قلباً محباً وكبيراً يستوعب كل التناقضات الفلسطينية ويعيد صياغتها بطريقته.

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
يتابع حوامدة: قال لي: "كتبت قصة حداثية بينما كانت الثورة في لبنان، وكتبت شعراً حداثياً وكنت أريد أن أقول لهم لن ينفعنا الأدب القديم".
في العامين الأخيرين اختلف أبو علي وصار ناقداً للوضع كله، وكان يقول لي "لنعترف؛ ضللنا الطريق، وعلينا أن نفكر بصياغة ميثاق وطني جديد"، وحينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال "قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى يا موسى".
لقد أنجبَ الشعب الفلسطيني مبدعين كثراً منهم؛ إبراهيم طوقان وغسان كنفاني وعز الدين المناصرة ورسمي أبو علي، لكن للأسف تم إهمال أسماء مثل أبو علي، في وقت تم فيه تكريس أسماء أخرى.

أبو رقطي: فلسطيني حتى النخاع

وعن علاقته بالراحل قال الكاتب زعل أبو رقطي: رسمي أبو علي الفلسطيني حتى النخاع، الشاعر والأديب الملتزم، والإعلامي المتميز، والمذيع الهادئ، عرفته عن قرب في إذاعة الثورة الفلسطينية في مدينة درعا السورية في أوائل السبعينيات، كنت لا أزال في بداية رحلتي مع العمل الإعلامي، وكان هو يكتب التعليق السياسي ويقرؤه بصوت الواثق والمتمكن والهادئ، كان متواضعاً وخلوقاً وملتزماً ومقرّباً من الجميع.

أبو رقطي: أبو علي قامة وطنية وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي

بعد إغلاق الإذاعة بدرعا افترقنا، عاش في بيروت في زمن الثورة الجميل، وبقي يمارس دوره النضالي في مجال الإعلام والأدب والشعر، وتنقّل في كل مواقع الثورة وأماكن تواجدها،  وبقي ملتزماً بالخط الوطني رغم كل التقلبات التي واجهت العمل الوطني، واستقرّ به المطاف أخيراً في الأردن؛ حيث عكف على كتابة الشعر والأدب.
ويردف أبو رقطي: رسمي أبو علي قامة وطنية وإعلامية عالية، وبرحيله نفتقد شخصية مميزة ومعطاءة بلا حدود، وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي، ومن الكوادر الفاعلة التي تستحق التكريم والتقدير، بغيابه نفتقد كادراً وطنياً وقامة إعلامية كبيرة، لروحه الرحمة ولعائلته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان.

الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف

شنب: لا تستطيع أن تكرهه

أما القاص جمعة شنب فقال: يرحل الطيّبون أيضاً! ما كان لرسمي المحبّ للحياة وللناس وللمقاهي والأسطح، وقرية المالحة، حارس رصيف العالم منذ مطلع الثمانينيات، ما كان له أن يرحل بهذه البساطة؛ رسمي الذي تختلف معه، لكنّك أبداً لا تستطيع أن تكرهه؛ لأنّه لا يعرف الكراهية، رسمي المبتسم، المتفائل، الصامد الصابر، خذله الموت في هذا المساء الحزين، رسمي اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ، رحل، هكذا، ببساطة.

الريماوي: مثقف تنويري يتخطى الأيديولوجيات
وعن شهادته في الراحل قال القاص محمود الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف الذي اختطّ طريقاً جديدة في السرد الأدبي الفلسطيني، وذلك في مزجه الذكي بين المأساة والملهاة والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية والمكانية الصغيرة وتعظيم شأنها والجرأة على ملامسة التحرر الاجتماعي، والتابوهات السياسية، والإعلاء من قيمة الفرد بدلاً من الاندراج في الجمهور والجموع، ما يجعله مثقفاً تنويرياً يتخطى الأيديولوجيات والنزعة الشعارية.

اقرأ أيضاً: 25 عاماً على رحيل توفيق زياد
ويزيد: هو شخص بالغ اللطف والأنس واللباقة، لا يأبه لبهارج الدنيا وقشورها، ويصادق أبسط الناس ويشاطرهم يومياتهم كأنّه أحدهم، فيما كان الطريق أمامه مفتوحاً لو شاء لبلوغ مراتب اجتماعية أعلى، وبغيابه تخسر الحياة الثقافية مثقفاً بارزاً ذا نزعة نقدية، من غير أن ينغمس في معارضات استعراضية أو تمرّد نمطي، ما جعله نسيج ذاته، يجمع بين روح الانطلاق والتمرّد وبين رصانة المثقف وجدّيته، وذلك في توليفة لطيفة ومُشعّة عز نظيرها. إلى اللقاء أيها الصديق الحبيب، وإلى أن نلتقي فسوف أشتاقك كثيراً، وسوف أفتقدك بكل مرارة.

عبد العزيز: فقدنا فلسطين مرة أخرى
الشاعر يوسف عبدالعزيز نعى رفيقه بقوله: الصديق رسمي أبو علي وداعاً، برحيلك يا حبيبي فقدنا فلسطين مرة أخرى، وتيتّمنا.
ففي قامتك الساحرة تحتشد البلاد كلها، وتلتمع قباب البيوت، وتصهل أمواج بحر يافا وحيفا.
ترى، ما الذي نفعله الآن وقد غادرنا قدّيس الرصيف، وملك الكلام؟
في غيابك؛ الحياة لم يعد يُعوَّل عليها، لا النساء، ولا القصائد، فأنت حين غادرتنا أخذت كل شيء جميل معك.
السلام على روحك أيها الأمير.

فركوح: رافض التأطير
بدوره رثى الناشر والروائي إلياس فركوح الراحل قائلاً: أنتَ "رجل الرصيف"، بمعنى أنت خارج جميع المؤسسات، أنت كاسر للأطر ورافض التأطير، أنت امتلكتَ حريتك حتى النهاية.. استرحْ، فهذا العالم نذل.

شاعر وأديب ملتزم وإعلامي متميز

محمد: لم يصل إلى نيسان!
وعن الراحل قال الشاعر والباحث زكريا محمد: الوصول إلى نيسان كان أمله الأخير. كان رسمي أبو علي يلعب كطفل في "منشوراته" على صفحته "فيسبوك"، باستثناء الشهر الأخير الذي أحس فيه بالموت يقترب. وفي واحد من "منشوراته" نشره قبل ما يقرب من أسبوعين من رحيله أبدى أمله في أن يصل إلى نيسان. قال في ما أذكر: إن وصلت إلى نيسان نجوت سنة أخرى. وكنت في قلبي أدعو له أن يصل إلى نيسان. لم أخبره بذلك، لكنّ قلبي دعا له بالوصول. ولم يصل إلى نيسان. كانت الطريق إلى نيسان مقطوعة. وقف به فرسه في أول كانون الثاني وأسقطه عن ظهره. وفي تقاليدنا يكمن الموت في شباط. شباط هو قاتل الشتاء الحقيقي. لكن كانون الثاني هو الذي قتله. لقد أثبت نيسان أنّه بعيد وأنّ زهرته مخفية، وأنّ الوصول إليه وهم.

شنب: رسمي لا يعرف الكراهية، مبتسم ومتفائل، هو اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ رحل هكذا ببساطة‎

وتابع محمد حديثه: لم تكن علاقتي برسمي وطيدة جداً. كانت لقاءاتنا عابرة سواء في بيروت أو عمان أو رام الله. لكنني صحبته مرة لمدة ثلاثة أسابيع في رحلة إلى روسيا وأوزبكستان. زرنا طقشند وبخارى وسمرقند. ومن هناك جلب اسم ابنته (أوميديا) التي ذهبت قبله شابة إلى الموت. وربما كتبت يوماً ما تبقى في ذاكرتي عن هذه الصحبة. في هذه الرحلة عرفت ما عرفته عنه. وإن كان لي أن أقول كلمة عنه فإنني أقول إنّه صانع سيناريوهات كبير. أمضى حياته وهو يصنع سيناريوهات لحل القضية الفلسطينية. كان عقله دوامة متواصلة من السيناريوهات. ولم يكن يهمه أن تكون هذه السيناريوهات قريبة من الحقيقة. ولست أعرف حتى إن كان يصدق هو ذاته سيناريوهاته أم أنّه كان يسخر بها من السامعين ومن القضية والكون. في الشهر الأخير كان لدى رسمي سيناريو واحد فقط: الوصول إلى نيسان. ولم يصل.

للمشاركة:

السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

2020-01-02

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود، قبل الترخيص الرسمي الذي سمح بإعادة افتتاح دور للعرض السينمائي في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وعلى إثر هذا الترخيص افتُتحت أول سينما بالعاصمة الرياض في نيسان (أبريل) 2018، ثم أول سينما في جدة في كانون الثاني (يناير) 2019.

اقرأ أيضاً: معرض الرياض للكتاب يحتفي بالمستقبل ويكرم رواد السينما السعودية
لكن ما لا يعرفه كثيرون أنّ السينما السعودية كصناعة بدأت مبكرة، وإن بشكل خجول، فأول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950، لكن البداية الحقيقية للإنتاج كانت في فيلم "تأنيب الضمير" في العام 1966، ومنذ 1975 وحتى اليوم بلغ عدد الأفلام السعودية حوالي 260 فيلماً، معظمها تسجيلية أو قصيرة، لكن قضايا المرأة السعودية لم تكن بارزة إلى أن جاءت المخرجة السعودية هيفاء المنصور وجعلتها قضيتها المركزية لتتبعها تجارب أخرى تحمل هذا الهم.

سينما هيفاء المنصور

بدأت هيفاء المنصور مسيرتها السينمائية بفيلم تسجيلي بعنوان "نساء بلا ظل"، إنتاج 2005 وعرض في العام 2007، ويرصد واقع المرأة السعودية في ظل الحجاب وعلاقتها بالرجل ومكانتها في المجتمع السعودي، قديماً وحديثاً، ويطرح أسئلة حول عمل المرأة والزواج والاختلاط والحب، والتحول الذي طرأ على المرأة والتيارات الاجتماعية المختلفة.

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود

ويخلص الفيلم إلى تراجع مكانة المرأة السعودية بعد تسعينيات القرن العشرين مقارنة بمكانتها في الستينيات والسبعينيات؛ فمثلاً لم تكن النساء الكبيرات في السن مضطرات للبس العباءة، لكن هذه المكتسبات بدأت بالتراجع مع نهاية السبعينيات، ومع مطلع الألفية الثالثة أصبحت الأغلبية مع إبقاء الفتاة حبيسة المنزل، والعنوان يحيل بلغته الشعرية إلى أنّ بقاء النساء في البيوت وحرمانهن من الشمس يجعلهنّ بلا ظل، كما قد يحيل "الظل" إلى الرجل في العبارة الشهيرة "ظل راجل ولا ظل حيطة".

وجهان لحواء

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها، وهي تدرك أنّ الدراما أكثر تأثيراً من الفيلم التسجيلي، ولا يوجد ما هو أكثر تأثيراً من قصة يتعاطف معها الناس وهذا ما تحقق في أول أفلامها الروائية "وجدة" العام 2012، الذي يتناول التمييز الذكوري ضد المرأة كموضوع محوري إضافة إلى تناوله مواضيع هامشية كزواج القاصرات، ويتخذ الفيلم من الطفلة وجدة (وعد محمد) وأمها (ريم عبدالله) وجهين لحواء: وجه الأم التي تُسيرها العادات والتقاليد ووجه الطفلة العنيدة والمتمردة والمعتمدة على نفسها، ومن خلال هذا الوجه يتم تمرير صورة جديدة للمرأة السعودية والعربية.

يوجه فيلم وجدة لهيفاء المنصور نقداً للنظام الاجتماعي والتعليمي القائم على القمع والتشدد الديني

تحلم وجدة بشراء دراجة معروضة في أحد متاجر الألعاب، لكي تتسابق مع ابن جيرانها، لكنها لا تملك المال الكافي لذلك، وهذه عقبة أولى ستتغلب عليها بتوفير مبلغ من المال وبالمشاركة في مسابقة مدرسية لحفظ القرآن الكريم من أجل الفوز بجائزة مالية، أما العقبة الأكبر فهي حظر ركوب الدراجات على الفتيات لأسباب تتعلق بحمايتهن في الظاهر، لكن وجدة لا تعطي لتحذيرات أمها وتعليمات مديرة المدرسة وتنبيهات ابن الجيران بالاً وتتصرف وفقاً لما تحلم به وتطمح إليه.

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها
تتضح شخصية الأم الراضخة لثقافة المجتمع وشخصية ابنتها المتمردة في المشهد الثالث عندما تصمت الأم أمام توبيخ السائق الباكستاني لها بسبب تأخيرها المستمر، فترد عليه وجدة بلهجة حادة فتطلب الأم من ابنتها أن تصمت، يضعنا الفيلم منذ البداية أمام تخمين الشخصية التي ستؤول إليها وجدة عندما تكبر: هل ستكون نسخة أخرى من أُمها؟ أم أنّها ستتمرد على هذا الوضع؟ وهل ستكون الأم قدوة لابنتها أم العكس؟

اقرأ أيضاً: أخيراً.. السينما في السعودية
تنشغل الأم في العناية بمظهرها والتجمل لزوجها حتى لا يرضخ لأمه فيتزوج بامرأة أخرى، ونرى كيف أنّ علاقة وجدة بجارها الطفل عبدالرحمن علاقة طبيعية بريئة يتخللها اللعب والمزاح ولم تتلوث بعد بالثقافة التي تُعامل المرأة بدونية؛ يتسابق الطفلان جرياً في طريقهما إلى المدرسة فتسبقه وجدة فيلجأ عبدالرحمن إلى وسيلة سباق لا تملكها وجدة. يعود إلى البيت ليحضر دراجته ويلحق بوجدة قائلاً لها إنّها لا يمكنها اللحاق به الآن، فترد عليه وجدة متحدية: "والله ليصير عندي سيكل أوريك".

أول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950

المدرسة، كما تظهر في الفيلم، وسيلة لقمع الفتاة ومحاربة كل ما هو جميل. والمرأة "نجسة"، كما تعبر إحدى المدرّسات، والضحك ممنوع على الفتيات بحجة أنّ صوت المرأة "عورة"، الورود والصور والأحذية الملونة وطلاء الأظافر كله ممنوع.
يوجه الفيلم نقداً لنظام التعليم في المدارس القائم على التلقين والقمع والضغط الديني منذ المشهد الأول، هذا التمهيد يشير إلى أنّ القضايا في مشاهده اللاحقة ناتجة عن النظام القائم على الفرض والإجبار، وهو ما تكرهه وجدة وتسعى للتحايل عليه، ولذلك نجدها في المشهد التالي تستمتع بالموسيقى وبترتيب حاجياتها الصغيرة.
توفر وجدة ثمن الدراجة من بيع أساور تصنعها بنفسها من الخيوط، وهنا نرى صورة للاستقلالية والاعتماد على النفس، وكل عوامل بناء الشخصية القوية التي نشاهدها خلال قصة الفيلم تقول بلغة فنية جميلة: لا يمكن للمرأة أن تكون مستقلة ومالكة قراراتها وهي تعتمد على الرجل في كل شيء، لا ترى وجدة فرقاً بينها وبين الولد الذي يحلم والدها بإنجابه بالزواج من امرأة أخرى. وإحدى محاولاتها لتغيير هذا الواقع هي كتابة اسمها في ورقة ولصقها بشجرة العائلة المكونة كلها من أسماء ذكور، لكنها تجد الورقة وقد نُزعت في اليوم التالي.

المرأة هي قضية هيفاء المنصور حتى حين أخرجت وشاركت في كتابة فيلم "ماري شيلي" 2018، الذي يتناول قصة ماري وهي في السادسة عشرة ونضالها ضد التمييز الذكوري الذي أعقب كتابتها لرواية "فرانكشتاين"، وفي فيلمها "نابيلي إيفر أفتر" 2018 تتناول قصة امرأة أمريكية أفريقية تحاول تحقيق أحلامها في المجتمع الأمريكي.
وفي فيلمها "المرشحة المثالية" الذي عُرض في آب (أغسطس) 2019، تعود هيفاء المنصور للمجتمع السعودي لتروي قصة طبيبة سعودية شابة تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع للمرأة من خلال ترشحها للانتخابات المحلية، ويتطرق الفيلم لقضية عمل المرأة والتمييز على أساس الجنس.
"سيدة البحر".. نقلة أخرى

النقلة النوعية للسينما السعودية في فيلم "وجدة" تلتها قفزة أخرى صنعتها المخرجة الشابة السعودية شهد أمين في فيلمها "سيدة البحر" في أيلول (سبتمبر) 2019، وهنا يتجاوز إبداع المرأة السعودية قضايا بنات جنسها لينقل السينما السعودية إلى العالمية؛ فقد حصل فيلم وجدة على ثلاث جوائز عالمية خلال مهرجان البندقية السينمائي التاسع والستين، واختير ضمن الترشيحات الأولية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، ليصبح بذلك أول فيلم سعودي يصل إلى هذه المرحلة.
أما "سيدة البحر" فشارك في مهرجانات عالمية بارزة في لندن ولوس أنجلوس والقاهرة وقرطاج والرباط، ومازال ينافس على جوائز ويحصد بعضها مثل فوزه بجائزة أفضل فيلم في مهرجان سينغافورة المسابقة الرسمية وجائزة التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج، وفي عرضه العالمي الأول حصل الفيلم على جائزة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً ضمن مسابقة أسبوع النقاد خلال فعاليات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.

من الواقعية إلى الرمز والأسطورة

في تجربتها الأولى تستوحي شهد أمين من أسطورة أقدم عن حوريات البحر لكن بتوظيف ذكي لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب وإنما المرأة المقموعة في أي مكان. ويحكي الفيلم قصة فتاة صغيرة تقرر اختيار حياتها بنفسها وسط مجتمع ذكوري يرمي المولودات في البحر ليكبرن ويعاد اصطيادهن والتغذي على لحومهن.

اقرأ أيضاً: طريق المرأة السعودية لقيادة السيارة.. ثماني محطات أساسية
يظهر تمرد الفتاة على هذا الوضع منذ ميلادها؛ فبعد أن يلقي بها والدها في البحر وهي في القماط يعيدها الموج إلى الشاطئ ليحملها الأب إلى البيت، لكنها تبقى خلال سنوات طفولتها محل ازدراء سكان قريتها إلى أن تثبت لهم أنّها قادرة على العمل مثل الذكور وتكون لها فائدة أكبر منهم؛ فتعمل الفتاة على ظهر القارب وتغوص في البحر للصيد، وعندما تقفز إلى البحر ذات مرة تختفي لفترة طويلة فتختفي معها الحياة: يجف البحر ويعاني الناس من الجوع، لكن الفتاة تعود مرة أخرى، وبعودتها تعود مياه البحر ليدرك الناس قيمتها وقيمة الأنثى.

توظف شهد أمين أسطورة حوريات البحر لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب

تمرد الفتاة في "سيدة البحر" يذكرنا بتمرد وجدة، لكن الفتاة هنا بلا اسم، مثلما أنّ المكان الذي تدور فيه الأحداث جزيرة متخيلة، وطمس المعالم هنا مقصود لأغراض رقابية ورمزية لا تربط القصة بزمان ومكان محددين، وبقدر ما أنّ القصة مستوحاة من أسطورة اسكندنافية إلا أنّها تذكرنا بوأد الفتيات قديماً، وكأن الأسطورة في الفيلم تحيل إلى أسطورة دينية عربية أقدم لتعبر بذلك عن وضعية تاريخية، لم تنته للأسف، لا عن وأد حقيقي بدفن الفتيات في التراب أو في البحر.
المرأة في قصة الفيلم مصدر للعار، وهي في الوقت نفسه مصدر للخير والحياة. ويبدو، من منظور الرجل، أنّه ما من سبيل إلى معادلة وسط تضمن حياة المرأة والرجل معاً، لكن هذه المعادلة تحققها الطفلة في النهاية بعودتها وإعادتها للحياة.

من منظور القضية يمكن أن نرى في فيلم "سيدة البحر" نسخة أخرى من فيلم "وجدة"، لكن الفارق بين الفيلمين من حيث الصورة واضح، القضية في أفلام هيفاء المنصور مقدمة على الصورة، بينما تأتي الصورة والرمزية على حساب القضية في تجربة شهد أمين، مدة فيلم وجدة (ساعة ونصف) تناسب أحداثه، هي نفس مدة فيلم سيدة البحر لكنه طويل قياساً إلى أحداثه، ويجمع بين الفيلمين قضية واحدة هي اضطهاد المرأة والتمييز الذكوري ضده.
"وجدة" واقعي معاصر وفيه حبكة من خطين متداخلين: قصة رئيسية عن وجدة وقصة ثانوية عن أمها، بينما يتجنب فيلم "سيدة البحر" خيوط القصة التقليدية، ويعتمد على الرمزية الكامنة في أسطورة عروس البحر، ويخرج مُشاهده بعلامات استفهام كثيرة تتعلق بموضوع الفيلم وهدفه؛ فالجمالية البصرية، المتأثرة بأسلوب بيلا تار، تأتي على حساب الهدف الاجتماعي.

للمشاركة:



الاتحاد الاوروبي يقطع مساعداته عن تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت تقارير إعلامية؛ إنّ الاتحاد الأوروبي سيصدر قراراً بقطع 75٪؜ من مساعداته لتركيا بسبب عمليات التنقيب التي تجريها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعملياتها العسكرية في سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي عن تركيا مساعدات بلغت 85 مليون يورو من ميزانية 2020، وذلك بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

أوروبا تقطع المساعدات عن تركيا بسبب عمليات التنقيب في البحر الأبيض والعمليات العسكرية في سوريا

وقالت مجموعة "فونكة" الإعلامية الألمانية، إنّها اطلعت على رسالة أرسلها إلى البرلمان الأوروبي الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بورل، كشف فيها أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارا بقطع 75٪؜ من المساعدات التي يقدمها الاتحاد لتركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ووفق وسائل الإعلام الألمانية؛ فإنّ مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا ستقتصر على 168 مليون يورو، على أن تستخدم 150 مليون يورو منها في مجالات تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، فيما ستنفق بقية المبلغ في سبيل تطوير المناطق الريفية.

وبحسب خبر أورده موقع "يورو نيوز"، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، فإنّ المساعدات التي قطعها الاتحاد الأوروبي عن تركيا خلال العامين الأخيرين وصلت إلى 1.2 مليار يورو.

واشتكى عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين من سياسة الابتزاز التي انتهجاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بما يتعلق بالمهاجرين والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية عبر تركيا.

 

للمشاركة:

تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:



ثلاثة أطماع عثمانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

محمد نور الدين
ليس من دولة تتحرك وفق العواطف فقط، فالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تتقدم كل الأولويات. لكن النموذج التركي في التعامل مع قضايا المنطقة، يُرفد بشحنة عالية جداً من الموروث التاريخي والإيديولوجي ويكاد أحياناً ينحبس فيه.
ولنا في حالات العراق وليبيا وسوريا نماذج واضحة على التوجهات التركية التي تختلط فيها المصالح والإيديولوجيا.
في الحالة العراقية: في العام 1926 انسلخت ولاية الموصل نهائياً عن خريطة حدود «الميثاق الملّي» التي رسمها البرلمان التركي/العثماني عام 1920. ولم تكن مطالبة تركيا بتلك الولاية حينها إلا لهدفين أساسيين، الأول وضع اليد على الثروات النفطية فيها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولكن في اتفاق أنقرة 1926 نجحت تركيا في وضع اليد على عشرة في المئة من نفط العراق على مدى 25 عاماً. والثاني هو إلحاق أكراد العراق بتركيا، حيث يبقون تحت رقابتها المباشرة، فلا يتحركون ضدها من خارج الحدود، وضمن سيادة دولة أخرى.
لكن بعد ذلك، ولا سيما مع حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، استيقظت العثمانية الجديدة عند الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال، وأراد إحياء ضم الموصل/كركوك، بفكرة دخول الجيش التركي إلى هناك. لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان منعاه من تنفيذ المشروع. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 استعادت العثمانية الجديدة دماءها بسعي قادة حزب العدالة والتنمية لضم شمال العراق، بذريعة أن الفيدرالية الكردية تخالف اتفاق أنقرة 1926. وذهبت كلمة أردوغان من «أن الموصل كانت لنا» مثلاً، للتدليل على هذه الأطماع. كما أن الجيش التركي موجود في أكثر من عشرين مركزاً عسكرياً في شمال العراق وبشكل ينتهك السيادة العراقية التي يفرط بها حكام بغداد، ولا يجرؤون على حمايتها من نفوذ العثمانيين الجدد.
في الحالة السورية: كان اتفاق أضنة يضمن أمن تركيا مئة في المئة بين عامي 1998 و2011، ولم يكن أي مقاتل كردي من حزب العمال الكردستاني يستطيع التحرك من سوريا للقيام بعمليات في تركيا. لكن مع ما يسمى ب «الربيع العربي»، كانت أوهام «الربيع العثماني» تتحرك من جديد في رؤوس قادة حزب العدالة والتنمية جميعاً. المصالح كانت واضحة بالتدخل العسكري في سوريا. تريد أنقرة ضم الشمال السوري الذي كان ضمن حدود ميثاق 1920. وتريد تغيير البنية الديموغرافية حتى لا يبقى كردي واحد هناك. وعبر الاحتلال تتم المساومات في النهاية على تطلعات تركيا النفطية والاقتصادية والتاريخية، لتحقق تركيا في الشمال السوري ما فشلت فيه في كل سوريا. بل إن أردوغان هدد علناً الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي من أنه إذا لم يوقف خروقاته لوقف النار في إدلب، فسيتحرك الجيش التركي لوضع حد لها.
في الحالة الليبية: رغم آلاف الكيلومترات، فإن تركيا ترى في ليبيا المنقذ لسياساتها الفاشلة في المنطقة. حكومة في طرابلس تأتمر بإيديولوجيا الإخوان المسلمين، مستعدة لاستقدام الاحتلال التركي إلى ليبيا، ووقعت اتفاقاً مع أنقرة التي بدأت بإرسال قوات إلى ليبيا بعدما سبقت ذلك بإرسال آلاف المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا. وقد وجدت تركيا الفرصة مناسبة لوضع قدم لها هناك. من جهة للاستفادة من الثروات الليبية بحراً وبراً، ومن جهة ثانية تهديد الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
وفي الحالتين السورية والليبية يهدد المحتل أصحاب الأرض، لكن مع الأطماع التركية في الثروات الليبية، وتحويل ليبيا إلى منصة تهديد لمصر وتونس والجزائر وكل شمال إفريقيا، لا ينسى أردوغان في كلمة له الثلاثاء الماضي القول «إن البعض يرى ليبيا بعيدة عن تركيا لكنها بالنسبة لنا ليست كذلك. لقد كانت ليبيا جزءاً من الدولة العثمانية. ولا يمكن أن ندير ظهرنا لمطلب مساعدة إخوتنا هناك. إن الانقلابي حفتر يريد أن يقضي على بقية الدولة العثمانية هناك، قبيلة «كور أوغلو»، ووظيفتنا أن نحمي أحفاد أجدادنا هناك». وكان هو نفسه قال بعد عودته من زيارة تونس إن ليبيا «أمانة عثمانية».
ثلاثة نماذج تتعامل معها تركيا انطلاقاً من أطماع تجمع بين الراهن والتاريخي/الإيديولوجي. وعلى هذا المنوال، تتواصل الحركة التركية لتشمل لاحقاً كل زاوية من أراضي الوطن العربي كانت تحت الاستعمار العثماني. فهل ثمة شك بعد في ما يضمره حزب العدالة والتنمية من العام 2002 وحتى اليوم من تطلعات وأطماع عثمانية تجاه منطقتنا العربية؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية