أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟

19556
عدد القراءات

2019-10-15

إثر انهيار الدولة العثمانية، في أعقاب هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، تعالت دعوات الشعوب والقوميات، في عموم المناطق التي كانت تابعة لها، للاستقلال ونيل حقّ تقرير المصير، وكان من بينها الأكراد، في مناطق شرق الأناضول وشمال جبال زاغروس، الذين حرصوا على إيفاد ممثل لهم في مؤتمر الصلح بفرساي، عام 1919، وكان لهم نيل خطة لإقامة دولة كرديّة مقترحة، لكنّ الأحداث تسارعت وتبدّد الحلم وخاض الأكراد في كلّ قُطر صراعاً طويلاً مع الحكم المركزي، لكن مصير الأكراد في العراق كان الأفضل؛ باعتبارهم الأكثر قرباً من تحقيق حلم الاستقلال، فكيف كان ذلك؟
ثورات متتالية ومملكة غير معترَف بها
في العراق، الواقع بحسب اتفاقية سايكس بيكو ضمن مناطق الإدارة البريطانية، في أيار (مايو) من عام 1919، بادر القائد الكردي، محمود الحفيد البرزنجي، إلى إعلان استقلال الأجزاء الكرديّة من ولاية الموصل تحت قيادته، واتخذ السليمانية عاصمة له، لكنّ بريطانيا رفضت مبادرة البرزنجي، وأرسلت قوّاتها مباشرة للقضاء على حكمه.

رفضت الحكومة العراقية في عهد عبد الكريم قاسم مطالب كردية بالحكم الذاتي باعتبارها تمثّل تهديداً لوحدة العراق

وبعد تأسيس المملكة العراقية، وتنصيب الملك فيصل الأول ملكاً عليها، عام 1920، بدأت تُطرح مسألة حسم مصير ولاية الموصل، في ظلّ مطالبات وتطلعّات تركية لها، إضافة إلى استمرار المناخ الذي كانت توفّره معاهدة سيفر، بالحديث عن خطة لإقامة دولة كردية في المنطقة، كلّ ذلك دفع البرزنجي إلى محاولة استغلال الأوضاع، والقيام بثورة كرديّة جديدة، في تشرين الأول (أكتوبر) 1921، سرعان ما جاء التصدي البريطاني لها.
لم ييأس البرزنجي وعاد للمبادرة في العام التالي، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1922؛ أعلن البرزنجي نفسه ملكاً في السليمانية، والمناطق المحيطة بها، معلناً بذلك تأسيس مملكة كردستان المستقلة، واستمرت المملكة غير المعترف بها دولياً قرابة السنتين، وفي تموز (يوليو) 1924 قامت القوّات البريطانية بالقضاء عليها.

محمود الحفيد البرزنجي.. أعلن قيام مملكة كرديّة تحت قيادته

وفي عام 1925؛ قضى مجلس عصبة الأمم بضمّ ولاية الموصل للمملكة العراقية بشكل نهائيّ، منهياً أطماع الدولة التركيّة بها، وليتم التأكيد بذلك على اعتبار الأكراد المتواجدين فيها جزءاً من المملكة العراقية.
وبعد توقيع رئيس الوزراء العراقي، نوري السعيد، المعاهدة العراقية الإنجليزية، في آب (أغسطس) 1930، وتزايد الشعور بالتوجه نحو استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، تصاعدت الاحتجاجات الكردية، وقام محمود الحفيد من جديد بتحشيد قوّات كرديّة والاستقلال بالسليمانية ومحيطها من جديد، وأرسل مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يخطره فيها باتخاذه قرار إنشاء دولة كرديّة مستقلة، وتمكّنت القوات العراقيّة من جديد، مدعومةً من الإنجليز، من إلحاق الهزيمة به.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
وفي العام ذاته؛ قام القيادي الكردي الآخر، أحمد البرزاني، زعيم عائلة البرزاني الحاكمة في دهوك منذ العهد العثماني، بتوحيد العشائر الكرديّة والإعلان عن الثورة على الحكم العراقي، فتصدّى الجيش العراقي له.
وفي العام التالي؛ 1932، أعلن عن استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، ليتم بذلك القضاء تماماً على إمكانيّة الاعتراف بأيّ دولة كرديّة مستقلّة ضمن حدود المناطق الكرديّة في العراق.

مملكة الكردستان (باللون الأصفر).. استمرت قرابة العامين

عام 1943؛ حاول مصطفى البارزاني، الشقيق الأصغر لأحمد البارزاني، القيام بثورة كرديّة مستغلاً تراجع قبضة القوات البريطانيّة مع انشغالها في معارك الحرب العالمية الثانية، لكنّ الثورة هذه فشلت أيضاً، ونُفي مصطفى البارزاني إلى إيران؛ حيث انخرط مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وشارك في الإعلان عن استقلال جمهورية مهاباد، عام 1946، قبل أن يتم القضاء عليها، عام 1947، ليلجأ بعد ذلك إلى الاتحاد السوفييتي.
عودة.. وبداية حوار متعثر
عام 1958؛ قامت ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبد الكريم قاسم على حكم الأسرة الهاشمية في العراق، وجاء الإعلان عن قيام الجمهورية العراقية، وبادر قاسم بالإعراب عن حسن نواياه تجاه قضية الأكراد، ووجه الدعوة إلى البارزاني للعودة إلى العراق، وهو ما كان، وإثر ذلك؛ بدأت المناقشات بين الطرفين حول إعطاء الأكراد بعضاً من الحقوق القومية.

وقّعت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر عام 1975 التي تضمّنت توقف إيران عن تقديم أيّ دعم للأكراد

وكان الأكراد يرفعون مطالب إعلان الحكم الذاتي، وأن تصرف معظم عائدات النفط المستخرجة في مناطق الموصل وكركوك في مخصصات المحافظات الكردية، وأن يكون عناصر الشرطة والجيش في المحافظات الكردية من الأكراد بالكامل، إضافة إلى تشكيل حكومة محليّة تتولى مهام الإشراف على التعليم والصحة وكافّة الشؤون البلديّة في تلك المحافظات. وقد رفضت الحكومة العراقية هذه المطالب باعتبارها تمثل تهديداً لوحدة العراق، وبذلك جرى الانتقال سريعاً من مرحلة الحوار إلى شكل ومرحلة جديدة من الصراع العراقي - الكردستاني، مع إرسال قوات عراقية للقيام بحملة عسكريّة ضدّ معاقل القوات المناصرة للبارزاني، وفي أيلول (سبتمبر)؛ اندلعت الثورة الكرديّة التي عرفت بـ "ثورة أيلول"، عام 1961.

الملا مصطفى البارزاني بين المقاتلين الأكراد

ثورة مستمرة
مع انتقال البارزاني إلى العراق؛ انتقل معه الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي بدأ النشاط بين الأكراد في العراق واستلم دور القيادة بدءاً من ثورة العام 1961.
ومع وصول عبد السلام عارف إلى الحكم، عام 1963، إثر الانقلاب على قاسم، ومن ثم قيام حركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) التصحيحية في العام ذاته، وصل إلى الحكم تيار جديد آمن بضرورة وقف الصراع مع الأكراد، فاتجه رئيس الوزراء العراقي آنذاك، طاهر يحيى، إلى إيقاف العمليات العسكرية، وتم التوصل إلى اتفاق العاشر من شباط (فبراير) عام 1964، والذي قضى بإعادة إدارات الحكم المحلي لمناطق الأكراد، ومنحهم الحقوق الثقافية، وإقرار مشاريع اعادة التعمير بالمناطق الكرديّة، لكنّ تعنّت وزير الدفاع، عبد العزيز العقيلي، أدّى إلى تجدد الاشتباكات عام 1965.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
وفي نيسان (أبريل) 1966؛ توفّي الرئيس عبد السلام عارف، وتولّى الرئاسة شقيقه عبد الرحمن عارف، الذي أعاد المفاوضات من جديد، وفي حزيران (يونيو) 1966؛ أذاع رئيس الوزراء العراقي، عبد الرحمن البزاز، برنامجاً حول القضية الكردية، تضمّن اعتراف الحكومة العراقية بالقوميّة الكردية، وترجمة ذلك عبر تفعيل نوع من اللامركزية في الحكم؛ حيث يكون للمحافظات الكردية مقدار أكبر من الحكم الذاتي، وإقرار تمثيل الأكراد في البرلمان بممثلين، بحسب نسبتهم المئوية من السكان، وكذلك تمثيلهم بالتناسب في إدارة الدولة والسلك الدبلوماسي والجيش، مع السماح بالنشاط السياسي والصحافة السياسة الكرديّة.
اتفاقيّة للحكم الذاتي
وفي تموز (يوليو) عام 1968؛ حدث انقلاب حزب البعث، بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين، وبسبب عدم جديّة الحكم الجديد بتنفيذ التعهدات تجاه الأكراد، تجددت الاشتباكات في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، وفي أيار (مايو) 1969؛ أبدت الحكومة العراقية رغبتها من جديد بإيجاد حلّ عادل للقضية الكرديّة، فأصدرت عفواً شاملاً عن جميع الأكراد المشاركين في أعمال القتال، وقامت بإصدار قانون المحافظات الذي تضمّن إقرار لا مركزيّة الإدارة المحليّة، كما تمّ إنشاء جامعة السيلمانيّة، وفتح مجمّع علميّ كرديّ، وإنشاء مديريّة الثقافة الكرديّة، وجُعِل عيد النيروز عيداً وطنياً في البلاد.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
وفي آذار (مارس) 1970، صدر عن الحكومة العراقيّة بيان لوقف إطلاق النار وتضمّن الإعلان عن اتفاقيّة الحكم الذاتي للأكراد، على أن يتم تنفيذها خلال مدّة أربعة أعوام، وفي آذار (مارس) عام 1974؛ أعلن الرئيس البكر قانون الحكم الذاتي، إلّا أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني رأى أنّ هناك ثغرات عديدة فيه، كما رفض دعوة الحكم له للانضمام إلى تكتّل أحزاب الجبهة الوطنية، ولم تمضِ فترة قصيرة حتى عاد القتال من جديد بين الطرفين.
اتفاقيّة الجزائر.. نهاية الثورة
وفي السادس من آذار (مارس) 1975، وخلال انعقاد مؤتمر دول أوبك في الجزائر، وقعّت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر، والتي نصّت على تسوية المشاكل الحدودية بين البلدين، وذلك مقابل تراجع إيران عن تقديم أيّ شكل من أشكال الدعم للمقاتلين الأكراد، وبذلك تمكنت الحكومة العراقية، للمرة الأولى، من إنهاء الصراع المندلع منذ عام 1961 بشكّل تامّ. والتجأ البارزاني إلى إيران قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة، ويتوفّى هناك عام 1979.

الرئيس الجزائري هواري بومدين مجتمعاً مع صدام حسين والشاه محمد رضا بهلوي قبل التوقيع على الاتفاقية

الانشقاق.. وحزب جديد في القيادة
وقبل توقيع اتفاقيّة الجزائر، كانت الخلافات داخل صفوف الحزب الديمقراطي والحركة الثورية الكرديّة قد بدأت بالتصاعد، وبدأ الانقسام يظهر بين مصطفى البارزاني من جهة، وجلال طالباني، عضو اللجنة المركزية للحزب، من جهة أخرى. وبعد توقيع اتفاقية الجزائر ونهاية الثورة الكرديّة، انفصل طالباني عن الحزب، وفي حزيران (يونيو) 1975 شكّل في دمشق مع مجموعة من رفاقه حزباً جديداً كان عبارة عن اتحاد لخمسة قوى كرديّة، بقيادة حركة كردستان الاشتراكية، ومنظمة "كومه له" الشيوعية، وحمل الحزب الجديد اسم "الاتحاد الوطني الكردستاني".

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
وبعد تأسيسه، بدأ الحزب بشن حملة عسكريّة جديدة ضدّ الحكومة العراقية، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بداية الثمانينيات عرض الرئيس صدام حسين خيار التفاوض على الحزب، لكن المفاوضات فشلت وتجدد الصراع، واستمر إلى أن أطلقت الحكومة العراقية الحملة العسكرية المعروفة بـ "الأنفال"، بداية من شباط (فبراير) عام 1988، واستمرت حتى أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، وتمّ فيها استخدام الأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً، وتتراوح تقديرات أعداد الضحايا فيها من خمسين إلى مئة ألف، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في حين تصل تقديرات بعض الجهات الكردية بالرقم إلى (182,000)، وإثر الحملة؛ اضطر طالباني إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى إيران.

أسّس جلال طالباني (يسار) حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 وأصبح في قيادة الثوّار الأكراد

قرار دولي يفضي إلى مرحلة جديدة
بعد اندلاع حرب الخليج الثانية، عام 1990، إثر دخول القوات العراقية إلى الكويت، وفي شباط (فبراير) من عام 1991 بدأ الأكراد في المدن الكرديّة بالانتفاض، وخلال أيام تمكّنت قوات البيشمركة الكرديّة من السيطرة على مدن كردستان الكبرى الثلاث (السليمانية، وأربيل، ودهوك).

عام 2005 صدر الدستور العراقي الجديد وحُدِّد إقليم كردستان ككيان فدرالي ضمن الدولة العراقية

وتفادياً لأيّة ردة فعل محتملة من قبل الحكومة العراقية، بادر مجلس الأمن الدوليّ، في نيسان (أبريل) 1991، باتخاذ القرار (688) القاضي بتشكيل منطقة حظر طيران فوق المحافظات الكرديّة، وهو القرار الذي نشأ عنه كيان إقليم كردستان في شمال العراق، وجرى تشكيل برلمان كردستاني، باسم المجلس الوطني الكردستاني، ليكون بذلك أول مجلس برلماني منتخب في العراق، وفي العام التالي، 1992، تشكّلت حكومة إقليم كردستان، وفي منتصف التسعينيات، برز الصراع داخل الساحة السياسية الكردية، بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني.
ما بعد 2003
ومع وقوع الحرب على العراق، عام 2003، انضمت القوى الكرديّة للقوّات المحاربة لحكومة بغداد، وشاركت قوّات البيشمركة الكرديّة في العمليات العسكريّة. وعام 2005؛ صدر الدستور العراقي الجديد وحدّد إقليم كردستان ككيان فدرالي (اتحادي) ضمن الدولة العراقية.
وفي عام 2005 أيضاً؛ انتخب مسعود البارزاني رئيساً لإقليم كردستان العراق، وأُعيد انتخابه من جديد عام 2009، في حين أصبح جلال طالباني رئيساً لجمهوريّة العراق، واستمر في منصبه حتى عام 2014.

انتخب مسعود بارزاني كأول رئيس لإقليم كردستان العراق بعد حرب 2003

استفتاء الانفصال
ومنذ عام 2003 كانت هناك أصوات كرديّة تتعالى للمطالبة باستقلال كردستان العراق، وأن تصبح دولة مستقلة، وهو المطلب الذي واجه معارضة شديدة من قبل الحكومة المركزيّة وحكومات الدول المجاورة.
وفي الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2017؛ أُجري في كردستان استفتاء على الانفصال، وحصل على أغلبية تأييد بنسبة 92%، في حين رفضته الحكومة المركزية، واعتبرته غير شرعي، ومباشرةً توالت ردود الفعل الدولية المجمعة على استنكار ورفض المشروع باعتباره إجراء أحادي الجانب لا يحظى بالشرعيّة لمخالفته الدستور العراقي، ما أدى إلى تعثّر المشروع ونهايته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف تتجلى صورة الدولة في عقل تنظيم داعش؟

2019-11-12

لم يعد لتنظيم داعش أرض يحكم السيطرة عليها، وبذلك، بدا أنّ التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حقّق غرضه، بسحب الأرض من تحت أقدام التنظيم، ليفقد دولته التي أعلن عن وجودها منذ العام 2007.
إلا أنّ التنظيم، وإن عاد للعمل السري المرتكز على الخلايا العنقودية في أدائه، فإنّه يظلّ رافعاً راية تلك الدولة رمزياً، حتى إن محقت فعلياً تحت قصف القنابل.

اقرأ أيضاً: "قوارير داعش" ... المغرب يفتح ذراعيه لضحايا البغدادي
ومع أنّ فقدان الأرض يفقد الدولة أحد أركانها، حتى في السياسة الشرعية، إلا أنّ التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص، بما يلائم واقعها، والتقلبات الطارئة على أحوالها.
فإذا قدرت بأنّه حان لحظة "التمكين" لقيام دولة إسلامية، تتوافر فيها عناصر الدولة المعروفة، المكوّنة من أرض وشعب وحكومة، فإنّها تفعل ذلك بعد توافر تلك العناصر، إلا أنّها إذا فقدت إحداها، فإنّها ستبحث في الروايات والآثار فيما يكفل لها البقاء من الناحية الشرعية، حتى لو كان العنصر المفقود هو الأرض ذاتها.
 التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص

السرّي والمكشوف
بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة، عام 1996، بحجّة عدم القدرة، خرج تنظيم القاعدة بإستراتيجية جديدة، تقضي باستهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارهما رأسَي الأفعى، والبقاء كتنظيم لا مركزي، يرتكز على خلايا عنقودية سرّية ونشطة، تسرح في الجسد العالمي، ويصعب صيدها والقضاء عليها.

التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص بما يلائم واقعها والتقلبات الطارئة على أحوالها

لكنّ الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، وقيام جماعة التوحيد والجهاد، بزعامة أبي مصعب الزرقاوي، قد اضطر القاعدة للتغيير من إستراتيجيتها القاضية بقتال العدو البعيد، تحت إغراء التنظيم الوليد، الذي فوجئ به أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، قياديَّا القاعدة، فاضطرا لقبول بيعة "الزرقاوي" على الاختلاف البيّن بينهما في الإستراتيجية، وأولوية قتال الأعداء.
وبعد مقتل الزرقاوي، اتجه خليفته، أبو حمزة المهاجر، إلى تأسيس دولة إسلامية، على المثلث السنّي في العراق، بعدما اقتربت القوات الأمريكية من الانسحاب، بدعوى عدم السماح للفصائل السنّية الأخرى بقطف ثمرة القتال ضدّ القوات الأمريكية الغازية، والسيطرة على الزمام السنّي، بعد الاستحواذ على حصتهم في المشاركة السياسية.
الإمساك بالأرض
لم يكن هناك بدّ للتنظيم من الإمساك بالأرض، والظهور العلني للكثير من العناصر، بعد انعقاد حلف "المطيبين"، الذي جمع القاعدة مع فصائل سلفية أخرى، وتنصيب أبي عمر البغدادي أميراً للمؤمنين.
وفضلاً عن خروج التنظيم عملياً، من الدائرة الإستراتيجية للقاعدة؛ فإنّ كثيراً من المشتغلين في الحقل الجهادي، انتقد التحول إلى سياسة الاستحواذ على أراض، وظهور التنظيم إلى العلن.
في مقاله المعنون "الحقائق المخفاة حول دولة البغدادي" كتب أبو أحمد، الذي يعرّف نفسه بأنّه من مجاهدي خراسان والعراق والشام: "بعد استلام أبي حمزة المهاجر عمل بغير منهج الشيخ الزرقاوي من الناحية السرية والتشكيلات والمجاميع، وبدأ بالتعامل على أساس القوة والتمكين..".

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
لكنّ المهاجر وقف مدافعاً عن تلك السياسة، باعتبارها ضرورة، معتقداً أنّه قد حان وقت إقامة الدولة، غير مبالٍ بالواقع والحسابات السياسية والمنطقة، وبالاستناد إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تعد بالنصر وخلافة الأرض للمؤمنين!
فعندما سئل المهاجر، في حوار صوتي أجرته معه مؤسسة "الفرقان" الإعلامية، التابعة للتنظيم: "أسلوب مسك الأرض أسلوب عسكري فاشل، فما ردّكم؟"، أجاب: "هذا كلام العاجز قليل الحيلة ضعيف الهمة، عديم الخبرة بعيد عن الساحة، وإلا فليعلم الجميع الأثر العظيم الطيب لأحداث الفلوجة الأولى، وما أعقبها من مسك الأرض، وكيف أنّ معظم الجماعات الجهادية أعلنت عن نفسها بعد هذه الأحداث مستفيدة من الأمن الذي حققه بدمائهم حينهاً رجال التوحيد والجهاد مع بعض المخلصين...".
أبو مصعب الزرقاوي

مآلات متشابهة
لكنّ مآلات التنظيم، في ظلّ هيمنة "البغدادي" الأول و"المهاجر" كانت ردّاً واضحاً على نتاج سياستهما، فقُتل الآلاف من العناصر، وسُجن مثلهم، وقُتل الرجلان في عملية عراقية أمريكية مشتركة، عام 2010.
ومع أنّ الأرض كانت قد سحبت من تحت أقدامهما قبل مقتلهما، إلا أنّ ذلك لم يكن مبرراً لهما لإسقاط الدولة، باعتبار أنّها فقدت عنصراً رئيساً من تعريفها ووجودها حتى الشرعي.
بل ذهب "المهاجر" لشرعنة وجود الدولة الفاقدة للأرض والأمن والمال، فتحدّث عن مفهوم الدولة الإسلامية، في تسجيل صوتي له، فرغه كتابياً الجناح الإعلامي في التنظيم تحت عنوان "الدولة النبوية"، زاعماً أنّها لم تكن تحكم سيطرتها على الأرض، ومع ذلك ظلّت دولة.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟
يقول المهاجر: "انطبع عند كثير منا أنّ مفهوم الدولة الإسلامية هو مفهوم الدولة "الطاغوتية" نفسه، التي رسمها (سايكس- بيكو): وبعضنا يفهم خطأ أنّ مفهوم الدولة التي ينبغي قيامها، وإعلانها هي دولة "الرشيد" يخاطب فيها السحابة في السماء، ويغرف الذهب كالماء، ويرسل الجيوش التي أولها عند عدوّه، وآخرها في بغداد، فهيّا بنا نتجه إلى المدينة النبوية لنرقب ولو شيئاً يسيراً من حركة بناء الدولة النبوية..".
لم تكن آمنة مطمئنة
لا يعجز الرجل في اجترار روايات تظهر أنّ دولة النبي ﷺ، لم تكن بالقوة ولا التمكين المتصوّرَين، ويحاول إسقاط الروايات التي تشي بضعفها في البداية على حال تنظيمه، الذي تعرّض للشتات وخسارة الأرض، بعد تحالف الصحوات الذي نجح إلى حدٍّ كبير في تحطيم إمارته.

بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة عام 1996 خرجت "القاعدة" بإستراتيجية تقضي باستهداف أمريكا وإسرائيل

يبدأ المهاجر سلسلة من التساؤلات الطويلة التي سيجيب عنها فيما بعد، فيقول: "هل كانت المدينة فحسب ملاذاً آمناً يأوي إليها المستضعفون من المؤمنين، أم إنّها عهد جديد من التضحية بالنفس والمال، وفصل آخر من فصول الفقر، والخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس والثمرات؟".
يكمل تساؤلاته: "نريد أن نعرف؛ هل قامت الدولة النبوية، أول ما قامت، قوية راسخة متينة لا تهزها الريح ولا تأخذ فيها الفتن، أم إنّ القلوب بلغت الحناجر وظنّ الناس بربّهم الظنون؟
ويستطرد: "هل صحّت مزارع القوم ونشطت تجارتهم وزاد عدد رجالهم، أم حصد القتل في سبيل الله شبابهم وشيوخهم وتعطلت تجارتهم وبارت مزارعهم؟".
هل كانت تلك الدار عذبة الماء طيبة الهواء، أم إنّها أرض كثيرة الوباء آجلة الماء؟
هل كانت الجيوش النبوية وافرة العدد والعدة، أم كما وصف الله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في قلة العدد ورثاثة العدة وضيق المعاش؟".

توظيف براغماتي
ينفي المهاجر هذه الصفات عن الدولة النبوية، ويسوق عشرات الروايات التي تؤكّد زعمه، ويؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ كانت فاقدة للأمن والاستقرار، كلّ هذا من أجل تثبيت وصف الدولة على إمارته التي لم تعد تسيطر على أرض يعيش فوقها شعب.
يقول: "روى الإمام أحمد والشيخان وابن إسحاق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلاً، يعني ماء آجناً، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقماً، وصرف الله ذلك عن نبيه".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وعن عائشة، رضي الله عنها، كما في الصحيح؛ أنّ بلال لما وعك كان يقول: "اللهم العن شيبة ابن ربيعة، وعتبة ابن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء".
وعن فقدان الأمن في المدينة يقول المهاجر: "كانت حياة الصحابة الكرام في الدولة النبوية حياة خوف ووجل وترقّب، وحذر دائم، خاصة في مرحلة تأسيسها الأولى وأيام المحن؛ ففي الصحيح، عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، قال: ولقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتاً، قال فتلقاهم النبي ﷺ على فرس لأبي طلحة عري، وهو متقلد سيفه فقال: "لم تراعو لم تراعوا"، ثم قال رسول الله ﷺ: "وجدت بحراً يعني الفرس، فدلّ استنفار الناس لأجل الصوت أنّهم كانوا يفزعون ويستنفرون لأدنى خطر، ولو كان احتمالياً، كصوت صخرة وقعت من قمة جبل، وهو ما يشابه اليوم أصوات الانفجارات التي يحدثها العدو، أبعده الله".
فقدان الأمن
ولم يستطع المهاجر، في التنظير لمسألة الدولة بدون أرض، أن يثبت أنّ دولة النبي ﷺ فقدت يوماً سيطرتها على أرض يثرب، أو أنّ أعداءه استطاعوا أن يجتاحوها يوماً، بل نجح في صدّ التحالف العشائري ضدّه في غزوة الأحزاب، وظلّت المدينة ذات سيادة حتى لو تعرضت لمشكلات أمنية في حالة الحرب.
يسترسل المهاجر في سرد الروايات التي تؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ لم تكن آمنة، رغم شذوذ رأيه إذا وضع في سياقات روايات السيرة المعتبرة، فيقول: "كان النبي ﷺ أول قدومه المدينة يرهق نفسه في حراسة نفسه حذراً من الأعداء، وآخذاً بالأسباب، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
يكمل: "ففي الصحيح: عن عائشة، رضي الله عنها، كان النبي ﷺ سَهِراً، فلمّا قدم المدينة قال: "ليت رجلاً من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة"، إذ سمعنا صوت سلاح فقال: "من هذا؟" فقال: "أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك"، ونام النبي ﷺ، وفي رواية حتى سمعنا غطيطه.
دولة فقيرة!
أما عن الحالة الاقتصادية التي تعيشها الدولة النبوية الناشئة، فيقول المهاجر: كانت حالة فقر قاتل، لم يستثنِ أحداً، صغيراً كان أو كبيراً، ففي الصحيح عن أيوب عن محمد، قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فقال: "بخ بخ"، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني، وإنا لآخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع".
يتابع المهاجر: فهؤلاء أضياف كرام في مسجد رسول الله؛ حيث يرى جميع الصحابة يخرون صرعى من الجوع، وقسوته، لا يملك لهم أحد شيئاً.
روى ابن داوود عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ أنّه دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع.
ويضيف: سكن النبي في بقعة من أرض الجزيرة كان يحوطها الكفار واليهود والمنافقون، ووصل جيشه إلى 700 فرد وتعرّض للهزيمة في أحد، وللحصار في الخندق، ومع ذلك فهي كانت دولة.

للمشاركة:

كيف حضرتْ إيران واليمن والاحتجاجات العربية في ملتقى أبوظبي الإستراتيجي؟

2019-11-12

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، إنّ ثمة إمكانية لوجود مسار سياسي للتعامل مع إيران، قد يكون بمقدور جميع أطراف الصراع الاستعداد لإطلاقه قريباً، من دون أن يعني ذلك القبول بالطبيعة العدوانية للسياسة الخارجية الإيرانية. ولفت قرقاش إلى أنّ النزاعات والتحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة وصلت إلى مرحلة حاسمة، الأمر الذي يستوجب ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، وعدم التصعيد في ما يتعلق بإيران.
جاء كلام الوزير الإماراتي خلال ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس، الذي نظمه مركز الإمارات للسياسات، واختتم أعماله أمس في أبوظبي.

قرقاش: لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات

وحذر قرقاش من أنّه لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب من جهة أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات من جهة أخرى؛ في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الكبرى في تموز (يوليو) 2015. ووصف المسؤول الإماراتي هذا الخيار بـ"الخاطئ"، مؤكداً رفضه لثنائية الصراع والاستسلام. وأضاف أنّ "سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة، لكننا لا نسعى إلى المواجهة، والمزيد من التصعيد في هذا الوقت لا يخدم أحداً، ونعتقد بقوة أنّ ثمة متسعاً لنجاح الدبلوماسية الجماعية".

اقرأ أيضاً: الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن
وأشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في كلمته أمام ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس إلى أن هذا النجاح يرتبط بجملة من الشروط والمحددات من أبرزها ما يلي:
1. يتوجب، استناداً إلى هذه العملية، التعاطي مع القضايا الأمنية الرئيسية التي تشكّل مصدر قلق للدول الأخرى في المنطقة، مثل التدخل الإيراني المباشر، ومن خلال الوكلاء، في الدول الأخرى في المنطقة، إضافة إلى برامجها النووية والصاروخية.

سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة
2. أن تكون دول الخليج العربية حاضرة على طاولة أي محادثات حول تلك القضايا المذكورة.
3. وجود توافق في صفوف المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلى جانب دول الخليج العربية.

اقرأ أيضاً: الإمارات تقدّم المساعدات في مدينتَي المخا وشبوة اليمنيتَين
4. إنهاء الهجمات الفظيعة التي تعرضت لها منشآت أرامكو السعودية، وأي هجمات على شاكلتها، بوصفها غير مقبولة وتقوّض أي عملية سياسية أو دبلوماسية محتملة. وإذا أثبتت إيران التزامها الجدي تجاه هذه العملية، فإنّ مساراً سياسياً قد يتكلل بالنجاح. واستدرك الوزير بأنّ هذا المسار سيكون طويلاً ويتطلب الصبر والشجاعة.
وقال قرقاش إن مثل الاتفاق، إن تمّ، سيعمل على تنشيط الاقتصاد الإيراني، وتشكيل خريطة طريق لنظام إقليمي جديد أكثر استقراراً يمكن لجميع الدول أن تحقق الازدهار من خلاله.

الخيار في اليمن
وفي إطار ربط الوزير الإماراتي هذه المسألة بالواقع القائم في اليمن، أوضح بأنّ الخيار في هذا البلد ليس بين صراع دائم أو التخلي عن الشعب اليمني لصالح ميليشيا الحوثيين، أو لمصلحة تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وقال قرقاش إنّ الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي، من أهم خصائصه البراغماتية والسلمية والاستدامة. وتابع قرقاش بأنّ أي اتفاق على الحل في اليمن يتعين عليه أن يأخذ بالاعتبار ما يلي:
1.  الطموحات المشروعة لجميع أطراف المجتمع اليمني، وهذا يشمل الحوثيين؛ فبالرغم من أن ميليشيا الحوثيين ألحقت دماراً واسعاً في اليمن؛ فإنهم جزء من المجتمع اليمني ولهم دور في مستقبله، على حدّ قوله.

قرقاش: الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي

2. يتوجب أن يسعى أي حل سياسي مستدام في اليمن للسماح كذلك بتقديم ضمانات أمنية مناسبة للدول المجاورة، وهذا يشتمل على احتواء التهديدات الإرهابية، وضمان الأمن البحري، ومنع أي هجمات ضد الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي اليمنية.
3. يمكن للمجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن الدولي، أن يقوم بدور فاعل في إخراج هذا الاتفاق إلى النور.
وقال قرقاش إنّ الأزمة اليمنية تشكّل فرصة لجميع الأطراف للبدء في بناء نظام إقليمي جديد، يكون احترام السيادة الوطنية جزءاً أساسياً في صميم هذا النظام، ما يعني إنهاء التدخلات أو التهديد بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
وذكر المسؤول الإماراتي أنّ بلاده ستواصل العمل في هذا الاتجاه، مؤكداً أنّ أولويات بلاده في "التحالف العربي" في أعقاب إعادة انتشار قواتها من عدن هي الاستمرار في مواجهة التهديدات الإرهابية، وحماية الأمن البحري، ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
تطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق

نقاشات نوعية
وكان ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس شهد نقاشاً ثرياً حول توزّع القوة في النظامين الدولي والإقليمي، فاتحاً الجدل العلمي والمنهجي حول عناوين جديدة في المنطقة العربية؛ مثل؛ محور القوة الجيو-مالية، وخريطة العالم الجيو-تقنية، وعسكرة التكنولوجيا، والتنافس حول اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: القوات اليمنية: بهذه الجريمة نسف الحوثيون جهود السلام
وتطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق. وأكّد رئيس الوزراء الليبي السابق، محمود جبريل، أنّ الخلل الهيكلي العميق في الدولة العربية يُعدّ سبباً أساسياً في اندلاع الهبّات الشعبية في العالم العربي. من جانبه، قال الإعلامي العراقي، مشرق عباس، إنّ الاحتجاجات الجارية في العراق تعكس رغبة شعبية قوية بضرورة التغيير، والردّ على محاولة السلطات العراقية تفتيت الهوية الوطنية العراقية الجامعة.
ولفت عباس إلى أنّ الداعين إلى وجود قيادة موحدة لهذه الاحتجاجات يغفلون عن أنّه من المهم في هذه المرحلة استمرار هذه الاحتجاجات بشكلها الحالي: السلمي والعابر للمناطقية والطائفية والقومية، فضلاً عن أنّ خروج قيادات في هذه المرحلة-التي تشهد استخدام القوة المفرطة بحق المحتجين- سيعني تصفيتهم، كما أنّ أهداف الاحتجاج لم تتحقق ليتم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات، والتي تتطلب وقتها وجود وجوه قيادية للتفاوض مع الحكومة، على حد قوله.

للمشاركة:

موت مؤجَّل: فلسطين المتخيلة في طموحات حماس بالسلطة

2019-11-12

منذ إعلانها برنامجها السياسي، عام 2017، كشف البرنامج الجديد لحركة حماس أنّه لا مانع في المستقبل من إقامة دولةٍ فلسطينية على حدود 1967، دون الاعتراف بدولة الاحتلال، أملاً من الحركة في أن يمنحها ذلك قبولاً دولياً أكثر، لكنّ الوثيقة، من زاويةٍ أخرى، تكشف جانباً من صراع الحركة على السلطة مع حركة فتح بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007.

اقرأ أيضاً: تدوير المناصب الحكومية في غزة.. حماس تعزز الانقسام
ورغم رفض حماس الدخول في منظمة التحرير قبل عقودٍ من تعديل برنامجها السياسي، ورفضها القاطع لاتفاقية السلام الفلسطينية الإسرائيلية (أوسلو)؛ فإنّها، ومن خلال خطواتٍ داخلية، وأخرى خارجية سياسية ودبلوماسية، بدأت تتجه إلى كونها حركةً تسعى نحو السلطة، أو ربما الاستقلال كسلطةٍ حاكمة على غزة التي تشكل جزءاً من فلسطين فقط، فما هي ملامح هذه الرغبة الحمساوية، إن وجدت؟ وما هي أهدافها؟

صناعة الشِّقاق
يمرّ اليوم ما يقارب 12 عاماً من الانقسام بين حركتَي فتح وحماس، وهو انقسامٌ لا بدّ من أنّه يسعد دولة الاحتلال، التي تعمل بمقولة نابليون بونابرت: "إذا أخطأ عدوّك فلا تقم بمقاطعته أبداً"، لكنّ هذا الانقسام ليس وليد لحظة عنفٍ واجتثاث، عام 2007، بل يعود في جذوره العميقة إلى موقف جماعة الإخوان المسلمين بعد هزيمة عام 1967، واحتلال ما تبقى من أرض فلسطين؛ حيث رأت الجماعة حينذاك أنّ هذه الهزيمة "انتقام إلهي ممّا حدث لجماعتهم وتعذيبهم في السجون، من قبل الرئيس الراحل، عبد الناصر، وعدّوا بُعد الدولة عن الإيمان وعدم تطبيق الشرع الإلهي السبب الأول للهزيمة"، وفق دراسة لمجدي نجم، نشرتها جامعة "بير زيت " عام 2007.

في ميثاقها التأسيسي أسّست حماس لنوع من الطائفية السياسية بالقول إنّ فلسطين إسلامية وليست علمانية كعلمانية منظمة التحرير

ويقود لوم الجماعة لعبد الناصر إلى لومها مشاركته الأساسية في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث نأت الجماعة عن المنظمة منذ نشأتها، عام 1964، وهو ما قاد مباشرةً إلى تفكيرها في تشكيل فصيلٍ مقاوم خاص بها، وقد تبلورت هذه الفكرة بالتحديد، بعد اجتياح بيروت، عام 1982، وذلك لأنّه "بعد هزيمة منظمة التحرير في لبنان، ورحيل قياداتها والعديد من عناصرها أبعد عن فلسطين، رأت الجماعة أنّ هذا الحدث، يشكل بداية نهاية منظمة التحرير رسمياً"، بحسب مقال للباحث الدكتور عقل صلاح، في موقع "رأي اليوم"، عام 2017؛ ما جعل الجماعة، التي تختلف أيديولوجياً كذلك مع بعض التوجهات اليسارية والسياسية داخل منظمة التحرير، إلى تدشين جناحها العسكري المقاوم في فلسطين، وهو حركة حماس.

 الانقسام خطأ تاريخي جعل حماس وفتح منكمشتَين وبعيدتَين عن فلسطين

حماس لم تقبل بأيّة مشاركة في الجبهة الفلسطينية الموحدة للفصائل الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، وبدا نفورها من فتح يتضح بحلول انتفاضة عام 1987 في فلسطين؛ حيث كانت الحركة تقوم ببعض النشاطات، كتنظيم الإضرابات والمظاهرات بصورة مستقلة في الضفة وغزة، معلنة وجودها في فلسطين.

اقرأ أيضاً: الانقسام الفلسطيني.. 12 عاماً على التبعات المنسية
بعد ذلك، يقول صلاح: "قامت الحركة بإصدار ميثاقها، في آب (أغسطس) 1988، الذي يستمد مبادئه من فكر الإخوان المسلمين، إلا أنّه كان على غرار الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير ولكن برؤية دينية، ومن هنا نجد أنّ نجم حماس بدأ بالصعود بقوة، على أنّها حركة خارج أطر منظمة التحرير وعملية السلام، ولاحقاً أوسلو بالتحديد".

انتمت رؤى حماس التأسيسية إلى جماعة الإخوان المسلمين أكثر من انتمائها إلى محيطها وبيئتها الفلسطينية وهذا أفقدها الكثير

ولعلّ أهم ما ميّز ميثاق حماس، عام 1988، هو أنّها أسّست من خلاله لشقاقٍ عميق في بنية الفصائل الفلسطينية، وحولت مسار الصراع مع الاحتلال إلى مسار صراعٍ داخلي، يمكن عدّه طائفياً وإضعافاً للمقاومة؛ إذ تؤكّد، في المادة السابعة والعشرين منه (منشور في الموقع الرسمي للحركة)؛ أنّ منظمة التحرير الفلسطينية شقيقة لحماس "لكن حماس لن تستبدل أبداً إسلامية فلسطين بالرؤى العلمانية لمنظمة التحرير".
وخلال تسعينيات القرن الماضي؛ نأت حركة حماس بنفسها عن السلطة الفلسطينية، التي تأسست منذ 1994، قدر الإمكان، ولم تقبل بأيّة مشاركةٍ واضحة في المجلس التشريعي الفلسطيني، وخاضت بعض العمليات ضدّ الاحتلال بصورةٍ منفردة، ومرت فترات خففت حماس فيها من لهجتها السياسية تجاه السلطة الفلسطينية، وبحلول الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عام 2000، كاد يظهر شبه توافق على دعم نضال الشعب الفلسطيني فصائلياً في الضفة وغزة، إلى أن انتهت الانتفاضة، وتوفّي الرئيس الراحل، ياسر عرفات، لاحقاً، عام 2004.
بعد ذلك، في مطلع 2006، ربحت حماس الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وبدأت الخلافات تدبّ من جديد، حول المرجعية التي سوف تؤول إليها السلطة الفلسطينية بين فتح وحماس، فتفجّر الصراع واضحاً، منذ عام 2007، وقامت حماس بالاستيلاء على قطاع غزة عملياً، وسط عمليات عسكرية لعناصرها، وحوادث قتل واختطاف بينها وبين حركة فتح بالتحديد، فيما تمترست فتح بأجهزتها وسلطتها في الضفة الغربية، وبدأ عصر الانقسام الداخلي في فلسطين، وتبدّلت أدوارٌ كثيرة، ربما أهمّها؛ أن هناك صراعاً تقوده حماس سياسياً وعملياً ضدّ السلطة الفلسطينية، داخلياً وخارجياً، لكن هل تقمصت حماس هذا الدور وحدها، أم إنّ الاحتلال قادها إليه؟

سيطرة حماس على غزة جعلت الحركة ومشكلاتها تتضخم

من المقاومة إلى السلطة
ويشير مجدي نجم؛ إلى أنّ "اغتيال قادة تاريخيين في حماس، مثل الشيخ أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي، ربما كان يهدف إلى تغيير تركيبة الحركة، وبالتالي مسارها داخل فلسطين كحركة مقاومة"؛ فقد أسهم اغتيال قادة حماس المهمّين، وفق نجم، في ارتفاع أسهم الحركة شعبياً، بينما كانت فتح تعاني انحداراً في شعبيتها، بعد تراكم المعضلات أمامها من قبل الاحتلال، ولعوامل داخلية وخارجية أخرى، منعت تحقيق إقامة دولةٍ فلسطينية والمضي في عملية السلام، وهو ما أتاح "لأمريكا غالباً، رسم دورٍ جديد لحماس، يمكن لها أن تخوضه وحدها، لتكون قطباً في معادلة السلطة الفلسطينية، له ثقله، وبالتالي يصبح لحماس جانبٌ سياسي، وليس فقط عسكرياً، وذلك ... من أجل تطويع الحركة لاحقاً بصورةٍ سياسية، حتى تقبل بالاشتراطات الأمريكية والتسويات الإسرائيلية".

عزّز الانقسام الفلسطيني ضعف الفلسطينيين وجعل حماس تخضع إلى تركيبة جديدة قوامها السعي إلى السلطة على سلم المقاومة

وإضافة إلى ذلك؛ تمّت إزاحة الرئيس التاريخي للفلسطينيين، ياسر عرفات، من الساحة، فترك موته فراغاً لا يمكن لفتح أن تسدّه وحدها، وشعرت حماس بعد ذلك بحاجتها إلى المشاركة السياسية في السلطة، خصوصاً أنّها باتت تحتاج إلى غطاء سياسي ونوع من الشرعية أمام العالم، كما أنّ قوتها تعاظمت شعبياً وداخلياً، لكنّها لم تستطع التوافق طويلاً مع فتح، التي تشبه بوجودها نوعاً من (مستقبل حماس) في السلطة؛ حيث بدأت فتح في قمة الثورية والنضال، وانتهت في أوسلو، وهذه مسيرة تريد حماس أن تخوضها وحدها، علّها تصل إلى مكانٍ غير أوسلو، ولو إلى دولةٍ أخرى خاصّة، تمثّل جزءاً من فلسطين.
لكن، بعد انتخابات 2007، واندلاع المواجهات بين الحركتَين، اتّضح أنّ حماس أسرعت لاقتطاع حصةٍ لها من السلطة، بعد أحداثٍ دموية انتهت باستيلائها على قطاع غزة.
ومثلما ظهر أنّ السلطة الوطنية تهيمن على الضفة الغربية؛ فإنّ حماس بدأت، بعد سيطرتها على قطاع غزة، بالهيمنة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً عليه؛ أي إنّها عادت لاستنساخ تجربة غريمها، إن صحّ التعبير، وهو حركة فتح، لكن من الصعب القول إنّها تسيطر على الأمور بالفعل، فالشقاق والخلاف بين حماس وفتح، قابل للسيطرة في الواقع من دولة الاحتلال، كما أنّ حماس بدأت، منذ 2008، تنكمش وتحفر الأنفاق تارة بين غزة ومصر من أجل إبقاء الحياة قائمة، بسبب انتهائها اقتصادياً.

اقرأ أيضاً: الانقسام وصفقة القرن ليسا قدراً على الشعب الفلسطيني
وفي هذا السياق؛ تكشف دراسةٌ للمركز الفلسطيني للدراسات الإستراتيجية، عام 2017؛ أنّ "انفراد حماس في غزة أدّى إلى عزلةٍ عن (فلسطين)، وربما عزّز فكرة الانفصال، وأخذ يكوي وعي المواطنين والبسطاء، خصوصاً أنّ أكثر من عشرة أعوام من هذا الانفصال، خصوصاً مع سعي الحركة لإيجاد حلول لمشكلات القطاع، خاصة في مجالات الطاقة والإعمار ومحاولة إنشاء الميناء، بالتنسيق المباشر مع أطراف إقليمية، بعيداً عن السلطة الفلسطينية، ما أدخل الكثير من القلق من توجهات "حماس" المستقبلية"، ومن المعروف أنّ غزة لم تتقدم في مجالات والإعمار والخدمات التي يتحكم الاحتلال في بعضها كالكهرباء؛ لذا فإنّ بعض التسويات المحتملة مستقبلاً بين حماس والاحتلال، ربما تستهدف، على أبعد تقدير، ترك الاحتلال وغزة لشأنها حتى تتطور في الخدمات والإعمار، لا أكثر ولا أقل.

جوبه حراك الفلسطينيين في غزة بالقمع والتخوين كإشارة إلى فشل حماس

ومنذ مدةٍ غير قصيرة، شهدت غزة احتجاجاتٍ شعبية عديدة للمطالبة بحقوق الناس المعيشية والاقتصادية، بعد تردّي أوضاعهم في معظم مجالات الحياة، وكان آخرها في شهر آذار (مارس) الماضي؛ حين تظاهر فلسطينيون في غزة، وأسّسوا حركة "بدنا نعيش"، للمطالبة بحقوقهم، لكنّ حماس "قمعت المظاهرات بالعنف آنذاك، واستخدمت قوة مفرطة ضدّ مواطني غزة، واعتقلت المئات منهم، كما أنّها وظّفت الأحدث سياسياً، متهمة السلطة الفلسطينية بالتسبّب في تردي الأوضاع، وبتحريض موظفيها في القطاع للخروج ضدّ حماس، رغم الوضع الخطير المكشوف للجميع هناك"، وفق تقريرٍ لـ "دويتشة فيله "، بتاريخ 25 آذار (مارس) الماضي.
كما أنّ حماس ظلت تستثمر، مضطرة أو غير مضطرة، في كلّ حربٍ يشنّها الاحتلال ضدّها، من خلال دماء أبناء غزة المحاصرين، التي استُثمرت في عمليات هدنة برعاية عربية ودولية أحياناً، لتبدو حماس متحكمةً بالأمور، ناهيك عن أخذها بقبول الأموال والمساعدات من بعض الدول، من باب الصمود، الذي كان يهدمه الاحتلال كلّ مرة، مبقياً الوضع على ما هو عليه.
وبحلول عام 2017؛ قامت حماس أخيراً بتعديل ميثاقها الخاص بالحركة من جديد، والذي رأى كثيرون أنّه "محاولة من حماس للحصول على نصيبٍ من السوق، وحيازة قبولٍ دولي وأمريكي جديدَين، وطرح نفسها كبديلٍ نهائي عن منظمة التحرير، أو ما تبقى منها، بحسب تقرير "بي بي سي"، في أيار (مايو) 2017، كما أنّ الاستعداد الحمساوي للاستقلال بغزة ربما يكون مبرراً في زمنٍ لاحق، إذا ما فرضت عليها الظروف التي صنعها الاحتلال ذلك، والانقسام الفلسطيني الفلسطيني، الذي أسهم في قصّ أجنحة حماس وتحويلها إلى حركة براغماتيةٍ تقريباً، تسعى نحو السلطة، كلفها ذلك أيضاً جزءاً من شعبيتها وقيمها التي بنت عليها ذاتها كحركة، إضافة إلى فشلها المتكرر والمعروف في إدارة القطاع الذي اقتطعته من فلسطين فعلياً، من أجل المقاومة، التي تراوح مكانها منذ 12 عاماً، دون جديد، سوى المزيد من الخسائر الفلسطينية في الضفة والقطاع، كأن الانقسام، مجرد محاولةٍ للتهرب من موتٍ مؤجل للقضية الفلسطينية، بعد أن أصبح أخوة النضال، غرماء السلطة.

للمشاركة:



هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية