"إرث بن لادن" لديفيد غارتنستين: لماذا نستمرّ بخسارة الحرب على الإرهاب؟

1746
عدد القراءات

2018-11-26

بعض الأفكار تسافر في العالم كالرؤى، وتظلّ تسبح في الفضاء بلا نهاية، وبعضها تتعتّق وتصبح أكثر روعة وسلاسة، وهذا هو حال كتاب ديفيد غارتنستين- روس "إرث بن لادن"؛ فمن السطر الأول في الكتاب (الصادر باللغة الإنجليزية العام 2011)، وباستشراف عميق؛ يختصر غارتنستين مسيرة إرهاب تنظيم القاعدة، الذي ما يزال حيّاً، رغم أنّ زعيمه بن لادن قتل وانتهى.

اقرأ أيضاً: المفاهيم المختلطة: كيف نفصل بين الإرهاب وجرائم الكراهية؟

فمن الخطأ الادّعاء بنهاية تنظيم القاعدة، الذي أنشئ في آب (أغسطس) 1988، تماماً كما أنّه من الخطأ الاعتقاد بنهاية تنظيم داعش اليوم، وهو ما أكّده غارتنستين في "المؤتمر الدولي حول ما بعد داعش"، الذي نُظّم في مراكش خلال الفترة بين 5 إلى 7 نيسان (أبريل) الماضي.

اختصر سطر واحد من الكتاب كلّ المناظرات السائدة بين خبراء ومنظري الإرهاب العالمي المعاصر، ولم يبقِ لسدنة المعبد كلمة واحدة زيادة، أو إضافة معرفية واحدة على هذه الحقيقة المرّة، ونحن نشاهد بتسارع كبير كيف مزّق "فرانكشتاين الإرهاب" قيوده، وانطلق بمنتهى الرعب والتوحّش، ساعياً إلى الانتقام.

من الخطأ الادّعاء بنهاية تنظيم القاعدة، الذي أنشئ في آب (أغسطس) 1988

بعد مرور 17 عاماً على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية؛ فازت القاعدة في الحرب على الإرهاب، وبعقول الأمريكيين؛ كان هذا عنوان مقال نشره الكاتب ستيفن مارش، في "الفورين بوليسي"، بتاريخ 10 أيلول (سبتمبر) 2018، في ذكرى الهجمات.

إنّ قتل بن لادن هو إنجاز تاريخي، لا يمكن إنكاره للأجهزة الاستخبارية الأمريكية، والمخططين الأمريكيين، الذين تحلّوا بالصبر والمثابرة والتحليل الدقيق للمعلومات، الأمر الذي يعدّ درساً لكافة الأجهزة الاستخبارية في العالم، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنّ الحقيقة الأخرى، التي لا يمكن إنكارها أيضاً؛ أنّ إستراتيجيته، أو إرثه الإستراتيجي، ما تزال باقية.

قتل بن لادن هو إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره للأجهزة الاستخبارية الأمريكية لكنّ إرثه الإستراتيجي ما يزال باقياً

ويعتقد غارتنستين، بشكل مباشر وصريح، بأنّ هذا -ربما - يقف وراء عدم حماس المسؤولين الأمريكيين لتأكيد مقولة: إنّ القاعدة انتهت بموت قائدها بن لادن، وإنّهم لا يريدون الإسراف بالوعود.

كما يؤكّد الكاتب أيضاً؛ أنّ هناك قصوراً في المقاربة الأمريكية لتحديد الأخطار المحدقة بأمريكا؛ بمعنى التخطيط الإستراتيجي الموجّه لمكافحة الإرهاب، رغم التاريخ الطويل لتجربة التخطيط الإستراتيجي للمخططين والمنظّرين الأمريكيين، منذ "جورج كينان"؛ الذي وضع أول الخطط الإستراتيجية الأمريكية للحرب الباردة، ويتمثل هذا القصور في مقاربتها "الواقعية" للأخطار، واقتصارها على "الأطراف الفاعلة من الدول" فقط، غير مدركة للأخطار التي يمكن أن تسببها الأطراف الفاعلة من غير الدول؛ مثل الجماعات الإرهابية، ومنها القاعدة، لذلك لم يكن هناك اهتمام كبير ومحترف في المجمع الاستخباري الأمريكي، تقريباً، بتنظيم القاعدة وزعيمه بن لادن، قبل هجمات 11 سبتمبر، ليس في أمريكا فقط؛ بل في كلّ الدول العربية والإسلامية أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!

وتقتضي الأمانة العلمّية والتقدير لغارنتستين؛ الإشارة إلى أنّه من خلال مراسلاتنا ومناقشتنا لمسوّدة هذا العرض، عبّر عن أنّه يعتقد بأنّ هناك مبالغة، بعض الشيء، في التقييم السابق؛ فقد أكّد أنّ "هناك محطة متابعة استخبارية من قبل المخابرات الأمريكية المركزية، معروفة بالاسم الرمزي (Alec Station)، كانت تتابع الجهاديين، وأسامة بن لادن تحديداً، قبل الهجمات، وأنّ بعض المحللين كانوا مهتمّين جداً، حدّ الهوس، بأسامة بن لادن، وأنّ إحدى المشكلات لدى المخابرات المركزية الأمريكية؛ أنّ مسألة  "مكافحة الإرهاب" لم تكن تحظى بتقديرٍ واهتمام كبير، كما لم يعطِ الساسة الأمريكيون عظيم اهتمام لهذا النوع من التحليل، قبل هجمات 11سبتمبر".

لم يعطِ الساسة الأمريكيون عظيم اهتمام لهذا النوع من التحليل، قبل هجمات 11سبتمبر

ويستند غارتنستين إلى التراث الإسلامي، بنوع من التحليل الاستطرادي (Discursive Analysis)، ليدعم مقولته حول عدم محورية دور بن لادن، منذ بدايات صعوده في السعودية، مروراً بالسودان، وحتى أفغانستان، كقائد لتنظيم القاعدة؛ حيث إنّ القادة العسكريين، تحديداً، لا يمثّلون أهمية محورية في صيرورة الحروب في التاريخ الإسلامي.

حرب المجاهدين الأفغان كلّفت الاقتصاد الأمريكي تريليون دولار أمريكي، بينما كلفت القاعدة 500 ألف دولار فقط

وأعتقد أنّ هناك وجاهة كبيرة في هذا التحليل؛ نظراً إلى بعض الأمثلة من التاريخ الإسلامي، مثل معركة مؤتة، وفتوحات الشام والعراق، رغم أنّه لا يقلل من هذه الأهمية على مستوى التخطيط خلال حياة بن لادن؛ حيث ثبت للمحققين بعد تفريغ محتويات أجهزة الكمبيوتر الخاصة به، بعد مقتله في مقرّه في آبوت آباد باكستان، أنّه كان وراء التخطيط للعمليات الإرهابية في الصومال واليمن.

وباستخدام التحليل الاستطرادي، وفنّ التلاعب بالمفاهيم والشعارات، يجادل الكاتب مستخدماً التحليل الاستطرادي؛ فهو يقلب شعار تنظيم داعش المعروف "باقية وتتمدّد"، إلى المجال الأمريكي، ويقول: إنّ "إستراتيجية تنظيم القاعدة باستمرار؛ هي استهداف أمريكا، وإنّ المصالح الأمريكية "باقية وتتمدّد"".

لذلك؛ حذّر بوضوح من أنّ أيّ خطأ في فهم معنى مقتل بن لادن وإستراتيجيته، سيعني المزيد من النجاحات لإرث بن لادن ونجاح إستراتيجيته مستقبلاً، في موته أكثر ممّا كانت في حياته، خاصة أنّ استمرار محاولة تنظيم القاعدة للساحة الأمريكية أو مصالحها في الخارج، لم تنته، سواء قبل أو بعد مقتل بن لادن، وهناك الكثير من الأمثلة، بعضها نجح، وبعضها فشل، أو أحبِط.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب "التطرف" لإبراهيم غرايبة

وكانت كلّها تشير، في نهاية الأمر، إلى استمرار خطورة التنظيم، الآن وفي المستقبل، ولعلّ هذا ما أشار إليه منظّر الإرهاب المعروف في مؤسسة "رند"، بريان مايكل جنكينز، عندما أكّد في مقدّمة الكتاب أنّه "ليس هناك اتفاق كامل بين المحللين حول التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة اليوم، في المقابل؛ إنّ الكلّ متفقون في أنّ القضاء على بن لادن لم ينهِ البتّة إرهاب القاعدة". 

ومن العمليات التي نفذها التنظيم، قبل مقتل بن لادن (في 2 أيار (مايو) 2011)؛ العملية الإرهابية الصاعقة، التي نفّذها، في30 كانون الأول (ديسمبر) 2009، الطبيب الأردني همام خليل البلوي، الملقب "أبو دجانة الخرساني"، والذي كان يكتب في المنتديات الجهادية، ويدافع عن القاعدة في العراق؛ حيث فجّر نفسه بفريق عمليات استخبارية أمريكي-أردني مشترك، كان ينوي لقاء البلوي للإدلاء بمعلومات استخبارية حول قادة القاعدة، وقتل فيها سبعة من الفريق الأمريكي، والنقيب في المخابرات الأردنية – الشريف علي بن زيد (من العائلة الهاشمية الحاكمة في الأردن)، وجرح ستة آخرين في قاعدة خوست –أفغانستان، وقد وصف الصحفي الأمريكي المشهور، ديفيد أغناتيوس، العملية بقوله: "إنّها أكثر الأخطاء تكلفة في تاريخ وكالة  المخابرات الأمريكية (CIA)".

اقرأ أيضاً: بيرغر: هل استطعنا فهم أسباب التطرف فعلاً؟

كما يشير غارتنستين في كتابه، بكثير من التفاصيل الدقيقة والموثقة، إلى التكاليف المالية والبشرية الباهظة التي أنفقتها أمريكا على إجراءات الأمن، خاصّة في الحدود والمطارات وسلامة الطيران، والتشديد العشوائي، المبالغ فيه أحياناً، في عمليات التفتيش في المطارات، وعدم فعالية نظام "البروفايل"، واستهداف العرقيات والأقليات، مثل: العرب، والسود، والآسيويين.

ومن المثير للسخرية؛ أنّ الأمر وصل حدّ تفتيش شخصيات سياسية مشهورة جداً في أمريكا، مثل: آل غور، وهو نائب الرئيس بيل كلنتون، ومرشّح الرئاسة ضدّ جورج بوش الابن في انتخابات عامَي 2000، و2002.

اقرأ أيضاً: كيف ينتهي الإرهاب؟

ولعلّ هذا ما دفع غارتنستين ليتساءل بمرارة: هل زادت هذه الإجراءات "الخرقاء" حماية أمن الأمريكيين أم زادت هشاشة البنية الأمنية؟ وهنا يسأل: هل ما تراه الدول فشلاً للجماعات الإرهابية تراه الجماعات كذلك؟

وفي إشارة إلى مسألة تحليل المخاطر وحساب التكاليف، و"تكلفة الفرصة البديلة"، يعرض غارتنستين، باستبصار عميق، مسألة استنزاف الاقتصاد الأمريكي، مقارنة بالعمليات الإرهابية غير المكلفة للقاعدة، رغم أنّها عظيمة الأثر والتكلفة المادية والنفسية في الاقتصاد والمجتمع الأمريكي؛ وذلك بتطبيق إستراتيجية منظّر الحرب الصيني المشهور، صن تزو؛ "المئة جرح في جسم العدو القوي والضخم"، دون أن ننسى أنّ الإرهاب كان، وما يزال، "تكتيكاً" وسلاح الضعيف في وجه جبروت القوي وقوته الغاشمة.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب "تشريح الإرهاب.. من مقتل بن لادن إلى ظهور داعش"

ويضرب أمثلة على ذلك؛ من تجارب حرب المجاهدين الأفغان ضدّ السوفييت، وهجمات 11 سبتمبر؛ التي كلّفت الاقتصاد الأمريكي خسائر تقرب تريليون دولار أمريكي، بينما كلفت تنظيم القاعدة، بحسب ادّعاءات بن لادن للصحفي تيسير علوني، عام 2004، 500 ألف دولار فقط.

وفي الوقت الذي كانت فيه أمريكا تغذ الخطى، وتنفق ملايين الدولارات، في سبيل تأمين حدودها الطبيعية الفيزيائية؛ لأنّها لم تعرف عدوّها (بن لادن) وفشلت في فهمه، كان تنظيم القاعدة يخترق الفضاء، ويطلق آليات العولمة التكنولوجية في عملية الاتصال، ويجري تحوّلاً في تنفيذ الإستراتيجية نحو الفضاء الافتراضي، مستخدماً الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بدرجة تتفوق على الدول، وقد أكّد زعيم التنظيم الحالي، أيمن الظواهري؛ أنّ "الإعلام هو نصف الحرب".

اقرأ أيضاً: علي محافظة يحفر في الجغرافيا الفكرية للحركات الإسلامية المتطرفة

لم تأخذ أمريكا الوقت الكافي لفهم التاريخ الشخصي وأفكار بن لادن التي طبقها في إستراتيجية تنظيم القاعدة وأهدافه وأساليبه؛ بل إنّ المخططين الأمريكيّين فشلوا، حتّى الآن، في استيعاب هدفين رئيسين للقاعدة، كان يخطط لهما بن لادن، هما: الأول: أنّ تنظيم القاعدة يسعى إلى استنزاف أمريكا اقتصادياً، من خلال التركيز على العمليات التي تستهدف الاقتصاد الأمريكي، داخلياً وخارجياً، وأخطر مثال على ذلك؛ هجمات 11سبتمبر، التي كلّفت الاقتصاد الأمريكي خسائر إجمالية في البنى التحتيّة وأسواق الأسهم، قرابة ترليون دولار.

والثاني: تكريس الصراع معها عالمياً، ومحاولة استدراجها إلى ساحات خارجية.

العراق كان محفّزاً لبروز أبشع الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها داعش

الآن؛ إذا نظرنا إلى تمدّد الإمبراطورية الأمريكية، من خلال غزو العراق؛ الذي كلّف أمريكا 3 ترليون دولار، عام 2008، وكان خطأ كارثياً، وأثبت فشل نظرية "مصيدة الذباب"؛ التي طوّرها الجنرال ريكاردو سانشيز، بهدف جذب المقاتلين الإرهابيين إلى العراق، ثم قتلهم بعيداً عن الأراضي الأمريكية، وأفغانستان، والتدخّل في الصومال، واليوم في سوريا، ودول الساحل والصحراء، بهدف مطاردة فلول القاعدة؛ فإنه يمكن القول: إنّ هدف القاعدة باستدراج أمريكا بعيداً عن عرينها إلى الخارج قد تحقّق.

يشكّل الكتاب إضافة معرفّية، وعملاً مرجعيّاً أصيلاً لا غنى عنه لكلّ من يريد أن يفهم سيرورة ظاهرة الإرهاب العالمي

كما نشهد، اليوم، شبه إجماع من منظري وخبراء الإرهاب؛ على أنّ العراق كان محفّزاً لبروز أبشع الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها داعش.

إذاً، نجح غارتنستين باستشراف ٍعميقٍ، في الحفر في مسألة يمكن وصفها بأنها "تغيّر سلوك الدولة"، من حيث ثلاثة مظاهر، تعدّ مهمة جداً، وهي: النموّ الهائل في البنية التحتية للبيروقراطية الأمنية، ومثال ذلك: موازنة وكالة المخابرات المركزية، التي وصلت إلى 75 بليون دولار (عام 2009)، فضلاً عن "خصخصة الحرب على الإرهاب"، وانتشار المتعاقدين الخاصّين، بعد هجمات 11سبتمبر واحتلال العراق.

إلى جانب "تسييس" الحرب على الإرهاب من قبل النخب السياسية والأحزاب، وما رافقها من انتشار الفساد السياسي والمالي والرشوة، وهي ظاهرة انتشرت من الفضاء الأمريكي؛ حيث غيّرت هجمات 11 سبتمبر المشهد السياسي، وأصبح خطر الإرهاب هو الملف الأهم للأحزاب السياسية وجماعات الضغط، ودول الاتحاد الأوروبي، في العقد الأخير، خاصة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، في ظلّ ترافقه (الإرهاب) مع ظواهر أخرى مساعدة؛ مثل انتشار جماعات اليمين المتطرف، والأحزاب الشعبوية، وزيادة مشكلات اللاجئين والمهاجرين، وانتشار الإسلاموفوبيا؛ حيث أصبحت شعارات مكافحة الإرهاب عناوين يافطات وبرامج انتخابية لمختلف ألوان الطيف السياسي المتصارعة، وتوسيع دائرة الحرب على الإرهاب، بدلاً من تضييقها، وتحديد المستهدفين بدقة، مثلما فعل الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، من خلال شعار "من ليس معنا فهو ضدّنا" ، و"ضرورة ملاحقة الإرهابيين أينما كانوا". وذلك ما نتجت عنه الحرب ضدّ طالبان أفغانستان، ومنطقة القبائل في باكستان والحرب الطويلة هناك، وغزو العراق، دون أن يكون له علاقة بالقاعدة، ولن يُنسى أنّ الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، حاول، من خلال "الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب" (2011)؛ أن يركّز على هدف محدّد: هو إرهاب القاعدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي

جاء الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، بإستراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب

جاء الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، بإستراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب، والتي نشرت في 5 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2018، وقد شطب فيها، تقريباً، الهدف المحدّد من مقاربة سلفه أوباما؛ حيث ركّز على طيف أيديولوجي واسع من إرهاب "الأطراف الفاعلة من الدول" وعلى رأسها إيران، و"الأطراف الفاعلة من غير الدول" وعلى رأسها التنظيمات الراديكالية الإسلاموية الإرهابية، في مقدّمتها تنظيما داعش والقاعدة، والإرهاب الذي تمارسه بعض جماعات اليمين المتطرف في أوروبا، ويعتقَد بأنّ هذه خلطة عجيبة، وغير متجانسة، من الأعداء، فكأنّه يضع أفعى كوبرا وكلباً وقطّاً في كيسٍ واحد، ويريد السيطرة على ما فيه!

اقرأ أيضاً: "الإرهاب الأبيض": إلى متى تتجاهل أمريكا الخطر الأكبر على أمنها؟

وفي النهاية؛ نعلم أنّ كتباً كثيرة ألِّفت حول أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، باللغتين؛ العربية والإنجليزية، خلال العقدين الماضيين، لكنّ كتاب ، يبقى غارتنستين، من أهمّ ما كتب؛ وذلك لما يشكّله من إضافة معرفّية، وعمل مرجعيّ أصيل، مليء بالاستشرافات المستقبلية، و"كتالوج" لا غنى عنه لكلّ من يريد أن يفهم سيرورة ظاهرة الإرهاب العالمي، والسياسة الدولية، وليس مجرد سيرة ذاتية للرجال. الأمر الذي يجب أن يتنبّه له الباحثون والمترجمون العرب هو أهمية هذا الكتاب القيّم وترجمته إلى اللغة العربية قريباً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

2019-07-18

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً كبيراً وعلى كافة المستويات، خاصة بعد بروز ظاهرة حضورهم الكبير في تنظيم داعش، واعتماد التنظيم الإرهابي على تجنيدهم وتدريبهم واستخدامهم في الدعاية وبشكل مبالغ فيه على مستوى عالمي.

اقرأ أيضاً: المخيمات الصيفية.. وسيلة جديدة للحوثيين لتجنيد الأطفال

واليوم؛ يحظى هذا الملف باهتمام العالم سواء على المستوى المحلي أو العالمي، خاصة في ظل المعلومات والتقارير التي تتحدث عن آلاف الأطفال والنساء المحتجزين في مراكز احتجاز غير إنسانية في العراق وسوريا، وذلك بعد هزيمة تنظيم داعش، وتردد المجتمع الدولي، والدول المصدرة للإرهابيين، عن استقبال وإعادة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم.

الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد

لقد استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل، وأحياناً مقاتلين ومفجرين انتحاريين. وأظهرت أشرطة الفيديو الدعائية للتنظيم أطفالاً صغاراً يقطعون الرؤوس ويطلقون النار على السجناء. بعض هؤلاء الأطفال لقّنهم تنظيم داعش أفكاره طوال أعوام، والأكبر سنّاً تلقوا تدريبات عسكرية.

وكمثال على ذلك؛ أطفال الإيزيديين في العراق أواخر آب (أغسطس) 2014، عندما اجتاح التنظيم المنطقة؛ حيث تشير تقارير إعلامية بناء على شهادات أطفال من الإيزيديين أنّه تم إرسال 200 طفل إيزيدي لمخيم تدريب في تلعفر؛ حيث كان يبدأ يومهم في الصباح الباكر بالتدريبات العسكرية. وكان التدريب العسكري للأطفال يتضمن تجاوز حواجز من الإطارات المحترقة بالزحف أو القفز من أماكن عالية.

اقرأ أيضاً: هل توقف بريطانيا تجنيد الأطفال؟

وقد درّب داعش الأطفال على استخدام الكلاشينكوف وأرغموهم على مشاهدة تسجيلات مصورة لكيفية استخدام الأحزمة الناسفة والقنابل أو قطع الرؤوس. وكان مسلحو داعش يكررون على مسامع الأطفال أنّهم أصبحوا مسلمين ولم يعودوا إيزيديين بعد الآن.

استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل

الأطفال ضحايا التنظيم الإرهابي
إنّ مشاركة الأطفال في النزاعات معروفة تاريخياً، على الأقل، في العصر الحديث، منذ الحرب في فيتنام والصراعات المسلحة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وهناك معاهدة دولية موقعة من 170 دولة تحرّم مشاركة الأطفال في الحروب وأماكن الصراع في العالم تحت مسمى "البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة" وتنص المعاهدة على:

1- حظر تجنيد الأطفال تحت سن 18 عاماً في الجيش.
2- ضمان إعفاء المتطوعين العسكريين تحت سن 18 عاماً من المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية.

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً بعد بروز ظاهرة حضورهم في تنظيم داعش

ولقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على المعاهدة على أنّه بروتوكول إضافي لاتفاقية حقوق الطفل التي كتبها القرار 54/263 في 25 أيار (مايو) 2000. ودخل البروتوكول حيز النفاذ في 12 شباط (فبراير) 2002.

إلا أنّ الظاهرة التي جلبت الاهتمام لموضوع الأطفال هي الدعاية التي قام بها تنظيم داعش منذ عام 2014، والتي فاقت حقيقة استخدام هؤلاء الأطفال في المعارك الحقيقية، وهو ما يدفع باتجاه ترجيح أن يكون هؤلاء الأطفال ضحايا للإرهاب وتنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟

خاصة أنّ الأعداد الكبيرة من الأطفال المحتجزين اليوم في مراكز الاحتجاز المكتظة في سوريا، مخيم الهول، أو في العراق، في نينوى، لا سيما بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق، وهو الأمر الذي أثار اهتمام وانتقادات منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس واتش".

 

 

وقال المجلس القضائي الأعلى في العراق إنّ 185 طفلاً أجنبياً، على الأقل، قد أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب، وحُكم عليهم بالسجن بحلول نهاية عام 2018، ويتفاوض العراق أيضاً مع الميليشيات التي يقودها الأكراد الذين يشرفون على المخيمات في سوريا من أجل إعادة 13000 من النساء والأطفال العراقيين.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وذكر بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة "كينجز كوليدج" في لندن، أنّه "يوجد ما لا يقل عن 13000 من أتباع داعش الأجانب محتجزين في سوريا، من ضمنهم 12000 امرأة وطفل. إضافة إلى 1400 آخرين محتجزين في العراق. لكن دولاً عدة، من ضمنها روسيا وكوسوفو وكازاخستان وإندونيسيا وفرنسا، تدخلت لإعادة بعض مواطنيها.

لقد بدت بعض الحكومات مستعدة لإعادة الأطفال أكثر من إعادة آبائهم، على الرغم من أنّ القليل منهم على استعداد لإرسال أشخاص إلى سوريا والعراق لجمعهم، كما تطلب عدة بلدان من الأطفال المولودين في "دولة الخلافة" الخضوع لاختبار الحمض النووي لإثبات نسبهم، وبالتالي جنسيتهم، قبل العودة إلى الوطن مثل؛ الأردن، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

وتُعد كوسوفو وروسيا وكازاخستان من الدول القليلة التي استعادت الأطفال؛ حيث نظم الحاكم الشيشاني، رمضان قديروف، عودة عشرات الأطفال الناطقين بالروسية، وفي بعض الحالات، أمهاتهم، في أكبر عملية عودة لمرة واحدة إلى أوروبا حتى الآن، أعادت كوسوفو 110 من مواطنيها من سوريا في نيسان (أبريل) 2019، من بينهم 32 امرأة و74 طفلاً.

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎

وللمساعدة في إعادة إدماجهم في المجتمع، فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين، ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبنّي، وإنّ هذا النهج قد يكون أسرع طريقة لإنقاذ الأطفال الأبرياء، إلا أنّه يعني أيضاً فصلهم عن أمهاتهم؛ حيث ترفض الكثير منهن الانفصال عنهم.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الحوثية وتجنيد الأطفال!

تونس، التي تعد، من أكثر الدول المصدرة للمتشددين في العالم، رفضت إعادة مواطنيها، تاركة ما لا يقل عن 200 طفل تونسي و100 امرأة في سوريا وليبيا، وفقاً لـ "هيومن رايتس ووتش".

مسارات التجنيد

ويأتي كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب" لكل من البرفسورة مايا بلوم وجون هوريغان، ضمن سلسلة الأدبيات الحديثة التي جذبتها ظاهرة مشاركة الأطفال في تنظيم داعش. وهي أول مراجعة باللغة العربية للكتاب الصادر باللغة الإنجليزية في 15 أيار (مايو) 2019 عن منشورات جامعة كورنيل-أتيكا-نيويورك.

 كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب"

ويتألف الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة، من ثمانية فصول تناولت:  تقييماً عن المقصود بالأطفال، الأطفال الجنود ضد الأطفال في الجماعات الإرهابية، تعلم الكراهية، التأثيرات الاجتماعية والثقافية، مسارات التجنيد والتورط مع الجماعات الإرهابية من خلال القسر والإكراه، أو من خلال الثقافة الجمعية حول مفهوم الشهادة.

اقرأ أيضاً: معسكرات إيرانية لتجنيد الأطفال في سوريا

في الفصل الأول يؤكد الكتاب على أنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين، بل يتم تعليمهم وصناعتهم ليكونوا كذلك، سواء بمعرفة ودراية عائلاتهم أم لا.

الجماعات الإرهابية ربما تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك

وكثير من أطفال تنظيم داعش كانوا في سن المدرسة، حينما أخذهم آباؤهم إلى أرض "الخلافة" المزعومة للدولة الإسلامية في العراق والشام. حيث وُلد آلاف آخرون هناك. ويشير الكتاب الى ظهور الأطفال في فيديوهات مرعبة مع بداية الصراع في سوريا 2015. ثم انتشرت صور الأطفال عبر وسائل إعلام داعش.

أما في الفصل الثاني، فيشير الكتاب إلى أنّ الجماعات الإرهابية تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين، وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك. ثم الإشارة إلى الخلافات الموجودة بين استخدام الأطفال في الجماعات الإرهابية، والجماعات المسلحة في الحروب، وأنّ هناك بعض أوجه الشبه بين الرأيين لكنهما مختلفين في النهاية من حيث: المحتوى، ودور العائلة والتعليم، واستخدام المخدرات وهل يتم استخدام الفتيات في المعارك أم لا؟ ودرجة تشجيع العائلات لكل مجموعة.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال.. كيف تغسل جماعات إيران أدمغة النشء؟

وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصراعات والمآسي الناتجة عن الحروب والصراعات التي تترك العائلات والأطفال نهباً للتشريد والهجرة القسرية وخراب التعليم في المدارس، وحسب تقرير نشر عام 2016 للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين كان هناك أكثر من 3.7 مليون طفل لاجئ سوري خارج مقاعد الدراسة، وأنّ الأطفال خاصة في الأماكن التي تشهد مثل هذه الصراعات يكونون عرضة وأهدافاً سهلة للتجنيد من قبل التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فإنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين؛ بل يتعلمون كيف يصبحون جزءاً من حركة إرهابية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال سلاح إيراني خفي للسيطرة والنفوذ

ويتطرق الفصل الرابع إلى قضية إكراه الأطفال وإجبارهم على تنفيذ العمليات الإرهابية، ويعطي أمثلة على ذلك خاصة في أفغانستان، وكيف أنّ أفراد العائلة أحياناً ممكن أن يتورطوا في هذه العملية.

في حين يتحدث الفصل الخامس عن كيفية اندماج الأطفال مع مرحلة البلوغ، فيما أُطلق عليه "ثقافة الشهادة" التي تكونت حصيلة مجموع الظروف والمآسي التي مر بها الطفل في حياته في أماكن الصراع ومعاناته من الفقر والجوع والحرمان والتهميش والعنف. ثم يؤكد الكتاب في الفصل السادس أنّه ليس هناك سبب واحد ومحدد لتفسير لماذا يتم استهداف الأطفال للتجنيد في الجماعات الإرهابية، فهناك الكثير من الأسباب والدوافع.

وفي الفصول المتبقية من الكتاب، ثمة محاولة  للإجابة على سؤال مركزي هو: لماذا تستخدم الجماعات الإرهابية تعبئة الأطفال لدعم قضيتها وتنفيذ نشاطاتها، وإظهار الجانب المقيت والضار والهش في المجتمع الذي يسمح لا بل يُشجع على استخدام الأطفال في تنفيذ النشاطات الإرهابية؟

فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبني

ثم يحاول الكاتب إماطة اللثام عن هذه الظاهرة من خلال الإجابة على "الأسئلة الخمس" المعروفة (ماذا ومن ومتى وأين ولماذا)، وإلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي تثير الغضب والاشمئزاز لدى الكثيرين في العالم.  في نفس الوقت الذي ترى فيه الجماعات الإرهابية أنّ استخدامهم مفيد لها ويخدم أغراضها.
ولعل أهم وأخطر إشارة في الكتاب، هي الإشارة الى أنّ الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون، وأنّهم عادة ما يملكون ويخرجون بالابتكارات والإبداعات، لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد.

اقرأ أيضاً: داعش يلجأ إلى الرسوم المتحركة لإعادة دوران عجلة التجنيد

ولأنّ مسألة التجنيد في الجماعات الإرهابية من أهم المسائل، فإنّ الكتاب يحاول الإجابة على هذا السؤال من حيث الطرق والتكتيكات والاستراتيجيات المختلفة المناسبة لتجنيد الأطفال، والتي تختلف عن أساليب تجنيد البالغين، ثم كيف يتم تصنيفهم وكيفية استخدامهم. 
إنّ التركيز غير التقليدي للكتاب يكمن في الغوص في عقول هؤلاء الأطفال وفي جوهر هذا الملف الذي مكّن من عرض سرد ذاتي للأطفال الذين تورطوا في الإرهاب، والجماعات الإرهابية، والجماعات التي استخدمتهم؛ وأنّ الأطفال في النهاية هم ضحايا الإرهاب؛ لأنهم ببساطة ضعفاء يمتازون بالهشاشة الإنسانية سواء بوجود الحروب والصراعات أو بدونها.

للمشاركة:

العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين

2019-07-07

يشكل العنف بوجهيه، المادي والرمزي وبأشكاله وصوره المختلفة وجذوره الممتدة في التاريخ، سمة ملازمة وجزءاً بنيويّاً مكوناً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد ليشمل دولاً أخرى غير دوله المعروفة بالتحديد الجغرافي؛ إذ يتغلغل العنف في البنية العميقة لثقافة مجتمعاته، ويطبع نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على الإكراه والعصبية وقوة الشوكة والغلبة بشكل عام، حتى بات يكتسب شرعية سياسية باعتباره الرد الممكن على ضيق أشكال العمل المتوافرة، أو كخيار استراتيجي وإمكانية تُعتبر بشكل ذاتي كما لو أنّها الوحيدة المتوافرة أو المناسبة للخروج من  حال أزمة أو وضعية سيطرة.  لذلك قد يتعذر تفسير العنف في تاريخ الشرق الأوسط "ما لم نضعه قبلاً في علاقة مع الأنظمة السياسية التي ولد فيها، ومع آليات انفتاحها أو انغلاقها وقدرات الدمج والإقصاء فيها".

يشكل العنف بوجهيه المادي والرمزي وجذوره التاريخية سمة ملازمة وجزءاً بنيوياً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير

في سياق الاهتمام بدراسة تاريخ العنف وتفسير مظاهر العنف السياسي والديني المنفلت من كل عقال ومنطق، والذي يشهده عدد من دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ومايزال يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بما يعرف بالمسألة الشرقية ونتائجها المتداخلة مع حوادث الحاضر، يقدم الباحث والمؤرخ الكردي حميد بوزرسلان، مدير معهد الدراسات للعلوم الاجتماعية في باريس، في كتابه "قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة" الصادر عن المركز العربي للترجمة 2015 بترجمة هدى مقنص، عرضاً تفصيلياً شاملاً لمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ هذه المنطقة الحساسة من العالم.

غلاف الكتاب
كما يقدم تحليلاً موضوعياً لصور العنف المتجلية فيها، معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة ما أو تجسيد سياسي قائم لتعريف العنف كمفهوم، ومنهجية التقطيع التعاقبي الزمني الذي يتيح فهم التشكيلات السياسية المتوالية على النطاق الإقليمي ومعرفة الأطراف الفاعلة المؤثرة فيها لكشف وتحليل كل مرحلة انطلاقاً من الضغوط التي تسيطر عليها، والذاتيات التي تسمها، والأمكنة – الأزمنة التي تحركت فيها تلك الذاتيات وتحولت، فتركت المعاني القديمة مكانها لمعانٍ جديدة حلت محلها، وفرضت نفسها بالقوة أحياناً على مدار قرن من الزمان، مركّزاً في تحليله ورصده على العوامل الذاتية والداخلية أكثر من العوامل الخارجية التي حظيت بالكثير من البحث من قبل، أو أصبحت تتمحور في صورة تبريرية في الغالب حول فكرة  أو "نظرية" المؤامرة؛ فالمؤامرة ،وإن كانت موجودة في التاريخ القديم والحديث، لكن التاريخ ليس تاريخ المؤامرة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
يتناول الكتاب بالتفصيل الكاشف ثلاث مراحل مفصلية تعتبر كل منها حقبة تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير، يرصد الباحث خلالها الحوادث والأفعال العنفية وآثارها؛ والشخصيات المؤثرة فيها، ويحلل العوامل البنيوية الداخلية المولدة للعنف وآلية تمفصلها مع العوامل الخارجية. 

يقدم الكتاب تحليلاً موضوعياً لصور العنف معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة أو تجسيد سياسي لتعريف العنف كمفهوم

يغطي الجزء الأول من البحث المساحة الزمنية الواقعة بين عامي 1906 و1979 التي شهدت آثار الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسمها من قبل الدول الغربية الذي أدى بدوره إلى تقسيم الوطن العربي وقيام الانتداب الغربي على الدول العربية، لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، التي ستفتح عهداً جديداً من العنف ما زالت تتواصل حلقاته حتى يومنا هذا.
كانت أنظمة الانتداب، وفق الكتاب، سبباً في قيام "الثورات الكبرى" وانتشار الفكر القومي المتطرف الذي ترجع جذوره التاريخية إلى سلسلة الاحتجاجات والانقلابات الساعية إلى استعادة الإمبراطورية المتهالكة، ومحاولة تحديثها على النمط الغربي "بثورة فرنسية شرقية"، وما تبعها من تصفيات دموية قادت إلى تتويج "لجنة الاتحاد والترقي"، ذات الميول القومية المتشددة والتنظيم شبه العسكري، كلاعب سياسي فاعل بعد أن همّشت قادتها الأوائل وتغلبت على البيروقراطيات المدنية والعسكرية المنافسة، وأدت تشكيلاتها الخاصة بقيادة رجال الظل الدور الأساسي في إبادة الأرمن، و"شكلت الرحم الذي خرجت منه الكثير من التنظيمات ذات المتخيل الثوري على امتداد القرن العشرين، سواء في تركيا أو في المقاطعات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
ويقابل ذلك لوحة مشابهة في الجانب الفارسي مع انطلاق أعمال الاحتجاج والتمرد والانقلابات في البلاد تحت تأثير ثورة 1905 في روسيا، والتي تتوجت بالحركة "الجنغالية" التي حاولت تأسيس "جمهورية شورى" على غرار الجمهورية السوفيتية و"شكلت ذاكرة ثورية بالنسبة لحركات التمرد التي تلتها، وصار اسمها مرجعاً رمزيا لسلسلة من التنظيمات الثورية فيما بعد".
أما المقاطعات العربية فقد رسمت نهايةُ الحرب العالمية الأولى حدودَها الجديدة وأقدارها أيضاً، فعانت التجمعات السكانية المنفصلة عن السلطنة العثمانية إما من كثرة الدول أو من غيابها، كما في حالتي الكرد والفلسطينيين، ودشنت مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والتشوه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فقد ساهمت الحروب عدا عن حصد الأرواح، وإهدار الحياة في تدمير بنية المجتمعات العربية من الداخل و"وحشنتها" "فلم تعد تقدس "القضايا" السياسية والدينية والطائفية التي أُعِيدَ تعريفها من منظار اجتماعي- دارويني فقط، بل تفهمت أيضاً اللجوء إلى الإكراه وإلى العنف كنمط إدارة ومعارضة شرعي".

اقرأ أيضاً: الأردن: هل ينضمّ الإسلاميون إلى الحكومة في التعديل القادم؟
الأمر الذي فتح الباب عريضاً  أمام عسكرة المجتمعات وعسكرة السياسة؛ فتضخمت المؤسسة العسكرية في وقت قصير، وسيطرت على مفاصل الدولة ومقدرات المجتمع باسم التحرير والوحدة والتوحيد القومي أو الإسلامي، وعملت على إقصاء المعارضين وتدميرهم باسم الشعب وتهمة الخيانة، وقد مهدت نكبة فلسطين وهزائم العرب لقيام عدد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية كما ساهمت الهزيمة الكبرى في 1967 في إطلاق موجات جديدة من العنف والاغتيالات، وشكلت هذه الحرب نهاية مرحلة المتخيلات الثورية التي ترافقت مع نهوض قومي عربي على امتداد الخمـــسينيات والســتينيات من القرن العشرين، وأفضت إلى بروز معارضات إسلامية راديكالية أكثر عنفاً من سلطات العسكر وأنظمة الاستبداد الشرقي التي حولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، وجعلت من الدولة غنيمة حرب وصار الخوف هو أداة الشرعية الأولى.
 نسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية

شرخ سيد قطب
يفتتح حميد بوزرسلان الجزء الثاني من كتابه والذي يغطي سنوات ما بين  1979 و1991 بعنوان مزدوج ذي دلالة "إسلام ثوري وقمع، وشرخ عنوانه سيد قطب" يرصد من خلاله طبيعة المرحلة الجديدة المحكومة بآثار هزيمة حزيران 1967 التي أفضت فعلياً إلى هزيمة اليسار العربي: القومي والماركسي، والليبرالي، وتجويف الأحزاب السياسية واستقرار أنظمة العسكر والحزب الواحد التي أمنت بقائها وأمنها بالإكراه "وتجنيد أدوات القمع العاري الذي يهدف إلى إفهام المجتمع بأنّه مهزوم ولا يملك الوسائل الكفيلة بجعله يرى نفسه في مستقبل مختلف جذرياً".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين
بذلك تحولت الدولة العسكرية إلى دولة أمنية توتاليتارية؛ فأصبح العنف أو استبطان العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تحقيق تأثير في الواقع الصلب، وخلت الساحة السياسية لمعارضات جديدة نشأت في هوامش المجتمعات ذات لون إسلاموي وطابع صدامي مدمر للآخر، كما هو مدمر للذات، تعززت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، والعمل على تصديرها نحو العالمين؛ العربي والإسلامي.

يتناول الكتاب 3 مراحل مفصلية تعتبر حقب تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير

في هذا المناخ تجسدت أفكار سيد قطب ومفاهيم "حاكمية الله" و"جواز الحرب في دار الإسلام" و"جاهلية القرن العشرين" ووجوب مجاهدة الحاكم الجائر.. في تنظيمات حركية "جهادية" كنسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين، جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية؛ فصار الجهاد والتضحية بالنفس "فريضة غائبة" أو ركناً سادساً من أركان الإسلام، والشهادة جزءاً من الحياة وحتى شرطاً لها، وتم الشرخ بين الفكر الإسلامي والفكر الإسلاموي أو بين الدين الديني والدين السياسي، واختلط الخلاص الأرضي أو المستقبل الأرضي بالخلاص الأخروي، وأصبح الجسد الذي صار سلاحاً يستخدم ضد الحشود المجهولة الهوية في غالب الأحيان يمهد للخلاص النهائي، فيما النتائج الحقيقية مذابح وحمّامات دم جديدة على مساحة أوسع من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: عندما يشلّ الإسلاميون طاقة الدين الروحية ويهدرون مضمونه الأخلاقي
يشكل الجزء الثالث من الكتاب الذي يغطي الفترة الزمنية ما بين بداية التسعينيات من القرن العشرين ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة امتداداً تاريخياً لأحداث الفترة السابقة؛ فتلازمت بداية المرحلة مع نهاية ثلاث حروب استنزفت العالم الإسلامي على مدار عقد من الزمان: انسحاب السوفييت الكامل من إفغانستان، توقف الحرب العراقية الإيرانية، وبرود الحرب اللبنانية وتحولها إلى حالة مراوحة بالمكان بعد تكريس الإرادة السورية وحل الميليشيات وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وانفراد ميليشيا واحدة بالاحتفاظ بسلاحها؛ أي حزب الله المكلف جماعياً بتحرير الجنوب الذي احتلته إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون وفكرة "السلف الصالح"
وقد "فتحت نهاية هذه الحروب مضافاً إليها أفق الحل السلمي للمسألة الفلسطينية، بشكل مؤقت، باب الأمل في حدوث تحول سلمي في الشرق الأوسط وموجة من التحولات الديمقراطية ستأتي على أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي"، وستفتح الباب أمام المشاركة السياسية وتسرّع دمج الإسلامويين باللعبة الديمقراطية وقبولهم بسيادة القانون الوضعي.
لكن ما أفصحت عنه النتائج هو اشتعال أربع حروب جديدة مع مطلع الألفية الثالثة بدل الثلاثة المنتهية، كما بينت أنّ التحول الديمقراطي في الحركات الإسلاموية مجرد وهم، بسبب استمرارية الأنظمة الاستبدادية التي استفادت من الدعم الدولي في محاربة "الإرهاب الإسلاموي" "وكسبت في خانة الفعالية ما خسرته في حانة الشرعية" من أجل البقاء؛ فأجبرت كل فئات الشعب على اتباع قواعد الإلحاق والطاعة التي فُرضت عليها لئلا تتعرض للقمع، وأسكتت كل أصوات المعارضة السياسية، فيما أصبحت الحركات الإسلاموية أكثر تصلباً وتجذراً في منطق المواجهة العنفية وأكثر انعزالاً عن المجتمع.

 

وأكملت حرب الخليج الثانية ودخول الأمريكان إلى العراق؛ ونتائج اتفاقات أوسلو المحبطة؛ وعودة الجهاديين "الأفغان العرب" من أفغانستان، هذا التصلب بإطلاق موجة جديدة من التطرف في أنحاء المنطقة كافة وحتى خارجها، ومهّدت لإطلاق موجات جديدة بأشكال عديدة من العنف من عنف التضحية بالذات إلى العنف ضد المجتمع: كالعنف ضد المدنيين، والعنف اللغوي تجاه الأقليات، والعنف الموجه إلى أجساد النساء، واغتصاب اللغة.

 

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط بقوله "كل شيء يشير إلى أنّنا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة"، وإن كانت لا تقطع الأمل بتغير إيجابي أفضل شرط أن نعرف كيف نتجنب الكارثة المدمرة، "فالتعب الاجتماعي الناجم عن إخضاع المجتمعات بالإكراه، وإنهاك الديناميكيات الاجتماعية يجعل السعي إلى البقاء اليومي هو الأفق الوحيد المتاح، وهذا التعب هو الذي ينتج الخضوع وبالتالي بقاء الأنظمة المتسلطة، لكنه يحمل معه ثمناً هو العنف الخفي".
ويؤكد بوزرسلان أنّه ما دامت القوى الدولية والإقليمية القوية والمؤثرة ترفض النظر إلى الحلول الكفيلة بالخروج من حالة عدم الاستقرار، وإقامة سلام حقيقي سيظل هذا الرفض يشكل عاملاً بنيوياً لإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر فأكثر دموية، إلا أنّ الباحث يخلص في الخاتمة الأخيرة التي كتبها للترجمة العربية إلى "أنّ العامين 2011 و2012 سيتربعان في كتب الحوليات التاريخية بوصفهما التاريخ الرابع الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط"، وأنّ الاحتجاجات الثورية في تونس ومصر ستحمل معها حصتها من المفاجآت سواء أكان في بلدان مختلفة ذات خصوصية أو على النطاق الإقليمي برمّته.

للمشاركة:

والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!

2019-07-02

في المذكرات التي كتبها الدكتور محمد حلمي العام 2011 تحت عنوان "أنا وعمرو خالد والأيام الصعبة"؛ يسعى الأب جاهداً لعرض ما عاناه ابنه عمرو خالد، أحد أبرز الدعاة الجدد، من "حصار وابتلاءات"، فإلى أي مدى نجح الكاتب في كبح عواطفه في هذه الشهادة!

اقرأ أيضاً: الداعية عمرو خالد إذ يجعل ارتقاء الروح مرتبطاً بالتهام الفراخ!

يمكن تفهّم مشاعر أب يمدح ابنه طوال الوقت، يجلّه ويقدّره، ويصنع حوله هالة الأبطال، لكن الانسياق لإيحاءات تعرّضه للإقصاء والحصار والعذاب بما يضلل القارئ ويصطدم مع الواقع، فهذا مما يصعب تمريره بسهولة مع شخصية عامة.

بدايات داعية

في الفصل الأول؛ يتحدث الوالد في كتابه، كيف بدأ عمرو دعوته من مسجد نادي الصيد، وهو نادي كبار القوم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعرفه سوى الأعضاء، وحين طلب منه رئيس النادي التوقف، يتصور الرجل أنّ ذلك بفعل أمني؛ لأنّ الناس بدأت تلتف حول ابنه، وحتى لو كان ذلك بفعل أوامر مشددة فإنه تصرف طبيعي يأتي في سياق عمليات استقطابية عن طريق المواعظ من عضو كان حتى وقت قريب مقرباً إلى الجماعة.

غلاف الكتاب
بدأ عمرو يعقد ندواته في منازل أعضاء النادي وعلية القوم، وهذا أثار الاستياء بشكل أكبر، حتى طلبته السيدة ياسمين الخيام، المطربة المعتزلة، ابنة الشيخ الحصري، في مسجد بناه والدها بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وانتقل منه لمسجد المغفرة، ووفق قول والده؛ فإنّ مواعظ ابنه توقفت بسبب الزحام المروري الذي كان يسببه، حتى دعته ياسمين الخيام مرة أخرى، إلى مسجد الحصري، وفي هذه الأثناء بدأ أول برامجه التلفزيونية بعنوان "نلقى الأحبة"، وبعد عدد من الحلقات، استدعي إلى جهاز أمن الدولة، وهناك قابل رجل أمن كبير، قال له: "يا عمرو، نحن نتابعك منذ فترة طويلة، ولا نلقى منك إلا كلّ خير، فتصرف كما تشاء وافعل ما يحلو لك"!

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً
الرجل انتقل من نادي الصيد إلى أكبر مساجد القاهرة، ومنها للفضائيات، ورغم ذلك يقول له رجل الأمن: "تصرّف كما يحلو لك"! فأين إذاً الأيام الصعبة والحصار التي يوحي بها عنوان الكتاب؟!
فجأة، ينتقل والد عمرو خالد، إلى اليوم الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، ويدّعي أنّ أحد الضباط الكبار استدعى ابنه، وقال له: "الرجل الكبير طلب ألا تتحدث مرة أخرى"، ويقول إنّ عمرو حدّث والدته بذلك، وبعدها قرّر الذهاب للندن، بسبب نصيحة أحد أصدقائه له.

يقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي

بين مصر وبريطانيا
المهم في هذا الجزء أنّه، كما يقول، نصح ابنه حين قرر الذهاب إلى بريطانيا ألا يتكلم عن مصر بسوء، ثم أشار إلى أنّ الملايين الذين يتابعونه لن يصدقوا أنّه خرج طواعية، وكلمة "طواعية" تؤيد ما ذهبنا إليه من أنّها لم تكن أياماً صعبة؛ بل وفي هذه المرحلة حصل عمرو على شهادة الدكتوراه من جامعة "ويلز"، وتعرّف فيها إلى وزير الخارجية البريطاني، الذي سيصطحبه فيما بعد إلى المسجد الأزهر!

اقرأ أيضاً: هل وصلت رحلة الدعاة الجدد محطتها الأخيرة؟
في سطور تالية؛ يقول والد عمرو خالد إنّه تلقى اتصالاً من ضابط في جهاز أمن الدولة يطلب منه إعطاءه رقم ابنه، ليجعله يعود إلى مصر، كي يمارس عمله ومواعظه بالمساجد أو الفضائيات الدينية، التي كانت منتشرة في هذا الوقت، وهذا الكلام يبدو في منتهى الغرابة؛ إذ كيف يعقل أن يُمنع بأوامر من رأس الدولة "الرجل الكبير"، ثم بعد يومين فقط، وفق قوله، تعود الأمور إلى مجاريها.

المذكرات العاطفية حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك

في الصفحة 25؛ يقول د. محمد حلمي خالد "مرّ عمرو على جماعة التبليغ، ثم على السلفيين، ثم على الإخوان، وانتهى عند الشيخ الغزالي"؛ وكأنّ الشيخ الغزالي لم يكن من الإخوان، وظلّ على علاقة وجدانية معروفة بهم، وإن انفصل عنهم تنظيمياً.
وينتقد جماعة التبليغ، في وجهة نظر ابنه، بأنّهم لا يتجاوزون كتابَين في العبادات، وأما السلفيون فلم يجد عندهم ما يشفي غليله، ولم يُشرْ، من قريب أو بعيد، إن كان وجد عند جماعة الإخوان ما يشفي غليله أم لا؟
يفخر الكاتب بابنه؛ بأنّ العوامل الأساسية، التي أسهمت في تكوينه هي الموهبة والإخلاص ومعرفة مشاكل الشباب، ويقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي، قائلاً: "استفدت من عمرو، ولا أجد على مدى عمري أنني حصلت فائدة إلا من اثنين هما الغزالي والشعراوي".

اقرأ أيضاً: الدعاة.. مندوبو تسويق يسقطون مجتمعيا واحدا تلو الآخر
وفق المذكرات؛ حين تقدم عمرو للحصول على الإقامة في بريطانيا استعان بصديق عراقي، يعمل رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة "ويلز"، ورفضوا إعطاءها له؛ لأنّه كان في السعودية في ذلك الوقت، وهي ليست بلد إقامته الرئيسة، وينتقد والده هذا الأمر، ويعدّه حصاراً لابنه، دفعه للإقامة في لبنان، ومنها إلى لندن، التي سيدخل فيها بمرحلة أخرى؛ حيث أعطاه الاتحاد الأوروبي إقامة لمدة عام، ويقول: "لقد طار العصفور من القفص"، على اعتبار أنّه كان مسجوناً بين العرب، والمسألة لا تعدو كونها إجراءات رسمية يمكن أن يواجهها أي مغترب دون تقصّد!

عمرو خالد مع والده

أسطورة الخروج!
يسرف الكتاب في تشويه الوقائع ومجانبة المنطق في أكثر من موضع؛ فيزعم أنّ سبب خروج عمرو خالد من مصر هو أنّ زوجة مسؤول كبير لبست الحجاب بسببه، او ابن الرئيس، الذي لمّح له أطلق لحيته، وأنّ مسؤولاً إعلامياً كبيراً ضغط وطلب من أمير عربي منع حلقاته في قناة "اقرأ" فنجح في ذلك، وبثّ الحلقات في شهر رمضان كان مسجلاً، وليس مباشراً! وهذا أمر شديد الغرابة؛ لأنّ الدولة المصرية لو أرادت منعه بالفعل لنجحت، وكل ما كان عليها عدم السماح له بدخول مدينة الإنتاج الإعلامي حيث كان يسجل فيها حلقاته!

اقرأ أيضاً: عمرو خالد و"الفراخ" الروحانية
وفق قول الكاتب؛ فقد أرسل أحد عناصر الأجهزة الأمنية إشارة لعمرو خالد بأنّه ليس عليه شيء، وأنّه يمكنه العودة لمصر، لكنّه قال له: "لا تعد، يا عمرو، ولو ماتت أمك"، وبعدها زاره أحد الوزراء، والذي كانت تربطه علاقة حميمة بعمرو، ودعاه للعودة، حتى لو ليومين، لزيارة والدته، لكنّه رفض الفكرة.

يطيل الوالد الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقته بالأمريكيين والإخوان

خرج عمرو خالد من بلده العام 2005، وعاد حين تحركت جماعة الإخوان، وحركة "كفاية" ضدّ النظام المصري، وهذا وفق والده، الذي تابع بقوله: "خرج الضابط من كشك الجوازات ليحضن عمرو ويقبله ويرحب به في بلده".
يطيل والد عمرو الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقة عمرو خالد بالأمريكيين والإخوان، وكيف حصل على كلّ هذه الأموال، ودور جمعية صنّاع الحياة التي أسسها في خدمة الجماعة، وعلاقته بالاستخبارات البريطانية.
ويقول: "في عام 2007، خلال الزيارات الخاطفة، استطاع أن يصوّر 30 حلقة من برنامجه "دعوة للتعايش""، ويعقب على ذلك بتعليل غريب بأنهمّ تركوه لأنهم كانوا منشغلين بالتعديلات الدستورية!
يهاجم والد عمرو الفنان عادل إمام؛ لأنّه كان يمدح عمرو خالد سرّاً، ويهاجمه في وسائل الإعلام، كما انتقد السيناريست يوسف معاطي؛ لأنّه جلس مع عمرو وكتب له حلقات برنامجه "مجدّدون"، لكنّه خرج في وسائل الإعلام منكراً لهذه العلاقة.
ويكشف الكاتب أنّ الدكتور محمد يحيى، العضو السابق في جماعة الإخوان من المقربين لعمرو، وأنّ مشروع تفعيل الشباب لمواجهة الفقر والأميّة تلقّى عمرو بسببه، من الوكالة الأمريكية للتنمية واليونيسكو، ملايين الدولارات.
يقابل عمرو خالد محمد البرادعي، ويرفض دعم حملات مرشحي الحزب الوطني، ويحصل على الدكتوراه في عام الثورة المصرية نفسه، ليعود بعدها مرة أخرى لمصر، ويبدأ مرحلة جديدة، وفق والده.
الخلاصة؛ إنّ تلك المذكرات العاطفية، حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين، الذين واجهوا الصعوبات، وانتصروا عليها في النهاية، لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك بكلّ وضوح.

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

جاسم محمد

كشفت مصادر موثوقة من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي تتزعمه أنجيلا ميركل ويقود الائتلاف الحاكم، والذي يتشكل من كل من الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أن هناك نقاشا داخل الحزب، لطرح مشروع قرار إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) لوضع الإخوان على قائمة الإرهاب.

بدأ المشروع في ولاية فوتمبيرغ ومن المقرر أن يُبحث من قبل الحزب في غضون شهر واحد، من أجل تقديمه للتصويت داخل البرلمان الألماني. وإذا تبنى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي طلب حظر جماعة الإخوان، يتم عندها رفعه للبرلمان لمناقشته والتصويت عليه ليصبح قانونا نافذا بعد ذلك. وقبل أشهر، دارت نقاشات شبيهة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، الذي يشهد أيضا نقاشات داخلية للاتفاق على طرح حظر الإخوان على البرلمان.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الأخيرة في ألمانيا، مكانة الأحزاب في الخارطة السياسية الألمانية، حيث مثل الحزب المسيحي الديمقراطي أقوى حزب في الغرب بنسبة 29 في المئة، وعقبه حزب الخضر بنسبة 20 في المئة، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 19 في المئة، في حين بلغ تأييد حزب البديل اليميني هناك 11 في المئة فقط.

ولكن حظر الإخوان في ألمانيا قد لا يكون سهلا؛ فالمساجد والجمعيات التي تصنفها المخابرات الألمانية على أنها مرتبطة بـالإخوان، تنفي تلك العلاقة، لكن دون شك تمتلك الاستخبارات الألمانية بعض الشواهد والأدلة لإثبات ذلك.

ومن ذلك أن الاستخبارات الداخلية الألمانية كشفت منذ العام 2014، الكثير من عمل “إمبراطورية الإخوان في ألمانيا”. ورغم أن التقارير في البدء كانت سرية، إلا أن المعارضة السياسية في البرلمان طلبت الكشف عن هذه المعلومات التي تتضمنها تقارير الاستخبارات في سبيل أن يطلع المواطن الألماني على حقائق التهديدات الأمنية في البلاد.

الاستخبارات الألمانية تعتبر جماعة الإخوان أكثر خطرا من تنظيم داعش، وتنظيم القاعدة، لأسباب عديدة أبرزها:

* أن جماعة الإخوان تجيد العمل السياسي والنشاط المجتمعي في ألمانيا، وهي قادرة على التواصل مع شريحة كبيرة من المجتمع الألماني.

* تختفي جماعة الإخوان تحت شبكة عمل واسعة من الواجهات من شركات ومراكز دينية وثقافية ومساجد.

* جماعة الإخوان تعمل على إيجاد مجتمع مواز للمجتمع الألماني، وذلك من أجل أسلمة الشارع الألماني.

* تعمل جماعة الإخوان بطريقة “ذكية” على خلاف التنظيمات المتطرفة، التي يبدو نشاطها ظاهرا ومكشوفا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية، عكس عمل الإخوان القائم على التخفي والسرية والازدواجية.

* إن جماعة الإخوان تمثل خطرا قائما على نظام الديمقراطية في ألمانيا، كونها تعمل على إنشاء “دولة إسلامية” قائمة على الشريعة، وهي الأهداف ذاتها التي يعمل على تحقيقها تنظيم داعش وتنظيم القاعدة.

* تنشط جماعة الإخوان بشكل مشترك بين الجناح التركي المتمثل في جماعة نجم الدين أربكان وجمعية “ديتيب”، والجناح العربي بزعامة عائلة إبراهيم فاروق الزيات “الجمعية الإسلامية”، ضمن إمكانيات بشرية ومالية واسعة مدعومة من الخارج.

وتجدر الإشارة إلى أن جهود ألمانيا في هذه الأيام، هي جهود مرتبطة بالزعيم البافاري هورست زيهوفر، وزير الداخلية الألماني، الذي يقود سياسة جدية نجحت كثيرا في تخطي الثغرات وسدها، وجعلت من ألمانيا ساحة خالية من الإرهاب.

وترتكز جهود وزير الداخلية الألماني على قواعد ثابتة، وهي رصد ومتابعة مصادر تهدد ألمانيا من الداخل والخارج، وفيما يتعلق بمصادر التهديدات الداخلية ركزت وزارة الداخلية الألمانية -خاصة في ما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين- على ما يلي:

* اعتبار التنظيمات الإسلامية، جميعها، خطرا محدقا بألمانيا، واعتبار جماعة الإخوان هي الأكثر خطورة.

وهذا يعني أن جماعة الإخوان تقع الآن ضمن دائرة الشبهات والمراقبة من قبل وزارة الداخلية، وتحديدا من وكالة الاستخبارات الداخلية، ووكالة حماية الدستور الألمانية.

وتقول التقديرات بأن النقاش داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني يمكن أن يستغرق مدة شهر، وذلك لكي يتمكن الحزب من طرحه كمشروع قرار في البرلمان الألماني البوندستاغ.

ومن أهم العوامل الداعمة لمشروع القرار في البرلمان الألماني:

* أن المشروع سوف يطرح من قبل أكبر الأحزاب الألمانية CDU، الممثلة في البرلمان، وهو الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم بزعامة المستشارة الألمانية ميركل.

* الحزب الديمقراطي المسيحي هو شريك بل توأم للحزب المسيحي الاجتماعي، الذي ينتمي إليه الوزير البافاري هورست زيهوفر، إلى جانب الحزب الاشتراكي العريق، وتشير التقديرات إلى أن أصوات الاشتراكيين سوف تكون داعمة لمشروع القرار المزمع اتخاذه.

إن مناقشة مشروع هذا القرار تأتي بالتوازي أو تماشيا مع سياسات وزارة الداخلية الحالية، التي تقوم على اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل مصادر التهديدات لأمن ألمانيا، أبرزها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومن ضمنها جماعة الإخوان.

* تحرص الحكومة الألمانية -وأيضا الائتلاف الحاكم- على تعزيز شعبيتها في أي انتخابات عامة أو بلدية، من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، لكي لا تذهب أصوات المواطنين إلى اليمين الشعبوي، وهذا ما تحرص عليه الحكومة الحالية.

ويأتي طرح مشروع قرار حظر جماعة الإخوان في ألمانيا، وسط مناخ أمني وسياسي داعم لاتخاذ هذا القرار، في أعقاب نتائج الاستطلاعات التي كشفت أن أكثر من 50 بالمئة من المواطنين الألمان يخشون الجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وانتماءاتها ويعتبرونها تهديدا وخطرا محدقا بأمن ألمانيا.

ويبقى هذا المشروع مثل باقي المشاريع، يعتمد نجاحه على قدرة الحزب المسيحي الديمقراطي على حشد الأصوات والدعم داخل البرلمان. أما في ما يتصل بعامل الوقت، فإن اتخاذ مشروع بهذا الحجم ربما يحتاج إلى المزيد من الوقت والكثير من الاستعدادات على المستوى السياسي، أكثر من الإجراءات الفنية التي اتخذتها أجهزة الاستخبارات.

ولعل ما ينبغي أن تركز عليه الأحزاب الداعمة لهذا المشروع، هو إيجاد قاعدة بيانات جديدة حول “إمبراطورية” الإخوان في ألمانيا، وتكشف عن قياداتها الجديدة، ومقراتها ومصادر تمويلها، وهي المسائل التي تعتبر أكثر تحديا وعسرا وتعقيدا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تونس بين الغنوشي وشعبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

فاروق يوسف

بسبب كرة القدم فازت حركة النهضة في الانتخابات البلدية في مدينة باردو.

تابع الناخبون مباراة تونس ضد السنغال وبددوا حقهم الانتخابي.

تلك نتيجة محزنة أفرحت راشد الغنوشي الذي يعد نفسه لرئاسة البرلمان التونسي بعد ترشحه للانتخابات التشريعية.

ستكون مناسبة سعيدة للغنوشي للعب بالقانون. تلك فكرة نهضوية يُراد من خلالها السيطرة على المجتمع التونسي من خلال تغيير القوانين بعد أن صار استعمال العنف فضيحة.

الغنوشي يسعى إلى دولة القانون. ولكنه القانون الذي ينسجم مع مشروعه في بناء إمارة إسلامية تكون بمثابة إعلان عن بدء المشروع الإخواني.

ما لم يحققه الآخرون عن طريق العنف يأمل الغنوشي في تحقيقه عن طريق الديمقراطية. وهي ديمقراطية غادرة، سيكون الشعب التونسي مسؤولا عن نتائجها المأساوية إذا ما تعامل معها بالطريقة التي أدت إلى فوز النهضة في بلدية باردو.

الرجل المراوغ ينتظر أن تغفو تونس ليقفز إلى رئاسة البرلمان.

حينها ستحكم حركة النهضة تونس بغض النظر عن شخصيتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. سيكون الاثنان تابعين للغنوشي بسبب طبيعة نظام الحكم المتبع.

ذلك يعني أن تونس ستستمر في وضعها الرث. لن يمارس البرلمان دوره الرقابي في ما يتعلق بالخدمات وبالأداء الحكومي وبهدر الأموال بقدر اهتمامه بإنشاء آليات لمراقبة المجتمع في كل حركة من حركاته.

بدلا من أن يراقب الحكومة سيراقب البرلمان المجتمع.

ذلك ما تسعى إليه حركة النهضة. أن تكون رقيبة على المجتمع.

هناك انتقام مبيت ضد النساء ستمارسه النهضة من خلال "الأحوال المدنية" وهو ما سيمرره الغنوشي إذا ما جلس على كرسي رئاسة البرلمان.

ذلك التحدي الذي تعرفه التونسيات وهن مدعوات إلى تجنيد المجتمع ضد وصول الغنوشي إلى البرلمان بأكثرية مريحة. 

فالرجل لا يبيت لهن إلا الشر. ذلك لأنه يدرك جيدا أن الحقوق المدنية للنساء هي حجر الأساس لمقاومة المجتمع المدني في وجه أصوليته وسلفيته وتشدده العنصري ضد النساء.

أعتقد أن الشعب الذي يطالب بالتغيير من أجل أن تكون تونس أفضل ومن أجل أن لا يقع المجتمع فريسة لاستعباد الجهلة والقتلة واللصوص عليه أن يغير عاداته وينتصر على سلبيته في النظر إلى دوره في العملية الديمقراطية. ذلك هو خياره الوحيد ليثبت أهليته لبناء تونس حديثة.

من غير ذلك فإن ثورته ستكون مجرد ذكرى. سيسمح الثوار للندم بأن يعصف بهم بعد أن تخلوا لأسباب تافهة عن الاستمرار في التعبئة الشعبية والامساك بخيوط الحل التي ما أن تفلت من أيديهم حتى يمسك بها أعداء مستقبلهم الذين يقفون لهم بالمرصاد.

أن يسفر نضال الشعب التونسي عن هيمنة حركة أصولية متخلفة على الدولة والمجتمع فإن ذلك معناه خيانة تاريخية لواحدة من أكثر ثورات عصرنا نبلا ورقياً وبعداً عن العنف.

تلك نتيجة سوداء ستفتح أبواب تونس على عنف، يفخر التونسيون أنهم تخطوا حاجزه. فما يجب أن يكون واضحا بالنسبة لهم أن الغنوشي لا يقول الحقيقة في ما يتعلق بمشروعه السياسي. ذلك لأنه ليس متوقعا منه أن يخبر التونسيين بأنه يخطط لإقامة امارة إسلامية على غرار امارات "داعش".   

ومخطئ من يعتقد أن الرجل الذي سبق له وأن كفر لأسباب سياسية العديد من الكيانات والأشخاص قد تغير بعد أن وصل إلى سدة الحكم. فالإخواني لا يتغير ويظل محافظا على ثوابته في الحاكمية والبراء والولاء، لكنه لن يعلن عنها إلا في الوقت الذي يراه مناسبا.

وأعتقد أن وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان هو ذلك الوقت.

سيكون الوقت متأخرا لاستدراك الخطأ حين يكشف الغنوشي عن وجهه الحقيقي.

لذلك فإن على الشعب التونسي أن لا يرتكب خطأً، يكون بمثابة الضربة التي تقضي على مستقبله المدني.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية