إعادة النظر في الثورة الروسية: محاولة لفهم التحوّلات الثورية

2242
عدد القراءات

2019-01-02

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّد كرونستادت
يروي س. أ. سميث،  في كتابه "روسيا في الثّورة: إمبراطوريّة في أزمة 1890-1928"، أنّه في 27 و28 شباط (فبراير) 1921، كان بحّارة كرونستادت، وهي مدينة محصّنة وقاعدة بحريّة تقع على جزيرة في خليج فنلندا على بعد حوالي عشرين ميلاً غرب بتروغراد، قد انزعجوا من قمع إضرابٍ عامّ اندلع مؤخّراً في بتروغراد، فحملوا السّلاح ضدّ الحكومة.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الثورة الروسية.. أسئلة السلطة والحرب
وعند الاستيلاء على القاعدة البحريّة، قدّم المتمرّدون للحكومة سلسلةً من المطالب تتضمّن في المقام الأول إنهاء الشّيوعيّة الحربيّة، خاصّة في الجبهة الاقتصاديّة، وعودة السّوفيتات المنتخبة بحرّيّة المفتوحة للمنافسة بين جميع الأحزاب اليساريّة. ودعوا أيضاً إلى حرّيّة التّعبير والصّحافة والجمعيّات، وإلغاء الشيكا (البوليس السّريّ) وجميع الامتيازات الّتي يحظى بها الشّيوعيّين، وتفكيك دولة الحزب الواحد. في الواقع، أيّد ما يقرب من ثلثي أعضاء الحزب الشّيوعيّ في القاعدة التّمرّد.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الثورة الروسية.. القمع الثوري
لبضع من الوقت، يمكن وصف السّياسة المتغلّبة في كرونستادت بأنّها يساريّة مُفرطة على نحو ثوريّ. وكما نوقش الأمر في كتابتي "قبل الستالينيّة"، لم يكن البلاشفة في يوم من الأيّام يشكّلون أغلبيّة في كرونستادت خلال عهد السّوفيتات متعدّدة الأحزاب، ولا حتّى في كانون الثّاني (يناير) 1918، عندما وصلوا إلى أعلى الأصوات بنسبة 46 في المائة. وقد عكست سياسات البحّارة المتمرّدين هذا الاتّجّه العام. وبالتّالي، دعموا بالتّأكيد ثورة تشرين الأوّل (أكتوبر) ولم تدع مطالبهم إطلاقاً إلى الإطاحة بالحكومة السّوفيتيّة. كما لم يتذرّعوا أبداً بشعار "سوفيتات بدون شيوعيّين" الّذي نسبه إليهم تروتسكي.
ردّاً بما وصفه سميث بالتّعنت النّاجم "ليس عن الثّقة ولكن عن الخوف"، سحقت الحكومة البلشفيّة التّمرّد، وحكمت بالإعدام على 2,103 سجناء - بالرّغم من أنّ عدّة مئات فقط قد أعدموا بالفعل رمياً بالرصاص - وأصدرت أحكاماً بالسّجن على 6,459 من المتمرّدين، وهؤلاء أُطلق سراح 1,464 منهم بعد فترة وجيزة. بالإضافة إلى ذلك، قُتل حوالي سبعمائة جندي سوفيتيّ في المواجهة وأصيب 2,500 شخص. ويشير سميث إلى أنّ استجابة الحكومة غير المرنة والقاسية كانت الأكثر لفتاً بالنّظر إلى حقيقة أنّها كانت على وشك التّخلي عن الشّيوعيّة الحربيّة، وهذا من بين أهم مطالب المتمرّدين، لاستبدالها بالسّياسة الاقتصاديّة الجديدة.
الثّورة البلشفيّة عام 1917

السّياسة الاقتصاديّة الجديدة
وصف لينين السّياسة الاقتصاديّة الجديدة بأنّها "تراجع" عن الشّيوعيّة الحربيّة. كانت محاولة لتهدئة السّكان من خلال زيادة الإنتاج وإتاحة الغذاء وما هو أساسيّ من السّلع الاستهلاكيّة المصنّعة. وكان من المقرّر أن يتحقّق هذا عن طريق السّماح للفلّاحين بالدّخول في التّجارة الخاصّة (مع الخضوع لضريبة عينيّة)، وبالتّالي استبدال عمليّات المصادرة الّتي حكمت سياسات الشّيوعيّة الحربيّة، وتعزيز إنتاج وتوزيع السّلع من خلال تقديم تنازلات إلى الرّأسماليّين المحليّين والأجانب والتّجار الخاصّين في المناطق الحضريّة.

إنّه من المهم دراسة أيّ أشكال القمع الثّوريّ تتوافق مع اشتراكيّة من أسفل تعدّ ديمقراطيّة وإنسانيّة

كان "التّراجع" مصحوباً بسياسة التّحرير الثّقافيّ الّتي سمحت بدرجة كبيرة من الحرّيّة الفنّيّة والإبداعيّة. ومع ذلك، كان هذا التّحرير في المجال الفنّي مصحوباً بمزيد من القيود السّياسيّة، ممّا حوّل القمع المنتشر على نطاق واسع ولكن المؤقّت إلى حدّ ما لسنوات الحرب الأهليّة إلى قمعٍ ممنهج للأحزاب المعارضة في وقت السّلم.
بالنسبة إلى سميث، حقّقت السّياسة الاقتصاديّة الجديدة العديد من أهدافها. فهو يبيّن بالتّفصيل كيف تحسّنت الاقتصاديّات الزّراعيّة والصّناعيّة في ظلّ تأثير هذه السّياسة. ويجادل بأنّها تمكّنت من تهدئة الفلّاحين. ومع ذلك، فيما يخصّ الطّبقة العاملة، يخلص سميث إلى أنّ السّياسة الاقتصاديّة الجديدة كان لها تأثير معقّد: فقد حسّنت مستوى معيشة العمّال؛ ولكن بما أنّ شركات الدّولة مُنحت درجة معقولة من الاستقلاليّة (وسمح لها بالاحتفاظ بأرباحها)، وعادت السّلطة الإداريّة إلى العمل، فقد جرى القضاء على فكرة سيطرة العمّال وانتهت في مزبلة التّاريخ. وفي الوقت نفسه، كما يُظهر سميث، جرى استعادة حقوق المساومة النّقابيّة - بما في ذلك الحقّ في الإضراب -، مع وقوع إضرابات بلغت ذروتها في عام 1922، حيث وقع 431 اعتصاماً شارك فيهم 197,215 مُضرباً.

اقرأ أيضاً: اهتمام أمريكي بمئوية الثورة البلشفية: الشمولية تبعث روسيا مجدداً
ومع ذلك، كان التّأثير الاقتصاديّ للسّياسة الاقتصاديّة الجديدة أكثر تعقيداً ممّا يسلّم به سميث. فقد تضمّنت إحدى مشكلاتها الرّئيسة ما يسمّى بأزمة المقصّات حيث كان الفلّاحون يفتقرون إلى الوصول الكافي للسّلع المصنّعة بسبب سعرها المرتفع نسبةً إلى سعر المنتجات الزّراعيّة، ممّا حدّ من تحسّنهم الاقتصاديّ، وأثّر بدوره على وصول العمّال إلى الغذاء حيث قام الفلّاحون بخفض المواد الغذائيّة المسلّمة إلى المدن.
من المدهش أنّ سميث لا يهتمّ كثيراً بهذه القضيّة. لكن بالنسبة إلى العديد ممّن هم على اليسار، كانت هذه الأزمة مؤشّراً على ما اعتبروه استنفاداً للسّياسة الاقتصاديّة الجديدة كنموذج للنّمو الاقتصاديّ.
يجادل سميث بأنّه في حين من الصّحيح أنّ السّياسة الاقتصاديّة الجديدة كانت متناقضة للغاية بسبب التّعارض الحاصل بين تخطيط الدّولة والمنافسة في السّوق، فإنّ النّظام [الاقتصاديّ الّذي أسّست له] قد عمل ولم يصل إلى محطّته النّهائية عندما أعلن النّظام الستاليني نهايتها في 1928، بالرّغم من أنّه ما كان لها أن تدعم دَفْع ستالين للحصول على معدّل غير عادي للتّصنيع.

اقرأ أيضاً: هل يأتي يوم يحكم فيه الاشتراكيون أمريكا؟
ومن المهمّ أن نلاحِظ أنّه في أواخر العشرينيّات من القرن الماضي كان الحزب الشّيوعيّ يدرس بدائل لما تحوّل إلى نموذج ستالين. كان هناك "اليمين" الشّيوعيّ لبوخارين، الّذي اقترح نمواً اقتصاديّاً أبطأ وتسوية مع الفلّاحين، و"يسار" تروتسكي الّذي كان يجادل بدرجة أسرع في التّصنيع والنّمو الاقتصاديّ. في التّحليل الأخير، كانت هذه البدائل تعبّر عن نسختين مختلفتين من سياسة اقتصاديّة جديدة معدّلة، وكانت في الواقع أقرب إلى بعضها البعض من المسار الوحشيّ الّذي اتبعه "الوسط" المفترض الّذي يقوده ستالين بالاستغلال الفائق للطّبقة العاملة وملايين الأشخاص الّذين لقوا حتفهم نتيجة لعمليّة التّجميع القسريّ للفلّاحين، والّتي تضمّنت التّشجيع المتعمّد لمجاعة أوكرانيا في عامي 1932 و1933.
صحيح أنّ خصوصيات الثّورة الرّوسيّة لن تتكرر، لكن ما يزال بإمكاننا تبيّن أنماط التّنميّة الّتي قد تكون مفيدة في فهم تحوّلات ثوريّة أخرى. وهكذا، على سبيل المثال، قد نستنتج مبدئيّاً على أساس تجربة السّياسة الاقتصاديّة الجديدة الرّوسيّة أنّ أيّ تحوّل اشتراكيّ راديكاليّ يحدث في بلد حيث حصّة الأسد من الإنتاج الزّراعيّ، والصّناعيّ، والخدميّ، والتّوزيع لا تجريها شركات رأسماليّة صناعيّة كبيرة، سيحتاج حتماً، إذا كان لهذه الاشتراكيّة أن تكون ديمقراطيّة وإنسانيّة، إلى نسخةٍ ما من السّياسة الاقتصاديّة الجديدة لتتوافق مع إمكانات واحتياجات عدد كبير من صغار المنتجين، لا سيّما الأفراد والأسر. هذا لأنّه، كما أشار فريدريك إنغلز في كتابه "الاشتراكيّة الطّوباويّة والاشتراكيّة العلميّة"، لا يمكن بناء الاستيلاء الاشتراكيّ الكامل، والتّحكّم الدّيمقراطيّ، والتّخطيط إلّا على أساس إنتاج مندمج اجتماعيّاً.
تدخّل لينين مباشرة في حالات معيّنة وانتقد انتهاكاتها وحماقاتها

بصدد القمع الثوري
من بين أكثر القضايا إثارةً للجدل فيما يتعلّق بتبعات ثورة تشرين الأوّل (أكتوبر)، باستثناء الدّكتاتوريّة الستالينيّة والعمليّة التّاريخيّة الّتي أدّت إليها، كان القمع الّذي رافقها. من نواح عديدة، إنّه ذاك القمع العنيف هو الّذي، بالنسبة إلى الكثيرين، يرفد التّقييم الشّامل للثّورة.
كان الجهاز الرّئيس للقمع الثّوريّ في روسيا هو الشيكا. ووفقاً لسميث، قامت الحكومة، في نهاية عام 1917، بتأسيس هذا الجهاز بوصفه لجنة طارئة لتصفية الثّورة المضادّة والتّخريب. انتقد العديد من زعماء البلشفيّة الشيكا باعتبارها مؤسّسة خارجة عن السّيطرة، خاصّة خلال الحرب الأهليّة. وقد ندّد بها قادة سوفيتات المدن والأرياف في كثير من الأحيان بوصفها هيئةً مهيمنةً تحتقر سلطتهم. وقد باءت كلّ محاولة للحدّ من الشيكا بالفشل. وتدخّل لينين مباشرة في حالات معيّنة وانتقد انتهاكاتها وحماقاتها، لكنّه رفض دعم أيّ سيطرة "مؤسّسيّة" على عمليّاتها.

كانت مقاربة العقاب الجماعيّ لدى الحكومة البلشفيّة تستند في جزءٍ منها إلى تشويه صارخ للتّحليل الطّبقيّ الماركسيّ

بالرّغم من أنّ سميث ينتقد بوضوح انتهاكات الشيكا، فإنّه يسعى جاهداً نحو إحساس بالتّناسب، مشيراً إلى أنّه ليس واضحاً أنّ روسيا الّتي خرجت من الحرب الأهليّة في العشرينيّات كانت أكثر عنفاً من سابقتها الإمبراطوريّة القيصريّة بغزواتها الاستعماريّة، وقمعها الشّرطيّ، ومكافحتها للتّمرّد، ورعايتها للمذابح المعادية لليهود، وجلدها للسّجناء، وضربها للعمّال في أماكن العمل، إلى جانب العنف الاجتماعيّ المتأصّل الّذي انطوى على الإرهاب اليمينيّ واليساريّ، والعقاب الّذي لحق داخل المجتمعات الفلّاحيّة بأولئك الّذين انتهكوا قواعدها، وانتشار الإساءة في معاملة الأطفال، وضرب الزّوجات. كما يشير إلى أنّ "جميع" أبطال الحرب الأهليّة قد مارسوا العنف الشّديد.
وفي هذا السّياق، يصف الوحشيّة الّتي ارتكبها الفلّاحون بحقّ السّوفيت ومسؤولي الحزب مثل هجوم الفلّاحين في بينزا، في آذار (مارس) 1920، على شوفاييف، المفوض المحليّ، الّذي قطعوا أنفه وأذنيه ورأسه بالتّتالي، إحداهما تلو الأخرى. ويصف أيضاً كيف انتقم البلاشفة بلا رحمة، بأخذ الرّهائن ورمي الزّعماء بالرصاص، مشيراً إلى أنّ "الفلّاحين قد جرى تهدئتهم بمساعدة السّوط".

اقرأ أيضاً: الحياة السرية لزعماء الثورة في الاتحاد السوفييتي
وفي ضوء حتمية العنف في ثورة، لا سيّما ثورة اجتماعيّة، والجرائم المروّعة الّتي ارتكبت باسمها، فإنّه من المهم دراسة أيّ أشكال القمع الثّوريّ تتوافق مع اشتراكيّة من أسفل تعدّ ديمقراطيّة وإنسانيّة.
يأتي كمثال على ذلك العقاب الجماعيّ الّذي مارسه النّظام البلشفيّ في كثير من الأحيان - كما هو الحال في قمع الثّورات "الخضراء" في منطقة تامبوف في 1920-1921 والّذي أدّى إلى موت العديد من الفلّاحين. لقد اشتمل هذا العقاب الجماعيّ على الإجراءات العقابيّة المتعمّدة الّتي اتخذتها الحكومة ضدّ أشخاص عرفت أنّهم لم يشاركوا في أيّ نشاط معادٍ للثّورة ولكنّهم كانوا ينتمون إلى مجموعات معيّنة مشتبه بها من الجماعات الإثنيّة والإقليميّة والطّبقيّة مثل الفلّاحين. كان لهذه الممارسة عواقب وخيمة للغاية، ليس أقلّها صعوبة جعل الحكومة تقنع سياسيّاً تلك القطاعات الرّئيسة من السّكان.

اقرأ أيضاً: الاشتراكيون بين اليوم والأمس
ويمكن قول الشّيء نفسه عن الإرهاب الأحمر، الّذي أقامه لينين في أماكن مثل بتروغراد، كردّ على اغتيال زعماء بلاشفة رئيسين. كان الإرهاب الأحمر يستهدف النّاس على أساس "من هم"، بدلاً من "ماذا فعلوا" في الواقع، كما في حالة العديد من هؤلاء الّذين كانوا من خلفيّة برجوازيّة وكانوا يتعاونون في الواقع مع الحكومة البلشفيّة. وكما ذكر المؤرّخ ألكسندر رابينوفيتش في كتابه "البلاشفة في السّلطة"، فإنّ سياسات "الإرهاب الأحمر غير المُميِّزة" كانت معارَضة من جانب جزء كبير من القيادة البلشفيّة المحلّيّة في بتروغراد.
كانت مقاربة العقاب الجماعيّ لدى الحكومة البلشفيّة، على الأقلّ عند تطبيقها على الفلّاحين، تستند في جزءٍ منها إلى تشويه صارخ للتّحليل الطّبقيّ الماركسيّ، والّذي غيّر المفهوم الماركسيّ لهيمنة ومركزيّة الطّبقة العاملة، والّتي افترض ماركس أنّها ستصبح الغالبية العظمى من السّكان، إلى مفهوم مختلف جدّاً لما يمكن أن يسمّى سيادة الطّبقة العاملة.

 "جميع" أبطال الحرب الأهليّة قد مارسوا العنف الشّديد.
يشير مفهوم المركزيّة والهيمنة إلى الطّبيعة الفريدة تاريخيّاً للطّبقة العاملة الحديثة، الّتي تنطوي على إمكانيّة العمل الجماعيّ الثّوريّ الضّروريّ للاشتراكيّة من أسفل، ويضع هذه الطّبقة في موقع لعب الدّور "القياديّ" في التّحالفات الطّبقيّة الحتميّة مع الطّبقات والجماعات المضطّهَدة الأخرى، والّتي من المتوقّع حدوثها في الحركات الثّوريّة الجماهيريّة الأصيلة مثل ثورة تشرين الأوّل (أكتوبر). لقد  لعبت الطّبقة العاملة الدّور القياديّ في تلك الثّورة، لكنّها لم تكن لتنجح بدون تحالفٍ مع الفلّاحين، ومشاركتهم ودعمهم الّلذين لا غنى عنهما.
أمّا مفهوم سيادة الطّبقة العاملة فيشير إلى فكرةٍ مختلفةٍ سياسيّاً مفادها أنّ مصالح الطّبقة العاملة فقط متصوّرة بشكل محدود، لا سيّما عندما يشكّل العمّال جزءاً صغيراً من السّكان كما هو الحال في روسيا في عشرينيّات القرن العشرين، تؤخذ في الحسبان في عمليّة تحديد الاستراتيجيّة والتكتيكات الثّوريّة المناسبة، ممّا يقلّل من أهميّة التّحالفات الطّبقيّة بين المضطّهَدين.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
إنّ التّمييز بين هيمنة الطّبقة العاملة وسيادتها يصبح ذا أهمية خاصّة في سياق الانخفاض الدّراماتيكيّ في الطّبقة العاملة الرّوسيّة الّذي سبّبته الحرب الأهليّة. يُظهر سميث أنّه خلال ذلك الوقت، فرّ أكثر من مليون عامل من البلدات إلى القرى، وغادر عدّة مئات الآلاف للالتحاق بالجيش الأحمر، وتولّى عشرات الآلاف مناصب إداريّة في السّوفيت والنّقابات وأجهزة الحزب. وهكذا، بين عامي 1917 و1920، انخفض عدد عمّال المصانع والمناجم بنسبة 70 في المائة من 3.6 مليون إلى 1.5 مليون. وهذا الوضع جعل الوجود الفعليّ للطّبقة العاملة وحكم الطّبقة العاملة موضع شكّ.
وقد جادل بعض الماركسيّين بأنّ هذا برّر قمع الحزب الشّيوعيّ لجميع الأحزاب السّياسيّة الأخرى حتّى يتمكنوا من البقاء في السّلطة لإنقاذ، كما يفترض، ثورة الطّبقة العاملة. ومع ذلك، كان يمكن للشّيوعيّين أن يخرجوا من عزلتهم السّياسيّة عن طريق تبنّي توجّه جديد نحو الفلّاحين. لقد فعلوا ذلك في المجال الاقتصاديّ عبر سياستهم الاقتصاديّة الجديدة؛ لكن من النّاحية السّياسيّة، طوّقت الحكومة نفسها وبدلاً من محاولة كسب الفلّاحين، اقتصرت جهودها على التّهدئة والتّعايش مع الفلّاحين. وبدلاً من إضفاء الدّيمقراطيّة على حكمها، عزّزت الحكومة دكتاتوريّتها السّياسيّة المتمثّلة في حكم الحزب الواحد.

التّمييز بين هيمنة الطّبقة العاملة وسيادتها يصبح ذا أهمية خاصّة في سياق الانخفاض في الطّبقة العاملة الّذي سبّبته الحرب الأهليّة

إنّ المقاربة السّياديّة لدور الطّبقة العاملة في الثّورة الرّوسيّة تساعد على تفسير حرمان الفلّاحين من حقوقهم وخاصّة حقّ التّصويت، وهو الحرمان الّذي استندت إليه القيادة البلشفيّة في مرحلة مبكّرة من العمليّة الثّوريّة. لقد حدّدت المادة 25 من الدّستور السّوفيتيّ لعام 1918 عدد المندوبين إلى المؤتمر السّوفيتيّ لعموم روسيا بمندوب واحد لكلّ 25,000 ناخب للسّوفيتات الحضريّة ومندوب واحد لكلّ 125,000 ساكن للمجالس السّوفيتيّة الرّيفيّة. (كانت طبقات وجماعات أخرى - مثل أرباب العمل، والرِّيعيّين، والتّجار الخاصّين، والرّهبان، والكهنة، وضبّاط وعملاء الشّرطة السّابقة - محرومة تماماً من حقوقها). شرعنة لينين لهذا الحرمان حتّى عندما أوضح أنّه ليس عنصراً ضروريّاً أو محدّداً لدكتاتوريّة البروليتاريا، فتح الباب لأسوأ تطبيق من النّاحية النّوعيّة لهذه الممارسة. فبعد وفاته، حُرِم عدد متزايد من الفلّاحين من حقّ التّصويت.
يوضّح سميث تطوّر هذه العمليّة الاستبعاديّة بما في ذلك تحت حكم ستالين. وهكذا، في حين أنّه في عام 1926، جرى حرمان 1.04 مليون شخص من التّصويت، فإنّه بحلول عام 1929، ارتفع هذا الرّقم إلى 3.7 مليون. وبين سكّان المناطق الرّيفيّة زادت نسبة المحرومين بأكثر من الضّعف في تلك الفترة، حيث ارتفعت من 1.4 في المائة في عام 1924 إلى 3.5 في المائة في عام 1929. وعلاوة على ذلك، بعد عام 1928، استبعدت الحكومة المحرومين من تلقّي الحصص الغذائيّة، وبدلاً من تجنيدهم عسكريّاً حيث جميع الذّكور "الكادحين" الّذين تتراوح أعمارهم بين تسعة عشر وأربعين عاماً كانوا مطلوبين للخدمة، فإنّه قد جرى تسجيلهم في الحرس الوطنيّ ودفعوا ضريبة إعفاء كبيرة.

اقرأ أيضاً: هل تتخلى روسيا عن علاقاتها بحزب الله؟
كما يشير سميث أيضاً إلى أنّ عمليّة اتّخاذ القرار لتحديد من يُمنح ومن لا يُمنح حقّ الاقتراع كانت تعسّفيّة للغاية. ويكتب عن السّوفيتات المحلّيّة (الستالينيّة) الّتي حرمَت الفلّاحين المتوسّطين وحتّى الفقراء من التّصويت لقيامهم بتوظيف ممرّضات وعمّال أثناء موسم الحصاد، وهو الأمر الّذي من المفترض أنّ يحوّلهم إلى "مستغلِّين". وغالباً ما كان الانتماء الدّينيّ يقود فلّاحاً ليتمّ تصنيفه على أنّه "كولاك" (فلاح غنيّ) ويُحرم من الحقّ في التّصويت.
هناك اعتبار آخر يتعلّق بما إذا كان نوع معيّن من العنف يتوافق مع الاشتراكيّة ألا وهو حقيقة أنّه ليست كلّ أشكال العنف "محايدة" بمعنى أنّه يمكن استخدامها بشكل شرعيّ من قِبل أيّ طرف. في حركة السّلام البريطانيّة في أوائل السّتينات، والّتي كنتُ ناشطاً فيها عندما كنتُ طالب دراسات عليا في كليّة لندن للاقتصاد والعلوم السّياسيّة، دافعت بعض الجماعات على اليسار البريطانيّ عن حقّ الاتّحاد السّوفيتيّ في امتلاك السّلاح النّوويّ لمعادلة الطّاقة الذّريّة للولايات المتّحدة.

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور
وقد أشار معارضوهم من اليساريّين إلى أنّه إلى جانب حقيقة أنّ الاتّحاد السّوفيتيّ لم يكن دولة عمّاليّة، فإنّ الأسلحة النّوويّة بطبيعتها لا يمكن أن تميّز بين العمّال والرّأسماليّين والمضطّهِدين والمضطّهَدين، وستمحو كلّ شخص دون تمييز. وتنطبق حجّة مماثلة، على سبيل المثال، على استخدام النّابالم، والمركّب الكيماويّ "إيجينت أورانج"، والنّجوع الاستراتيجيّة الّتي استخدمتها الإمبرياليّة الأمريكيّة في فيتنام: فهي ليست "محايدة" في طبقتها ومحتواها البشريّ وبالتّالي لا يمكن أن تكون جزءاً من صراعٍ تحرريّ.
تمثيل العمّال في مجالس الإدارة

إصلاحات وإصلاحيون وثوريون
مركّزاً على الوضع الّذي انتهت إليه ثورة تشرين الأوّل (أكتوبر)، عنيتُ الكابوس الستالينيّ، يفشل سميث في تقييم أهميّة هذا الحدث باعتباره أوّل ثورة اشتراكيّة ناجحة بقيادة طبقة عاملة منظّمة سياسيّاً. ومع ذلك، فهو يدرك أنّ الثّورة البلشفيّة قدّمت مساهمات مهمّة للتّقدّم الاجتماعيّ في التزامها، على سبيل المثال، بالتّمييز الإيجابيّ للأقلّيّات الإثنيّة، وجهودها لتحرير المرأة من النّظام البطريركيّ، في توقّع لمطالب حركات السّتينيّات.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني
وهو يرى أنّ هذه الثّورة قد أثارت تساؤلات جوهريّة حول التّوفيق بين العدالة والمساواة والحرّيّة، بالرّغم من أنّه يعتقد أنّ الإجابات البلشفيّة كانت معيبة. في عالم اليوم، كما يكتب، حيث يتآمر كلّ شيء على النّاس لجعلهم يقبلون بالأشياء كما هي عليه، فإنّ الثّورة البلشفيّة تدعم فكرة أنّه يمكن تنظيم العالم بطريقة أكثر عدلاً وعقلانيّة. مع الإقرار بجميع أخطائهم الكثيرة، يواصل قائلاً، "أطلق البلاشفة صيحة غضب ضدّ الاستغلال الّذي يقع في قلب الرّأسماليّة وضدّ القوميّة الحادّة الّتي قادت أوروبا إلى مذبحة الحرب العالميّة الأولى". إنّ الملايين في كافّة أنحاء العالم، الّذين لم يستطيعوا توقّع أهوال الستالينيّة، قد "احتضنوا ثورة 1917 كفرصة لخلق عالم جديد من العدالة والمساواة والحرّيّة".

اقرأ أيضاً: مائة سنة على نهايتها: الحرب العالمية الأولى من خلال الرواية
أخيراً، قد يستنتج الكثيرون أنّه بسبب عدم وجود ثورة اشتراكيّة على الأجندة السّياسيّة على المدى القصير والمتوسّط، فإنّ الأحداث الهائلة الّتي نوقشت في هذه الصّفحات لا علاقة لها بالسّياسة الأمريكيّة. ومع ذلك، فإنّ السّياسة الثّوريّة لا تدور فقط أو حتّى في المقام الأوّل حول الاستيلاء على السّلطة، ولكنّها في الأساس طريقة لتوجيه السّلوك السّياسيّ في كلّ من الأوضاع الثّوريّة وغير الثّوريّة، مع هدف إعداد اليسار، والطّبقة العاملة، والحركات الشّعبيّة للاستيلاء بنجاح على الفرص الّتي توفّرها الأزمات الاجتماعية كلّما حدث ذلك.
وهكذا، يناضل الثّوار من أجل الإصلاحات بطريقة مختلفة عن نضال الإصلاحيّين من أجل الإصلاحات. ويكمن الاختلاف الرّئيس بين هاتين المقاربتين في الإصرار الثّوريّ على ضرورة الحفاظ على الاستقلال السّياسيّ والتّنظيميّ للطّبقة العاملة والحركات الشّعبيّة بأيّ ثمن. وهكذا، على سبيل المثال، حتّى في أكثر الاضرابات نجاحاً، فإنّه من المهمّ أن يحتفظ العمّال بحرّيّة خوض المعارك في المستقبل.

اقرأ أيضاً: قرن على الحرب العالمية الأولى
ينطوي هذا، على سبيل المثال، على معارضة تامّة للعقود الطّويلة جدّاً الشّائعة الآن، ولجان إدارة العمل لتحسين الإنتاجيّة وضبط القوى العاملة، ناهيك عن تمثيل العمّال في مجالس الإدارة. بعبارة أخرى، ينبغي على الثّوريّين أن يعارضوا أيّ شيء يشجّع العمّال على تحمّل المسؤوليات دون سلطة حقيقيّة، ناهيك عن قيام العمّال باعتماد فكرة أنّ هذه "شركتنا"، أو أنّنا "كلّنا في هذا الأمر معاً".
كجزء من هذه المقاربة، هناك ذاكرة تسجّل الانتصارات والهزائم، والانعطافات الصحيحة والخاطئة. وكما وصفها سميث، فإنّ الثّورة الرّوسيّة لم تنته ليس فقط كهزيمة وإنّما ككارثة وحشيّة. والأمر متروك لنا لكي نتعلّم ونتذكّر السّبب، وندمجها في رؤيتنا السّياسية ونضالاتنا المستقبلية.

المصدر: صامويل فاربر، جاكوبين

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إيران والإخوان المسلمون .. الجذور المشتركة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-23

ترجمة: مدني قصري


قد يبدو أنّ الانقسام الطائفي التاريخي سيُبقِي رجال الدين الشيعة في إيران وجماعة الإخوان المسلمين السنّية منفصلين عن بعضهم البعض، لكن في الواقع هناك الكثير من القواسم المشتركة بين القوتين. إنّه ليس مجرد تحالف تكتيكي؛ إذ يرتبط هذان الكيانان بالأيديولوجيا وبعلاقات تاريخية أخرى على المستوى الشخصي وعلى مستوى السياسيين وغير ذلك.

دور نواب صفوي في ربط الشيعة بالإخوان

قام مجتبى ميرلوحي، المعروف باسم نواب صفوي (1924-1956)، بتأسيس جماعة فدائيي الإسلام عام 1946، وهي أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة، لعب الصفوي دوراً مهماً في ربط الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية من دول أخرى.

تعود الروابط بين رجال الدين الثوريين في إيران وجماعة الإخوان إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية

مجتبى ميرلوحي، رجل دين شيعي وزعيم منظمة "فدائيو الإسلام"، الأصولية الإيرانية، وكان يدعو إلى نبذ التفرقة الطائفية بين المسلمين. أعدِم نواب صفوي رمياً بالرصاص في 18 كانون الثاني (يناير)  1956بسبب معارضته لشاه إيران رضا بهلوي.

كان لصفوي لقاءات مع الشاه محمد رضا بهلوي والرئيس السوري أديب الشيشكلي، وياسر عرفات أيام دراسته في القاهرة، كما التقى سيد قطب، وسافر إلى القدس ودعا إلى مناهضة هجرة اليهود إليها. وزار القاهرة وألقى خطابات حماسية دعاهم فيها إلى طرد الإنجليز وتأميم القناة.

وأثناء زيارته للقاهرة، قوبل صفوي بحماس شديد وترحيب حار من قبل الإخوان المسلمين الذين رافقوه لزيارة مراقد أهل البيت في مصر. وفي خطاب له في إحدى جامعات القاهرة، انتقد صفوي، جمال عبدالناصر لاعتقاله عناصر الإخوان.

تأثير أيديولوجية قطب في صياغة الخطاب الثوري المناهض للشاه

على المستوى الأيديولوجي، ووفقاً لأدبياتهم، ليس من الصعب التعرف على النقاط المشتركة بين إيران الإسلامية والإخوان المسلمين، فهناك ثلاثة جوانب أيديولوجية مهمة: إقامة دولة إسلامية حيث يجب أن يسود القانون الديني والشريعة كنظام حكم عالمي للفرد والمجتمع؛ الترويج للإسلام الأوروبي الشامل في محاولة لتوحيد الأمة (الجالية المسلمة) واستبدال النظام الدولي للدول؛ وكراهية عنيفة تجاه الغرب، تدعمها نظريات التآمر، بما في ذلك معاداة السامية.
تعود الروابط بين رجال الدين الثوريين في إيران وجماعة الإخوان المسلمين إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979.

أسس مجتبى ميرلوحي جماعة فدائيي الإسلام أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة في عام 1946

في عام 1954، سافر نواب صفوي إلى مصر للقاء سيد قطب، الأيديولوجي السامي في جماعة الإخوان المسلمين. يؤمن قطب وصفوي بنفس النهج الذي تتبعه الحاكمية والجاهلية، والجهاد، والحاجة إلى سد الفجوة الشيعية والسنّية، لتشكيل جبهة مشتركة ضد تغريب العالم الإسلامي.
أُعدِم صفوي في عام 1956 بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني -وأرسِل قطب إلى حبل المشنقة بعد 10 أعوام بسبب مؤامرة مماثلة في مصر- ولكن التلاقح بين الأفكار الذي شرع فيه الرجلان ظلّ مستمراً. لقد تم استيعاب رجال الصفوي وأفكارهم التي تأثرت بالإخوان المسلمين من قبل الحركة الثورية في إيران التي قادها آية الله الخميني في سبعينيات القرن الماضي، وساهمت أيديولوجيا قطب بشكل كبير في صياغة الخطاب الثوري المناهض للشاه والذي سبق سقوط النظام الملكي.

خامنئي يترجم كتابين لسيد قطب قبل الثورة

تجدر الإشارة إلى أنّ المرشد الأعلى الإيراني الحالي، علي خامنئي، قد انجذب إلى السياسة بعد لقائه مع الصفوي واقتناعه بتمسك الصفوي بمفاهيم سيد قطب. لدرجة أنّ خامنئي خصص وقتاً طويلاً لترجمة كتابين لسيد قطب قبل الثورة، وما يزال خامنئي معجباً بمنظور قطب حول الإسلام باعتباره "نظاماً ثورياً للحكم السياسي والاجتماعي". يمكن للمرء أن يرى تأثير قطب على الثيوقراطية الإيرانية بطرق أخرى، أصغر. على سبيل المثال، تم إصدار طابع بريدي عليه صورة سيد قطب في إيران بعد استيلاء الملالي على السلطة.

المرشد الأعلى الإيراني الحالي علي خامنئي

مفاهيم ماركسية في قلب العقيدة الدينية

في هذا السياق، ليس من المستغرب أن ترسل مختلف فروع الإخوان المسلمين العالمية، وفوداً إلى باريس لتهنئة آية الله الخميني عشية عودته المنتصرة إلى إيران (كان ذلك بعد رحيل الشاه، وفقط قبل انقلاب الإسلاميين ضد الحكومة الإمبراطورية). عمل عملاء الخميني في الغرب، مثل إبراهيم يزدي، لأعوام مع مسؤولي الإخوان المسلمين، وكذلك فعل العالم الإسلامي الإيراني البارز علي شريعتي، المقيم في بريطانيا، والذي لعب دوراً رئيسياً في خلق ما يسمى بنزعة "الملا الأحمر" في الثورة؛ اندماج المفاهيم الماركسية مع العقيدة الدينية.

عمر التلمساني يدعم الخميني سياسياً

في كانون الثاني (يناير) 1982، صرّح عمر التلمساني، المرشد الأعلى لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، لإحدى الصحف الأسبوعية المصرية قائلاً: "لقد دعمنا الخميني سياسياً، لأنّ الشعب المظلوم تمكّن من التخلص من حاكم قمعي، واستعادة حريته". بالطبع، في ذلك الوقت، فرضت الحكومة الثيوقراطية في إيران نظاماً قمعياً أكثر مما سبق، وذبحت عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين. باستثناء بيجان جزاني Bijan Jazani ورفاقه، وهم إرهابيون شيوعيون قُتلوا في سجن إيفين عام 1975. بالمقابل لم تلجأ حكومة الشاه مطلقاً إلى الإعدام من دون محاكمة ضد سجناء سياسيين. على العكس من ذلك، قام الشاه بتخفيف أحكام الإعدام بشكل روتيني، حتى بالنسبة للإرهابيين، وخاصة أولئك الذين استهدفوه شخصياً.

عمر التلمساني

النظام الإيراني يحتفي بشخصيات الإخوان

استوعب النظام الديني الإيراني جوانب من أيديولوجية الإخوان المسلمين، ويحتفل ببعض شخصياته التاريخية، أمثال؛ خالد الإسلامبولي، الإسلامي المتأثر بسيد قطب، والذي قتل الرئيس المصري أنور السادات في عام 1981. لقد أشادت طهران بالإسلامبولي كبطل إسلامي وكرمته بشارع سمي باسمه لأكثر من عقدين، إلى أن أعيدت تسميته عام 2004 عندما سعت إيران لتحسين العلاقات مع مصر.

الثورة الإيرانية تحفّز إخوان مصر

على جانب جماعة الإخوان المسلمين، كان إغراء الثورة الإيرانية مصدر إلهام للاعتقاد بأنّ الثورة الإسلامية كانت ممكنة. فإذا سقطت إيران، التي كان زعيمها، الشاه، الأقوى في المنطقة والأقرب إلى الغرب، في أيدي الثيوقراطيين، فإنّ هذا يعني أنّ حلم الإخوان المسلمين في أن تكون لهم دولة إسلامية خاصة بهم في أماكن مثل مصر، أمر واقعي وليس مستحيلاً.

حركة النهضة التونسية تتبنى لغة الثورة الإيرانية 

علاوة على ذلك، فالإخوان المسلمون، وهم حركة ولدت جزئياً استجابة للنفوذ البريطاني في مصر في عشرينيات القرن العشرين، يرون أنّ الثورة الإيرانية كانت جذابة للغاية؛ لأنها تبنّت خطاب المظلومين والمحرومين، من خلال الوقوف ضد دمية تابعة للإمبريالية الغربية.

اقرأ أيضاً: بعد "خلية الكويت".. هل تكون إيران ملاذ الإخوان الأخير؟
ليس مهمّاً إن كان هذا خطأً، -كان الشاه في ذلك الوقت أكثر استقلالية عن الغرب مما كان عليه- فالأهم من ذلك، كما أوضح زعيم جماعة الإخوان المسلمين التونسية راشد الغنوشي لاحقاً، هو اللغة التي أعطتها الثورة الإيرانية للإسلاميين من أجل "أسلمة  بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية ومن أجل استيعاب الصراع الاجتماعي في سياق إسلامي".

إدراك الإخوان أنه من دون الغرب لن يصلوا إلى السلطة

مع مرور الوقت، تطورت جماعة الإخوان المسلمين، على الأقل على السطح؛ حيث أبعدت نهجها عن نهج رجال الدين الثوري الإيراني.

تبنّت جماعة الإخوان نهجاً جديداً بادعائها أنّها مختلفة عن الجهاديين مع اعتمادها لغة الديمقراطية والإصلاح

ومن الأسباب الهامة لهذا الوضع هو إدراك الإخوان أنه من دون موافقة الغرب، لن يتمكنوا من الاستيلاء على زمام السلطة. وقد تجلى هذا في الجزائر في عام 1992، عندما قام المجلس العسكري، بدعم ضمني من الغرب، بإلغاء الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون، وهو ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية مروعة، انتهت بهزيمة وتشويه الإسلاميين.
وقد تجلى هذا مرة أخرى في غزة في عام 2006 عندما فاز الجناح الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، أي حماس، في الانتخابات، ولكن بسبب تطرفها.. تم عزلها وتحييدها تحت راية الحرب العالمية ضد الإرهاب.
وحتى تفلت من هذا الوضع، تبنّت جماعة الإخوان المسلمين نهجاً جديداً، بادعائها أنّها مختلفة كل الاختلاف عن الجهاديين، مع اعتمادها لغة الديمقراطية والإصلاح وحتى الليبرالية، وهو الطريق الذي لا يمكن للقادة الإيرانيين، مع عدائهم الشديد تجاه الغرب، أن يدعموه.

دور الجغرافيا السياسية في انفصال الإخوان عن الثيوقراطية الإيرانية

هناك عامل مهمّ آخر وهو الجغرافيا السياسية. سرعان ما انفصل الإخوان المسلمون عن الثيوقراطية الإيرانية في أوائل الثمانينيات. وكما يوضح ذلك المحلل رافائيل ليفيفر في كتابه، "رماد حماة" Ashes of Hama، فعندما وقفت جماعة الإخوان المسلمين السورية ضد النظام السوري في عهد حافظ الأسد، تلقت دعماً واسعاً من منافس الأسد البعثي في بغداد، صدام حسين. كما قام رجال الدين الإيرانيون، الذين انخرطوا آنذاك في حرب وحشية ضد نظام صدام، بدعم الأسد في قتاله ضد الإخوان المسلمين في سوريا. وقد تم قمع انتفاضة الإخوان المسلمين في سوريا في مدينة حماة في شباط (فبراير) 1982 في مذبحة أسفرت عن مقتل 20000 شخص.

تأثير الحرب السورية على العلاقة بين الإخوان وإيران

الإخوان المسلمون في سوريا لم يغفروا أبداً للحكام الإيرانيين. ومع ذلك، تمكنت معظم فروع الإخوان المسلمين من تجاوز هذه الحلقة، ومن خدمة هدف إيران المتمثل في بناء "جسر لتحسين العلاقات مع العالم الإسلامي السنّي". انتهى ذلك مع الجولة الثانية في سوريا: اندلاع التمرد ضد بشار نجل حافظ، في عام 2011، والذي تحول إلى اشتباك طائفي إقليمي مع إيران المنخرطة إلى جانب الأسد، مع توفير معظم القوات البرية التي أبقته في السلطة.

اقرأ أيضاً: كيف غيّر الإخوان ملامح التنظيم الدولي وآلياته؟
تسببت الحرب السورية في أضرار لا يمكن إصلاحها -على الصعيدين السياسي والتنظيمي- للعلاقات بين النظام الإيراني والإخوان المسلمين، على الرغم من أنّ التعاون التكتيكي سيستمر بلا شك عند الاقتضاء بين كلا الطرفين.

نهج الإخوان بعد "الربيع العربي"

تم اختبار النهج الجديد للإخوان المسلمين في الميدان بعد ما يسمى بـ "الربيع العربي" في تونس ومصر بشكل خاص. حزب النهضة، وهو الفرع المحلي للإخوان المسلمين في تونس، انتقل بعد محاولته الحكم بمفرده، في أوائل عام 2014 إلى نهج أكثر توافقياً؛ حيث توصل إلى اتفاق قابل للتطبيق مع القوى العلمانية الوطنية. فمن المحتمل أنّ قرار النهضة قد تأثر بما حدث في مصر؛ حيث حاول الإخوان المسلمون الحكم بمفردهم فطردهم الجيش في تموز (يوليو) 2013 بعد أن انقلبت احتجاجات الشوارع ضدهم.

عمر التلمساني: لقد دعمنا الخميني سياسياً لأن الشعب المظلوم تمكن من التخلص من حاكم قمعي واستعادة حريته

في العام الذي كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين في السلطة في مصر، قام رئيسهم محمد مرسي بتحسين علاقات مصر مع إيران. ففي آب (أغسطس) 2012، ذهب مرسي نفسه إلى إيران، وهي أول زيارة يقوم بها زعيم مصري لإيران منذ الثمانينيات، عندما قطع البلَدانِ العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقد حضر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قمة إسلامية في القاهرة في شباط (فبراير) 2013.

سعت إيران إلى تعزيز العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، من خلال دعم الاقتصاد المصري، وخاصة برنامجها لترويج السياحة المصرية لدى الإيرانيين، وتوفير النفط وتفعيل اتفاقيات تجارية مختلفة. من جانبه، وجّه الرئيس المصري المعزول الراحل الدبلوماسية المصرية لصالح إيران في مواجهتها مع المجتمع الدولي حول برنامج طهران النووي..

حماس أقرب صلة بين إيران والإخوان

في الوقت الحالي، أقرب صلة وثيقة بين النظام الإيراني والإخوان المسلمين، هي بلا شك، حماس، التي تتلقى أيضاً الدعم، بتسيير من إسرائيل، من قطر، الدولة الإقليمية الرئيسية التي ترعى الإخوان المسلمين. كما أنّ لطهران علاقات وثيقة مع حركة الجهاد الإسلامي، وهي حركة كان يقودها في السابق زعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري.

لطهران علاقات وثيقة مع حركة الجهاد الإسلامي التي كان يقودها في السابق زعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري

ويواصل القادة الإيرانيون الاحتجاج على سقوط سلطة الإخوان المسلمين في مصر ويعارضون علانية الجهود المبذولة للحد من تأثير الإخوان المسلمين بشكل قانوني. فيما وراء هذا الدعم الخطابي، ليس من المستحيل أن نتخيل أنّ إيران يمكنها إقامة علاقات من نوع علاقتها بحماس مع فصائل أخرى من جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة الجماعات المنشقة العنيفة في مصر.. بعد كل هذا، سيصبح هذا مطابقاً لـ"نموذج حزب الله" لجمهورية إيران الإسلامية، مع وكلائها وأدواتها الإرهابية، والتي كانت السمة المميزة لبراعتها السياسية منذ عام 1979.


المصدر: eeradicalization.com/fr

للمشاركة:

تقرير جديد: القيود الحكومية على الدين في تزايد

2019-07-22

ترجمة: محمد الدخاخني


على مدار العقد الممتد من 2007 إلى 2017، زادت القيود الحكومية المفروضة على الدّين، بما في ذلك القوانين والسّياسات والإجراءات التي يتّخذها مسؤولو الدولة والتي تُقيد المعتقدات والممارسات الدّينية بشكل ملحوظ في كافة أنحاء العالم، وذلك وفقاً لأحدث تقارير "مركز بيو للأبحاث"، وهو عبارة عن مجموعة بحثية أمريكية غير حزبية تتخذ من واشنطن العاصمة مقرّاً لها.

ذكر مركز بيو للأبحاث أنّ آلاف اللاجئين في ألمانيا قد تعرضوا للضغط من أجل اعتناق الديانة المسيحية

كما ارتفعت منذ عام 2007 العداوات الاجتماعية التي تنطوي على العنصر الديني، بما في ذلك العنف والمضايقات التي يقوم بها أفراد أو منظمات أو جماعات لا صِلة لها بالحكومات.

ومن جانبهم، استخدم باحثو المركز معلومات منشورة لوكالات رسمية ومنظمات غير حكومية وأخرى دينية من أجل تجميع مادة تقريرهم، مع وجود نتائج تصل إلى عام 2017.

وقد وجد الباحثون أنّ 52 حكومة تفرض مستويات عالية من القيود على الدّين، وبهذا تكون النسبة قد ارتفعت عن الـ40 حكومة التي جرى تسجيلها عام 2007. وتأتي كل من روسيا والصين ضمن هذه الحكومات. وسُجّلت أدنى مستويات التقييد على الممارسات الدّينية في بلدان جنوب إفريقيا واليابان والفلبين والبرازيل وكوريا الجنوبيّة.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

مسجد خديجة في برلين

وفي عام 2017، عانت 56 دولة من العداوات الاجتماعيّة التي تنطوي على العنصر الديني، وبهذا تكون النّسبة قد ارتفعت عن الـ39 دولة التي جرى تسجيلها عام 2007.

تركيز على أوروبا

كانت الزيادة الأكثر أهمية في الفترة الواقعة بين عامي 2007 و2017 في أوروبا؛ حيث فرضت 20 دولة قيوداً على اللباس الدّيني، بما في ذلك البرقع وحجاب الوجه اللذان ترتديهما بعض النّساء المسلمات. وكان هذا هو حال 5 بلدان فقط عام 2007.

فرضت 20 دولة قيوداً على اللباس الديني بما في ذلك البرقع وحجاب الوجه

لقد فرضت النمسا حظراً على حجاب الوجه الكامل في الأماكن العامة. وحظرت ألمانيا حجاب الوجه على أي شخص يقود سيارة أو يعمل في خدمة مدنية، بينما فرض بعض حُكام البلديات في إسبانيا حظراً على البرقع والحجاب. وفي سويسرا، أيّد المصوتون على مستوى البلاد فرض حظر على بناء مآذن جديدة.
وذكر "مركز بيو للأبحاث" أنّ آلاف الّلاجئين في ألمانيا قد تعرضوا للضغط من أجل اعتناق المسيحيّة، بعد تحذيرهم من أنهم قد يُرحّلون إذا لم يفعلوا ذلك.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

دورية للشرطة الصينية بالقرب من مسجد إد كاه في منطقة شينجيانغ الإيغورية ذاتية الحكم

مضايقات تستهدف الإيغور والرّوهينغيا في آسيا

في آسيا، سلّط التقريرُ الضّوءَ على مضايقات طالت مئات الآلاف من مسلمي الإيغور في الصّين الّذين أُرسِلوا إلى مراكز إعادة التأهيل، وكذلك ميانمار؛ حيث أُجبر مسلمو الرّوهينغا على الفرار من ديارهم في مواجهة إساءات ومضايقات القوات العسكريّة والمدنيّة.

احتجاجات شارلوتسفيل

من حيث المضايقات الدّينية التي يقوم بها أفراد ومجموعات لا صِلة لهم بالحكومات، برزت الولايات المتحدة بسبب احتجاجات المتظاهرين البيض من دعاة التّفوق العرقيّ في شارلوتسفيل، فرجينيا.

ومن جانبها، تستضيف وزارة الخارجيّة الأمريكيّة اجتماعاً يستمر ثلاثة أيام لمناقشة التمييز والاضطّهاد الديني، يبدأ غداً في واشنطن، في حضور مسؤولين حكوميين وزعماء دينيين وغيرهم، من كافة مناطق العالم.


المصدر: دويتشه فيله

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:



قانون أسترالي جديد يتعلق بتنظيم داعش..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

تتّجه الحكومة الأسترالية إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات القانونية، بما يتعلّق بمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي.

واقتربت الحكومة الأسترالية من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر التنظيم المتطرف، ممّن يحملون جنسيتها إلى أراضيها، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

الحكومة الأسترالية تقترب من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر تنظيم داعش الإرهابي

ويمنح التشريع الجديد المثير للجدل، والذي ناقشه البرلمان الأسترالي، اليوم، وزير الداخلية، بيتر داتون، صلاحية تفعيل "أوامر إقصاء" لمنع الإرهابيين المشتبه بهم من العودة إلى الديار.

ويستند القانون الجديد إلى تشريع مشابه مطبق في المملكة المتحدة، يقوم بموجبه قاضٍ باتخاذ قرار حول مسألة تطبيق أمر بالإقصاء.

وقال داتون أمام البرلمان، مطلع تموز (يوليو) الجاري: إنّ "القانون يستهدف 230 أسترالياً توجّهوا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم داعش، وما يزال 80 منهم في مناطق تشهد نزاعاً مستمراً".

وبرزت مخاوف من أن يكون المقترح الأسترالي غير دستوري، ويمنح الوزير كثيراً من النفوذ، وطالب حزب العمال المعارض بإحالته إلى لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية لمزيد من الدراسة.

ويعدّ مشروع القانون أحد الإجراءات العديدة المثيرة للجدل التي يناقشها البرلمان في الأسبوع التشريعي الأول له منذ إعادة انتخاب الحكومة المحافظة، في أيار (مايو) الماضي.

وتتضمّن المقترحات الأخرى؛ إلغاء قانون "ميديفاك"، الذي يسمح بنقل طالبي اللجوء والمهاجرين الموقوفين في مخيمات في المحيط الهادئ إلى أستراليا للعلاج.

وأبدت المعارضة، حتى الآن، رفضها إلغاء القانون، وقال زعيم حزب العمال أنتوني البانيز: إنّه لا يعتقد أنّ الحكومة قدمت حججاً مقنعة.

وأضاف: "هناك قرابة الـ 90 شخصاً نُقلوا إلى أستراليا بموجب قانون ميديفاك، و900 نقلتهم الحكومة بنفسها قبل وجود القانون".

ودانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان سياسة كانبيرا المتشددة، إزاء قرابة 900 لاجئ ما يزالون على جزر ناورو وماناوس، التابعة لباباوا غينيا الجديدة.

غير أنّ أستراليا دافعت عن سياساتها الإنسانية في طبيعتها، قائلة: إنّ مئات الأشخاص قضوا غرقاً في البحر أثناء محاولتهم الوصول لأراضيها، وبأنها تسعى إلى ردع الناس عن القيام بمثل تلك الرحلات.

 

 

للمشاركة:

الانشقاقات تعصف بحزب العدالة والتنمية.. أسماء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

كشفت مصادر صحفية الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، المحتمَل انشقاقهم عن الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة، لينتقلوا إلى حزب علي باباجان الجديد.

وأوضح علي بايرام أوغلو، الكاتب الصحفي بجريدة "قرار"، المقربة من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ أنّ الأسماء المؤكد انشقاقها عن الحزب للانضمام إلى حزب وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، من داخل حزب العدالة والتنمية هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش، وفق ما نقت صحيفة "زمان" التركية.

كاتب صحفي يكشف الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية المتوقَّع انشقاقهم عن الحزب

ويعدّ بشير أتالاي الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنّه من الدائرة المقربة للغاية من رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، وعمل نائباً له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيراً للداخلية (2007-2011).

أما سعد الله أرجون؛ فقد شغل منصب وزير العدل، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، كما أنّ نهاد أرجين أيضاً كان وزيراً في حكومة أردوغان، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، أما هاشم كيليتش؛ فقد كان رئيساً للمحكمة الدستورية في الفترة بين عامَي 2007-2015، والشخص الذي منع حلّ حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية عام 2008.

يذكر أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، تقدّم باستقالته من حزب العدالة والتنمية بشكل رسمي، ونشر بياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيه سياسات حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الفترة الأخيرة، بصيغة شديدة اللهجة، كما كشف نيّته تأسيس حزب سياسي جديد ينافس حزب العدالة والتنمية، مع مجموعة من أصدقائه، دون أن يكشف هويته، إلا أنّ كواليس حزب العدالة والتنمية تؤكّد أنّه يسير مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لتأسيس الحزب الجديد، ليكون غول رئيساً شرفياً للحزب.

على الجانب الآخر؛ شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكوكية من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وسط ادعاءات بأنّه كذلك سيؤسس حزباً منشقّاً عن حزب العدالة والتنمية، والتي لم ينفها خلال اللقاء المباشر الذي شارك فيه قبل أيام، وإنما قال: "كنت أتمنى أن يكون تحرّكي أنا وباباجان معاً، لكنّ السيد علي قرر الابتعاد"، كما وجه انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، محمّلاً إياه المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي تمت خلال رئاسته للوزراء، وأنه لم يكن بيده أيّة صلاحيات.

الأسماء المؤكّد انشقاقها عن الحزب، هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش

وكان داود أوغلو قد أثار ضجة كبيرة، عندما قال إنّه عرض على أردوغان ترسيخ وتدعيم النظام البرلماني بدلاً من البحث عن أنظمة أخرى، ثم كشف السبب الحقيقي الذي دفع أردوغان وحلفاءه إلى إقالته من رئاسة الوزراء، في أيار (مايو) 2016، قائلاً: "كان يجب إبعادي من رئاسة الوزراء من أجل تنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، وتحقيق نقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي المغلوط".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تخفّف آلام اليمنيين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أطلقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عيادات طبية متخصصة في العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، بغية علاج المصابين بأمراض مستعصية، والجرحى الذين سقطوا بنيران ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران.

وافتتح الهلال الأحمر، ضمن المساعدات الإنسانية الإماراتية للقطاع الصحي اليمني، عيادتَين متخصّصتَين في المستشفى الجمهوري التعليمي، فرع عدن، لاستقبال وعلاج جرحى حرب الحوثي من المدنيين والعسكريين.

الهلال الأحمر الإماراتي يطلق عيادات طبية متخصصة في عدن بغية علاج الجرحى والمرضى

وتعالج العيادات الطبية في عدن الجرحى المصابين بالمخّ والأعصاب والعظام والمسالك البولية، فضلاً عن تقديم جراحة عامة، والتعامل مع الحالات الطارئة، بحسب الدائرة الصحية بألوية الدعم والإسناد في الجيش اليمني.

وكانت دولة الإمارات قد قدّمت، الشهر الماضي، بواسطة ذراعها الإنساني الهلال الأحمر حزمة مساعدات للشعب اليمني، تمثلت في مشروعات طبية وإغاثية وخدمية.

وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية تقريراً بالأرقام عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، حيث بلغ إجمالي المساعدات 20.57 مليار درهم إماراتي (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



"الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

إبراهيم الصياد

على رغم مرور 67 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، إلا أن الجدل في شأنها لم ينقطع بين نُخب المثقفين أو حتى بين المواطنين العرب العاديين الذين ما زالت صورة جمال عبدالناصر تتصدر باحات منازلهم. يتمحور الجدل حول علاقة عبدالناصر بجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن الثابت تاريخياً ومن خلال شهادات محايدة مصرية وغير مصرية أن الرجل كان متديناً لكن ليس معنى هذا أنه كان متصالحاً مع هذه الجماعة، لسببين. الأول أن "الإخوان" ليسوا أوصياء على الدين أو التدين على رغم أن مظهرهم يوحي بعكس جوهرهم، إذ أثبت تاريخهم أنهم يعدون نموذجاً لمن يستغل الدين ويجعله سُلَّماً لكي يحقق مآرب سياسية ومنها طبعاً الوصول إلى السلطة. وهذا ما عرفناه بعد قيام الثورة في مصر عام 1952 حين ساوَمَ "الإخوان" قادة حركة الجيش للحصول على مكاسب سياسية مقابل تأييدهم للحركة. بعبارة أخرى إنهم لا يتحركون من منطلقات وطنية ولكن طوال تاريخهم منذ مؤسس جماعتهم حسن البنا تحكمهم أهداف نفعية.

السبب الآخر أن علاقة عبدالناصر بالـ "إخوان" مرَّت بمراحل تقارب في محاولة لفهم توجهاتهم وشهدت محاولة تباعد عندما اكتشف حقيقتهم وسوء مقصدهم. بدأت العلاقة مقبل قيام الثورة عندما حاول تنظيم "الضباط الأحرار" أن يستفيد من بعض عناصر "الإخوان" في ذلك الوقت لصالح الاتجاه نحو التغيير المرتقب. وبالتالي لم يكن عبدالناصر في يوم من الأيام كادراً تنظيمياً في الجماعة كما يحاول خصومه داخلها الترويج لتشويه الرجل. ويمكن القول إن نزوعه البراغماتي هو الذي جعله يقرأ عن هذه الجماعة ويدرس توجهاتها. اصطدم ناصر بأفكار الجماعة التي وصفها في أحد خطاباته بأنها "مستغلة" وأرادت أن تجعل من نفسها "وصية" على ثورة 1952. ويقول خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في كتابه "والآن أتكلم" أن عبدالناصر كان يساير تنظيم "الإخوان" فقط ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

وتشير الوقائع بوضوح إلى أن عبدالناصر كان مع "الإخوان" ترتيباً وليس تنظيماً، بمعنى أنه تنقَّل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتمياً فكرياً إلى أحدها. لم يكن له أي علاقة فكرية بجماعة "الإخوان" حتى قامت حرب 1948 وبعدها قرر عبدالناصر إنشاء تنظيم "الضباط الأحرار". وتؤكد الدراسات التاريخية لهذه الفترة أن عبدالناصر قطع صلته بـ "الإخوان" وما يسمى "النظام الخاص" التابع لها سراً، وعارضَ توجهاتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال. والثابت أن الجماعة كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من أعضاء "الضباط الأحرار"، لكنها لم تكن سنداً لثورتهم، فالقصة برمتها تلخَّصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لهم؛ إذا نجحوا تمت الاستفادة منهم وإذا فشلوا لا يخسرون شيئاً.

وبعد نجاح حركة الجيش وتحولها إلى ثورة شعبية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف بين الطرفين بعد أن رفض مرشد "الإخوان" آنذاك حسن الهضيبي إصدار بيان تأييد صريح للثورة، على رغم أن ذلك كان مطلب "الضباط الأحرار". هكذا، بدأت تزداد تدخلات "الإخوان" في شؤون الحكم، في محاولة للسيطرة على دفة السلطة في البلاد. وتركَّز أهم الخلافات بين التنظيم والثورة، في إجراء محادثات مباشرة مع الإنكليز بشأن الجلاء، وتجنيد "الإخوان" لأفراد في الجيش والبوليس، ورفض طلب عبد الناصر حل التنظيم السري، ورفضه مطالبات الهضيبي بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها في الحكومة، فضلاً عن دورها في أزمة آذار (مارس) 1954 التي دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لعب تنظيم "الإخوان" على الحِبال كافة، فنجده يتفاوض مع جمال عبد الناصر، ويساند اللواء محمد نجيب ثم يشعل التظاهرات فى الشارع، ثم يتصدَّر مشهد الداعين إلى التهدئة. وهو في هذا كله، كان لا يبحث سوى عن مكاسب خاصة ولم تكن تعنيه مصر أو الثورة من قريب أو بعيد.

وأصبح الصراع علنياً بين عبد الناصر و"الإخوان" في 14 كانون الثاني (يناير) 1954 عندما صدر قرار بحل الجماعة، إذ تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالَت المرشد ذاته، حسن الهضيبي، حتى جاء حادث المنشية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، حين أطلق أحد التابعين لجماعة "الإخوان" النار على جمال عبد الناصر غير أن رصاصاته طاشَت ولم تصبه وتمت محاكمة الجاني وأُعدِم مع عدد من أعضاء الجماعة. وأنهى هذا الحادث المستقبل السياسي لجماعة "الإخوان المسلمون" بعد ثورة العام 1952 ولم تقم لهم بعدها قائمة حتى تحالَفَ معهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتلك قصة أخرى.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

لماذا نفكر بدلاً من إيران؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

فاروق يوسف

العالم كل العالم وبضمنه العالم العربي حريص على أن لا تنشب حرب جديدة في المنطقة، بسبب سياسات إيران وطريقة تعاملها مع أزمتها.

لا يتعلق ذلك الحرص بالخوف من إيران بل عليها. فليس هناك مزاح في حسابات الربح والخسارة في مسألة من ذلك النوع.

إيران بعكس مناصريها لا تمني نفسها بالانتصار في تلك الحرب. كيف تنتصر والعالم كله ضدها؟ ذلك سؤال يقع في هامش غير مرئي.

لا يريد المجتمع الدولي تكرار جريمة حرب العراق عام 2003 التي أدت إلى غزوه واحتلاله وتدميره وإعاقة قيام دولة مدنية فيه حتى الآن.

كما أن الطرف الخاسر في الحرب يراهن على استعمال قدراته الحربية التدميرية قبل أن يتحقق من هزيمته. فهو لن يستسلم بيسر.

الحرب التي ستقع في منطقة استراتيجية بالنسبة للطاقة سيكون لها أثر سلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن أن يلحق الضرر باقتصاديات بلدان صغيرة، لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

في كل الأحوال فإن الحرب ستكون ضارة للجميع. غير أن ضررها الأكبر سيقع على إيران، على شعبها بالأخص.  

إيران هي الطرف الذي ستدمره الحرب. ميزان القوى يؤكد ذلك. وإذا ما كان مناصرو إيران يعتقدون أن هناك قوى خفية ستعين إيران في حربها وستبعد عنها الدمار فإن النظام الإيراني يعرف جيدا أن لا وجود لتلك القوى.

لذلك فإن على إيران تقع مسؤولية التفكير في البحث عن حلول للخروج من الأزمة التي هي فيها من غير الوصول إلى حافة الحرب.

اللعب الإيراني على الوقت لا معنى له أبداً.

فما من أمل في أن تتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها. كما أن أحدا في العالم لا يملك القدرة على مد طوق النجاة لها في ظل الإصرار الأميركي على أن المفاوضات المباشرة هي البديل عن الحرب. وهو حل مثالي بالنسبة للجميع.

وإذا ما كانت إيران لا ترى في المفاوضات حلا عادلا لأزمتها فإنها كمَن يهدد العالم بالحرب التي لا يرغب في وقوعها أحد.

ما يحدث على الجانب الإيراني يمكن اعتباره نوعا من المراوغة السياسية التي لا علاقة لها بما يفكر فيه خصوم النظام الإيراني الذين يشعرون أن تلك المراوغة لا تمت بصلة إلى أصل الصراع.

في حقيقة ما يفعله فإن النظام الإيراني لا يرغب في أن يتراجع عن سياساته التي أدت إلى نشوب الأزمة مع المجتمع الدولي. ما يفكر فيه ينحصر بين تفجيره لمشكلات جانبية ورغبته في أن يرى الآخرين وهم يبحثون عن حل لتلك المشكلات.

اما أزمته الجوهرية فإنه لا يفكر في مواجهة أسئلتها.

هل ومتى ستقع تلك الحرب؟ كيف يمكن تفادي وقوعها؟ ما المطلوب لكي لا تقع؟ ما حجم الأرباح والخسائر فيما إذا وقعت تلك الحرب؟ ما الذي نخسره من أجل أن لا تقع قياسا لما نربحه؟

تلك أسئلة ينبغي أن يجيب عليها الإيرانيون وهم الملومون إذا تأخروا في البحث عن إجابات لها. فالوقت ينفد. كما أن سلوك النظام الإيراني الطائش في الخليج قد لا يؤدي إلى تأخير اندلاع شرارة الحرب بل بالعكس قد يؤدي ذلك السلوك إلى إفساد الرغبة العالمية في تحاشي وقوع الحرب.  

ليس من الصائب أن يفكر الآخرون في حل سلمي لأزمة إيران فيما يصر النظام الإيراني على اللعب بالنار.

الصحيح أن يُترك الإيرانيون عزلتهم ليتصرفوا وفق ما تمليه عليهم تقديراتهم. فإن شاءوا الخروج بسلام من الأزمة فما عليهم سوى الدخول من باب المفاوضات المفتوحة أمامهم. أما إذا أصروا على الاستمرار في العابهم الشيطانية من خلال التهديد بضرب الأمن في الخليج فإن ذلك يعني أنهم يضعون العالم أمام احتمال الحرب الكريه الذي لابد منه.

الخوف على إيران له حدود. وهي حدود تنتهي حين يكون الأمن العالمي في خطر.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يتهاوى "حزب الله"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أمل عبد العزيز الهزاني

من الطبيعي أن كل حصار على إيران، وكل تضييق عليها، وتهديد أموالها وتجارتها، يؤثر بشكل مباشر على جماعاتها المسلحة بأسمائها المختلفة ومواقعها الجغرافية؛ «حزب الله»، جماعة الحوثي، فصائلها في العراق... إلخ.
التل اختل، ولم تعد الموارد المالية تقدم ما يكفي من معاشات لعناصرها الميليشياوية لتفتح بيوتها وتطعم أطفالها. لكن «حزب الله» اللبناني تحديدا، أقوى الأذرع الإيرانية وأكثرها خبرة وتسليحاً وانتشاراً، لم يكن يعتمد على ما تقدمه إيران من أموال، واستخدم مرجعيته إليها في رسم استراتيجية عملياتية تعمل في الخارج في دول ذات علاقة جيدة بالنظام الحاكم في إيران مثل فنزويلا، أو دول رخوة أمنياً تنتشر فيها التجارة المحرمة من عصابات لها شبكات نقل وتوزيع مثل كولومبيا والبيرو والأرجنتين.
الأنظمة الحاكمة المتقاربة تمهد لبعضها كما كان نظام هوغو تشافيز الذي منح «حزب الله» جزيرة لإقامته، وإدارة عملياته المالية في أميركا اللاتينية؛ وغسل عوائدها لتبدو نظيفة على هيئة عملات محلية. إضافة إلى الرئيس مادورو الذي تربطه علاقة قوية بإيران ومنح الحزب مناجم للتنقيب عن الذهب. باختصار، «حزب الله» يدير شركته الكبرى ومصادر تمويله من القارة الأميركية الجنوبية وليس من أي مكان آخر.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل في الجهة الأخرى المقابلة لنا من العالم، بإداراتها المتخصصة في أميركا اللاتينية، من أجل تحجيم النفوذ الإيراني من خلال ملاحقة عناصر «حزب الله». تعتقد واشنطن، وهذا صحيح، أن حصار إيران يجب أن يكون متكاملاً، لأن الأطراف التي تعمل لصالح النظام الحاكم في طهران كانت ولا تزال أهم أدوات قوته وتأثيره، بل إنها أساس التهديد الموجه للدول العربية والعالم. الإدارة الأميركية بدأت في ملاحقة عناصر ما يسمى «وحدة النخبة» في «حزب الله»، وهي الجهة المسؤولة عن عمليات الحزب خارج لبنان، وكشفت عن أسماء قيادات عليا كانت تنشط منذ عقود من المكسيك في أميركا الوسطى وحتى الأرجنتين جنوباً، مثل سلمان رؤوف سلمان الذي عرضت الولايات المتحدة مكافأة بلغت 7 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عنه، كونه مشتبهاً به في تنفيذ عمليات إرهابية دموية في الأرجنتين وله وجود ونشاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. بحسب التقارير فإن عوائد «حزب الله» من تجارة المخدرات وغسل عوائدها يصل إلى مليارات الدولارات.
حكاية «حزب الله» في تلك المنطقة البعيدة حكاية طويلة بدأت منذ سنوات، وتعززت إبان فترة حكم محمود أحمدي نجاد. بدأت بهجرة وتوطين عناصر لبنانية من الحزب، وتمكينهم من خلال شراء ذمم بعض السياسيين والعسكريين وتوطيد علاقاتهم مع العصابات الثورية في كولومبيا والمكسيك.
العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترمب لا يقع تأثيرها على إيران الدولة فقط، بل على مراكز القوى التي تتبعها. وبعد فرض العقوبات، تقلصت قدرة شركة «حزب الله» لغسل الأموال في الخارج عن العمل، فهو المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الحزب وليس مبلغ الستين مليون دولار الذي يقدمه علي خامنئي للحزب كل عام.
العقوبات أوجعت طهران لأنها أضعفت النشاط التجاري لـ«حزب الله»، وقلصت من حركة إدرار الأموال عبر شبكته الدولية العابرة للمحيطات. لذلك كنا نقول ولا نزال، إن الضغط بالعقوبات هو الطريق إلى خلخلة بنيان إرهابي تشكل منذ عقود، وهو السبيل الأنجع والأقل تكلفة والأشمل والأقوى تأثيراً. جاء قرار الإدارة الأميركية بمتابعة وملاحقة نشاط «حزب الله» في الخارج متزامناً مع قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وكلما انكشفت أسرار «حزب الله» في القارات المتباعدة أدركنا أكثر خطر اتفاق باراك أوباما النووي على السلم الدولي، لأنه نظر بتواضع إلى زاوية واحدة في مشهد كبير، وتجاهل أن هذا الاتفاق من الهشاشة ليس فقط أنه أفرج عن مليارات الدولارات لصالح حكومة مارقة، بل إنه تغاضى عن نشاطها في التجارة المحرمة ومهد لها الاستقرار والتمكين في مناطق ليس من السهولة سبر أغوارها.
القوى الكبرى تحشد عسكرياً في منطقة الخليج لتأمين الممرات الدولية وحركة الملاحة، ورصد التحركات اليائسة من إيران لاستفزاز دول المنطقة وحلفائها، لشن حرب تمنح إيران هدفها وهو خلق فوضى وفتح أبواب لتدخلات قوى أخرى لدول وجماعات، ووقف عجلة التنمية في دول الخليج، وتنشيط تجارة وتهريب السلاح، وكلها أمور يبرع فيها الإيرانيون ولهم فيها سوابق.
ما يحصل اليوم هو عمل تكاملي لخنق الرأس وبتر الأطراف، يستوجب التعاون الدولي خاصة الاستخباراتي، ومزيداً من العقوبات الدولية على حركة الأموال من الدول اللاتينية المتماهية مع نظام طهران. إن ضعف «حزب الله»، هو ضعف قلب النظام الإيراني.
عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية