إعادة النظر في الثورة الروسية.. القمع الثوري

إعادة النظر في الثورة الروسية.. القمع الثوري
2624
عدد القراءات

2018-12-26

ترجمة: محمد الدخاخني


البلاشفة في السّلطة
يوثّق كتاب كتاب س. أ. سميث، "روسيا في الثّورة: إمبراطوريّة في أزمة 1890-1928"، كيف، بعد مقاومة قويّة لانتفاضتهم، كما حصل في موسكو، تمكّن البلاشفة وحلفاؤهم من اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ من توطيد السّلطة والتّأييد. وإخلاصاً للوعود الّتي قطعوها، شرعوا على الفور في إدخال تغييرات رئيسة، مثل إضفاء الشّرعيّة على سيطرة العمّال على الإنتاج، وهو الأمر الّذي كان قد جرى بالفعل على أرض الواقع بدون قَيْد من ديناميكيّات السّلطة المزدوجة الّتي تطوّرت خلال الحكومة المؤقّتة.

الانتفاضة البلشفيّة النّاجحة شجّعت على ردكلة واسعة النّطاق بين الطّبقات العاملة والفلّاحيّة ما أدّى إلى توسيع التّأثير البلشفيّ 

وبالمثل، فقد منحوا حقّ الانتفاع للفلّاحين الّذين كانوا قد استولوا بالفعل وإلى حدّ كبير على الأراضي. وبالإضافة إلى ذلك، قاموا بإلغاء العمل بعقوبة الإعدام في الجبهة وأسّسوا لانتخاب ضبّاط الجيش، وأبطلوا جميع التّرفيعات والمراتب الاجتماعيّة، وأقرّوا حقّ تقرير المصير لشعوب الإمبراطوريّة من غير الرّوس، وقاموا بتأميم البنوك، وأسّسوا الزّواج المدنيّ، وأصلحوا حروف الأبجديّة، وشطبوا الدّيون الأجنبيّة. وبعد فترة وجيزة، أدخلوا مجموعة واسعة من حقوق المرأة والمثليين بالإضافة إلى الحقّ في الإجهاض. إنّ الانتفاضة البلشفيّة النّاجحة، كما يشير سميث، قد شجّعت على ردكلة واسعة النّطاق بين الطّبقات العاملة والفلّاحيّة، الأمر الّذي أدّى - إلى جانب مبادرات الحكومة الجديدة - إلى توسيع السّوفيتات والتّأثير البلشفيّ إلى ما وراء المراكز الكبرى للسّلطة الثّوريّة.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الثورة الروسية.. أسئلة السلطة والحرب
تحوّلت الحكومة الثّوريّة أيضاً إلى مسألة إنهاء مشاركة روسيا في الحرب، وإلى انتخاب ممثّلين للجمعيّة التّأسيسيّة لوضع دستور، والّتي كان قد وعد بها منذ فترة طويلة منذ سقوط القيصر وجرى تأجيلها من جانب الحكومة المؤقّتة.

المجالس العمالية (السوفيات) ببطرسبرغ
بدأت انتخابات الجمعيّة التّأسيسيّة أخيراً في أواخر تشرين الثّاني (نوفمبر) 1917 واستمرّت حتّى كانون الأوّل (ديسمبر) من ذلك العام. ووفقًا لما ذكره سميث، فإنّ نتائج 75 من أصل 81 دائرة انتخابيّة في روسيا أظهرت إجمالي 48.4 مليون صوتاً صحيحاً مدلى به، حصل منها الثّوريّون الاشتراكيّون على 39.5 في المائة، والبلاشفة على 22.5 في المائة، والكاديت على 4.5 في المائة، والمناشفة على 3.2 في المائة. فمن بين الجميع، خرج الثّوريّون الاشتراكيّون باعتبارهم أكبر الفائزين، لا سيّما في المناطق الرّيفيّة حيث تركّزت أصواتهم. (من بين الشّعوب غير الرّوسيّة، صوّت أكثر من سبعة ملايين للأحزاب الاشتراكيّة غير الرّوسيّة، بما في ذلك ثلثي سكّان أوكرانيا الّذين صوّتوا لصالح الثّوريّين الاشتراكيّين الأوكرانيّين أو القوميين الأوكرانيّين أو الدّيمقراطيّين الاشتراكيّين الأوكرانيّين).

يربط سميث فكر لينين بالتّقليد الثّوريّ الرّوسيّ الّذي يراه تقليداً سلطويّاً، مستشهداً بكتّاب مثل تشيرنيشيفسكي ونشاييف وتكاشيف

لكن انتهى المطاف إلى أن صار الانتخابات محلّ نقاش. فحُلّت الجمعيّة التّأسيسيّة على يد حكومة البلاشفة واليسار الثّوريّ الاشتراكيّ، ولم تنعقد من جديد، عندما رفضت الجمعيّة الّتي يهيمن عليها الثّوريّون الاشتراكيّون إقرار مبدأ السّلطة السّوفيتيّة. جادلت الحكومة بأنّ الجمعيّة لم تُمثِّل حقّاً القوى الفعليّة المشاركة فيها نظرًا لأنّ قائمة مرشّحي الثّوريّين الاشتراكيّين للجمعيّة قد قدّمت قبل انقسام الثّوريّين الاشتراكيّين إلى الحزب الثّوريّ الاشتراكيّ واليسار الثّوريّ الاشتراكيّ (المتحالف مع البلاشفة في الحكومة)، ممّا يعني أنّه لم يتمّ تمثيل الحزب الأخير في الاقتراع الانتخابيّ.
يزعم سميث أنّه في خمس من الدّوائر الانتخابيّة السّت الّتي كان يُنافس فيها اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ دون حلفاء، لم يقم بنجاحات كبيرة، ويبدو أنّه يشير بذلك إلى أنّهم لم يحصلوا على الكثير من الدّعم. ومع ذلك، فإنّ نتائج الانتخابات في هذه الدّوائر القليلة قد تكون أيضاً نتيجةً لتمكّن ترشيحات اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ من التحصّل على بطاقة الاقتراع قبل المدّة المحدّدة، قبل أن ينغمس واقع الانشقاق في أذهان أنصارهم في تلك الدّوائر.

اقرأ أيضاً: اهتمام أمريكي بمئوية الثورة البلشفية: الشمولية تبعث روسيا مجدداً
فيما يتعلّق بانسحاب روسيا من الحرب، في وقت مبكّر من تشرين الأوّل (أكتوبر) وتشرين الثّاني (نوفمبر) 1917، فتحت الحكومة الثّوريّة مفاوضات مع ألمانيا لإخراج روسيا من الحرب من خلال الدّعوة إلى سلام بدون تعويضات أو ضمانات، وحقّ تقرير المصير لدول الإمبراطوريّة الرّوسيّة. ثمّ شرعت في نشر المعاهدات السّرّيّة الّتي وضعتها كتلة الحلفاء لإثبات الطّابع الإمبرياليّ للحرب. وردّت ألمانيا بعرض شروط قاسية للغاية مقابل إنهاء الأعمال العدائيّة.

اقرأ أيضاً: هل يأتي يوم يحكم فيه الاشتراكيون أمريكا؟
وما كان إلّا أن انقسمت الحكومة الثّوريّة حول هذه القضيّة: جادل لينين بقبول فوريّ لتلك الشّروط في ضوء عجز روسيا عن مقاومتها، وجادل فصيل شيوعيّ يساريّ بقيادة بوخارين وبدعم من اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ ضدّ الاستسلام ومن أجل مواصلة حرب ثوريّة غير تقليديّة لنشر الثّورة حتّى ألمانيا، وجادل تروتسكي منطلقاً من موقفه "الوسطيّ" لـ"الّلاسِلم، الّلاحرب"، والّذي كان ينطوي أساساً على تسريح الجيش الروسيّ دون توقيع أيّ معاهدة مع ألمانيا. (من الجدير بالملاحظة أنّ هذا الصّراع داخل الحزب البلشفيّ قد جرى التّعبير عنه بشكل علنيّ وشَمِل أدبيّات فصائليّة جرى توزيعها على نطاق واسع على الجمهور، وهي حقيقة مهمّة تشير إلى تعدّديّة الحزب البلشفيّ قبل الحرب الأهليّة - وذلك، كما هو واضح، في تناقض قويّ مع حملة القمع الّتي ستأتي بعد فترة وجيزة من تلك الحرب وتغطّي بقيّة تاريخ الاتّحاد السّوفيتيّ - الّتي لم يأتِ سميث على ذكرها).

لم تترك الخسائر لروسيا  أيّ خيار سوى اعتماد اقتراح لينين

أصبحت الشّروط الألمانيّة للسّلام أكثر تشدّداً مع استمرار هجومها النّاجح. تركت الخسائر الّتي تكبّدتها روسيا في ذلك الهجوم إلى جانب تدهور الوضع الاقتصاديّ للبلاد الحكومة الثّوريّة دون أيّ خيار سوى اعتماد اقتراح لينين. وفي 3 آذار (مارس) 1918، وقّعت معاهدة السّلام مع ألمانيا في بريست ليتوفسك. كانت شروط المعاهدة كارثيّة بالنّسبة إلى روسيا: ففي مقابل السّلام، خسرت روسيا مقاطعات البلطيق، وجزءاً كبيراً من بيلاروسيا، وأوكرانيا بأكملها. بضربة واحدة خسرت روسيا ثلث إنتاجها من الزّراعة، وثلث سككها الحديديّة، وتقريباً كلّ إنتاجها من النّفط والقطن، وثلاثة أرباع فحمها وحديدها.

نتيجة لقرار الحكومة بالاستسلام لشروط السّلام الألمانيّة، رحل اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ عن الحكومة، تاركاً البلاشفة كحزب وحيد في السّلطة

نتيجة لقرار الحكومة بالاستسلام لشروط السّلام الألمانيّة، رحل اليسار الثّوريّ الاشتراكيّ عن الحكومة، تاركاً البلاشفة كحزب وحيد في السّلطة. وبعد فترة وجيزة، بدأت الحكومة تخسر في الانتخابات السّوفيتيّة الّتي تجري في كافّة أنحاء البلاد، ومثّل ذلك ردّ فعل سياسيّ نتج عن أزمة الغذاء في ربيع عام 1918، و، على نطاق أوسع، التّدهور المستمرّ في الوضع الاقتصاديّ في البلاد. يوضّح سميث ذلك بمثال ياروسلافل، وهي مدينة مهمّة تقوم على صناعة الغزل والنّسيج، حيث منحت إعادة الانتخاب الجزئيّ لنوّاب سوفيت العمّال في أواخر نيسان (أبريل) المناشفة سبعة وأربعين نائباً، والبلاشفة واليسار الثّوري الاشتراكيّ ثلاثة عشر نائباً. فما كان إلّا أن ردّت الحكومة البلشفيّة بحلّ السّوفيت واعتقال المناشفة الموجودين في تلك المدينة، ممّا أدّى إلى وقوع إضرابات وفرض الأحكام العرفيّة لاحقاً. ثمّ بدأت الحكومة في اتّباع السّياسة نفسها في كلّ مكان، حيث ألغت السّوفيتات الّتي اعتبرتها قد سقطت تحت سيطرة قوات "معادية" مزعومة.

اقرأ أيضاً: الحياة السرية لزعماء الثورة في الاتحاد السوفييتي
يمثّل هذا بالنّسبة إلى سميث بداية نهاية ما كان في الأصل ثورة ديمقراطيّة. لقد أصبحت الحكومة الثّوريّة دولة حزب واحد وبدأت في القضاء على المنافسة متعدّدة الأحزاب في السّوفيتات.
هذا الحدث الهائل - الّذي لن تُلغى آثاره السّياسيّة أبداً - قد جرى الاستيلاء عليه لدعم تفسيرات مختلفة راديكاليّاً للثّورة تتراوح بين المدرسة التّوتاليتاريّة للحرب الباردة الّتي وصفته بأنّه يؤكّد الطّابع غير الدّيمقراطيّ للبلشفيّة منذ بدايتها، والمفهوم الستالينيّ الّذي يقضي بأنّ "الاشتراكيّة" ودولة الحزب الواحد لا يمكن فصلهما. بدلاً من ذلك، وكما جادلتُ في كتابي "قبل الستالينيّة"، حوّلت البلشفيّة السّائدة الضّرورات الّتي فرضتها الحرب الأهليّة القاسيّة إلى مزيّة وذلك جزئياً بسبب ظروف موضوعيّة وجزئياً بسبب بعض نزعات الأيديولوجيا البلشفيّة السّائدة الّتي أصبحت مهيمنة كردّ فعل على هذه الظّروف.
الحرب الأهليّة
عزّزت بداية الحرب الأهليّة، في أيّار (مايو) 1918، ذلك الحلزون المتحدّر، خاتمةً مصير الثّورة. مدّعية صلاحيات طارئة بسبب الأعمال العدائيّة، أعلنت الّلجنة المركزيّة للحزب البلشفيّ أنّ الحزب هو رئيس السّلطة السّوفيتيّة، وقرّرت أنّ "مراسيم وتدابير السّلطة السّوفيتيّة تنبع من حزبنا". وقد أعقب ذلك، في 14 حزيران (يونيو) من ذلك العام، قيام القيادة البلشفيّة بطرد المناشفة والثّوريين الاشتراكيّين من السّوفيتات بزعم استخدامهم الافتراء والتّآمر والتّمرّد المسلّح لزعزعة استقرار الحكومة، ولكن في الواقع خوفاً من الإطاحة بهم. وقد عزّز هذا من فقدان الدّيمقراطيّة في النّظام السّوفيتيّ الجديد.

أصبحت الحكومة الثّوريّة دولة حزب واحد وبدأت في القضاء على المنافسة متعدّدة الأحزاب في السّوفيتات

وردّاً على الوضع الاقتصاديّ البائس النّاجم عن الحرب الأهليّة، تبنّت الحكومة البلشفيّة سياسة "الشّيوعيّة الحربيّة" لمواجهة المهمّة الصّعبة المتمثّلة في إطعام البلدات والمدن، والحفاظ على أداء الصّناعة. يصف سميث هذه السّياسة بأنّها تنطوي على نظام مركزيّ للغاية لإدارة الاقتصاد بأكمله؛ تأميم معظم الصّناعات، واحتكار الدّولة للحبوب ومنتجات زراعيّة أخرى، وفرض حظر جزئيّ على التّجارة الخاصّة، وتقنين [:السّماح لكلّ شخص باستهلاك محدّد] المواد الاستهلاكيّة الرّئيسة، وعسكرة العمل. وقد عنى هذا وضع نهاية لسيطرة العمّال على الإنتاج وانخفاضاً دراماتيكيّاً في استقلاليّة الفلّاحين، وقد كانتا (سيطرة العمّال على الإنتاج واستقلاليّة الفلّاحين) من الدّعامات الّتي عرّفت الدّيمقراطيّة السّوفيتيّة.

اقرأ أيضاً: الاشتراكيون بين اليوم والأمس
صحيح أنّ، كما جادل المدافعون عن الحكومة البلشفيّة منذ فترة طويلة، الحاجة لإطعام المدن وإمداد الجبهة، وليس الأيديولوجيا السّياسيّة، كانت السّبب البنيويّ الموضوعيّ لاعتماد سياسة الشيوعيّة الحربيّة هذه. لكن صحيح أيضاً، كما يوضّح سميث، أنّ معظم القيادة البلشفيّة إن لم تكن كلّها، اعتبرت هذه السّياسات بمثابة التّرحيب بوصول الشّيوعيّة.
كان هذا هو الحال، على سبيل المثال، مع نيكولاي بوخارين، الّذي أنشد المديح وأصبح النّصير النّظريّ الرّئيس للشيوعيّة الحربيّة في كتابه "اقتصاديّات الفترة الانتقاليّة"، وهو عبارة عن أطروحة تدور حول "عمليّة تحوّل المجتمع الرأسماليّ إلى مجتمع شيوعيّ". وقد شارك لينين على الأقلّ بعض مشاعر بوخارين عندما قال في عام 1919: "الآن اكتسب تنظيم الأنشطة الشّيوعيّة للبروليتاريا وسياسة الشّيوعيّين بكاملها شكلاً نهائيّاً ومستقلّاً؛ وإنّني على قناعة بأنّنا على الطّريق الصّحيحة".

تبنّت الحكومة البلشفيّة سياسة "الشّيوعيّة الحربيّة" لمواجهة المهمّة الصّعبة المتمثّلة في إطعام البلدات والمدن، والحفاظ على أداء الصّناعة

يتطرّق سميث للملاحظة الصّحيحة عندما يشير إلى أنّ "الإكراهات البنيويّة، والاحتمالات، والعواقب غير المقصودة كلّها ساهمت في تشكيل السّياسات الّتي ألّفت الشّيوعية الحربيّة"، ويضيف، على نحو معبّر، أنّ "خيارات هذه السّياسات لم 'تفرضها' فقط الظّروف الموضوعيّة: فقد جرى تحديدها من خلال المفاهيم السّائدة والتّوجّهات المتأصّلة عند [البلاشفة]، أحياناً كاختيارات واضحة، وأحياناً كردود فعل غير واعية". في هذه الحالة، يُجسّر حكم سميث الجيّد الفجوةَ بين ميل بعض اليساريّين إلى رؤية التّطوّر التّاريخيّ على أنّه فقط من نتاج الظّروف الموضوعيّة واستجابة بعض اليساريين الآخرين لذلك بتأكيدٍ لا يقلّ أحاديّة على الأفكار السّياسيّة والإرادة السياسيّة بوصفها مشكّلةً للتّاريخ.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
ولدى سميث وجهة نظر نقديّة للغاية حول مفاهيم وتوجّهات هؤلاء البلاشفة، لا سيّما لينين، الّذي يصوّره بجرّات قلم واسعة للغاية، بطريقة غير ناضجة إلى حدّ ما، كمهجوس بـ"الطّهارة الأيديولوجيّة، وإيمانه بسداده الأيديولوجيّ، وعدم استعداده لتقديم تنازلات، وعاداته السّلطويّة في الفكر والعمل"، كما لو أنّ سياسته كانت دائماً كما هي، دون تغيير، فيما يتعلّق بكلّ قضيّة. من الواضح أنّ لينين قد غيّر رأيه عندما دعا إلى تبنّي "السّياسة الاقتصاديّة الجديدة" عام 1921 والّتي اشتملت على دعمه للتّعاونيّات بوصفها لبنات لبناء الاشتراكيّة. كذلك غيّر لينين رأيه بشكل راديكاليّ حول ستالين، الّذي أخذ ينظر إليه في عام 1922 على أنّه "'قوميّ-اشتراكيّ' حقيقيّ وصادق بل ومتنمّر سوقيّ روسيّ كبير".

اقرأ أيضاً: هل تتخلى روسيا عن علاقاتها بحزب الله؟
ويربط سميث فكر لينين بالتّقليد الثّوريّ الرّوسيّ الّذي يراه تقليداً سلطويّاً، مستشهداً بكتّاب مثل تشيرنيشيفسكي ونشاييف وتكاشيف دون أن يتحدّث عن الاختلافات الموجودة بين كلّ واحد منهم، وبينهم وبين لينين. ومن المثير للدّهشة أنّه يتجاهل صِلات لينين طويلة الأمد بسياسات وتقاليد الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة الأوروبيّة الكلاسيكيّة، خاصّة كارل كاوتسكي، وهي القضيّة الّتي ناقشها مؤخّراً وبشكل مطوّل المؤرّخ لارس ت. ليه ونقّاده.

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور
لكن فيما يتعلّق بالحزب البلشفي ككلّ، فإنّه يمتلك مقاربةً أكثر دقّة. سامحاً بالتّغيير، يكتب أنّه في عام 1917، أصبح "حيواناً مختلفاً تماماً عن الحزب التّآمري المتماسك بإحكام الّذي تصوّره لينين عام 1903" حيث غمره العمّال والجنود والبحّارة بسبب رؤيتهم للبلاشفة على أنّهم "المدافعين الأشدّ عن مصالح النّاس العاديين". كما يعترف بأنّه لفترة من الزّمن سمح الحزب البلشفيّ بالتّعدّديّة، ويشير إلى أنّ "الماركسيّة-الّلينينيّة كانت مجموعة من الأفكار والقِيَم المتنوّعة للغاية"، والّتي اشتملت على "التّعايش بين مختلف مفاهيم الاشتراكيّة". كلّ هذا، على أيّة حال، انتهى في أوائل العشرينيّات، حيث أصبح الحزب موحّداً على نحو متزايد وألغى الميكانزمات الأساسيّة للدّيمقراطيّة.

انتهت الحرب الأهليّة في عام 1920، بانتصار الجيش الأحمر
لكن بصرف النّظر عن الخلفيّة النّظريّة الجامدة المفترضة والتّوجّهات المسبقة للينين والبلاشفة، فإنّ الشّيوعيّة الحربيّة، كما أجادل في كتابي "قبل الستالينيّة: صعود وسقوط الدّيمقراطيّة السّوفيتيّة"، بلورت ثقافة سياسيّة أقرّت، ليس كاستجابة مؤقّتة وضروريّة لظروف الحرب ولكن كميزة ثوريّة، قمع السّوفيتات متعدّدة الأحزاب، والإرهاب الأحمر (انظر أدناه)، بالإضافة إلى تدابير أخرى عرضت آنذاك مثل التّقييد الخطير لديمقراطيّة واستقلاليّة النّقابات، وقمع الحرّيّات السّياسيّة والقانونيّة والمعارضة الاشتراكيّة.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً
كما قلّلت الشّيوعيّة الحربيّة للحكومة البلشفيّة من دعم العمّال والفلّاحين، ممّا جعل الحكومة أكثر عزلة. لقد شهد الفلّاحون على وجه الخصوص أحد أكثر الجوانب دمويّة في تلك السّياسة مع المصادرة القسريّة لحبوبهم الّتي نفذت بموجب أوامر حكوميّة على يد "كتائب طعام" مكوّنة من مدِينيّين أُرسِلَت إلى الرّيف. وكثيراً ما تضمّن استيلاء الكتائب على ما يسمّى بفائض الحبوب جزءاً من النّظام الغذائيّ الضّئيل للفلّاحين، أو الحبوب المخزّنة لاستخدامها كبذور للموسم المقبل. وفي محاولة لاستخراج المزيد من الغذاء من الرّيف، قامت الحكومة، منطلقةً من تقسيمات طبقيّة خياليّة لا أساس لها في الرّيف، بإنشاء لجان من "فقراء الفلّاحين" (الكومبيدي) لتوزيع الحبوب والسّلع الاستهلاكيّة المصنّعة، والتّعاون في الاستيلاء على فائض الطّعام من الكولاك (أغنياء الفلّاحين).

اقرأ أيضاً: مائة سنة على نهايتها: الحرب العالمية الأولى من خلال الرواية
وفي المقابل، كان على لجان فقراء الفلّاحين أن تحصل على حصّة من الحبوب وغيرها من السّلع المُصَادرة، وهي ترتيبات تسبّبت بنيويّاً في وقوع العديد من الانتهاكات. يستشهد سميث بدراسةٍ لأكثر من ثمانمائة كومبيدي على مستوى القرية في تامبوف تُبيّن أنّ ثلث أعضائها لم يسبق لهم أن شاركوا في الزّراعة، وهي نتيجة تتّفق مع العدد الكبير من المجرمين وقطّاع الطّرق الّذين انضموا إلى الكومبيدي، وهو تطوّر يمكن التّنبؤ به بالنّظر إلى طرقهم العاميّة والتّعسفيّة في العمل. وليس من المستغرب أنّ أثارت هذه الّلجان كراهية الغالبيّة العظمى من سكّان الرّيف.
بحلول خريف عام 1920، بدأت تظهر بوادر مجاعة في منطقة فولغا، وفي عام 1921، أدّى الجفاف الشّديد إلى تدمير المحصول، ممّا أدّى إلى مجاعة جماعيّة للملايين، خاصّة في مقاطعتي فولغا وأورال الجنوبيّة. ربّما متوقّعاً هذه الأزمة الجديدة، في شباط (فبراير) 1920، اقترح تروتسكي استبدال المصادرة بضريبة عينيّة لتحفيز الفلّاحين على زرع المزيد من الحبوب، لكن هذا الاقتراح رفضته قيادة الحزب.

اقرأ أيضاً: العرب في الحرب العالمية الأولى
انتهت الحرب الأهليّة في عام 1920، بانتصار الجيش الأحمر على البيض، الّذين مثّلوا مصالح النّخب القديمة، بدعمٍ من قوى أجنبية مختلفة مثل بريطانيا والولايات المتّحدة. يصفهم سميث بأنّهم قوميّون روس في الغالب يهدفون إلى استعادة حضور دولةٍ قويّة، "روسيا واحدة وغير قابلة للتّجزئة"، والهيمنة الأيديولوجيّة للكنيسة الأرثوذكسيّة، وقمع "الفوضى anarchy" النّاجمة عن الصّراع الطّبقيّ الّذي ألهم الجماهير الثّوريّة الكارهة. كانت البلشفيّة بالنّسبة إليهم مؤامرة "ألمانيّة-يهوديّة" مفروضة على الشّعب الرّوسيّ، وكان مصطلح "يهوديّ" (جِيد) مساوياً لـ"شيوعيّ".
يقدّم سميث تحليلاً ممتازاً لأسباب غلبة الجيش الأحمر. أوّلاً، كما يجادل، كان أكبر من الجيش الأبيض. فبحلول خريف عام 1920، امتلك أكثر من خمسة ملايين مجنّد. وبالرّغم من أنّ أداء جنوده كان غير متكافئ، فإنّ توظيف تروتسكي للاختصاصيّين العسكريّين الّذين كانوا في الجيش القيصريّ قد ألغى أيّة ميزة يتمتّع بها الجيش الأبيض في الخبرة والتّجربة. ويشير سميث أيضاً إلى أنّ الحُمر كانوا أفضل في تشجيع الشّباب الموهوبين، ممّا سمح لهم بتخفيض نسبة الاختصاصيّين العسكريّين المعيّنين في هيئة الضّباط من ثلاثة أرباع عام 1918 إلى ما يزيد قليلاً عن الثّلث عام 1921.

قلّلت الشّيوعيّة الحربيّة للحكومة البلشفيّة من دعم العمّال والفلّاحين، ممّا جعل الحكومة أكثر عزلة

علاوة على ذلك، بينما كان سلاح الفرسان القوزاقيّ الّذي يقاتل إلى جانب البيض من نوعية عالية، فإنّهم لم يشعروا أبداً بالرّاحة في القتال خارج مناطقهم الأصليّة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت القوات البلشفيّة منظّمة بشكل أفضل ولديها قيادة موحّدة أكثر من البيض، وكان لديها إقليم أكثر تكاملاً واندماجاً كقاعدة لعمليّاتها. ويشير سميث أيضاً إلى أنّه بالرّغم من أنّ التّدخّل العسكريّ الأجنبيّ لدعم البيض من جانب فرنسا وبريطانيا والولايات المتّحدة كان كبيراً، إلّا أنّه لم يكن أبداً على النّطاق الّذي توقّعه البيض واحتاجوا إليه. ويعود هذا، كما يجزم سميث، إلى حقيقة أنّ حكومات كتلة الحلفاء اضطّرت إلى الكفاح داخليّاً مع شعوب سئمت من الحرب وكذلك مع المعارضة اليساريّة، وبالتّالي لم يكن لها أن تكرّس للحرب الأهليّة البشر والموارد المادّيّة الّتي كان البيض بحاجة إليها.
علاوة على ذلك، يكتب سميث، من وجهة نظر اجتماعيّة وسياسيّة، لم يكن للبيض أن يتمكّنوا من محو فكرة أنّهم كانوا حلفاء لملّاك الأراضي من عقول الفلّاحين وبقدر كراهية الفلّاحين لمصادرات الطّعام الّتي قام بها الحُمر، فإنّهم ما زالوا ينظرون إلى الحُمر على أنّهم الشّرّ الأقلّ. وبالمثل، فإنّ القوميات غير الرّوسيّة رأت أنّ الحُمر أيضاً أكثر تفضيلاً فيما يخصّ مطالبهم القوميّة من البيض.

اقرأ أيضاً: قرن على الحرب العالمية الأولى
ومع ذلك، جرى تحقيق النّصر الأحمر في الحرب الأهليّة بتكلفة كبيرة جدّاً. فالاستياء كان منتشراً بين الفلّاحين وكذلك بين العمّال الّذين عانوا، كما يشرح سميث بشكل مفصّل، من خسائر كبيرة في مستوى معيشتهم. وقد أدّى هذا الاستياء، من جهة، إلى تمرّد كرونستادت عام 1921، ومن جهة أخرى، إلى تبنّي الحكومة البلشفيّة، في الوقت نفسه تقريباً، سياستها الاقتصاديّة الجديدة الّتي هدفت إلى تهدئة ذلك الاستياء.

يتبع في الجزء الثالث ...

المصدر: صامويل فاربر، جاكوبين

اقرأ المزيد...
الوسوم:



تعرف إلى أخطر الأوبئة التي شهدتها البشرية‎

2020-04-02

ترجمة: علي نوار


أحدث فيروس كورونا "كوفيد - 19" أزمة عالمية غير مسبوقة، ومع وصول أعداد المصابين به لمئات الآلاف والوفيات لعدة آلاف، أعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 آذار (مارس) الماضي أنّ الأمر يتعلّق بجائحة.
لكن بالعودة إلى التاريخ يمكننا إدراك ما نحن بصدده بصورة أوضح، فبرغم حالة الذعر التي تسبّب فيها هذا الوباء القادم من الصين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فإنّه لا يزال بعيد كل البعد عن الأوبئة الأخطر والأشدّ فتكاً التي شهدتها البشرية، لذا من الضروري استعراض أهم هذه الأوبئة العالمية.
الطاعون الأنطوني (165-180) 5 ملايين ضحية
كلما عدنا إلى الخلف في خط التاريخ، تتراجع نسبة الدقّة فيما يخصّ الأمراض والنتائج المترتبة عليها، لكن هناك أدلّة تاريخية أكثر من كافية كي نعرف أنّ الطاعون الأنطوني كان مدمّراً في ذلك الوقت، فقد بدأ المرض في الانتشار بالإمبراطورية الرومانية بعد عودة القوات التي كانت تقاتل في الشرق الأوسط، ويُعتقد أنّ المرض ربما كان جدري أو حصبة، لكن لا يوجد إجماع بين المؤرخين حول هذه النقطة.

اقرأ أيضاً: هل يصيب الهلع من الأوبئة مجموعات دون أخرى؟
وجاءت تسمية هذا المرض من العائلة الملكية التي كانت تحكم روما خلال هذه الحقبة، وهناك بالفعل مؤشرات على أنّ الإمبراطور "لوتشيو فيرو"، الذي كان يتشارك الحكم مع ابنه بالتبنّي ماركو أوريليو، توفّي عام 169 متأثراً بإصابته بهذا المرض، كما تفيد التقديرات الحديثة بأنّ الوباء حصد أرواح 5 ملايين شخص، ليصبح سابع جائحة من حيث عدد القتلى في التاريخ.

 

طاعون جستنيان (541-542) 30 - 50 مليون ضحية
كانت بؤرة الوباء في مدينة القسطنطينية، إسطنبول حالياً، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية "الإمبراطورية الرومانية الشرقية"، حيث كانت بدايته من الفئران التي وصلت على متن السفن التجارية القادمة من مناطق مختلفة من أوراسيا، والتي كانت تحمل الطاعون الدملي النزفي.
وقد أصيب الإمبراطور "جستنيان" نفسه بالمرض، لكنه نجا منه، وتشير التقديرات إلى أنّ ضحايا هذا الطاعون يتراوح عددهم بين 30 إلى 50 مليون وفاة، ونتيجة لوجود عدة موجات منه، فقد صُنّف كرابع أسوأ جائحة في التاريخ.
وباء الجدري الياباني (735-737) مليون ضحية
تفشى هذا المرض نتيجة للتواصل بين اليابان وجيرانها في آسيا القارية، وأسفر عن ظهور أوبئة أخرى، وبدأ المرض عام 735 من مدينة دازايفو في منطقة فوكوكا، ثم نقله أحد الصيادين إلى كوريا، ليستفحل سريعاً ويصيب أغلب سكّان الجزر اليابانية، حيث حصد أرواح ما يقرب من ثلث اليابانيين.
الطاعون الأسود (1347-1351) 200 مليون ضحية
يُعدّ الجائحة الأخطر التي عرفتها البشرية، وصاحب التأثير الأطول في تاريخها، ويُعتقد أنّ المرض بدأ من آسيا الوسطى ومرّ عبر طريق الحرير وصولاً إلى شبه جزيرة القرم، التي تتنازع روسيا وأوكرانيا السيادة عليها في الوقت الحالي، عام 1343، حيث كانت البراغيث التي تعيش على أجساد الفئران سوداء اللون هي مصدر المرض الذي انتشر في جميع أنحاء أوروبا عن طريق السفن التجارية.
وتشير أقل التقديرات إلى أنّ هذه الجائحة الفتّاكة أودت بحياة 30 بالمئة من سكّان أوروبا، بينما ترتفع النسبة في إحصاءات أخرى إلى 60 بالمئة، واحتاجت القارة الأوروبية إلى 200 عام كاملة كي تستعيد عدد السكّان الذي كان موجوداً قبل الوباء، رغم أنّ مناطق أخرى، مثل مدينة فلورنسا الإيطالية والمدن المحيطة بها تأخّرت حتى القرن التاسع عشر.
الأنفلونزا الروسية هي أول جائحة من أنفلونزا (أ)

الجدري (1520) 56 مليون ضحية
كان مرضاً مجهولاً في الأمريكتين، لكنّه وصل مع الغزو الأوروبي، فقد دخل أولاً من المكسيك حالياً، حيث كان أحد عوامل انهيار إمبراطورية الأزتك، ويُعدّ ثاني أخطر وباء في التاريخ، حيث يُقدّر عدد ضحاياه بما يقارب الـ 90 بالمئة من تعداد سكّان القارة الأمريكية.
موجة طاعون القرن السابع عشر (1600) 3 ملايين ضحية
تعدّدت موجات الطاعون واختلفت مناطق بؤرها على مدار القرن السابع عشر، وكان أبرزها بؤرة لندن، التي شهدتها المدينة على مرّ عامي 1665 و1666، إلّا أنّها كانت آخر موجة من وباء الطاعون الدمّلي في إنجلترا.
موجة طاعون القرن الثامن عشر (1700) 600 ألف ضحية
ظهرت موجات أخرى من الطاعون في عدة دول خلال ذلك القرن، أهمّها تلك التي اجتاحت روسيا في الفترة بين عامي 1770 و1772، فقد تسببت بوفاة ما يتراوح بين 52 ألف و100 ألف شخص في موسكو وحدها التي تقلّص عدد سكّانها بمقدار الثلث.
الكوليرا (1817- 1923) مليون ضحية
كان عدم التخلّص من الفضلات البشرية وعدم توافر مياه الشرب هما السببان وراء تفشّي الكوليرا، وشهدت الفترة بين عامي 1817 و1923 أول ست موجات من هذا الوباء في مناطق مختلفة من القارة الآسيوية.
موجة الطاعون الثالثة (1855) 12 مليون ضحية
بدأت بؤرة الوباء الثالث من الموت الأسود في مقاطعة يونان الصينية أثناء العام الخامس من فترة حكم الإمبراطور شيانفينج من أسرة كينج، ومنها انتشر المرض في جميع ربوع العالم، رغم أنّ أي منطقة لم تعانِ نتائج كارثية مثل الهند؛ حيث توفّي قرابة 10 مليون إنسان جراء المرض، لتصبح بالتالي سادس أكثر جائحة مميتة في التاريخ.
الحمى الصفراء (أواخر 1800) 100 ألف -150 ألف ضحية
يعتبر العلماء أنّها بدأت من أفريقيا، حيث انتقلت من الرئيسيات إلى البشر، ووصل الفيروس وناقله، (بعوضة الحمى الصفراء أو الزاعجة المصرية وهي إحدى أنواع البعوض)، إلى الأمريكتين بواسطة سفن تجارة العبيد، وخلال القرن التاسع عشر ظهرت أوبئة قاتلة في القارة الأمريكية وأوروبا.
الإنفلونزا الإسبانية (1918-1919) 40 -50 مليون ضحية
كانت أول جائحة يتسبّب فيها فيروس الأنفلونزا "إتش 1 إن 1"، وأصبحت ثالث أخطر جائحة في تاريخ البشرية، نتيجة لمعدّل الوفيات المرتفع للغاية مقارنة بما هو مألوف، ويُعتقد أنّ 500 مليون إنسان على مستوى العالم أصيبوا بها؛ أي ما يعادل 27 بالمئة من إجمالي سكّان العالم في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: فتكت بالملايين وأبادت شعوباً.. أخطر الأوبئة عبر التاريخ
والمثير في الأمر هو أنّ إسبانيا لم تكن الأكثر تضرّراً من هذه الجائحة، لكن ما حدث هو أنّه في أعقاب الحرب العالمية الأولى قرّرت الكثير من الحكومات عدم نشر بيانات حول أعداد الوفيات جراء المرض في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، ولم تسر الأمور على هذا المنوال في إسبانيا، التي فضّلت النأي بنفسها عن الحرب، لذا أخذ الجميع يتحدّثون عن الأنفلونزا الإسبانية.
الإنفلونزا الروسية (1889 -1890) مليون ضحية
يصيب فيروس إنفلونزا (أ) "إتش 2 إن 2" الطيور، ويظنّ بعض الباحثين من الأطباء أنّه ظهر للمرة الأولى في روسيا عام 1889، على أنّ متخصّصين آخرين يدحضون هذه الاحتمالية، مؤكّدين عدم توافر أدلّة على أنّه كان الفيروس عينه، على أي حال قتلت هذه الجائحة مليون شخص.
الإنفلونزا الآسيوية (1957 -1958) مليون و100 ألف ضحية
إذا كانت الأنفلونزا الروسية هي أول جائحة من أنفلونزا (أ)، فإنّ الأنفلونزا الآسيوية كانت الثانية، ويرى بعض الخبراء أنّها نجمت عن حدوث تحوّر لدى البطّ البرّي وامتزاج ذلك الفيروس مع نوع من الفيروسات الذي كان يصيب البشر، اكتشف الميكروب للمرة الأولى في جيزهو بالصين، وامتدّ إلى سنغافورة، ومنها لهونغ كونغ، ثم الولايات المتحدة.
إنفلونزا هونغ كونغ (1968-1970) مليون ضحية
كانت ثالث فصول هذه السلسلة من الأوبئة، ورُصدت أول حالة مصابة بهذا المرض في هونغ كونغ في 13 تموز (يوليو) 1968، وبنهاية ذلك الشهر كان قد وصل إلى فيتنام وسنغافورة، فلم تتعلّم المنطقة من الأوبئة السابقة.
الإيدز (1981-الآن) 25 مليون إلى 35 مليون ضحية
ينتج الإيدز عن فيروس يصيب جهاز المناعة لدى البشر، ويعتقد أنّ مصدره هو الرئيسيات في وسط أفريقيا وغربها، واكتشف للمرة الأولى في مطلع القرن العشرين، لكن مجموعات فرعية من الفيروس نجحت في تطوير نفسها وبات لديها القدرة على إصابة البشر.
وبدأ الوباء مع ظهور فصيلة "إم" من فيروس الإيدز في ليوبولدفيل بجمهورية الكونغو الديمقراطية وأخذ في الانتشار بداية من العام 1981.
ويوجد في الوقت الحالي 37 مليون و 900 ألف شخص حول العالم يعانون مرض نقص المناعة، وتوفي بسببه 770 ألف شخص عام 2018 وحده، وتعدّ منطقة أفريقيا جنوب الصحراء هي الأكثر من حيث عدد الإصابات حيث يتواجد فيها 61 بالمئة من الحالات الجديدة.

 

سارس ( 2002 - 2003) 770 ضحية
هو اختصار لما يعرف باسم متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد، ويتسبب فيه أحد فيروسات عائلة كورونا، وهو "سارس - كوف"، ويختلف عن الفيروس الذي يقف وراء الجائحة العالمية الحالية وهو "كوفيد-19".
وفي الفترة بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 وتموز (يوليو) 2003، تفشى الوباء من بؤرته في جنوب الصين ليصيب 8 آلاف و98 شخصاً في 17 دولة، رغم أنّ أغلبية الحالات سُجّلت في الصين وهونغ كونغ.
وكان مصدر الفيروس هو خفاش حذوة الحصان الكبير، أحد أنواع الخفافيش، التي تعيش داخل كهوف مقاطعة يونان، ومن هناك انتقل إلى البشر، على أي حال لم تُرصد حالات جديدة للإصابة بالسارس منذ عام 2004.
إنفلونزا الخنازير (2009-2010) 200 ألف ضحية
كانت ثاني جائحة ناتجة عن فيروس "إتش 1 إن 1"، وبعد مرور قرن تقريباً على جائحة الأنفلونزا الإسبانية، لكن سلالة الفيروس المتسبب في هذا الوباء كانت جديدة كلياً عن "إتش 1 إن 1"، ونتج عن التقاء فيروسات أنفلونزا الطيور والخنازير والبشر مع الفيروس المسبب لأنفلونزا الخنازير الأوروآسيوية، لذا يُطلق عليه اسم أنفلونزا الخنازير.
ظهر الوباء على الخنازير في إحدى ولايات وسط المكسيك، ومنها انتشر، ويُقدّر عدد سكان العالم الذين أصيبوا بالمرض بما يتراوح بين 11 بالمئة و21 بالمئة.
ميرس (2012 -الآن) 850 ضحية
متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، ويتسبّب فيها أحد فيروسات عائلة كورونا كذلك، اكتشفت أول حالة في السعودية لرجل عمره 60 عاماً كان يعاني من التهاب رئوي حاد، وتوفّي الرجل بسبب الفشل الكلوي في حزيران (يونيو) 2012، ثم رُصدت حالتان أخريان في منطقة "الإحساء"، ومنها امتدّ إلى دول أخرى لا سيما في الشرق الأوسط، رغم أنّه انتقل إلى مناطق مختلفة مثل كوريا الجنوبية التي شهدت وباء عام 2015.
إيبولا (2014-2016) 11 ألف و300 ضحية
هو حمّى نزفية ناتجة عن فيروس يصيب البشر وبعض الرئيسيات، اكتشفت أولى الحالات في غينيا في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2013، ثم انتقل إلى ليبيريا وسيراليون، حيث كانت له تداعيات مدمّرة، وقد بلغت نسبة الوفيات بين المرضى الذين يودعون المستشفيات ما بين 57 بالمئة إلى 59 بالمئة.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/39vq7GV

للمشاركة:

كيف ساهمت أكاذيب ملالي إيران في انتشار فيروس كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-04-01

ترجمة: مدني قصري


تُعدّ الجمهورية الإسلامية اليوم، واحدة من أكثر الدول في العالم تأثراً بفيروس كورونا؛ حيث يتم التشكيك علناً في الأرقام الرسمية التي تُقدّمها؛ فهل تكذب إيران حول حصيلتها من ضحايا فيروس كورونا؟ وهل أخفت السلطات بداية الوباء؟

قال الناطق باسم وزارة الصحة الإيرانية إنّ معدل الإصابة يصل إلى 50 حالة جديدة كل ساعة ووفاة واحدة كل عشر دقائق

وفقاً للبيانات التي قدّمتها الحكومة في الأيام الأخيرة؛ تسبّب "كوفيد - 19" بوفاة 2898 شخصاً في إيران، من بين حوالي 44 ألف شخص مصاب، وكان الناطق باسم وزارة الصحة، كيانوش جهانبور، قد ذكر يوم الخميس الماضي أنّ معدل الإصابة يصل إلى 50 حالة جديدة كل ساعة، مقابل وفاة واحدة كل عشر دقائق.
وفي مقال نشره موقع "ouest-france.fr" الفرنسي، يتحدّث حول هذا الموضوع المحلل الإيراني ماجد رفيزاده، وهو إستراتيجي واستشاري أعمال، خريج جامعة هارفارد، وعالم سياسي، وعضو مجلس إدارة مجلة هارفارد إنترناشيونال ريفيو، ورئيس مجلس الولايات المتحدة الدولي للشرق الأوسط، ومؤلف لعدة كتب عن الإسلام والسياسة الخارجية الأمريكية.
بعد الصين، تأتي جمهورية إيران الإسلامية بالمرتبة الثانية في انتشار فيروس كورونا؛ حيث جعلت أكاذيب وتستّر الملالي هذا البلد أحد المراكز الرئيسية لانتشار الفيروس في بقية أنحاء الكوكب، وقد أصبح الوضع خطيراً لدرجة تجرؤ بعض أعضاء البرلمان الإيراني على التحدث علانية، وإدانة عيوب المؤسسة الثيوقراطية، فيما وصف المرشد الأعلى الإيراني، خامنئي، مؤخراً، فيروس كورونا بأنّه "نعمة".

كورونا "النعمة" في عيون خامنئي
ساهمت أكاذيب القادة الإيرانيين في انتشار فيروس كورونا بدول أخرى، ومن خلال اعتباره فيروس كورونا "نعمة"، يقترح المرشد الإيراني الأعلى أنّ هدفه هو نشر الفيروس إلى دول أخرى، وخاصة الغرب وإسرائيل، حسب ادعائه.
وتُعدُّ جمهورية إيران الإسلامية، ثاني أهم بؤرة لانتشار فيروس كورونا في العالم بعد حليفتها الصين؛ إذ جعلت أكاذيب وتستّر الملالي في إيران، من هذا البلد أحد المراكز الرئيسية لانتشار الفيروس في بقية أنحاء الكوكب؛ فقد زعمت السلطات الإيرانية أولاً عدم إصابة أي مواطن إيراني بالمرض، لكن سرعان ما كشفت التسريبات أنّ مسؤولين إيرانيين كبار قرروا إخفاء الحقيقة.

اقرأ أيضاً: انفجار خط غاز يفاقم أزمات إيران وتركيا
وظلّت السلطات الإيرانية، كلما وجدت نفسها في وضع يحتمُ عليها تقديم معلومات عن تطور الوباء في إيران، تُعلنُ أنّه لا يُسمح لها بالتواصل بشأن العدد الفعلي للأشخاص المصابين أو المتوفين، على سبيل المثال، قال رئيس كلية الطب في قُم، محمد رضا غدير، للتلفزيون الإيراني العام، إنّ وزارة الصحة حظرت نشر إحصاءات عن وباء فيروس كورونا.
كورونا أداة جهاد عالمي
السؤال المطروح الآن هو؛ هل يرى الملالي الحاكمون فيروس كورونا كأداة للجهاد العالمي، وهل يحاولون نشره عمداً في دول أخرى؟ وإلا كيف نفهم وصف أول ملا إيراني فيروس كورونا بأنّه "نعمة"؟
لا يرفض النظام الإيراني إبلاغ السكان والمجتمع الدولي بتأثير وباء فيروس كورونا في البلاد، فحسب، ولكنّه بالإضافة إلى ذلك، لا يتخذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة لوقف هذا الوباء، حيث إنّ قُم الآن أصبحت مركزاً لانتشار الفيروس على الصعيدين؛ الوطني والدولي، لكنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني أوضح أنّ الحكومة لا تنوي عزل المدينة أو أي مدينة أخرى.

ساهمت أكاذيب القادة الإيرانيين في انتشار فيروس كورونا بدول أخرى
وبالرغم من إدراك القادة الإيرانيين ارتفاع عدد المصابين، إلا أنّهم لم يتوقفوا عن السفر إلى الخارج. وفي هذا السياق كتب موقع "Eghtesad Online" على الإنترنت في 19 شباط (فبراير) الماضي أنّ المسؤولين الإيرانيين الذين زعموا تعليق رحلاتهم، كاذبون.
غياب الإحصائيات الدقيقة
من المهم تذكير الجمهور بأنّ الخطوط الجوية الإيرانية، لا سيما شركة "إيران للطيران" وشركة "ماهان إير"، قد استُخدِمت للنقل غير المشروع للأسلحة والأفراد العسكريين، بما في ذلك أعضاء فيلق الحرس الثوري الإيراني "CGRI"، فيلق النخبة في فيلق القدس وميليشيا الباسيج، وتخدم طائرات هذه الخطوط الجوية عموماً دولاً مثل سوريا دون أن يتم الإعلان عنها، ويُحظر على طيران "ماهان" الطيران في عدة دول بما في ذلك ألمانيا وفرنسا.

اقرأ أيضاً: السلطات الإيرانية تواصل إخفاء الأرقام الحقيقية حول كورونا
لا تمتلك الجمهورية الإسلامية الوسائل لقياس أثر المرض في إيران، وفي هذا الشأن أكّد محمد رضا غدير؛ أنّ "معظم الاختبارات يجب أن تجرى في طهران"، وأنّ "الإعلان يتم بعد ذلك في طهران"، فكما يبدو؛ إنّ النظام غير قادر على إجراء فحوص طبية فردية كاملة، بعد وفاة عدة أشخاص في مستشفى كامكار في قم، إذ يقول موظف في المستشفى؛ "ليس لدينا إحصائيات دقيقة، لدينا حالات وفاة مشبوهة منذ 10 أيام، وحتى قبل يومين، تم دفنهم جميعاً دون فحص دقيق، الاحتمال القائم أنّ هؤلاء الأشخاص أصيبوا بالفيروس".

برلمانيون ينتقدون المؤسسة الثيوقراطية
أصبح الوضع محفوفاً بالمخاطر لدرجة أنّ الأعضاء المنتخبين في البرلمان الإيراني تجرأوا على الظهور علناً وانتقاد المؤسسة الثيوقراطية لفشلها في التعامل مع الأمر بجدية؛ فقد كشف أحمد أميربادي، عضو البرلمان الإيراني، عن العديد من الحقائق الخفية، خلال مقابلته مع وكالة أنباء العمل الإيرانية "ILNA"، قائلاً؛ "فشلت جميع الإجراءات المتخذة للسيطرة على فيروس كورونا، وفشلت قمّ في منع انتشاره".

جعلت أكاذيب الملالي من إيران أحد المراكز الرئيسية لانتشار الفيروس في بقية أنحاء العالم

وأضاف أميربادي؛ "تفتقر الممرضات إلى ملابس الحجر الصحي المناسبة ويشعرن بالخوف الشديد عند رعاية المرضى، الممرضات لديهن العديد من المشاكل ولا يملكن سوى القليل من أدوات التمريض، كما تفتقر "قم" أيضاً إلى مجموعات المختبرات، علينا البقاء هادئين، ولكن بالنظر إلى حجم الأزمة، لا شيء يُجبرنا على التصرّف كما لو لم يحدث شيء، وباء كورونا موجود في قم منذ 3 أسابيع، وتم الإعلان عنه في وقت متأخر".
لقد ساهمت أكاذيب القادة الإيرانيين بطرق ملتوية في انتشار فيروس كورونا خارج حدود إيران، من خلال وصف فيروس كورونا بأنّه "نعمة"، يبدو أنّ المرشد الأعلى الإيراني يشير إلى أنّ هدفه نقل الفيروس إلى دول أخرى، وخاصة إسرائيل والغرب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
gatestoneinstitute.org

للمشاركة:

كورونا يتفشى بين الإسرائيليين ويكشف هشاشة التجهيزات الطبية

2020-03-31

ترجمة: إسماعيل حسن


شكّل فيروس كورونا المستجد تراكماً للعديد من الأزمات والمشاكل الكبيرة داخل إسرائيل، فلم يعهد أن تعرضت البلاد من قبل لحدث مشابه في حجمه كهذا. أعداد الإسرائيليين المصابين آخذة بالارتفاع؛ فمنذ بداية الأسبوع الماضي تمّ رصد مئات المصابين، هذا التزايد في أعداد المصابين يقلق جهاز الصحة، خاصةً مع وجود حالات خطيرة مهددة بالموت في أية لحظة، والحقيقة المؤسفة، في ظلّ تمدّد الفيروس بين بلدان العالم أجمع؛ أنّ العالم العلمي لا يمتلك، حتى الآن، أجوبة مطلقة عن طبيعة هذا المرض، في كلّ يوم تنشر بحوث تكشف عن مجال آخر له، لكن معظمها يستند إلى فرضيات وفي أغلب الأحيان إلى التخمين، أما عندنا فقد تبنّوا نموذج الحد الأقصى، هذا الوباء يحلّ بالإنسانية ويهدد حياتهم، فكلنا اليوم، كإسرائيليين، معزولون أكثر مما كنا فيه قبل بضعة عقود، يتصل الواحد بالآخر عبر شاشات ورسائل مكتوبة، والعزلة التي يفرضها علينا كورونا ستشتّت النسيج الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: أطباء يعتلون منابر المساجد في غزة للتوعية بفيروس كورونا
الكائن البشري كائن اجتماعي، يحتاج إلى اللمس والقرب من الآخرين، وفي ظلّ غيابهما تصبح البشرية أضعف وعديمة الأمان، معاً نحن أقوياء، أما إن أصبحنا كفجوات منعزلة فتسهل إخافتنا وقطع أوصالنا، هذا الوباء يرينا الآخرين على أنّهم مصدر للتلوث، ينبغي الحذر منهم وحفظ مسافة عنهم من المصافحة والعناق، وهي تجارب تعدّ جزءاً مما يعطينا الثقة بمن يحيطون بنا، بات الجيش الإسرائيلي يتحدث عن أزمة سترافقنا حتى ربيع 2021، فهل سنعود مرة أخرى، بعد انتهاء كل شيء، إلى عاداتنا القديمة الطيبة: اللمس والعناق؟!

شكّل فيروس كورونا المستجد تراكماً للعديد من الأزمات والمشاكل الكبيرة داخل إسرائيل
الحالة الاجتماعية، إلى جانب السياسية والاقتصادية، أصبحت في انهيار، في صباح ومساء كلّ يوم تسجل حالات إصابة جديدة بين الإسرائيليين، في ظلّ العزلة التي نعيشها أصبحنا محاصرين، السماء أظلمت وإسرائيل في طريق الإغلاق الكامل، والجيش يسيطر على الفنادق، والشاباك يسيطر على الهواتف، وحرس الحدود والحواجز في الطريق إلينا، بعد أيام سيصادف عيد الفصح، والأطفال هنا سيصيبهم الجنون، كما سيصيب آباءهم، عيد فصح دون استجمام وذهاب إلى المجمعات التجارية أو ديزني أو سوق حرة، أما الوضع الاقتصادي فهو في وضع لا يحسد عليه؛ 100 ألف عاطل جديد عن العمل، لدينا الآن أشخاص فقدوا أماكن عملهم ومصالحهم التجارية، وللحظة يبدو أنّه لا مستقبل لهم أو حاضر، وأنّ كلّ شيء انتهى، فكيف سيسددون الفواتير ويطعمون أولادهم في ظلّ الحصار.

في إطار الكفاح ضدّ فيروس كورونا؛ أثبت المواطنون العرب في إسرائيل وزنهم المركزي في منظومات فعل حرجة في الدولة

إنّ حدثاً مثل كورونا يستوجب تعاوناً جغرافياً، سواء على الصعيد المحلّي أو الإقليمي، ولكن في الوقت الحالي يوجد مثل هذا التعاون بالفعل بيننا وبين الفلسطينيين، لكن لا شكّ في أنّ منظومة علاقات سياسية أفضل كان من الممكن لها أن تضمن تعاوناً أهم بكثير، هذه لحظة سيكون من الصواب فيها إعادة النظر في الخريطة والتفكير بحلّ الكونفيدرالية الإسرائيلية الفلسطينية، التي تبرر الكفاح المشترك لإسرائيل وللدولة الفلسطينية العتيدة ضدّ كوارث طبيعية من أنواع مختلفة، ذلك يعدّ أحد المواضيع المركزية لقيامها منذ بداية اندلاع المرحلة الحادة للأزمة.
مع حلول منتصف آذار (مارس) الجاري؛ جرى تنسيق وثيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتنسيق غير مباشر بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، يتضمن ذلك التعاون بين الأطراف الثلاثة لنقل المعلومات وإعطاء عتاد طبي وترتيبات مشتركة، الترتيبات المشتركة بدأت فعلاً وهي خطوة صائبة، مثلاً؛ الطوق الذي فرضه الفلسطينيون على بيت لحم بعد أن اكتشف فيها انتشار الوباء، كانت هذه خطوة منسقة مع إسرائيل لقرب بيت لحم من القدس، وبسبب حركة حرس الحدود والجيش الإسرائيلي بين المدن، نقلت المعلومات الطبية إلى السلطة بواسطة الإدارة المدنية، وفي أعقاب ذلك طبقت طريقة العزل، وأيضاً الإغلاق على بلدة بيت ساحور المجاورة بعد اكتشاف إصابة ثلاثة من سكانها عملوا في بيت لحم وأصيبوا بالعدوى.

ضعف الاستعدادات الإسرائيلية وهشاشة تجهيزات الوزارات المختلفة في مواجهة الوباء
الأسبوع قبل الماضي؛ نقل منسق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية 200 طقم فحص إلى وزارة الصحة في غزة، وفي غضون بضع ساعات نشر في القطاع بيان عن وجود وسائل فحص لكورونا في مختبر الفحوصات الطبية، على مدى الأيام الماضية اجتاز حاجز إيرز 200 طقم آخرين، فلم يعد لدى الفلسطينيين في غزة نقص كما يدعون أنّهم معزولون ويفرض عليهم الإغلاق، ولكن ينبغي الاعتراف بأنّ الفيروس نجح في التسلل إلى الداخل، من خلال آلاف العمال الذين عادوا من إسرائيل أو المسافرين الذين عادوا من مصر، أعلنت حكومة حماس إغلاق المعابر والحدود، وهذا البيان أيضاً نسق مع جهاز الأمن في إسرائيل، وإن كانوا يحتاجون إلى هؤلاء العمال وإلى إخوانهم من الضفة ممن يعززون فرع البناء، لكنّها أيضاً تحتاج لغزة نقية من كورونا، الكلّ في المنطقة يعرفون جيداً أنّ جهاز الصحة في قطاع غزة لن يصمد أمام انتشار المرض، وسينهار أمام جموع المرضى كبار السن ممن سيحتاجون إلى المستشفى والعناية المكثفة والفيروس سينتشر بسرعة، ويضاف إلى المشكلة الوضع المالي المتهالك لغزة، ووكالة الغوث تواصل شراء أطقم الفحص لسكان القطاع، لكنّها تعيش عجزاً بمليار دولار بسبب المقاطعة الأمريكية لتمويلها، منظمة الصحة العالمية وبعض الدول خصصت تبرعات بوسعها أن توقف الموجة الأولى فقط إذا ما جاءت، تستعدّ إسرائيل لاستمرار انتشار فيروس كورونا في الضفة الغربية، ويخططون لاحتمالية انتشار هذا المرض في قطاع غزة، تناقش إسرائيل ما إذا كانت تسمح للمريض الأول الذي سيتم اكتشافه في القطاع بالحصول على العلاج في إسرائيل رغم نقص الأسرّة، أم ستخاطر بأن يسبّب الفيروس العدوى لمواطنين آخرين في القطاع!

اقرأ أيضاً: هل يؤسس "كورونا" لتحالفات دولية جديدة؟
مصدر في وزارة الصحة الإسرائيلية تحدث لـ "معاريف" قائلاً: "إسرائيل تتخوف من أن يتسبّب المريض الأول في القطاع بعدوى جماعية، ثم بأزمة كبيرة جداً على جهاز الصحة، حتى الآن لم تتحدث إسرائيل عن استيعاب مرضى الكورونا الذين تمّ تشخيصهم في الضفة، ضمن أمور أخرى بسبب الخوف من ألا يكون لدى جهاز الصحة الإسرائيلي ما يكفي من الأجهزة لاستيعاب جميع المرضى الإسرائيليين في حالة تفشي الفيروس".
المصدر أضاف؛ أنّ "إسرائيل والسلطة الفلسطينية لديهما إجراءات مشتركة للتعامل مع الكوارث الطبيعية، لكن لا يوجد أيّ إجراء لوضع مشابه حدث بسبب أزمة كورونا، فالوضع مختلف بالحديث عن الكورونا".

قبل أسبوع، يمكن القول إنّ بنيامين نتنياهو (يخضع الآن للحجر الصحي: المترجم) وقيادة وزارة الصحة قد أداروا بشكل جيد ومتوازن تلك الأزمة الصحية العالمية الأشد منذ مئة عام"، ويمكن القول إنّ إسرائيل حققت بفضل ذلك تفوقاً إستراتيجياً حرجاً، حين استبقت قسماً مهماً من دول العالم، بما فيها الدول الغربية الغنية القوية والكبرى، حين شددت تعليمات الحجر البيتي على كلّ من عاد من الخارج، وفرض سلسلة قيود في بداية الطريق، وذلك في 21 شباط (فبراير) من هذا العام، حين اكتشف المرضى الأوائل في البلاد، وبدت تلك القيود لبعض الناس متشددة أكثر مما يجب، غير أنّ بعض المشاكل الآخذة في الاتساع بدأت تثور، وبات ينبغي أن تستدعى وزارة الدفاع، كي تأخذ القيادة والسيطرة على الكفاح الوطني ضدّ كورونا، وأن ينتهج في البلاد بشكل قانوني وكامل اقتصاد الطوارئ.

أزمة كورونا كشفت نقصاً في العديد من المعدات والمستلزمات الطبية والحياتية المختلفة، وكذلك ضعف الاستعدادات الإسرائيلية وهشاشة التجهيزات

تنبغي الإشارة أيضاً إلى أنّ وزير الدفاع، نفتالي بينيت، أظهر قدرات مؤثرة للغاية في التنظيم الأسرع للاحتياجات الحيوية، مثل: إقامة مستشفيات للمرضى، ثم النجاح في تقديم المساعدة في توريد العتاد الحيوي للفحوصات، كما أنّ الشكل الذي ينقل فيه بينيت المعلومات الحيوية للجمهور عن الوباء، تميّز بالوضوح وأفضل بكثير من بعض الناطقين بلسان وزارتي الصحة والمالية، إحدى المشكلات التي تتبين في إدارة الأزمة هي نقص فحوصات كورونا، وليست المشكلة في نقص أطقم الفحص نفسها، بل في سياسة عنيدة تتبعها وزارة الصحة، التي اعتقدت أنّ لا حاجة للمسارعة لإجراء فحوصات جماهيرية لكلّ من ينبغي فحصه، ولكلّ من يريد؛ لهذا السبب منعت إدارة وزارة الصحة، على مدى أكثر من أسبوع، تفعيل حملة "إفحص وسافر"، بإدارة نجمة داود الحمراء، والتي كان مخططاً فيها فحص آلاف الإسرائيليين يومياً، ولغرض المقارنة منذ بداية الأزمة الحادة، في 23 شباط (فبراير)؛ فحصت نجمة داود الحمراء في كلّ البلاد 14 ألف شخص، والتوسيع المكثف للفحوصات سيحقق جمعاً حرجاً للمعلومات، من أجل رسم خريطة انتشار الوباء في إسرائيل، حسب المناطق، وسيسهل محاولات حصر انتشار كورونا.

إنّ التعليمات المتشددة لوزارة الصحة، مثلما هي في دول عديدة في العالم التي سبقتها إسرائيل، تستهدف محاولة حصر انتشار الوباء قليلاً، من خلال إبطاء وتيرة وصول المرضى الشديدين إلى المستشفيات، خوفاً من ألا يتمكنوا من توفير العلاج المعقول لآلاف المرضى الذين يحتاجون إلى التنفس الاصطناعي، فالوضع الصادم في شمال إيطاليا هو إشارة تحذير لكلّ أجهزة الصحة في العالم، ويشكّل سبباً مركزياً لأعمال غير مسبوقة على نطاق تاريخي تتخذ في العالم كلّه، ولكن يمكن لوزارة الدفاع أن تساعد في شراء سريع لعتاد وأجهزة تنفس وإقامة وحدات للعناية المكثفة التي تنقص في مستشفيات البلاد، وفي تجنيد جماعي لأطباء وممرضين وممرضات وطلاب طب وإغاثة للعمل الفوري في المستشفيات.

اقرأ أيضاً: لماذا تساعد الصين أوروبا في مواجهة وباء كورونا؟
إنّ أزمة كورونا في إسرائيل كشفت وجود نقص في العديد من المعدات والمستلزمات الطبية والحياتية المختلفة، مما كشف ضعف الاستعدادات الإسرائيلية وهشاشة تجهيزات الوزارات المختلفة في مواجهة الوباء؛ فقد أعلنت الجهات الإسرائيلية المسؤولة أنّ هذه الأزمة الطاحنة كشفت عدم وجود احتياطي كافٍ من وسائل الحماية ومواد التعقيم لمعالجة فيروس كورونا في إسرائيل، إضافة لوجود فجوة بين الوزارات في درجة الاستعداد لعلاج الأزمة، وسباق بين الجهات المختلفة منها الداخلية والمستشفيات للتزود السريع بقدر الإمكان لسد النقص مع وجود تنافس على الاحتياطي المحدود، وتشير المعطيات الإحصائية إلى أنّ وزارة الصحة ليس لديها مخزن لتخزين المعدات الطبية والأدوية لمعالجة مرضى كورونا، رغم زعمها الاستعداد لمواجهة طويلة، والأوساط الإسرائيلية وجهت انتقاداً لاذعاً لأداء الحكومة على خلفية دخول مئات العاملين بالمجال الصحي في الحجر الطبي مع تفشي كورونا، وزاد عددهم عن الثلاثة آلاف، رغم أنّ هؤلاء هم خطّ الجبهة في الحرب ضدّ الكورونا، وعرضة له أكثر من الآخرين، مع أنّ بعض المستشفيات الإسرائيلية لا توجد بها كميات كافية من مستلزمات الوقاية.

اقرأ أيضاً: كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟
الجيش الإسرائيلي بدأ يستجيب لنداءات الإغاثة ويستعد لإعلان فرض الإغلاق الكامل على كافة أرجاء إسرائيل لمنع انتشار كورونا، وسيشمل هذا الإجراء الأصعب وضع جندي عسكري بجانب كلّ شرطي مدني، وتوزيع ألف مركبة عسكرية لنقل مرضى الكورونا المحتملين من كافة المناطق، إضافة إلى أنّ قيادة الجيش صادقت على خطة تقضي بفرض حظر تجوال كامل في كل أرجاء إسرائيل، وهو السيناريو المتوقع أن يتم اللجوء إليه، ما سيضع المزيد من الأعباء على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خاصة أنّه من المتوقع أن يشمل القرار وقف كامل لحركة المواصلات العامة، والخشية الكبرى في صفوف الجيش تتعلق بأنّه إذا اندلعت حرب عسكرية حول الحدود المجاورة لإسرائيل، فإنّ الجنود لا يعرفون في هذه الحالة كيف سيقومون بمهامهم العسكرية والقتالية في حال علموا أنّهم مصابون بهذا الفيروس، وفي حال وصلت إنذارات أمنية ساخنة عن أحداث خطيرة حول الحدود، فإنّ الجيش سيضطر للانصراف إلى تلك الأحداث، وفي هذه الحالة ستكون الشرطة مضطرة للاستعانة بأعداد قليلة من الجيش لفرض إجراءاتها الاحترازية، وفي هذه المرحلة لا توجد خطط للاستعانة بجيش الاحتياط للعمل في خدمة الشرطة.

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
على صعيد أوروبا؛ مدير عام منظمة الصحة العالمية يؤكد أنّها أصبحت بؤرة لانتشار الكورونا في العالم، وهكذا تكون ورثت مكان الصين التي تنتعش مع مرور الأيام من الوباء، الحقيقة في أوروبا الشفافية أكبر بكثير، وخدمات الصحة المتطورة قادرة على أن توفر صورة وضع دقيقة نسبياً، وما تزال، وفق ما هو معروف حتى الآن، معدلات العدوى والوفيات في الشرق الأوسط، بقدر ما يمكن الثقة فيها، متدنية، باستثناء إيران، التي وصل إليها المرض على ما يبدو مباشرة من الصين.

عاملان جعلا أوروبا هشّة على وجه التحديد؛ أولاً السكان فيها كبار السنّ أكبر نسبياً من معظم دول العالم، بالتالي فهي عرضة أكثر للمرض، والسكان في إسرائيل أكثر شباباً بكثير، بالتالي؛ يمكن الافتراض بأنّ ضرر المرض في إسرائيل كفيل بأن يكون أقل خطورة، ثانياً؛ ردّ أوروبا كان متأخراً وبتردّد نسبي على انتشار الوباء، في معظم القارة كانت الخطوات جزئية ومحدودة؛ فردّ الفعل المتأخر والمتردد هذا يكمن في عادة الالتزام بالروح الأوروبية الراهنة، التي تضع في المركز الحرية والانفتاح.

اقرأ أيضاً: هكذا تواجه غزة المحاصرة فيروس كورونا
في إطار الكفاح ضدّ فيروس كورونا؛ أثبت المواطنون العرب في إسرائيل وزنهم المركزي في منظومات فعل حرجة في الدولة واندماجهم الناجح فيها، إذا ما تمّ إشراكهم بالشكل ذاته أيضاً في سلطات حفظ النظام وإنقاذ القانون، كفيل أن يسجَّل نجاح لهم أيضاً في الكفاح ضدّ وباء الجريمة والعنف، الذي يراه كثيرون في الجمهور العربي التهديد الأخطر لهم اليوم، جهاز الصحة في إسرائيل الآن في توقيت صعب، يعاني فيه من نقص كبير في الكوادر البشرية العاملة، من بين أسباب أخرى؛ لأنّ كثيرين خرجوا للتقاعد.

اقرأ أيضاً: هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟
العبء الكبير على الأطباء اليوم، هو المكوث لساعات عمل طويلة تدفعهم للتوتر، الجهاز يعتمد اليوم على العرب الذين يعملون فيه، ولو أنّ آلاف الأطباء والصيادلة والممرضات وعمال الصحة العرب الآخرين جلسوا في البيوت لانهار هذا الجهاز بالكامل، في المقابل؛ الشرطة تقيم في هذه الأثناء قيادة خاصة بمشاركة جنود حرس الحدود، وستعمل على تطبيق التوجيهات بأمر من وزارة الصحة، ومن السيناريوهات التي تدرب عليها جنود حرس الحدود هذا الأسبوع ورجال الشرطة؛ معالجة خرق الحجر أو خرق الإغلاق، بالطبع سيجد الإسرائيليين خلال الأيام المقبلة تضييقاً عليهم من قبل الشرطة وحرس الحدود، لكنّ كلّ ذلك يأتي من أجل سلامة المواطنين والبلاد من خطر الوباء.


مصدر الترجمة عن العبرية:
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-755269
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-755270

للمشاركة:



كورونا يهدّد ثلث الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حذّر المدير العام لمؤسسة "KONDA" التركية للدراسات والأبحاث، بكير أغيردير، من أنّ فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يهدّد عدداً كبيراً من المواطنين في تركيا.

أغيردير: التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة كورونا وحملة أردوغان لجمع التبرعات تفتقر للحسّ الجماعي

وأشار بكير أغيردير إلى أنّ الأطباء والعلماء يحذرون من أنّ الخطر الأكبر لفيروس كورونا يكون على كبار السنّ (أكبر من 65 عاماً)، أو المصابين بأمراض مزمنة، مشيراً إلى ثلث الشعب التركي إما من كبار السنّ أو مصاب بأمراض مزمنة.

أغيردير أوضح أنّ التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة فيروس كورونا وحملة التبرعات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية أردوغان تفتقر للحس الجماعي، مؤكداً أنّ مسودة قانون العفو الجديد المقدمة من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية غير كافية؛ لأنّها لا تشمل المعتقلين السياسيين والصحفيين، على حدّ تعبيره.

وأعلن وزير الصحة، فخر الدين كوجا، أمس، أنّ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل تركيا قد وصل إلى 15 ألفاً و679 حالة، وأنّها سجلت 277 حالة وفاة.

قانون العفو الجديد المقدّم من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لا يشمل السياسيين والصحفيين

وفي سياق متعلق بقانون العفو العام انتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حزمة الإصلاح القضائي الجديدة في تركيا، والتي تتضمن تعديلات على قانون العقوبات، ضمن مشروع قانون "العفو العام"، الذي تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية لتمريره من البرلمان خلال جلسات الأسبوع المقبل.

وأكّد وكيل رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، أنّ التعديلات لا تقضي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وبعد انتظار طويل، قدَّم حزب العدالة والتنمية وبدعم من حليفه حزب الحركة القومية، قبل يومين إلى البرلمان اقتراحه الخاص بـ "قانون العفو"، والذي يتضمن تعديلات على مدد العقوبات والإفراج المشروط عن معتقلين.

للمشاركة:

وفاة نحو 3 آلاف إيراني بسبب كورونا.. ومسؤولون يكذّبون تصريحات روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية؛ أنّ عدد ضحايا كورونا بلغ أكثر من 3 آلاف حالة وفاة، مؤكدة أنّ إيران لم تصل بعد إلى "مرحلة احتواء" تفشي الفيروس.

وأعلن كيانوش جهان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة في إيران، أمس، عن الإحصاءات اليومية لتفشي كورونا في البلاد، قائلاً: "توفَّى 138 شخصاً بفيروس "كوفيد-19"، خلال الـ 24 ساعة الماضية، وبلغ العدد الإجمالي للوفيات 3036 شخصاً".

وزارة الصحة الإيرانية تعلن أنّ عدد ضحايا كورونا نحو 3 آلاف حالة وفاة و47593 إصابة

وقال جهان بور أيضاً: "من بعد ظهر أمس وحتى اليوم، وبناءً على معايير تشخيصية نهائية، تم تسجيل 2987 مصاباً جديداً بفيروس "ـكوفيد-19" في عموم إيران، ووصل العدد الإجمالي للمرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بهذا بالمرض إلى 47593 شخصاً".

وبحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة الصحة؛ فإنّ 3871 من المصابين بالفيروس في حالة حرجة، فيما تماثل للشفاء حتى الآن 15473 شخصاً وغادروا المستشفيات.

ووفق وثائق وزارة الصحة الإيرانية، التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، فقد جاءت نتائج أكثر من 104 آلاف اختبار كورونا إيجابية، في حين رفضت بعض المراكز الطبية والمستشفيات إجراء اختبارات كورونا لعدد من المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

هذا وقد بعث 8 مديرين سابقين في القطاع الصحي وأعضاء هيئات علمية في جامعات العلوم الطبية في إيران، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقدوا فيها وجود إحصاءات ومعلومات خاطئة في تصريحاته حول أزمة كورونا، مشيرين في رسالتهم إلى الإحصاءات الرسمية بهذا الخصوص.

ولفت الموقعون في رسالتهم، التي تم نشر نصّها أمس، إلى الوتيرة المتصاعدة للإحصاءات المتعلقة بالإصابات الجديدة بفيروس كورونا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بناء على تقارير اللجنة الوطنية لمواجهة الفيروس، منتقدين تصريحات روحاني حول "تحسن الأوضاع".

مسؤولون سابقون في قطاع الصحة الإيراني: روحاني يقدم معلومات خاطئة عن كورونا

وقارن الموقعون بين إحصاءات الوفيات بفيروس كورونا في إيران والصين، وأكدوا وجود "أفكار واستشارات خاطئة" لدى الحكومة.

وفي جزء من رسالتهم، أعرب هؤلاء الأساتذة والمسؤولون السابقون عن استيائهم إزاء "نصيحة وذمّ" الشعب من قبل النظام.

كما انتقدوا استمرار عمل البنوك والدوائر، وتجاهل الأوضاع المالية لدى العمال، خاصة عمال المياومة، والعمال الموسميين.

وطلب الموقعون من الرئيس الإيراني تقديم إيضاحات حول مبلغ الـ 200 مليون يورو الذي تمّ وضعه لهذا الأمر، ودعوه إلى أن يبين المبلغ المخصص لإنتاج الأدوية، والمبلغ المخصص للاستيراد.

للمشاركة:

في مناطق طالبان.. تفجير يقتل مدنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

لقي سبعة مدنيين، على الأقل، مصرعهم، وأصيب مدنيان آخران، أمس، في انفجار هزّ إقليم هلمند، جنوب أفغانستان.

وقال الناطق باسم حاكم الإقليم، عمر زواك، إنّ حافلة صغيرة انفجرت، بسبب قنبلة زرعت على جانب طريق بمنطقة جريشك بالإقليم، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

انفجار هزّ إقليم هلمند الذي تسيطر حركة طالبان على مناطق واسعة منه وقتل 7 مدنيين

وأضاف زواك؛ أنّ أرقام الضحايا هي حصيلة أولية، وربما ترتفع، وأكّد عضو مجلس الإقليم، عبد الماجد أخوند زاده، أيضاً، حصيلة القتلى.

يذكر أنّ مسلحي حركة طالبان يسيطرون على منطقة واسعة من الإقليم.

في غضون ذلك، قال مسؤول أمني كبير؛ إنّ الحكومة الأفغانية ستفرج عن 100 سجين من طالبان اليوم، مضيفاً: "في المقابل ستفرج طالبان عن 20 من أفراد الأمن الأفغان".

اقرأ أيضاً: من هو شارلي شابلن أفغانستان وماذا يفعل؟

ويأتي تبادل الأسرى ضمن إجراءات بناء الثقة التي تعدّ أمراً حاسماً لنجاح اتفاق السلام الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، لإنهاء ما يقرب من عقدين من الحرب.

الحكومة الأفغانية ستفرج اليوم عن 100 سجين من طالبان مقابل 20 من أفراد الأمن الأفغان

ويمثل الإفراج عن 100 من مقاتلي طالبان الخطوة الأولى نحو تبادل 6000 سجين محتجزين لدى الحكومة الأفغانية وطالبان.

وكان فريق من طالبان، المكوّن من ثلاثة أعضاء، قد وصل إلى كابول لبدء عملية مبادلة السجناء واجتمع بمسؤولين أفغان، رغم إجراءات العزل العام المطبقة في البلاد للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد.

للمشاركة:



إبراهيم الزيات.. "عنكبوت" الإخوان في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حسام حسن

قبل عام، قدم الإخواني إبراهيم الزيات أوراق اعتماده كهمزة وصل بين شبكة تنظيم الإخوان في أوروبا والنظام التركي، حتى أصبح "عنكبوت" الجماعة في القارة العجوز، بحسب وثائق برلمانية وأمنية أوروبية.

ففي الثاني من يناير/كانون الثاني 2019، التقى مسؤولو الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) مع قيادات الإخوان في المسجد الكبير بكولونيا غربي ألمانيا، لتأسيس مجلس تنسيقي للمسلمين، يعمل كغطاء للتحالف المشبوه بين منظمات الطرفين.

ومنذ ذلك الوقت، برز اسم إبراهيم الزيات الذي يربط خطوط شبكة الإخوان في أوروبا، والعقل المدبر لأنشطة الجماعة، وحامل دفاترها المالية، وهمزة الوصل مع النظام التركي.

وبدا واضحاً أن الزيات يعد أهم الشخصيات المركزية في شبكة الإخوان بأوروبا، ويرتبط ارتباطا وثيقا مع كل التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط، والمؤسسات الإسلامية في تركيا، خاصة ميللي جورش (الرؤية الوطنية)، بحسب هايكو هاينش، الكاتب والباحث النمساوي المتخصص في شؤون الإخوان.

وفي حديثه لـ"العين الإخبارية"، أزاح هاينش الستار عن أن "الزيات هو العنكبوت الذي يربط خيوط شبكة الإخوان ببعضها، ويحمل أختام دفاترها المالية".

وتضع هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ألمانيا الزيات تحت رقابتها؛ حيث قاد لسنوات طويلة منظمة المجتمع الإسلامي، كبرى مؤسسات الإخوان بألمانيا، وفق تقرير لمجلة دير شبيجل.

وعادة ما تُخضِع هيئة حماية الدستور، التنظيمات والأفراد الذين يمثلون خطرا كبيرا على الديمقراطية ويهدفون إلى تقويض النظام السياسي، لرقابتها.

وأضافت مجلة دير شبيجل: "يمكن القول إن الزيات، هو قائد الفرع الألماني للإخوان، وأكد المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف قبل سنوات، هذا الأمر في تصريح رسمي".

مناصب متعددة
وبالإضافة لدوره كقيادي في شبكة الإخوان بأوروبا، يعد الزيات مؤسس ومدير اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، وشغل في السابق منصب أمين المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وجميعها منظمات محسوبة على الإخوان. 

ويتولى الزيات موقعا مسؤولا في مجلس إدارة منظمة الإغاثة الإسلامية التي قالت مذكرة حكومية ألمانية في أبريل/نيسان الماضي، إن فرعها في برلين؛ يملك صلات شخصية مهمة بالإخوان، وصلات مؤسسية بمنظمات قريبة من الجماعة.

لذلك، تصف التقارير الرسمية لهيئة حماية الدستور في ألمانيا، الزيات بأنه "مثل العنكبوت في شبكة المنظمات (الإسلامية) المتطرفة" في أوروبا.

الزيات نفسه يعتبر حلقة وصل أساسية بين تركيا والإخوان، ويمثل معبر الدعم التركي للجماعة في الدول الأوروبية ذات الجاليات الإسلامية الكبيرة مثل ألمانيا والنمسا وهولندا.

ويحظى الزيات بهذه المكانة بسبب علاقته القوية مع النظام التركي التي تشمل بعدا شخصيا، حيث إنه متزوج من ابنة أخت نجم الدين أربكان، مؤسس حركة ميللي جورش، وفق تقرير لمجلة فورين بولسي الأمريكية نشر في مايو/أيار الماضي.

وخلصت دراسة "الإخوان في النمسا" التي أشرفت عليها هيئة حماية الدستور النمساوية "الاستخبارات الداخلية" في 2017 إلى أن الزيات يملك أيضا روابط أيديولوجية قوية للغاية مع ميللي جورش، أحد أهم أذرع أردوغان في أوروبا، ويراها تنظيما عابرا للحدود، وذا تأثير قوي في الدول الإسلامية.

وذكرت وثيقة للبرلمان النمساوي تعود لـ25 يناير/كانون الثاني 2013، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها، أن "إبراهيم الزيات يقود الإخوان في أوروبا، ويملك علاقة قوية مع المنظمات التركية، خاصة ميللي جورش".

وأضافت أن "الزيات لا يبحث عن الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وإنما عن تعزيز التيارات الإسلامية المتطرفة".

ولفتت إلى أن الرجل "يملك روابط مالية قوية مع التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط"، و"أن السلطات في ألمانيا والنمسا تملك العديد من الملفات عن أنشطته، خاصة المعاملات المالية والاتصالات المريبة".

فيما ذكرت وزارة الداخلية بولاية شمال الراين ويستفاليا غربي ألمانيا في تقرير رسمي، أن "علاقات منظمة المجتمع الإسلامي في ظل رئاسة الزيات، كانت تتراوح بين الروابط الشخصية والمشاريع المشتركة، وتشمل المنظمات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط وتركيا، ومؤسسات مانحة يشتبه في دعمها الإرهاب".

شخصية مثيرة للجدل
ودائما ما يثير إبراهيم الزيات الجدل، حيث إنه غير مرحب به في كل مكان يوجد به. ففي سبتمبر/أيلول 2015، قدم النائب البارز في البرلمان النمساوي آنذاك، فيندلين مونتسر، طلب إحاطة للحكومة، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منه، حول مشاركة الرجل في أحد المؤتمرات في فيينا، واصفا إياه بأنه "قيادي كبير في جماعة الإخوان".

وفي مايو/أيار 2007، أحدث الزيات ضجة كبيرة في ألمانيا عندما حضر مؤتمر الاندماج الذي تنظمه وزارة الداخلية هناك.

وتسبب حضور الزيات للمؤتمر في انتقادات كبيرة للحكومة الألمانية آنذاك، لكن وزارة الداخلية الألمانية ذكرت في بيان حينها، أنها "لم تدع الزيات للمؤتمر، وفوجئت به".

وفي تصريحات لـ"دير شبيجل"، قال السياسي البارز بالحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا: إن "رجلا مثل الزيات لا يمكن أن يكون شريكا في حوار مع الحكومة".

فيما ذكرت وثيقة للبرلمان الألماني تعود لـ23 أكتوبر/تشرين الأول 2003، واطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها: "لم يكن إبراهيم الزيات في أي وقت من الأوقات شريكا معترفًا به في الحوار مع الحكومة الفيدرالية".

وأوضحت أن الزيات كان الممثل الأوروبي للرابطة العالمية للشباب الإسلامي، وهي منظمة تأسست في الولايات المتحدة، ونشطت حتى 11 سبتمبر 2001.

وتملك جماعة الإخوان وجودا قويا في ألمانيا، بـ1600 قيادي، إلى جانب العديد من المؤسسات.

وتصنف هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" في ألمانيا، الإخوان بأنها تهديد للنظام الدستوري والديمقراطي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

حول مستقبل الإسلام السياسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

بابكر فيصل

كتب رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، مقالا بعنوان "هل فشل الإسلام السياسي حقا؟"، حاول فيه قراءة مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، مقدما العديد من الدفوعات التي تنفي أفول نجم تلك الحركات.

قال الغنوشي إن "ما يسمى بالإسلام السياسي ليس في حالة تراجع وإنما هو بصدد إصلاح أخطائه والتهيؤ لطور جديد غير بعيد من الممارسة الأرشد للحكم، وإنه لا يحتاج إلى عشرات السنين ليسترجع فرصا أكبر تنتظره في زمن الفضاءات الإعلامية المفتوحة، وفي مواجهة مشاريع انقلابية عارية من غطاء قيمي وحضاري وسياسي".

وأضاف أن "الحركة الإسلامية في خطها العريض ودعك من الهوامش المتشددة التي لا تخلو منها أيديولوجيا وأمة، قدمت الإسلام مُتمما لمنجزات ومكارم الحضارات وليس باعتباره نقيضا من كل وجه لمنجزات التحديث كالتعليم للجميع ذكورا وإناثا ولقيم العدالة والمساواة حقوقا وحريات دون تمييز على أساس الاعتقاد والجنس واللون بما يكفل للجميع حقوق المواطنة والإنسانية والحريات الدينية والسياسية كما هو متعارف عليه في الديمقراطيات المعاصرة باعتبار المساواة في الحقوق والحريات تفريعا لازما من أصل التكريم الإلهي لبني آدم 'ولقد كرمنا بني آدم'".

لا شك أن زعيم حركة النهضة في حديثه أعلاه لا يصدر عن المقولات والأفكار الأساسية بل وحتى الممارسة التاريخية التي شكلت عقل وروح الحركات الإسلامية الحديثة التي ظهرت إلى الوجود في مصر عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

فهو ربما يكون يُعبر فقط عن حركة النهضة التي يزعم كاتب هذه السطور أن لها خصوصية لا يمكن تعميمها على الحركات الشبيهة في المنطقة العربية والإسلامية. هذه الخصوصية نابعة من تأثرها وسعيها للاستجابة لضغط معطيات الواقع الفكري والسياسي التونسي الذي يتميز على العديد من المجتمعات الأخرى.

فمن الناحية الفكرية طغى على ذلك الواقع تراث التنوير الديني الذي أفرزه "جامع الزيتونة" على يد علماء مستنيرين كبار من أمثال الطاهر بن عاشور، كما ساد مجتمع سياسي ومدني قوي تأثر كثيرا بقيم الحداثة الغربية، وهذا على العكس من القطع الذي أحدثه البنا مع إرث الإصلاح الديني الذي قاده الإمام محمد عبده وعلماء ومصلحين آخرين مثل الشيخ حسن العطار والطهطاوي وقاسم أمين وعلي عبد الرازق.

هذا الفارق الحاسم يتبين من خلال الأفكار الجوهرية التي عبر عنها البنا، فعلى سبيل المثال نجده يقول في قضية منح المرأة الحق في العمل والانتخاب: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردود عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين".

كتب البنا كلامه أعلاه في عام 1947 وبعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام فقط، أي في عام 1956 كانت تونس قد أقرت قانون الأحوال الشخصية الذي أضحى وثيقة فارقة في التشريع ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي ولكن على مستوى العالم حيث منح المرأة حقوقا غير مسبوقة.

لم يصدر قانون الأحوال الشخصية التونسي من فراغ بل مهدت له حركة فكرية تنويرية عبر عنها كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي أصدره في العام 1929، واعتبر فيه قضية المرأة من دعائم تقدم البلاد ولا تتعارض مع عقيدته.

أما حقوق المواطنة التي يتحدث عنها الغنوشي فلم يكن البنا يؤمن بها أصلا، فنجده على سبيل المثال يقول في "رسالة التعاليم" "لا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".

ليس هذا فحسب بل أن زعيم حركة الإخوان المسلمين في السودان الدكتور حسن الترابي لم يكن حتى وقت قريب يؤمن بقضية المواطنة، وكان يقول إنه لا يمكن لغير المسلم أن يُصبح رئيسا للدولة في الوقت الذي كان فيه المجتمع السوداني ومختلف قواه السياسية والحزبية قد تجاوزت هذه البديهية.

يحاول الغنوشي في حديثه كذلك أن ينفي عن تيار الإسلام السياسي صفة التشدد ويحصرها في هوامشه بينما التشدد والعنف هما مكونان أصيلان من المكونات الفكرية لهذا التيار. فالشيخ البنا كان في غالبية كتاباته وخطبه ومقالاته يخاطب أعضاء جماعته بلفظ الجنود، والتنظيم العسكري كان العمود الفقري للجماعة، وهو لم يكن ينفي ضرورة استخدام القوة للوصول للأهداف وإحداث التغيير.

يقول الغنوشي كذلك إن "الإسلاميين اليوم أكثر من أي وقت مضى يقفون على أنبل وأصلب موقع، فهم إلى موقع القرب العقدي والمفاهيمي الثقافي من الناس، هم يقفون كما في مصر يحملون أنبل الشعارات، مثل الدفاع عن إرادة الشعب والاحتكام لصناديق الاقتراع".

فما هو رأي المرشد المؤسس في قضية الديمقراطية؟ يقول البنا في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون"، وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الديمقراطية بالنظام "التافه".

أثبتت التجربة العملية أن رأي البنا في قضية الديمقراطية هو المبدأ الثابت والأصيل لدى أهل الإسلام السياسي، وأن تماهيهم مع العملية الديمقراطية لا يُعبِّر عن إيمان بها أكثر من تعبيره عن مصلحة مؤقتة، فهم متى ما رجحوا الفوز في الانتخابات تحوَّل أنصارهم إلى مدافعين عن صناديق الاقتراع ومتى ما عجزوا عن الوصول للسلطة عبر التصويت لجأوا للانقلاب العسكري، وخير دليل على ذلك هو التجربة السودانية حينما استولوا على السلطة في 1989 بعد الإطاحة بحكم شرعي ديمقراطي كانوا هم جزءا منه.

من المعلوم أن إرادة الشعب لا تقتصر على مجرد إيصال حزب ما للسلطة ومن ثم يُصبح في مقدوره العبث بالعملية الديمقراطية وتغيير قواعدها، فقد وصل هتلر للحكم في 1933 عبر الانتخابات، ولكنه بدأ في تحطيم النظام من الداخل حتى تمكن من إجهاضه بالكامل ومن ثم تحول لأسوأ دكتاتور أوروبي.

المدهش في الأمر هو أن أولى الخطوات التي اتخذها هتلر لتقويض النظام الديمقراطي تمثلت في تمرير قانون أطلق عليه اسم "قانون التمكين"، وهو قانون يُغيِّب البرلمان، ويمنح مجلس الوزراء سلطات تشريعية لمدة أربع سنوات، وهي خطوة شبيهة بتلك التي اتخذها الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عند تمريره لمرسوم جمهوري يحصِّن قراراته ضد أية طعون قضائية.

إن إصلاح الأخطاء يتطلب مراجعة جذرية للأصول الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، هذه المراجعة تشمل بالأساس الموقف المبدئي من مفاهيم الوطنية والديمقراطية والعلاقة بالآخر (المسلم وغير المسلم)، إضافة لنبذ منهج العنف والتشدد والإقصاء والتخلي عن الاستعلاء الذي يقود بالضرورة لطائفية بغيضة ظل يتميز تيار الإسلام السياسي منذ نشوئه وحتى اللحظة الراهنة.

عن "الحرة"

للمشاركة:

اليمن يعاني أزمات عدة.. إلا كورونا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

من المفارقات العجيبة واللافتة، أن بلدا فقيرا كاليمن الذي يعاني من ويلات الحرب وتبعاتها، كما يعاني الصراع والتفشي المتكرر للأوبئة؛ يعيش سليما معافى حتى اليوم من فايروس كورونا الذي ضرب معظم دول العالم وأدى إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص وإصابة مئات آلاف منهم.

ولم يسجل اليمن حتى اليوم أي إصابات بفايروس كورونا، وسط مخاوف متكررة وتحذيرات من أنه في حالة وصوله إلى البلد، ستكون له تبعات ونتائج كارثية في شتى المجالات، لاسيما أن هذا البلد الفقير يعاني من تدهور حاد في القطاع الصحي الذي بات شبه مدمر.

وعلى الرغم من عدم انتشار هذا الوباء في اليمن، صنع هذا الفايروس تأثيرات كبيرة على حياة السكان وعلى أعمالهم وحياتهم اليومية، وسط الإجراءات المتكررة المتخذة من قبل السلطات الحاكمة، سواء الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، أو جماعة أنصارالله الحوثية، التي تسيطر على صنعاء ومحافظات أخرى مكتظة بالسكان.

وضمن الإجراءات الاحترازية الرامية إلى منع وصول فايروس كورونا إلى اليمن، اتخذت مختلف السلطات إجراءات احترازية بينها إغلاق المنافذ الجوية والبرية وإيقاف العملية التعليمة بشكل عام، إضافة إلى إغلاق صالات الزفاف والمناسبات والمؤتمرات، مع إغلاق الحدائق العامة وبعض الأسواق.

ويشكو اليمنيون من التأثيرات السلبية التي جلبها هذا الفايروس على حياتهم، رغم عدم وصوله إلى البلاد، بسبب الإجراءات المتخذة التي أوقفت العديد من الأعمال، وأثرت بشكل كبير على حياة المواطنين الذين يعانون بالفعل من أزمة إنسانية كبيرة، حتى ما قبل المخاوف التي أثارها الفايروس التاجي.

وأجبر العديد من اليمنيين على إيقاف أعمالهم مؤقتا وبقائهم في منازلهم حرصا على سلامتهم من الفايروس، فيما يشكو آخرون من أن المخاوف من انتشار الفايروس قد أدى إلى ضرب حركة السكان في الأسواق والمؤسسات وغيرها.

الآلاف من العالقين في قلب اليمن

المخاوف من انتشار الفايروس، جعل جماعة الحوثي تقرر منع دخول أي مسافر ومواطن إلى المناطق الخاضعة لسلطتها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، فيما قامت الحكومة الشرعية بإجراء مماثل.

وأدى هذا القرار إلى خضوع الآلاف من المسافرين للحجر الصحي في ظروف سيئة بمحافظة البيضاء التي توصف بأنها قلب اليمن، وسط شكاوى من الظروف الصعبة التي يعانيها هؤلاء الخاضعون للحجر الصحي.

وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، “إن هناك مخاوف بشأن الآلاف من الأشخاص،  بينهم مهاجرون (من القرن الأفريقي) بمرافق الحجر الصحي في ظروف سيئة ومزدحمة بمناطق مختلفة في البلاد، كجزء من التدابير الاحترازية ضد كورونا”. وأكد أن “شركاء العمل الإنساني، يقدمون مساعدات منقذة للأرواح، للأشخاص في مرافق الحجر الصحي”.

ويقول محمد القحم، وهو أحد العالقين الخاضعين للحجر الصحي في منفذ عفار بمحافظة البيضاء لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ)، إنه يعيش ظروفا صعبة بسبب عدم وجود خدمات أساسية في الحجر الصحي.

ويضيف أن “الظروف هنا مأسوية للغاية، والناس يعيشون في واقع مزدحم غير خاضع لأي إجراء صحي سليم، ما قد يؤدي إلى انتشار هائل للفايروس إذا كان أحد المتواجدين مصابا بكورونا”.

ويتابع لافتا إلى “أنه إذا كانت هناك ضرورة وتشديد من قبل السلطات حول الحجر الصحي، يفترض أن يتم تقديم الخدمات الأساسية للمتواجدين هناك، ومحاولة التفريق في ما بينهم وعدم الزج بالعديد من الأفراد في غرف ومدارس تخلو من أي خدمات صحية”.

كورونا يفقد اليمنيين الدخل
مع بدء الإجراءات الاحترازية الرامية لمنع وصول كورونا، تأثر العديد من اليمنيين وفقدوا فرص عملهم، بسبب توقف المؤسسات أو الأماكن التي يعملون فيها، والتي أغلقت إجباريا، كما حدث في العديد من دول العالم.

ومن بين الذين فقدوا أعمالهم حاليا وتوقف دخلهم، عصام مهيوب، وهو يعول 6 من الأطفال ويعيش في صنعاء. يتحدث مهيوب عن وضعه مشيرا إلى أن فايروس كورونا تسبب في صنع تأثيرات سلبية على حياته، بعد أن توقف عمله في إحدى الوكالات المعنية بخدمات الحج والعمرة والسفر بصنعاء. قائلا “حاليا أعيش دون دخل، وأتمنى انتهاء هذه الجائحة التي سببت لنا أزمات نفسية ومعيشية، رغم أنها لم تصل اليمن”.

مأساة في بلد تطحنه الحرب

لم يكن فايروس كورونا هو الوباء الأول الذي يخشاه اليمنيون حاليا؛ فقد عانوا كثيرا خلال الفترة الماضية من تفشي الأوبئة كالكوليرا الذي أودى بحياة أكثر من 3700 شخص منذ العام 2017، وفقا لتقارير أممية رصدت أيضا وجود أكثر من مليوني حالة يشتبه إصابتها بالوباء ذاته في اليمن خلال الفترة ذاتها.

وفي حال مجيء فايروس كورونا إلى اليمن، فإن الوضع سيكون مختلفا ومأسويا بشكل أكبر من السابق، خصوصا أن هذا الوباء عجزت العديد من الدول عن التصدي له. وتقول الصحافية اليمنية المختصة بالجانب الإنساني عفاف الأبارة إن كورونا له تأثيرات كبيرة على المجتمع اليمني الذي تطحنه الحرب والأوبئة للعام السادس على التوالي.

وتضيف “لقد لاحظنا الكثير من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الأطراف المتصارعة من أجل مكافحة الفايروس؛ لكننا شاهدنا إجراءات بها الكثير من الاستفزاز والاستغلال لوضع المواطن، وتعريض حياته للخطر الحقيقي”.

وتطرح كمثال “استغلال جماعة الحوثي لوضع المواطنين القادمين من الخارج واستخدامهم كورقة سياسية للانتقام من خصومها في المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية، حيث لم تراع الجماعة وضع المواطنين المصابين بالأمراض المزمنة والأمهات والآباء الكبار في السن، الذين تم وضعهم في حجر صحي يفتقر لأدني مقومات الحياة”.

وتختم قائلة “بالتكاتف وتوحيد الجهود سيخرج الشعب من أزمة كورونا بأقل الخسائر، لكن ما نراه على أرض الواقع العكس، فالميليشيات والتشكيلات العسكرية التي أفرزتها الحرب ستواصل مشاريعها التخريبية، ولن يأتي اليوم الذي يهمها معاناة شعبها وآلامه وكل همها تنفيذ ما يملى عليها الخارج فقط”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية