إعادة النظر في الثورة الروسية.. أسئلة السلطة والحرب

إعادة النظر في الثورة الروسية.. أسئلة السلطة والحرب
4540
عدد القراءات

2018-12-23

ترجمة: محمد الدخاخني


من بين العديد من الكتب والمقالات التي نُشرت بمناسبة الذّكرى المئويّة الأولى للثّورة الرّوسية، عام 1917، يبرز كتاب س. أ. سميث، "روسيا في الثّورة: إمبراطوريّة في أزمة 1890-1928"، كواحد من أكثر الأطروحات شموليّة وغنىً بالمعلومات عن تلك الفترة. في هذا السِّفر الطّموح، ينطلق سميث، وهو مؤرّخ كبير ينصبّ اهتمامه على روسيا، شارحاً كيف انحطّت الثّورة البلشفيّة عام 1917، الّتي ألهمتها روح ديمقراطيّة راديكاليّة، إلى النّظام التّوتاليتاريّ الستالينيّ.

يقدّم الكتاب رؤية بانوراميّة ومعمّقة للأحداث الهائلة الّتي وقعت في روسيا، بين عامي 1890 و1928

يقدّم الكتاب رؤية بانوراميّة ومعمّقة للأحداث الهائلة الّتي وقعت في روسيا، بين عامي 1890 و1928. إنّه مسح تاريخيّ غنيّ يحيط بالأدبيّات القديمة حول الموضوع، وأيضاً بآخر الأبحاث العلميّة المستندة إلى الأرشيفات التاريخيّة التي توافرت في فترة ما بعد الاتّحاد السّوفيتيّ. وكما يشير المؤرّخ رونالد غريغور سني، فإنّ سميث "غالبَ الأحداث والشّخصيّات، السّياسة والسّياسة الجماهيريّة في الفترة من تسعينيّات القرن التّاسع عشر إلى عام 1928 ليخلق قصّة متماسكة وجذّابة حول دخول النّاس العاديّين إلى مسرح التّاريخ وانحدار روسيا الوحشيّ والعنيف إلى نظام دكتاتوريّ". وفي ضوء مادة الكتاب الهائلة، ستركّز هذه المقالة على القضايا والأحداث الّتي نوقشت على نطاق واسع في الجدالات السياسيّة.
الثّورة البلشفيّة عام 1917

خلفيّة لثورات 1917
مُستهلّاً عمله بالبنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة للإمبراطوريّة الرّوسيّة مباشرة قبيل عام 1917، لا سيّما نظامها الطّبقيّ، يصف سميث مجتمعاً يسير نحو التّصنيع بأغلبيّة، 80 في المائة، سكّانيّة يشكّلها فلّاحون ما يزالون يحملون ذكرى مرارتهم بشأن الظّروف الاستغلاليّة لانعتاقهم عام 1861 على يد الإمبراطور ألكسندر الثّاني، خاصّة اضطّرارهم لدفع (الدّفع بأعلى من القيمة السّوقيّة) ثمن الأرض التي تحصّلوا عليها.

يقدّم سميث أيضاً رواية مُحدَّثة لثورة 1905، حين دخلت هذه الطّبقات التّاريخَ لاعبةً دوراً محوريّاً في تلك الانتفاضة

كما يصف طبقة عاملة متنامية في روسيا الحضريّة، ويشدّد على تركّزها الشّديد في المصانع العملاقة، وهو عامل سهّل، إلى حدّ كبير، عمليّة صوغ النّضال والتّضامن الطّبقيّين. ويشير أيضاً إلى العلاقة المسامية الموجودة بين هاتين الطّبقتين، حيث ينتقل الفلّاحون غالباً إلى شرائح الطّبقة العاملة في مصانع المدن الكبرى، خاصّة خلال الحرب العالميّة الأولى، بوصفها عاملاً مهمّاً في تطوير الوعي الثّوريّ في روسيا.
يقدّم سميث أيضاً رواية مُحدَّثة لثورة 1905، حين دخلت هذه الطّبقات التّاريخَ لاعبةً دوراً محوريّاً في تلك الانتفاضة. إنّ القمع القيصريّ الدّمويّ لمسيرة عمّالية في سان بطرسبرغ، بداية عام 1905، هو ما أشعل هذا التّمرّد. وكان العمّال قد قاموا برفع عريضة للقيصر تضمّ بضعة مطالب، مُصاغة بلغة متذلّلة ولكنّها راديكاليّة في مضمونها، من بينها حرّية تشكيل النّقابات، والحقّ في الإضراب، وتحديد ساعات العمل اليوميّ بثماني ساعات، وإنهاء مدفوعات استِرداد الأراضي. وفي انعكاس لمستوى تسييسهم المرتفع بالفعل، كانوا يطالبون أيضاً بحرّية التعبير والصّحافة وتكوين الجمعيّات، وفصل الكنيسة عن الدّولة.

اقرأ أيضاً: اهتمام أمريكي بمئوية الثورة البلشفية: الشمولية تبعث روسيا مجدداً
أدّت مذبحة العمّال إلى إضراب عامّ في المدينة، انتشر بعد ذلك في كافّة أنحاء الإمبراطوريّة متبوعاً بموجة ضخمة من عصيانات الفلّاحين في ربيع العام نفسه. وكان في سياق هذا التمرّد أنْ ظهرت السّوفيتات (مجالس العمّال التي انتخبَت قادتها مباشرة لتمثيلها في اللجنة التّنفيذيّة السّوفيتيّة على مستوى المدينة) كتعبير عن التّنظيم الذّاتي للعمّال. وقد انتشرت هذه السّوفيتات من سان بطرسبرغ إلى حوالي خمسين مدينة أخرى حيث ما هو أبعد من قيادة الإضرابات، وتأسيس المليشيّات، وطباعة الصّحف، قامت بتسيير وإدارة السّكك الحديديّة والخدمات البريديّة. هذا، وسُحِقَت الانتفاضة بعد عام.
يعزو سميث تلك الهزيمة إلى انعدام وجود قيادة وطنيّة موحّدة يمكنها تنسيق التّمرّد، والتّعاطي مع التّنازلات الممنوحة من قِبل القيصر - أي، حقوق مدنيّة، وجمعيّة تشريعيّة أو "دوما" تتأسّس على حقوق واسعة وإن كانت غير متكافئة، وغرفة تشريعيّة عليا - الّتي قسمت المعسكر المتمرّد بين دعاة الإصلاح السّياسيّ وأولئك الّذين كانوا يحاولون التّحرك نحو ثورة اجتماعيّة أكثر راديكاليّة. ويشير أيضاً إلى أنّه بالرّغم من الاضطّراب الكبير الّتي وقع في صفوف الجيش، إلّا أنّ القيصر كان ما يزال قادراً على الحفاظ على ولاء الجيش وقمع الثّوّار بشكل فعّال.

التّدخّل العسكريّ الحاسم من جانب السّوفيتات والحزب البلشفيّ نفسه هو الّذي دحر الانقلاب

من الحرب العالميّة إلى الثّورة إلى الحرب الأهليّة
هذه الفترة - الّتي تمتدّ من 1914 إلى 1920 - تُعدّ الجزء الأقوى في سِفر سميث. فهو يقدّم تحليلاً شاملاً للكارثة الّتي أُلحِقَت بالشّعب الرّوسيّ من جرّاء مشاركة روسيا في الحرب العالميّة الأولى، والكيفيّة الّتي مهّد بها هذا الأمر الطّريقَ لثورتيْ عام 1917 - أوّلاً الثّورة السّياسيّة، ثمّ الثّورة الاجتماعيّة الّتي قادها البلاشفة. لقد تسبّبت الحرب، كما يكتب سميث، في توقّف التّمرّد العمّاليّ مع انتشار النّزعة الوطنيّة في كلّ مكان. لكن بعد ذلك شرع الجنود في الشّكوى من ظروفهم البائسة في الجبهة، وما صاحب ذلك من حالات موت. ويقدّم سميث تقديرات حول 1.89 مليون حالة وفاة مرتبطة بالقتال، و2.25 مليون حالة إذا ضمّنَ المرء حالات الوفاة في الأسر وتلك النّاجمة عن الأمراض والحوادث.

يعزو سميث تلك الهزيمة لانعدام وجود قيادة موحّدة يمكنها تنسيق التّمرّد والتّعاطي مع التّنازلات الممنوحة من قِبل القيصر

لكن ما أوقع النّهاية بالقيصريّة، كما يكتب سميث، ليس - بالقدر الكبير - انخفاض الرّوح المعنويّة بين القوّات المسلّحة في الجبهة، وإنّما السّخط المتزايد في الدّاخل. ومع ذلك، وفي حيّز لاحق من الكتاب، يكتب أنّ "الجنود العائدين من الجبهة كانوا قناة رئيسة عبرت خلالها الأفكار السّياسيّة الرّاديكالية إلى الرّيف"، بما يشير إلى أنّ انخفاض الرّوح المعنويّة في الجبهة ربّما يكون لعب دوراً أكبر ممّا أفرده له في التّأليب من أجل الثّورة من خلال تسييس الجنود الفلّاحين في الخطوط الأماميّة. ومهما يكن واقع الأمر، فإنّ الحرب قد شوّهت سمعة القيصر وقلّة من الرّوس استمرّت في النّظر إليه باعتباره "الأبّ الصّغير" المعيّن إلهيّاً لشعبه.
يعزو سميث السّخط المتزايد في الدّاخل غالباً إلى الانهيار الاقتصاديّ للاقتصاد الّذي، من بين أمور أخرى، قضى على الزّيادات في الأجور الّتي كان العمّال قد تحصّلوا عليها في بداية الحرب. ويوضّح كيف قام الكفاح العمّالي الّذي انهار في بداية الحرب بالعودة عام 1915، بـ 1,928 إضراباً، وخاصّة عام 1916، بـ 2,417 إضراباً بمشاركة 1,558,400 عامل. وفي الفترة من كانون الثّاني (يناير) إلى شباط (فبراير) 1917، كان هناك 718 إضرباً بمشاركة 548,300 عامل. ومعظم تلك الإضرابات، كما يلاحِظ، كانت لأسباب اقتصاديّة. وإنْ كان يلاحِظ أيضاً أنّ رُبع إضرابات عام 1916 قد اشتملت على مطالب سياسيّة تُظهِر درجة كبيرة من تسييس الطّبقة العاملة.
وفي 8 آذار (مارس) 1917 (23 شباط (فبراير) في التّقويم الرّوسيّ القديم) اندلعت ثورة جديدة في روسيا. وعلى عكس ثورة 1905، سقطت القيصريّة في عام 1917، وقد حصل ذلك في أقلّ من اثني عشر يوماً. ثمّ قامت عدّة نُسخ من حكومةٍ مؤقّتة، قادها في البداية الكاديت المحافظون (الدّيمقراطيّون الدّستوريّون) ثمّ الأحزاب الثّوريّة الاشتراكيّة الإصلاحيّة والمنشفيّة، بإنجاز ما كان بلا شكّ ثورة سياسيّة حقّقت إصلاحات ديمقراطيّة كبيرة، تضمّنت العفو عن السّجناء السّياسيّين، وإلغاء الأوخرانا (الشّرطة السّياسيّة السّريّة القيصريّة المكروهة بشدّة)، وإبطال العمل بعقوبة الإعدام، وإنهاء التّشريعات التّمييزيّة ضدّ الأقلّيّات الدّينيّة والإثنيّة، والسّماح بحرّيّة الصّحافة وتكوين الجمعيّات.

هذه الفترة الّتي تمتدّ من 1914 إلى 1920  تُعدّ الجزء الأقوى في سِفر سميث

وممّا لا شكّ فيه أنّ الحكومة الجديدة لم تفعل شيئاً حِيَال القضيتين الرّئيستين الّلتين كانتا وراء التّمرّد الثّوريّ: الإصلاح الزّراعي وانسحاب روسيا من الحرب. كما أنّها تجنّبت مواجهة الصّراع المتصاعد بين أرباب العمل وموظَّفيهم الّذين كانت مطالبهم الرّاديكاليّة المتزايدة تروم ما هو أبعد من القضايا النّقابيّة المَرْسيّة هادفين بدلاً من ذلك إلى تحكّم أكبر في عمليّة الإنتاج نفسها.
وقد أدّى هذا الوضع إلى إعادة ظهور السّوفيتات. وكما جرى في عام 1905، بدأت السّوفيتات في العمل كمراكز بديلة للحكومة وبالتّالي وضعَت ديناميكيات السّلطة المزدوجة الّتي أصبحت أكثر رسوخاً مع تضاعف عدد السّوفيتات في كافّة أنحاء روسيا. ويشير سميث إلى وجود 700 منها في ربيع عام 2017، و1,429 بحلول تشرين الأوّل (أكتوبر) 1917، مع المشاركة المتزايدة للعمّال والفلّاحين والجنود. وهكذا، من بين السّوفييتات الـ 1,429 الّتي جرى تأسيسها في تشرين الأوّل (أكتوبر)، تضمّنت 706 ممثّلين منتخبين من العمّال والجنود، وتضمّنت 235 ممثّلين من العمّال والفلّاحين والجنود، وتضمّنت 455 ممثّلين من الفلّاحين، وتضمّنت 33 ممثّلين من الجنود فقط.

اقرأ أيضاً: نساء الكرملين: الحياة السرية لزعماء الثورة في الاتحاد السوفييتي
وإلى جانب التّدهور الاقتصاديّ النّاجم عن الحرب المتواصلة، أدّى نمو السّوفييتات ودورها الحكوميّ إلى تحقيق مستوى غير مسبوق من الرّدكلة للطّبقة العاملة، ساعد عليه ضعف اليمين الرّاديكاليّ، الّذي تبيّن أنّه أقلّ فعّاليّة ممّا كان عليه الوضع في عام 1905. ويكتب سميث عن العدد الكبير من النّساء العاملات، بما يتضمّن خادمات منازل وعاملات مطاعم ومغاسل، الّلواتي، على النّقيض من الأعراف الثّقافيّة والاجتماعيّة السّائدة، انضممن إلى النّقابات وأضربن شأنهنّ شأن العمّال الذّكور. وفيما كانت القوميّة تنمو في تعاظم بين الشّعوب غير الروسية في عام 1917، كما يضيف سميث، "لم يكن البروز الأكبر للهويّة الطّبقيّة في هذا الوقت موضع شكّ"، وكانت إحدى النتائج السّياسيّة لذلك هي الشّعبيّة الكبيرة للاشتراكيّة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في روسيا.. حصيلة عام 2018
على أيّة حال، كان الحدث الأهم الّذي دمغ مصير الحكومة المؤقّتة - الّتي كان يقودها في ذلك الوقت كيرينسكي، وهو اشتراكيّ ثوريّ سابق - هو عدم قدرتها على مقاومة الانقلاب العسكريّ اليمينيّ الّذي حاول الجنرال كورنيلوف القيام به في أواخر آب (أغسطس). إنّه فقط التّدخّل العسكريّ الحاسم من جانب السّوفيتات والحزب البلشفيّ نفسه هو الّذي دحر الانقلاب. ويخلص سميث إلى أنّ "تمرّد كورنيلوف بدا وكأنّه يؤكّد أن الاختيار الصّارم الّذي يواجه روسيا كان بين السّلطة السّوفيتيّة والدّكتاتوريّة العسكريّة". وقد أصبح "كلّ السّلطة للسّوفيتات" الشّعار الشّائع لهذا اليوم.

كيرينسكي
مستفيداً من ذلك الظّرف، دعا لينين، زعيم الحزب البلشفيّ، إلى استيلاء ثوريّ على السّلطة. وفي وقت الثّورة السّياسيّة لعام 1917، كان الثّوريون الاشتراكيّون والمناشفة هم الّذين حصلوا على دعم أغلبيّة السّوفييتات؛ كان البلاشفة قد خرجوا كأقليّة واضحة في مؤتمر عموم روسيا الأوّل للسّوفييتات الّذي احتُفِل به في حزيران (يونيو) 1917: فمن بين 822 مندوباً كان هناك 105 فقط من البلاشفة مقارنة بـ 285 من الثّوريّين الاشتراكيّين و248 من المناشفة و32 من الأمميين المناشفة.

اقرأ أيضاً: هل تتخلى روسيا عن علاقاتها بحزب الله؟
لقد تغيّر هذا مع عصيان كورنيلوف، عندما ازداد دعم البلاشفة بشكل كبير بسبب تدخّلهم الحاسم ضدّه. وهذا ما قاد لينين لاستنتاج أنّ الوقت قد حان للاستيلاء على السّلطة. وبالرّغم من المعارضة الدّاخليّة - فكامنيف وزينوفيف، وهما زعيمان رئيسان من البلاشفة، اعترضا علانية على الاستيلاء على السّلطة، وهي خطوة أثارت حنق لينين، الّذي طالب دون جدوى بطردهم من الّلجنة المركزيّة للحزب -، فإنّ الّلجنة المركزيّة قد وافقت على اقتراح لينين ولكن دون تحديد موعد لتنفيذه. وكانت الأحداث هي ما حدّد الموعد.
في ليلة 23-24 تشرين الأوّل (أكتوبر)، قامت الحكومة بمنع الصّحافة البلشفيّة. وردّاً على ذلك، استولت الّلجنة الثّوريّة العسكريّة بقيادة تروتسكي على السّلطة بعد يومين، في مساء يوم 25 عندما قاموا باحتلال القصر الشّتويّ، مقرّ الحكومة المؤقّتة، واعتقلوا أعضاء الحكومة. وبعد ذلك مباشرة، افتُتِح المؤتمر الثّاني للسّوفيت وصادق على استيلاء البلاشفة على السّلطة بتأييد 300 بلشفيّ من أصل 650 إلى 670 نائباً، بالإضافة إلى 80 إلى 85 نائباً من اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ. وفي 17 تشرين الثّاني (نوفمبر) "وفق التّقويم القديم" شكّل البلاشفة واليسار الثّوريّ الاشتراكيّ حكومة ائتلافيّة.

 تروتسكي
إنّ الوصف الموجز السّابق للأحداث الّتي أدّت إلى الثّورة البلشفيّة عام 1917 كان واضحاً إلى حدّ ما؛ يثري سميث سرد تلك الأحداث ثمّ يتعمّق في العديد من الخلافات المتعلّقة بها، مقدّماً مراجعة شاملة لتلك الخلافات، أحياناً إلى جانب استنتاجاته الخاصّة. وتنطوي إحدى تلك النّقاشات على الاتّهام الّذي يشيع عادةً بحقّ الثّورة البلشفيّة بأنّها كانت انقلاباً تآمريّاً ضدّ حكومة ديمقراطيّة.

اقرأ أيضاً: مائة سنة على نهايتها: الحرب العالمية الأولى من خلال الرواية
مُقرّاً أنّ الاستيلاء على السّلطة قد تضمّن محدّدات انقلابيّة، يؤكّد سميث على أنّ الدّعوة للاستيلاء على السّلطة قد جرى تعميمها وتداولها بشكل علنيّ لبعض الوقت، وبالتّالي قُضي على محدّد مهمّ في تعريف الانقلاب - ألا وهو السّريّة - وأنّ الحكومة المؤقّتة لم تكن حكومة منتخبة ديمقراطيّاً.
على أنّه ثمّة محدّد آخر لم يُشر إليه: ينطوي الانقلاب أيضاً على عملٍ قامت به مجموعة صغيرة تمثّل نفسها، أو كحدّ أقصى الجيش بالتّآمر مع مجموعة تمثّل أقلّيّة، مثل انقلاب جيش بينوشيه في عام 1973 بالتّآمر مع الطّبقات العليا التّشيليّة. بيد أنّ الاستيلاء البلشفيّ على السّلطة قد حدث بدعم من حركة جماهيريّة متزايدة ومُردكلة من العمّال والفلّاحين وجرى تأكيده بأغلبيّة الأصوات في المؤتمر الثّاني للسّوفيتات الّذي احتُفِل به بعد فترة وجيزة. لم تكن الثّورة البلشفيّة انقلاباً بل انتفاضة.

اقرأ أيضاً: العرب في الحرب العالمية الأولى
ومع ذلك، يبدو أنّ سميث يرغب في لو أنّ الثّورة البلشفيّة عام 1917 قد جرى تجنّبها. فهو يجادل، على سبيل المثال، بأنّ المشاركة الرّوسيّة في الحرب العالميّة الأولى كان يمكن أن يوقفها الاشتراكيّون المعتدلون (المناشفة والثّوريون الاشتراكيّون) من سوفيت بتروغراد. فلو استلم هؤلاء السّلطة في آذار(مارس) 1917، عندما كانوا ما يزالون يتمتّعون بغالبيّة السّوفيتات، لكان بإمكانهم، كما يؤكّد، التّرويج لسياسة سلامٍ والتّفاوض بشكل مباشر مع حكومات كتلة الحلفاء بدلاً من استهداف تعبئة الحركة الاشتراكيّة الدّوليّة. بل إنّ تعليقاً للأعمال العدائيّة يتّفق عليه مباشرة مع حكومات الحلفاء كان ليسمح، كما يكتب، بإحراز تقدّم في معالجة مشكلات حيازة الأراضي والأزمة الاقتصاديّة، وإقامة اجتماع سريع لجمعيّة تأسيسيّة.

أدّت الحرب العالميّة الثّانية إلى نمو توقّعات واضطّرابات شعبيّة في كافّة أنحاء العالم
تكمن مشكلة هذه الحجّة في أنّها تفترض أنّ السّياسيّين (الإصلاحيّين منهم على وجه الخصوص لأنّهم ملتزمون بأيديولوجيّتهم) يمكنهم أن يتصرّفوا ضدّ تكوينهم السّياسي وخبرتهم و، كما يقول ماكس فيبر، "مصالحهم المادّيّة والمثاليّة". كان هؤلاء الّليبراليّون والدّيمقراطيّون الاجتماعيّون المعتدلون ملتزمين بسياسات قاعدتهم المعتدلة الّتي كانت معارضة للثّورة، وبأيديولوجيا، كما يقرّ سميث نفسه في حيّز لاحق من كتابه، تُعارِض استيلائهم بأنفسهم على السّلطة، لأنّهم، ظانّين بصواب منظورهم، "اعتقدوا أنّ 'البرجوازيّة' مقدّر لها السّيطرة على الحكم، واختاروا الموافقة على طلب كتلة الحلفاء شنّ هجوم في حزيران (يونيو) بالرّغم من معرفتهم بالرّغبة الشّعبيّة المكثّفة في التّحرر من حرب عصيبة وعقيمة".

اقرأ أيضاً: قرن على الحرب العالمية الأولى
إنّه ينتقد التّحوّل إلى الثّورة في خضمّ الحرب. مستشهداً بكاوتسكي، يكتب قائلاً "إنّ ثورة نشأت من الحرب لهي علامة على ضعف الطّبقة الثّوريّة" بصرف النّظر عن التّضحية والتّدهور الأخلاقيّ والثّقافيّ الّذي تحمله. ومع ذلك، يعبّر هذا النّقد المعياريّ عن تفكير رغبويّ.
يُظهر السّجلّ التّاريخيّ أنّ الحروب غالباً ما تشوِّه وتضعِف الطّبقات الحاكمة، خاصّة تلك الموجودة في البلدان الخاسرة، ممّا يفتح إمكانيّة الثّورة - كما في حالة الكارثة الرّوسية في الحرب العالميّة الأولى الّتي ساعدت على إحداث الثّورة الرّوسيّة عام 1917، والهزيمة العسكريّة الروسيّة أمام اليابانيّين الّتي عززت ثورة 1905، والهزيمة الفرنسيّة في الحرب الفرنسيّة-البروسيّة الّتي أنتجت كميونة باريس عام 1871 - أو التّغيير السّياسيّ العميق - حيث لعبت هزيمة الدّكتاتوريّة الأرجنتينيّة في حرب مالفيناس (فوكلاند) عام 1982  دوراً حاسماً في الإطاحة ربّما بالطّغمة العسكريّة الأكثر دمويّة في أمريكا الّلاتينيّة.
وبالمثل، أدّت الحرب العالميّة الثّانية إلى نمو توقّعات واضطّرابات شعبيّة في كافّة أنحاء العالم عزّزت الثّورات المعادية للاستعمار في فترة ما بعد الحرب. ومع ذلك، لا ينبغي أن يؤخذ هذا الكلام باعتباره دعماً للحرب لأنّها قد تسهّل الثّورة؛ في الواقع، كان البلاشفة من بين أكثر المعارضين المتشدّدين للحرب العالميّة الأولى.
تأتي الثّورات، الّتي على شاكلة الثّورة الرّوسيّة، من أزمة متأصّلة في النّظام الاجتماعيّ نفسه. ويبدو أن سميث يقبل الأزمة الاقتصاديّة بوصفها أزمة متأصّلة في ذلك النّظام؛ لكن ليس الحرب. إذا اعتبر الحرب جزءاً متأصّلاً من أزمات النّظام، لكان من الأصعب عليه انتقاد الثّورة معياريّاً لكونها قد ولدت من الحرب. علاوة على ذلك، بينما وصف سميث بإسهاب معاناة الشّعب الرّوسيّ أثناء الحرب، فإنّه لم يستخلص أنّ الثّورات عادةً ما تكون أحداثاً متطرّفة تستجيب لظروف وأزمات متطرّفة بدورها. والأهمّ من كلّ ذلك، أنّ الثّوّار لا يختارون الظّروف الكارثيّة الّتي تحدث في ظلّها الثّورات.
يتبع الجزء الثاني ...


المصدر: صامويل فاربر، جاكوبين، 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

الخميني.. ثوري أم سارق للثورة؟

2020-02-20

ترجمة: علي نوار


مرّت قبل أيام الذكرى الـ41 لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ويسهم التعرّف عليها في فهم أفضل للخلاف القائم في الوقت الحالي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حركيات الثورة والثورة المضادة وآثار هذا الحدث في خلق تيار ثوري عالمي.

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة

كان الانقلاب الذي وقع عام 1953 بتدبير من الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" والاستخبارات البريطانية "إم آي6" والذي أطاح بحكومة محمد مصدق ذات التوجّه القومي في محاولة لمنع إتمام عملية تأميم النفط الإيراني، نقطة تحوّل بالنسبة لنظام الشاه رضا بهلوي. كان للقمع الذي مورس حينذاك دوراً كبيراً في تقوية ساعد "الجبهة الوطنية" وحزب "توده" المرتبط بصلات بالاتحاد السوفييتي السابق، وانخراطهما في المعارضة السياسية، كانت حصيلة القمع آلاف القتلى والمنفيين.

وفي العام 1957، أنشأ رضا بهلوي بمساعدة من الاستخبارات الإسرائيلية "موساد" والأمريكية "سي آي إيه" جهاز الاستخبارات والأمن الوطني الذي عُرف باسم "سافاك" واشتهر بكونه أحد أكثر أجهزة الاستخبارات دموية على مستوى العالم. كان الغرض من تكوين هذا الجهاز هو السيطرة على المعارضة الداخلية بإجراءات صارمة. كما عزّزت الملكية المطلقة للشاه وضعها بدعم الحرس الملكي والشرطة السرية.

الثورة البيضاء
كان الشاه يتطلّع إلى تحويل إيران لدولة حديثة على غرار الثقافة الغربية، ويرعى في الوقت ذاته المصالح الغربية في الشرق الأوسط أمام "التهديد السوفييتي" أثناء الحرب الباردة. وفي عام 1963 أطلق مشروعه الذي حمل اسم "الثورة البيضاء" بدعم من الرئيس الأمريكي جون كينيدي وبتمويل من عائدات النفط الهائلة والاستثمارات الأجنبية المتدفّقة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
وتضمّن المشروع سلسلة من الإصلاحات التحديثية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كان لها تداعيات هيكلية كبيرة على البلاد من أجل التقدّم على حساب القطاعات التقليدية والدينية. كما حدث تنويع في مجال الصناعة مثل؛ الطاقة الذرية والحديد والبتروكيماويات والمعدّات والآلات والمطاط. كما تم السماح بتأسيس النقابات وحرية الصحافة وتحديث النظام التعليمي من أجل إعداد الكوادر المطلوبة. رأى الشاه في ذلك الوقت أنّ "الثورة يجب أن تأتي من أعلى؛ لأنّه خلافاً لذلك فستأتي من الأسفل". كان الهدف هو خلق طبقة تحمي مصالح الشاه وجمع قاعدة شعبية بين العمّال والمزارعين، مع العمل في الوقت ذاته على تعميق العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة خصوصاً عن طريق شراء الأسلحة والمعدّات العسكرية من هؤلاء الذين يمنحونه حصانة دبلوماسية.

بدأت الثورة الإيرانية بصورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي

لكن خطة الشاه جلبت له أعداء جدداً من الطبقة الليبرالية القومية والشيوعيين والعرقيات التي تعاني القمع وعلى رأسهم رجال الدين الذين اعتبروا أنّ الشاه مسّ "الشريعة الإسلامية فيما يخصّ الملكية" بما أقدم عليه في "الإصلاح الزراعي" وانتزع أراضيهم كي يمنحها للمزارعين، علاوة على معارضتهم لمنح المرأة الإيرانية حقّ الإدلاء بصوتها في الاستحقاقات الانتخابية، كما أنّ دخول الاستثمارات الأجنبية ألحق أضراراً بكبار التجار المحلّيين الذين لم يكونوا راضين عما تؤول إليه الأمور.

وفي مدينة قم تظهر شخصية محورية في تاريخ إيران، إنّه آية الله الخميني. كان الرجل دائم التنديد بالإملاءات الأمريكية متهماً الشاه بالانقياد وراء القوى الأجنبية، وكان يطالب بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بداعي أنّ لا مساس بحق تقرير مصير البلاد. ومن تلك المدينة تعاونت "الجبهة الوطنية" مع المساجد لتظهر حركة ثورية امتدّت شرارتها إلى مدن أخرى من بينها طهران وتبريز وأصفهان. وبعد خمسة أشهر من القتال، كان القمع قد أودى بحياة 20 ألف شخص، على الأقل، ولجأ الشاه لزيادة صلاحيات الـ"سافاك". كان الخميني وقتها شخصية غير معروفة لكن نتيجة كل ذلك كان نفيه عام 1964 إلى العراق ليصبح شهيداً حياً.

التجار والمساجد

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة. تسبّبت الهجرة في ازدياد أعداد الفقراء بالمدن نتيجة لعدم قدرة الصناعة الإيرانية على استيعاب كل هذه الأيدي العاملة.

نجح الخميني في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد

في ذلك الوقت كانت المتاجر ذات أنشطة متباينة حيث يعمل الحرفيون والمرابون والخبازون وصنّاع القهوة وكانت تضم مساجد صغيرة بداخلها. تمكّنت هذه المتاجر من استيعاب قطاع من هؤلاء العمّال غير المؤهّلين، لينشأ مجتمع يستطيع فيه الناس أداء الصلاة والعمل والحظي بحياة اجتماعية، وكل ذلك تحت رقابة الشاه الذي حاول تفكيك هذه التجمّعات في أكثر من مرة عن طريق المزج بين مصالح الملالي وأصحاب المتاجر.

ودفع ذلك الملالي "رجال الدين الشيعة" للبدء في مرحلة مقاومة النظام عبر الترويج للخطاب الشعبوي الذي كان يرسله الخميني عن طريق تسجيلات مهرّبة تصل إلى ثمانية آلاف مسجد في البلاد. ووجد فقراء المدن، الذين تشكّلت أغلبيتهم من الشباب المحبط، في المتاجر وسطاً يمكنهم فيه طرح مطالبهم.

بداية الثورة

قرّرت منظمة الدول المنتجة للبترول "أوبك" عام 1973 رفع سعر برميل الوقود بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حروبها الإقليمية لتنشأ أزمة طاقة عالمية. كان ذلك يعني زيادة كبيرة في خزائن الشاه شجّعته على المضيّ قدماً في إصلاحاته، لكن الأمر انتهى به بالتبذير في الحفلات والإنفاق العسكري على السفن الحربية والدبابات والمقاتلات الحديثة. أثار ذلك الاستياء الشعبي خاصة وأنّ هذا المال الذي وعد الشاه باستثماره في تحقيق "الرفاه للجميع" ذهب إلى جيوب الدائرة المحيطة به.

وفي الأعوام التالية ونتيجة لأزمة اقتصادية عالمية ناجمة عن ارفاع معدّلات التضخم، ألقى الشاه باللائمة على كبار التجار في ارتفاع معدّل التضخم وشرع في حملة اتهامات وتشويه ضدّهم.

على التوازي وفي عام 1978 رفضت كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة رفع أسعار النفط مرة أخرى مثلما كان الشاه يقترح بغرض تعويض التضخّم، الأمر الذي كانت نتيجته أزمة اقتصادية حادة انعكست آثارها على أسعار وسائل النقل وقلّة مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، علاوة على فشل وفساد الحكومة وعجز الموازنة، ترك كل ذلك بالطبع آثاره الحادة على كبار التجار والطبقة الوسطى والعمال والعاطلين.

اقرأ أيضاً: حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟

تسبّب هذا الموقف في وضع الشاه في مواجهة الطبقة الوسطى التي كانت تنظّم نفسها في المساجد، وكذلك اتحادات الكتاب الذين كانوا يتعرّضون للقمع بسبب اجتماعاتهم العامة التي كانت تتطرّق إلى الهوية الثقافية لإيران. وفي كانون الثاني (يناير) 1978 لجأ الشاه مرة أخرى لتشويه الخميني واتهمه بمحاولة إعادة إيران للعصور الوسطى. خرج آلاف الإيرانيين مطالبين الشاه بالتراجع عن هذه التصريحات، لكنّهم تعرّضوا لموجة من القمع راح ضحيتها مئات القتلى. وخلال أيام الحداد الـ40 دُعي لتظاهرات جديدة في 12 مدينة، كانت النتيجة مصرع مئات الأشخاص أثناء الاشتباكات مع أجهزة الأمن. ومن هنا بدأت الثورة الإيرانية في صورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها بشكل حاشد الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي.

اقرأ أيضاً: غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

وفي آب (أغسطس) من ذلك العام عُرض فيلم عن احتجاجات مدينة آبادان، وحاصر الـ"سافاك" المشاهدين وأحرق دار السينما. الأمر الذي نتج عنه ردّة فعل عنيفة بتظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف المواطنين في عدة مدن ارتجّت بهتافات مثل "الموت للشاه" و"الولايات المتحدة ارحلي". وفي ذلك اليوم الدامي الذي كان الثامن من أيلول (سبتمبر) 1978 قُتل ثلاثة آلاف شخص على الأقل.

اقرأ أيضاً: كيف احتكر الخميني "الولاية" لحساب السياسة واعتزل الفقه؟

بيد أنّ ذلك لم يؤدّ لتوقف الاحتجاجات في كبرى المدن الصناعية. خاصة في المؤسّسات النفطية بالعاصمة طهران ومجمع الصناعات البتروكيماوية في بندر شابور ثم اندلعت في مدن أصفهان وشيراز وتبريز وآبادان. كانت شرارة هذه التظاهرات تمتد بوتيرة سريعة إلى باقي المصانع الحكومية ووسائل النقل والاتصالات. وفي غضون أيام معدودة، تراجع إنتاج النفط بنسبة 30% وكان لهذا الأمر تداعيات على السوق العالمية. وبسرعة خاطفة اكتسبت المطالب فيما يخصّ الأجور وتحسين ظروف الحياة طابعاً سياسياً لتصل إلى درجة إسقاط الشاه.

الميزان يختلّ

مع قرار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بطرد الخميني من العراق، لتجنّب حدوث انتفاضة شيعية في بلاده، اضطّر الخميني للسفر إلى فرنسا ومن هناك فتح خطاً مباشراً للتواصل مع المتظاهرين الذين أصبحت مطالبهم أكثر جذرية. لم يكن لدى الخميني خيار خلاف قيادة هذه العملية لاحتواء الحراك. وبالفعل نجح في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد في مواجهة نظام الشاه، وتمكّن من استمالة كافة الطبقات الاجتماعية، في الوقت ذاته عمل على إخفاء نواياه الحقيقية التي تتمحور حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات.

اقرأ أيضاً: فرح بهلوي: الخمينية جاءت مع أشرطة الكاسيت وستختفي مع الإنترنت

وطوال شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر)، أصيبت البلاد بالشلل التام نتيجة لإضراب عام أوقف بموجبه العمل في كافة معامل التكرير والمصانع والمتاجر والجامعات ووسائل النقل والاتصالات ومصانع الحديد ومناجم النحاس والسكك الحديدية والموانئ.

حاول الشاه تهدئة الشارع وبالفعل شكّل "حكومة مصالحة وطنية" يرأسها شابور بختيار عضو "الجبهة الوطنية" الذي عمل على سلسلة من الإصلاحات؛ حيث منح السجناء السياسيين حريتهم، وأوقف تزويد إسرائيل بالنفط، وخفّض الإنفاق على الجوانب العسكرية، وحل جهاز "السافاك". وبعث الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بالجنرال هويز لضمان وقوف القوات المسلّحة إلى جوار حكومة بختيار، وفي الوقت ذاته بدأت واشنطن مفاوضات مع المعارضة الليبرالية والإسلامية. لم يكن بوسع الولايات المتحدة السماح للاتحاد السوفييتي بإحراز تقدّم في الشرق الأوسط بعد تأسيس جمهورية ديمقراطية في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

وأخيراً أطاحت موجة الاحتجاجات بالشاه الذي هرب في عطلة دائمة منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 1979. وفي الأول من شباط (فبراير) استقبل خمسة ملايين شخص الخيميني. الذي شكّل سريعاً حكومة مؤقتة برئاسة بازارجان الذي كان عضواً في الجناح الإسلامي من "الجبهة الوطنية". وحاول أحد فصائل الحرس الملكي المقاومة لكنّه قُضي عليه من قبل فصيل آخر يؤيد الحكومة المؤقتة بالتعاون مع ميليشيات شبه عسكرية. لاحقاً أنشئ المجلس الثوري وحصل أنصار الخميني على حماية الحرس الثوري الذي أسّسه الخميني.

الثورة السليبة

كان سقوط نظام الشاه إيذاناً باندلاع اقتتال سياسي حول طبيعة النظام الجديد الذي يجب تأسيسه. لم يكن الخميني يقود الثورة بالكامل في ذلك الوقت. لذا توزّع التأثير بين النخبة الليبرالية واليسار. وظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار (مارس) حين سعى لفرض غطاء الرأس. ملأت مئات الآلاف من النساء شوارع طهران رفضاً لهذا الإجراء. ثم وفي مطلع أيار (مايو) 1979 احتشد 300 ألف شخص تقريباً في العاصمة. بينما امتنع الطلاب عن العودة لقاعات الدراسة.

اقرأ أيضاً: تكتيك الخميني في حرب أردوغان الخفية ضد الولايات المتحدة

في الوقت ذاته اتضحت معالم حراك الطبقة العاملة بفضل قدرتهم الاجتماعية والتي سمحت لها بإمكانية تنظيم نفسها في ما يعرف باسم مجالس الشورى، على غرار النموذج الروسي السوفييتي. وبالفعل نجحت هذه الطبقة في إيجاد آليات تنظيم تمكّنها من خوض انتخابات ديمقراطية بتمثيل حقيقي لا يعتدّ بمسائل النوع. وكان الهدف هو السيطرة على عملية الإنتاج ومصادرة المصانع من أجل إمداد السوق الداخلية باحتياجاتها وكذلك فقراء المدن. بل إنّ هذه الطبقة شكّلت حتى هيئات للدفاع الذاتي عن نفسها ضد الفصائل المسلحة التي كانت لا تزال تدين بالولاء للشاه ثم لاحقاً مواجهة القمع. وكرّر المزارعون الفكرة نفسها بمصادرة الأراضي، والحال ذاته في المناطق التي تعيش بها الأقليات الكردية والتركمانية والبلوشية، لقد كانت مجالس الشورى في طريقها لاكتساب مزيد من السيطرة على المناطق التي تنشط بها بغرض الحصول على حق تقرير المصير.

عصت مجالس الشورى تعليمات المجلس الثوري بالعودة للعمل وكذلك مطالبات الخميني بتفكيكها. كانت مجالس الشورى تضمّ أبرز الحركات اليسارية التي أصبحت منهكة بشدة بعد أعوام من قمع الـ"سافاك"، مثلهم في ذلك الإسلاميين، كانت وتيرة الأحداث هي التي تحرّك كل شيء.

عمل الخميني على إخفاء نواياه الحقيقية المتمحورة حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات

لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة لليسار كانت تكمن في أنّ أغلب الحركات تتبنّى استراتيجيات تجمّل من الخطاب الإسلاموي للخميني. في ذلك الوقت كان "توده" الحزب الذي يرتكز على أساس أفكار شيوعية ويرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، يروّج لفكرة "الثورة على مراحل"، بحيث تكون أولاها هي "مناهضة الإمبريالية" و"الديمقراطية" من أجل إنهاء الدكتاتورية بالتعاون مع القوى "التقدّمية" و"الوطنية"، ما كان يشمل النخبة الوطنية ورجال الدين من الملالي. وامتدّت هذه الفكرة لحركة "فدائيو الشعب" التي تمخّض عنها اندثار حزب "توده" المنخرط في النزاع المسلّح خلال الفترة بين 1970 و1976 والتي شهدت خسارته لعدد كبير من أعضائه نتيجة المواجهات مع "سافاك". وتكرّر الأمر نفسه مع حركة "مجاهدي خلق" التي قامت على مبادئ "الجبهة الوطنية" الإسلامية قبل أن تتجّه نحو الماركسية الماوية. أما التيار الوحيد الذي لم يؤيد ولو للحظة واحدة الخميني فكان حزب العمال الاشتراكي الإيراني ذي الخلفية التروتسكية الذي تأسّس في شباط (فبراير) 1979. كان الحزب يتمتّع بثقل كبير في مجالس الشورى بالمناطق النفطية مثل خوزستان وطهران.

اقرأ أيضاً: أي إرث للخميني بعد ثلاثين عاماً على رحيله؟

دخلت مجالس الشورى سريعاً في المواجهة مع الحكومة المؤقتة مطالبة بزيادة الأجور والارتقاء بظروف المعيشة بالتزامن مع تأميم عدد من المصانع. إلّا أنّ الأهداف السياسية لهذه المجالس بدأت في الاصطدام مع طريقة إدارة الخوميني وانزلاقه هو الآخر في فخ القمع بحيث باتت المعركة علنية. وبعد تخلّيه عن الزعامة الدينية كي يصبح زعيماً سياسياً، لجأ الخوميني لمناورة حيث دعا لاستفتاء في نيسان (أبريل) وكان السؤال: ملكية أم جمهورية إسلامية؟ وجاءت النتيجة بـ99% لصالح الخيار الثاني. وكشفت محاولات التيارات المختلفة لمقاطعة هذا الاستفتاء وانتخابات "مجلس خبراء القيادة"- التي شارك فيها 40% من الناخبين، أنّ سعي الخميني لإقامة "دولة إسلامية" لن يكون عملية يسيرة.

أدخل الخميني على مقترح الدستور الجديد نظام ولاية الفقيه، والذي يمنح بموجبه اختصاصات سياسية وقانونية هائلة لمجلس الخبراء، ومهّد الطريق أمام وجود المرشد الأعلى غير المسؤول أمام الشعب بل الله. كانت هناك حالة من الرفض الواسع داخل الحكومة المؤقتة، وكذلك آلاف المواطنين الذين رفضوا مسودة الدستور المكتوب بدماء ضحايا قمع آية الله، فضلاً عن تناسي حقوق الأكراد والآذريين الذين كانوا يتوقون للحصول على مزيد من الحكم الذاتي. جلب هذا الدستور قوانين قمعية تجاه المرأة وتأويل متشدّد من الشريعة الإسلامية. لكنه نصّ في نهاية المطاف على انتخاب رئيس البلاد بالاقتراع الشعبي المباشر، مع منح حقوق اجتماعية مثل؛ مجانية التعليم والصحة والإسكان وحرية التعبير وأشكال أخرى.

ظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار 1979 حين سعى لفرض غطاء الرأس

عمل الخميني على تعزيز موقعه بكل السبل الممكنة فقد دعم الطلاب الغاضبين في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عند اقتحامهم السفارة الأمريكية، بسبب زيارة الشاه لنيويورك، واحتجازهم لـ66 دبلوماسياً أمريكياً كرهائن طيلة 400 يوماً رغم أنّه عارض ذلك في البداية، قبل أن يعود ويؤيّد الطلاب في مواجهة "الشيطان الأعظم".

كما استفاد الخميني من غزو صدام حسين لإيران في 22 أيلول (سبتمبر) 1980 حيث ضمن تهدئة التوتّر الداخلي بينما عكف على إعدام ثمانية آلاف معارض بين عسكريين وعناصر تيارات يسارية ونساء وعمال وطلاب. لم تكن هذه الإجراءات نابعة من دوافع دينية بالتأكيد بل كان الغرض منها ترسيخ جذور النظام عن طريق نشر الرعب باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

اقرأ أيضاً: قبل سقوط الخمينية بقليل!

لقد بدأت الثورة الإيرانية بمطالب ديمقراطية واجتماعية منبعها الطبقات التي عانت الاستغلال، ومنحت الفئة العاملة الفرصة لخلق آليات ذاتية لتقرير المصير، بيد أنّ غياب قيادة ثورية وانسياق بعض المنظمات اليسارية وراء حكومة الخميني بذريعة أنّه سيؤسّس لنظام ديمقراطي، كانت نتيجتها استبدال نظام الشاه القمعي بآخر ذي خلفية دينية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/37DNiO7

للمشاركة:

هل يطيح العمال الإيرانيون بنظام الملالي؟

2020-02-19

ترجمة: محمد الدخاخني


إنّنا نعيش في عصر المعلومات. لكن حين يتعلّق الأمر بالتّغيير الجوهريّ في المجتمع، يظلّ العمّال الصّناعيّون المنظَّمون قوّة أساسيّة هائلة. وذلك صحيح تماماً في إيران كما هو في دولٍ حديثة أخرى.
قد تبدو الحركة العمّاليّة الإيرانيّة موضوعاً بعيداً في وقتٍ تُهيمن فيه على الأخبار موضوعات مثل عزل ترامب وبداية الانتخابات التّمهيديّة الرّئاسيّة الأمريكيّة، ناهيك عن خطر حصول وباء عالميّ من جرّاء فيروس كورونا. لكن ما تزال إيران قُمرةً للقيادة فيما يتعلّق بعددٍ من الأحداث المزعزعة للاستقرار في العالم - وقد يكون الاحتجاج العمّاليّ هو العامل المُتغيّر (إكس فاكتور) صاحب التّأثير الأكثر أهميّة على النّتيجة هناك.

اقرأ أيضاً: هل سيعزز فوز المتشددين في الانتخابات الإيرانية احتمالات الصفقة مع أمريكا؟
تتحرّك إيران ببطءٍ وبشكل غير منظّم نحو نقطة انعطاف محتملة. وثورة 1979 تشيخ، شأنها شأن قادة النّظام. ويعمل رجال الدّين الحاكمون في الدّاخل والخارج من خلال الحرس "البرتيوريّ" المعروف باسم الحرس الثّوريّ الإسلاميّ، الّذي تلاشت جاذبيّته الكاريزميّة مع رحيل الّلواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الشّهر الماضي.

شهدت إيران إضرابات متقطّعة لسائقي الحافلات وسائقي الشّاحنات وعمّال التّكرير وغيرهم
يُعدّ الحرس الثّوريّ الإيرانيّ اليوم طليعة دولة بوليسيّة تَحكم بالخوف. وبالنّظر إلى مهارة هذا الجهاز في قمع المعارضة، فإنّ الرّكود السّياسيّ في إيران قد يستمرّ لعقد آخر. لكن من الصّعب تخيّل أن يَحكم مثل هذا النّظام إلى الأبد أمّةً تتمتّع بثراء ثقافيّ واجتماعيّ. إذاً، كيف يمكن أن تتغيّر إيران؟
غالباً ما تُتَجاهل الحركة العماليّة الإيرانيّة في أيّ تقييمات تخصّ البلاد. لكن الاحتجاجات العمّاليّة كانت صاخبة وذات قاعدة عريضة وصَعُب قمعها لمدّة عقدين. وفي الواقع، قد يكون العمّال الغاضبون القوّة السّياسيّة الأكثر إخافة لنظام الملالي.

تتحرّك إيران ببطءٍ وبشكل غير منظّم نحو نقطة انعطاف محتملة. وثورة 1979 تشيخ، شأنها شأن قادة النّظام

شهدت إيران إضرابات متقطّعة لسائقي الحافلات وسائقي الشّاحنات وعمّال التّكرير وغيرهم. وقادة العمّال لَحِق بهم السّجن والتّعذيب، لكنّهم استمرّوا في العودة. ومن المؤكّد أنّ الشّكاوى الّتي تُغذّي احتجاجات الطّبقة العاملة قد تفاقمت مؤخّراً بسبب العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة، لكن الإضرابات في إيران تسبق إدارة ترامب بفترة طويلة. ويبدو أنّها تعكس الغضب الشّعبيّ من الفساد الدّاخليّ وعدم المساواة وسوء الإدارة، وليست مجرّد ردّة فعل على الضّغوط الخارجيّة.
هذا، وقد استطاعت النّسخة الفارسيّة من تلفزيون "بي بي سي" التقاط قلق النّظام من الاضطّرابات العمّاليّة، وذلك في مقالة نُشرت في كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي ونقلت بضعة تصريحات عن الرّئيس السّابق محمّد خاتمي. "إذا انضمّت الطّبقة الوسطى والطّبقة العليا إلى المتظاهرين من الطّبقة العاملة، فلا يمكن لأيّ قدرٍ من القوّة العسكريّة والأمنيّة أن يفعل أيّ شيء. سيكون النّظام في ناحية والشّعب في ناحية"، قال خاتمي، وفقاً للتّرجمة الّتي أجراها علي رضا نادر، محلّل الشّأن الإيرانيّ في مؤسّسة الدّفاع عن الدّيمقراطيّات.

اقرأ أيضاً: إيران و"تصدير الثورة"... أي مفهوم "ثوري"؟
وجاءت تعليقات خاتمي في أعقاب احتجاجات دراميّة في كافّة أنحاء البلاد في تشرين الثّاني (نوفمبر)، بعد أن زاد النّظام أسعار البنزين. وكانت المواجهة الأكثر دمويّة في مدينة معشور، في جنوب غرب إيران. فهناك، خرج المتظاهرون، بما في ذلك عمّال البتروكيماويّات، إلى الشّوارع، وردّ النّظام بوحشيّة، من خلال، كما يُزعَم، نيران الأسلحة الآليّة والمدرّعات. ونقلت إيران واير، وهي منظّمة إخباريّة مستقلّة تغطّي الشّأن الإيرانيّ، عن مسؤول من المنطقة قوله إنّ 148 متظاهراً قُتِلوا خلال خمسة أيّام.

يُعدّ الحرس الثوري طليعة دولة بوليسيّة تَحكم بالخوف، وبالنّظر لمهارته بقمع المعارضة، فالرّكود السياسي بإيران قد يستمرّ لعقد آخر

ومن جانبه، يقول بهنام بن طالبلو، المحلّل في مؤسّسة الدّفاع عن الدّيمقراطيّات: "يخشى النّظام العمّال المنظّمين، ويعلم جيّداً أنّ إضرابات عمّال النّفط كانت ضروريّة لإسقاط الشّاه في عامي 1978 و1979". وخلال مقابلة معها، أوضحت مريم ميمارساديغي، الّتي تُتابع أوضاع النّقابات العمّاليّة الإيرانيّة والّتي شاركت في تأسيس مبادرة مجتمع مدنيّ تدعى تافانا، أنّ هناك "تآزراً بين الإضرابات العمّاليّة والاحتجاجات الموجودة في الشّوارع".
وأنتجت الحركة العمّاليّة الإيرانيّة بعض الزّعماء الشّجعان على مدار العقدين الماضيين، بمن فيهم منصور أوسانلو، الّذي سُجن في عام 2005 بعد أن شكّل اتّحاداً لسائقي الحافلات عبّر عن احتجاجه من خلال رفض تحصيل أجرة الرّكّاب، ومحمّد حسين سبهري، وهو منظّم أحد نقابات المعلّمين وقائد احتجاجات لأكثر من عقد، بالرّغم من الاعتقالات المتكرّرة.

استمرّت الاحتجاجات العمّاليّة في النّموّ بالرّغم من القمع، وفقاً للبيانات الّتي جمعها كلّ من كيفان هاريس وزيب كالب من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. فمن خلال رصدهما الصّحف الإيرانيّة، وجدا أنّ الاحتجاجات ارتفعت من عام 2012 إلى عام 2016 وأنّ الإضرابات خارج طهران زادت بشكل حادٍّ خلال ذلك الوقت، كما كتبا لصحيفة ذي بوست في عام 2018.

أنتجت الحركة العمّاليّة الإيرانيّة بعض الزّعماء الشّجعان على مدار العقدين الماضيين، بمن فيهم منصور أوسانلو ومحمّد حسين سبهري

أظهر إضراب سائقي الشّاحنات في عام 2018 التّأثيرات المحتملة على المستوى الوطنيّ للاحتجاجات العمّاليّة. وكان بعض مسؤولي إدارة ترامب متحمّسين لدرجة أنّهم كانوا يأملون في تفاقم التّوتّرات الاقتصاديّة الّتي تسبّبت في الإضراب - بل وتنظيم شهادات لسائقي الشّاحنات الإيرانيّين في أمريكا. (واتّضح أنّه لم يكن هناك الكثير منها).
لكن حذار: الطّريقة الوحيدة المؤكّدة لتسميم الحركة العمّاليّة الإيرانيّة هي الدّعم القويّ من جانب الحكومة الأمريكيّة. بدلاً من ذلك، هذا التّحدي يقع في ملعب النّقابات العمّاليّة على مستوى العالم. وأذكر هنا بروز "حركة تضامن" في بولندا، عندما دعم نشطاء النّقابات في كافّة أنحاء العالم الحركة الّتي ساعدت في النّهاية على إخراج الشّيوعيّة عن مسارها في أوروبا الشّرقيّة. ومن شأن تعبئة دوليّة مماثلة لدعم العمّال الإيرانيّين أن تستحضر شعار "تضامن" الخالد.
يقود العمّال الغاضبون التّغيير السّياسيّ في إيران والصّين وحتّى في أمريكا دونالد ترامب. وعندما ترى موجة من الإضرابات تنتشر في كافّة أنحاء إيران، بالرّغم من القمع الوحشيّ، ستعرف أنّ إيران قد تدخل أخيراً حقبة جديدة.


ديفيد إغنيشوس، الواشنطن بوست

مصدر  الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/political-change...

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مارسيل فورستناو، بيتر هيله

أحد عشر قتيلا بينهم الجاني الذي استخدم السلاح بسبب الكراهية والعنصرية. هذا الاعتداء يبين أن خطر الإرهاب اليميني يتصاعد في ألمانيا ويشكل خطرا على السلم الاجتماعي فيها.

الجاني أطلق النار داخل اثنين من مقاهي تدخين النارجيلة (الشيشة) في بلدة هاناو بالقرب من فرانكفورت وقتل تسعة أشخاص وجرح على الأقل أربعة. ويبدو أنه قتل أمه ونفسه. وفي شريط فيديو روج الرجل قبلها لكراهية عرقية ونظريات مؤامرة. والسلطات لم تتعرف إلى حد الآن على توبياس ر.، كما قال وزير داخلية ولاية هسن بيتر بويت. وهل كان له اتصال مع يمينيين متطرفين آخرين وهل خطط للهجوم منذ وقت طويل، كل هذه الجوانب تحاول النيابة العامة التحقيق فيها.

الواضح هو أن خطر الإرهاب اليميني ازداد مؤخرا في ألمانيا. فالشرطة الجنائية الألمانية تصنف حاليا نحو 60 شخصا كخطيرين قد يرتكبوا إلى جانب حملهم الأفكار اليمينية المتطرفة أعمال عنف واعتداءات. ومنذ 2012 ارتفع عدد الأشخاص الخطيرين من الوسط اليميني المتطرف بشكل ملحوظ.

من الخيال إلى الفعل

وحجم قوة التهديد بصفة عامة يكشف عنها رقم من تقرير المخابرات الذي يؤكد أن 12.700 يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الانترنيت. فالمجال الافتراضي له مفعول تحفيزي، إذ أن خلية إرهابية تم الكشف عنها مؤخرا  تطرفت عبر الشبكة العنكبوتية. وهذا ينطبق أيضا على شتيفان ب. الذي كان يعتزم في أكتوبر 2019 تنفيذ مذبحة داخل كنيس يهودي في بلدة هاله.

في كفاحها ضد المتطرفين السياسيين والدينيين تقف سلطات الأمن أمام مشكلتين كبيرتين: من يترجم  خياله العنيف إلى أفعال ومن يقف وراء ذلك؟ وهذه القضايا ينشغل بها النائب العام كريستوف هيبكير من مكتب الجريمة في الانترنت في ولاية شمال الراين وستفاليا. فمنذ فبراير 2018 سُجلت حوالي 1000 دعوى جنائية متصلة في أغلبها بالوسط اليميني، كما قال في حديث مع دويتشه فيله. وكل دعوى جنائية تقريبا تحولت إلى إجراءات تحقيق. والمشكلة تتمثل في صعوبة "إخراج الناس من السرية".

مداهمات ضد مجموعة إرهابية مفترضة

والجمعة من الأسبوع الماضي فقط تمكنت الشرطة خلال مداهمة من الكشف عن مجموعة إرهابية. ففي عدة أماكن في ولايات متعددة فتشت الشرطة شقق 13 شخصا. وتم وضع أربعة إرهابيين مفترضين وثمانية مساعدين في الحبس الاحترازي. وتتهمهم النيابة العامة في كارلسروه بأنهم أرادوا التسبب في " ظروف مشابهة لحرب أهلية"، وذلك من خلال "اعتداءات غير ملموسة بعد" ضد سياسيين وطالبي لجوء ومسلمين. وللوهلة الأولى يبدو أن الشرطة والمخابرات والنيابة العامة تمكنت في الوقت المناسب من محاصرة مجموعة إرهابية. لكن الجزء الأهم في العمل ينتظر المحققين وهو تأكيد الاشتباه الحاصل بشكل مقنع حتى يتم توجيه التهمة للمشتبه بهم.

المحاكمة ضد فرانكو أ. لم تبدأ بعد

وصعوبة ذلك تكشف عنها حالة الجندي الألماني الموقوف عن العمل فرانكو أ.. فالملازم الأول قبع في 2017 طوال سبعة شهور في الحبس الاحترازي بسبب الإعداد "لهجوم خطير مهدد للدولة". ووُجهت له تهمة التخطيط لاعتداءات ضد سياسيين مشهورين، بينهم وزير الخارجية الحالي هايكو ماس ونائبة رئيس البرلمان كلاوديا روث.

وبالرغم من أن المتهم قام بجمع أسلحة ومتفجرات وتدوين أسماء ضحايا محتملين، رفضت المحكمة العليا في فرانكفورت أولا فتح تحقيق جنائي ضد فرانكو أ. والتعليل: "ليس هناك اشتباه جرمي كافي". وأكدت المحكمة العليا في فرانكفورت بالفعل أن اليميني المتطرف المفترض له "موقف قومي ومعادي للسامية"، واعتبرت في آن واحد أنه "من المرجح جدا" لم يكن "مصمما بعد" على تنفيذ الاعتداءات المخطط لها. لكن بعد اعتراض من النائب العام يجب على فرانكو أ. المثول أمام المحكمة بسبب الاشتباه بالإرهاب. ولا يُعرف متى تبدأ المحاكمة. والتصنيف الجنائي لهذه الحالة يؤكد تعقيد العقبات القانونية في ألمانيا رغم العديد من التعديلات القانونية، وبالتالي ليس مؤكدا أن المشتبه بهم بالارهاب الاثنى عشر المعتقلين منذ أيام ستُوجه لهم في النهاية التهمة.

تشديد عقوبة جرائم الكراهية

على الأقل قد يتم قريبا معاقبة جريمة الكراهية في الانترنت بشكل أقوى. وعرضت الحكومة الألمانية مشروع قانون يوم الاربعاء 19 فبراير/ شباط 2020. وفي حال وافق البرلمان بغالبية، يمكن ملاحقة تهديدات القتل والاغتصاب في الانترنت بعقوبة السجن حتى ثلاث سنوات. وإلى حد الآن تصل هذه العقوبة إلى سنة واحدة. وبشكل مشدد أكثر يُراد معاقبة الاعتداء على سياسيين محليين بعقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات. وتشديد القوانين المبرمج هو رد فعل على التهديدات المتزايدة بحق سياسيين عبر الانترنيت. وهذا ما حصل مع المسيحي الديمقراطي فالتر لوبكه من ولاية هسن قبل أن يتم إطلاق النار عليه في يونيو 2019 من قبل يميني متطرف مشتبه به.

ومن المتوقع أن يكلف قانون جديد لمكافحة جرائم الكراهية في ألمانيا الجهاز القضائي نحو 24 مليون يورو سنويا، وذلك في شكل تكاليف إضافية ناتجة عن تعيين مزيد من وكلاء المدعي العام والقضاة، وفقا لتقديرات الحكومة الألمانية.

وقال المدير التنفيذي لاتحاد القضاة الألمان، سفن ريبين إن هذا المبلغ ليس كبيرا إذا قورن بمئات الآلاف من الجرائم التي قد تحصل بفعل قواعد التسجيل الجديدة للشبكات الإلكترونية. وأضاف ريبين في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية أنه من المهم أن يكون القضاء الألماني قادرا على تنفيذ القانون الجنائي بشكل واسع النطاق، في ظل تشديد هذه القواعد، وذلك لردع الجناة.

وبموجب القانون الذي أقره مجلس الوزراء الأربعاء، تلتزم المواقع الإلكترونية مثل فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات بعينها فور نشرها، وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، على الدعاية النازية والتحضير لجريمة إرهابية، ومنشورات العنف، إضافة إلى تهديدات القتل والاغتصاب ونشر صور الاعتداءات الجنسية الجسيمة بحق الأطفال. ورحب المدير التنفيذي لاتحاد القضاة بهذه الخطوة وقال إن الحكومة "صبرت كثيرا على فيسبوك وشركاه، وذلك من خلال سياستها المترددة ضد جرائم الكراهية".

واتخذت سلطات الأمن الألمانية في السنوات الأخيرة عدة إجراءات، بينها حظر بعض المجموعات اليمينية المتطرفة، إلا أن هذه الإجراءات على ما يبدو لم تأت بعد بمفعولها الرادع.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية