كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
12026
عدد القراءات

2019-10-10

ربما شكّل انطلاق الهجوم التركي، في عملية عسكرية أسمتها تركيا "نبع السلام"، على أكراد سوريا مفاجأة، من ناحية سرعة تنفيذ قرار الهجوم، بوصفه أحد السيناريوهات المحتملة التي كانت على طاولة صانع القرار التركي، والذي تمّ التلويح به منذ بداية الأزمة السورية، وتمّ تنفيذ جزء منه في شمال غرب سوريا، في العملية المعروفة بـ "غصن الزيتون".

اقرأ أيضاً: أردوغان يكمّم أفواه معارضي هجوم شرق الفرات

الهجوم التركي على مناطق شرق الفرات، جاء بعد مباحثات أمريكية- تركية معقّدة، أفضت إلى إنتاج اتفاق حول مطلب تركيا بإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، أهدافها المعلنة تتمثل في: تأمين منطقة للاجئين السوريين لإعادتهم إلى سوريا، والقضاء على الإرهاب، وفق المفهوم التركي، "الفصائل الكردية"، وأهداف سرّية أخرى، في مقدمتها؛ إحداث تغيير ديموغرافي، بإقامة مدن وبلدات للعرب "السنّة" من اللاجئين السوريين، تضمن الفصل بين أكراد سوريا وأكراد تركيا.

الهجوم التركي جاء بعد مباحثات أمريكية- تركية معقّدة أفضت إلى إنتاج اتفاق حول مطلب أنقرة إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا

الهجوم التركي جاء بعد محطتين بارزتين في تطورات المشهد السوري؛ الأولى: تطورات المعارك في إدلب؛ حيث "انتصارات" جيش النظام السوري في إدلب وريف حلب، وتحرير خان شيخون، ومحاصرة إحدى نقاط المراقبة التركية، وهو ما شكّل خسارة كبيرة للفصائل الجهادية المتحالفة مع تركيا، وأجبر الرئيس أردوغان على عقد لقاء قمة عاجل مع الرئيس بوتين، قدّمت خلاله تركيا تنازلات، ذات دلالة في أهميتها، في إطار "صفقة" كان من أبرز مضامينها تخلّي تركيا عن دعمها للفصائل الجهادية في إدلب، ورفع مستوى التنسيق مع روسيا، بما في ذلك تقديم ما لديها من معلومات استخباراتية لروسيا، كانت السبب الرئيس في الضربة النوعية التي وجهتها القوات الأمريكية لاجتماع لقادة الفصائل الجهادية: القاعدة، وحراس الدين، وأنصار التوحيد.

اقرأ أيضاً: قطر تنفرد بالسكوت عن الهجوم التركي على سوريا

أما المحطة الثانية؛ فكانت الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية المكلفة بإعداد دستور جديد للدولة السورية، وهو موضوع خلافي بين حلفاء "أستانا"، روسيا وإيران وتركيا؛ حيث كانت تركيا تطرح من خلال حلفائها في المعارضة السورية، خاصة الإخوان المسلمين السوريين، اشتراطات تعرقل تشكيل اللجنة.

"نبع السلام التركية"، في إطار العملية العسكرية التي يشنها الجيش التركي على أكراد شمال سوريا، غير معزولة عن سياقات المحطتَين السابقتَين: "تنازلات تركيا في إدلب، واللجنة الدستورية"، وتجيب عن التساؤلات حول الثمن الذي قبضته تركيا مقابل تلك التنازلات، وهو ما يفسّر الموقف الروسي تجاه هذه العملية، اليوم، رغم البيانات الإعلامية التي تتحفّظ، أو تعترض على العملية التركية، أو تطالب بضرورة أن تأخذ تركيا بعين الاعتبار مصالح الحكومة السورية.

اقرأ أيضاً: الحرب التركية في سوريا

المرجَّح أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أقنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسماح لتركيا بتنفيذ هذه العملية، والتنازل عن دعم حلفائه الأكراد، وهو ما يفسّر ارتباك ترامب في التعامل مع الهجوم التركي، بين تأكيده عدم منح تركيا ضوءاً أخضر للهجوم، وتحذير تركيا من تجاوز الخطوط الحمراء، واحتمال تعرضها لعقوبات اقتصادية واسعة، تدمّر الاقتصاد التركي، فيما القواسم المشتركة بين الرئيسَين؛ بوتين وترامب، بخصوص الملف السوري، أكبر بكثير من الخلافات؛ حيث إنّ هناك توافقاً على القضاء على الإرهاب، والالتزام بوحدة سوريا، وتأمين متطلبات الأمن القومي لإسرائيل، وعنوانها إخراج إيران من سوريا.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!

ومن المرجَّح؛ أنّ بوتين قدّم تعهدات لترامب حول تلك العناوين، وربما أبعد من ذلك، حول السلام بين سوريا وإسرائيل، غير أنّ أبرز تعهدات بوتين يتوقَّع أنّها كانت بالملف المسكوت عنه، وهو إخراج إيران من سوريا، والذي تعمل روسيا على تنفيذه عبر مراحل، أبرز عناوينها: السماح لإسرائيل بتوجيه ضربات منسقة للحرس الثوري الإيراني والميليشيات الإيرانية، وإعادة ترتيب المؤسَّستَين؛ العسكرية والأمنية، السوريتين، وتحت عنوان إبعاد القيادات الموالية لإيران عن المواقع القيادية فيهما، وإبعاد إيران عن المشاركة بفاعلية في معارك إدلب، وهو ما يفسّر الموقف الإيراني تجاه العملية التركية، الذي اكتشف أنّ خسارته من هذه العملية لا تقلّ عن خسارة الأكراد.

يبدو أنّ حدود الهجوم التركي منسّقة مع روسيا وأمريكا وأنّ هدفه النهائي إبعاد الفصائل الكردية عن المناطق الحدودية مع تركيا

لعلّ ما يرجّح هذا السيناريو؛ اندفاع الأكراد، مع بدء الهجوم التركي، لطلب التفاوض مع دمشق حول الإدارة الذاتية للمناطق الكردية في إطار الدولة السورية، وقيام تركيا بإبلاغ القنصلية السورية في إسطنبول بالهجوم الذي تنفّذه ضدّ الأكراد، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدية رفض سوريا للهجوم، باعتبار أنّ دمشق ستكون أول المستفيدين منه، بما في ذلك إقامة المنطقة العازلة في شمال سوريا، بين أكراد سوريا وأكراد تركيا، واللاجئين الذين من المفروض إعادتهم من تركيا والإقامة في المنطقة، عناصر غير مرغوب فيها للإقامة في المدن السورية، وفق القاموس السوري.

وفي الخلاصة؛ فإنّه من المستبعد أن تطول عملية "نبع السلام"، ويبدو أنّ حدودها الجغرافية ومدّتها الزمنية منسَّقة مع روسيا وأمريكا، وأنّ هدفها النهائي إبعاد الفصائل الكردية عن المناطق الحدودية مع تركيا، بما يضمن إقامة "المنطقة الآمنة" الموعودة، وإنشاء تجمعات سكانية للاجئين السوريين الذين ستتم إعادتهم من تركيا، على غرار ما تمّ في عفرين، وإعادة سيادة الدولة السورية على مناطق شرق الفرات، بالتزامن مع إعادة السيادة السورية على مناطق إدلب، تمهيداً لبدء اللجنة الدستورية أعمالها تحت سقف الأمم المتحدة، وليس تحت سقف "سوتشي" أو "أستانا"، وهو ما تطالب به أمريكا والدول الأوروبية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"قوارير داعش" ... المغرب يفتح ذراعيه لضحايا البغدادي

2019-11-11

منذ الإعلان عن القضاء النهائي على ما تبقى من تنظيم داعش، في المناطق التي كان يسيطر عليها، في سوريا والعراق، من لدن التحالف الدولي لقتال التنظيم الإرهابي، بدا أنّ مخلّفات هذا الأخير وتداعياته مرشحة كي تعيش بعده فترة ربما قد تطول؛ بسبب حجم الدمار والخراب العمراني والبشري الذي خلّفه طوال ما يقرب من خمسة أعوام، عاث فيها فساداً في الأرض، وترك وراءه جروحاً وضحايا، بل ربما سنسمع قريباً عن مدافن جماعية لمقاتلي هذه الميليشيا المسلحة، كشأن أيّ حكم ديكتاتوري يتسلط على الناس بالحديد والنار، ويخلّف وراءه سجلاً من المآسي الإنسانية.

اقرأ أيضاً: دراسة إسبانية تلقي الضوء على "الجهاد المؤنث".. لماذا يستقطب داعش النساء؟
وخلال العامين الأخيرَين؛ برز إلى السطح موضوع المقاتلين العائدين من مناطق القتال، أولئك الذين اختاروا بشكل إرادي، منذ الإعلان عن مسمى الخلافة الداعشية عام 2014، الالتحاق بالمناطق التي يسيطر عليها، إما قناعة ناتجة عن تشرّب الفكر المتطرف وأوهامه، أو بسبب الخضوع لغسيل الأدمغة تحت القصف الدعائي للتنظيم على شبكة الإنترنت، أو الاستقطاب المباشر عبر الوسطاء المجنّدين في صفوفه.

يقدَّر عدد النسوة والأطفال المغاربة بنحو 12 ألفاً وهو رقم كبير يعطي صورة عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها داعش

ويتكدّس المئات من هؤلاء اليوم في سجن الهول، تحت قيادة القوات الكردية السورية المقاتلة، في أوضاع كارثية جعلتهم يستفيقون على حقيقة مختلفة عمّا كان التنظيم في السابق يمطرهم به من الأوهام والخيالات، وبعد أن كانوا يحملون السلاح ويقتلون المدنيين بدعوى "الجهاد"، تحت راية البغدادي، ويصولون ويجولون في مناطق نفوذ التنظيم، صاروا اليوم يبحثون فقط عن مجرد البقاء على قيد الحياة، بعد أن فقد بعضهم أحد أطرافه، أو أصيب بأمراض خطيرة، أو فقد بصره، وبعضهم توفّي نتيجة عدم القدرة على المقاومة.
هؤلاء لا ترغب أية واحدة من البلدان التي ينحدرون منها في استعادتهم، رغم الدعوات المتكررة من القوات الكردية، كون أغلبهم ما يزال يشكل خطراً، خاصّة أنّ عدداً كبيراً منهم، بحسب شهادات أعضاء الجيش الكردي، قاتل حتى الرمق الأخير قبل اعتقاله، ما يعني أنّ قناعاتهم المتطرفة ما تزال حيّة وقابلة للاشتعال.
وحتى الآن، عاد ما يقرب من 300 مقاتل من المقاتلين المغاربة الذين كانوا قد التحقوا بالتنظيم خلال الأعوام الماضية، وذلك من بين حوالي 1600 مغربي، بحسب تصريحات رسمية، عام 2015، عدد كبير منهم لقي مصرعه في مناطق القتال، وقد تمت محاكمة هؤلاء العائدين وإيداعهم السجن، بمقتضى القانون الذي سنّه المغرب قبل أربعة أعوام، والذي ينصّ على عقوبات سجنية تتراوح بين 10 و15 عاماً، لكلّ من غادر البلاد باتجاه مناطق التوتر.

اقرأ أيضاً: نساء داعش.. عرائس أم إرهابيات؟
بيد أنّ السلطات المغربية تسامحت مع النسوة اللواتي رجعن من تلك المناطق في الفترات الأخيرة؛ إذ لا تتم متابعتهنّ قضائياً، وإن تمّ الاستماع إليهنّ للتعرّف من خلالهنّ إلى طبيعة الأوضاع هناك وطبيعة المهام التي كانت تسند إليهنّ في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم البغدادي، غير أنّ كثيرات من هؤلاء النسوة ما يزلنَ معتقلات في سجن الهول، أو ضائعات في تركيا، خوفاً من اعتقالهنّ لدى عودتهنّ.
وقد قرّر المغرب، لدواع إنسانية صرفة، فتح ذراعيه لهؤلاء النسوة وأطفالهنّ، انطلاقاً من أنهنّ كنّ من المغرَّر بهنّ، ولم تكن لهنّ علاقة بالأعمال الإرهابية؛ إذ تجري العادة أن ترافق المرأة زوجها، وبحسب إفادات غير رسمية، حتى الآن، يقدَّر عدد النسوة والأطفال المغاربة بنحو 12 ألفاً، وهو رقم كبير يعطي صورة عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها تنظيم داعش، وإذا أضفنا هذا الرقم إلى أرقام النساء المغرَّر بهنّ من بلدان أخرى، نكون أمام قائمة طويلة من الضحايا الجانبيين للإرهاب.

قرّر المغرب فتح ذراعيه لنساء داعش انطلاقاً من أنهنّ كنّ من المغرَّر بهنّ ولم تكن لهنّ علاقة بالأعمال الإرهابية

هذا ما أعلنه مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق الخيام، مؤخراً، حين كشف عن قرب إطلاق إستراتيجية لإعادة النساء والأطفال المغاربة من بؤر التوتر، مبرراً ذلك بأنّ هؤلاء النسوة لم ينتقلن إلى تلك البؤر للقتال؛ بل لمرافقة أزواجهنّ، كما كشف الخيام أنّ هؤلاء لن تتمّ متابعتهنّ.
لكنّ هذه المبادرة الإنسانية تلقي على السلطات المغربية أعباء كبرى؛ ذلك لأنّ هؤلاء النساء والأطفال يحتاجون إلى عناية نفسية وطبية ومصاحبة اجتماعية لفترات زمنية طويلة، تساعدهم على التخلص من الإرث النفسي والجروح العاطفية، التي تركت آثارها فيهم طوال مدة إقامتهم في تلك المناطق التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها، وإذا كان الأمر يسيراً بالنسبة إلى النساء؛ فإنّ المهمة ستكون مضاعفة بالنسبة إلى الأطفال؛ فهؤلاء أغلبهم فتح عينَيه على مظاهر العنف والقتل ومشاهد السلاح اليومية، داخل البيوت وفي الشوارع، وتسربت إليه الشعارات العنيفة والمتطرفة التي كان التنظيم يحرص على بثّها في نفوس الصبيان، تنفيذاً لمقولته "باقية وتتمدد"، فهو كان ينوي بقاء مسمى الخلافة، وكان يعمل على تنشئة جيل جديد من الأتباع المطيعين الذين لا يعرفون سوى لغة القتال، وهو ما جعله يضع مقررات تعليمية جديدة في المناطق التي كان يديرها، تدور كلّها حول محاور محددة، هي: القتال "الشرعي"، والدفاع عن "الخلافة"، و"عبادة" شخص الخليفة المفترض، قبل أن يتبدّد كلّ شيء.

للمشاركة:

أطفال السوشيال ميديا.. نجومية أم عمالة من نوع جديد؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-11-11

جاء في اتفاقية حقوق الطفل، الموقّعة عام 1989: "ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أيّ عملٍ يُرجّح أن يكون خطراً أو يمثّل إعاقة لتعليمه، أو ضرراً بصحته، أو بنموّه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي"، قد ترجع أهمية هذا البند إلى شموليّته في إدانة أيّ عمل قد يُعدّ انتهاكاً للطفولة مهما كان نوعه، لكن ماذا لو كنّا اليوم نشهد نوعاً جديداً من العمالة فيما يسمّى بالعالم الافتراضي؟ وماذا لو كان هذا النوع يلقى رواجاً حتى في الدول التي وقّعت على هذه الاتفاقيّة، وتُعدّ حقوق الطفل فيها مقدّسة؟

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات
ما نراه من قنواتٍ يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، خاصةً اليوتيوب، هي عمالة من نوعٍ جديد، بزيٍّ أنيق وحذاءٍ لامع، عمالة تعتمد على الشهرة لتحقيق الربح؛ حيث تصبح شهرة الطفل الذي يحظى بمشاهدات عالية أداة لترويج المنتجات، مهما كان نوعها ومصدرها، وهذا بالضبط ما يربط الطفل بالعمل، لكن بطريقة ملتفة؛ إذ إنّ هناك الكثير من العائدات الإعلانية ستعود على أسرته بالمرابح، ومن اللافت للانتباه أنّ أغلب الأسر التي تقوم بتغذية عمالة الأطفال في العالم الافتراضي ليست من الأسر الفقيرة، بخلاف عمالة الأطفال في العالم الواقعي.

ما نراه من قنوات يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل، خاصة اليوتيوب، عمالة من نوع جديد بزيّ أنيق وحذاء لامع

قد تكون هذه العمالة  دليلاً على التناقض بين حقوق الطفل والجشع العام، الذي جعل من الشهرة والربح غايتَين في الواقع الاجتماعي، ورغم أنّ فكرة الكسب المادي من خلال السوشيال ميديا في مجتمعاتنا ما تزال تقتصر على فئاتٍ معينةٍ، ولم تحقق بعد انتشاراً واسعاً، ولكن هناك ما نقوم به ربما هو أخطر من ذلك بكثير وأوسع انتشاراً، فكثيرٌ من الفيديوهات التي يقوم الوالدان بمشاركتها، ليس لها هدف سوى التسلية، وقد لا تبالي في كثيرٍ من الأحيان بجعلِ الطفل أضحوكةً ومثارَ تندّر، غير مكترثةٍ لمشاعره وأحاسيسه، وفي فيديوهاتٍ أخرى يستخدم الوالدان أطفالهما ليمرّرا من خلالهم مواقفهما ووجهات نظرهما، خاصةً السياسية منها والدينيّة. 

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
ربما ليس مفاجئاً أن نجعل أطفالنا أضحوكة للآخرين عبر العالم الافتراضي، أو نستخدمهم كأداةٍ للكسب المادي، أو للشهرة، أو لتمرير أيديولوجياتنا، أو لتعويض عقد نقصنا، فما ذلك سوى انعكاس لعالمنا الواقعي، الذي نتعامل فيه مع الطفل كدمية نحرّكها كما نشاء، ونقوّلها ما نريد، ونختبئ وراء تبريرات تزيد من الطين بلّة، كتبرير الكسب المادي عبر السوشيال ميديا،  بحجة أنّه من المهم أن يعرفَ الطفل مبكراً قيمة المال الذي يجنيه بجهده، أو من يدّعي أنّ هذه الفيديوهات لمشاركة أفراحه مع الآخرين، وليس وراءها أيّ كسب مادي، أو أنّ هذه المواهب يجب أن ترى النور عبر منابر أصبحت أساسية في حياتنا، أو بحجة التوثيق والأرشفة. 
ومهما قُدِّم من تبريرات، ستبقى موسومة باختراقها لثلاثة بنودٍ في اتفاقية حقوق الطفل؛ من ناحية عمالة الطفل، وعدم احترام خصوصيته، واستغلاله، وخاصةً البند الأخير، فأيّ مبررٍ لن يكون خارج دائرة الاستغلال، وإن كان بغير قصدٍ؛ فالطفل لم يمتلك بعد الإدراك الكافي ليقرر إيجابية هذا الأمر أو سوءه، والأهلية التي يتحصّن بها الوالدان تفقد شرعيتها طالما لا يستطيعان النظر إلى الطفل كما هو، وباستمرارهما في التعامل مع الموهبة على أنّها أهم من الطفل، سينتهي بهما الأمر إلى فقدان الطفل وموهبته.   

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
وإذا كان هذا النوع من العمالة يحظى بمقبولية اجتماعية؛ كونه لا يتطلب جهداً كما في العمالة التقليدية؛ فهذه المقبولية لا تبيح لنا، بأيّ شكلٍ من الأشكال، أن نجعل الأطفال يسدّدون  فواتيرنا المعيشيّة، ففي النهاية مهما كان نوع العمل الذي يقومون به، ومهما بدا غير مُذلّ؛ فهم يعملون من أجلنا بدل أن نعمل من أجلهم، وبهذا يتحطّم المبدأ الأقوى في أيّة تربية؛ مبدأ حماية الطفل، كما أنّ تحويل الطفل إلى مهرجٍ أو ممثلٍ أو أداة ترويج لمنتجٍ ما، أو تعريضه للشهرة والنجومية، سيجعل أطفالنا يعيشون خارج طفولتهم، في عالمٍ يكون الإنسان فيه مهماً فقط كلّما ازدادت أعداد المعجبين به، هكذا نربي الآخرين داخل أطفالنا، ليصبح الآخرون، منذ اللحظة، من يقررون وجودهم.  

اقرأ أيضاً: لماذا نورث أطفالنا ما كان وبالاً علينا؟
فالفيديوهات التي تروّج لهؤلاء الأطفال على أنّهم خارقون أو غير طبيعيين، ويتم تناول هذا التوصيف على أنّه إيجابيٌّ، تدفعنا للتساؤل: هل نحن في حاجة إلى أطفال غير طبيعيين؟ إنّ فكرة التفوّق التي تدغدغ المخيلة البشرية، جعلت من العالم حلبة صراع، ومن التنافس الذي يتغذى على الإقصاء، الطريقة الوحيدة للوجود؛ على هذا الطريق بالضبط نحن نضع أطفالنا، وبينما نحن نمنعهم من أن يكونوا أطفالاً طبيعيين يحظون بطفولتهم، نجعل منهم ما نريد، وما نريده هو ما سينتج عنه العنف والتطرّف؛ لذلك نجد أنّ الفيديوهات التي ينشرها المتطرفون لأطفالهم، والتي تتضمن عقائدهم، لا تختلف عن الفيديوهات التي ننشرها لأطفالنا، سوى أنّ الأولى مباشرة وواضحة، تضعك أمام العنف وجهاً لوجه، بينما ما ننشره نحن عن أطفالنا، ولأطفالنا، وإن كان يبدو في الاتجاه المعاكس المشرق والمضيء، لكنّه يحمل في طياته منتجات العنف نفسه.

الاستخدام الخاطئ وغير العقلاني للتقنية عزّز القلق والخوف وساهم مساهمة حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني

فما خلّفته وتخلّفه الحروب والنزاعات، من تشريدٍ للأطفال وآلام الفقد لذويهم، والتردي الاقتصادي الذي يجبر قسماً كبيراً منهم على العمل، بالإضافة لموجات اللجوء والنزوح، والأمراض المنتشرة بفعل عوامل كثيرة، وما يتعرضون له من بردٍ وجوع، له وقعُ كارثيّ، وربما لا يمكن مقارنة واقع طفل الحروب، بطفل السوشيال ميديا الجالس بين أفراد أسرته ولم يتعرض لكلّ هذا الجحيم، ولكن إذا أمعنّا النظر بالنتائج، سنجدها واحدة بأدواتٍ مختلفة، فطفلٌ تشرّده وتستنزفه الحرب، وآخر يشرّده ويستنزفه الجهل، جهلنا.
من المفترض على القفزات التي تقفزها البشرية في أيّ مجال أن تساهم في استقرار الإنسان وسعادته، لكنّ ما يحدث واقعياً هو العكس تماماً؛ فالاستخدام الخاطئ، وغير العقلاني، للتقنية، عزّز القلق والخوف، وساهم مساهمةً حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني، بالتأكيد ما لم نعترف بأخطائنا، أو طالما نصرّ على تبريرها، وسيشكّل هذا التجاهل المتعمّد التهديد الأهم في الوجود؛ إذ سينتهي بنا الأمر لأن نبتلع بعضنا، بينما تستمر التقنية في استهلاكنا؛ حيث تتردّد صرخة نيتشه في نهاية المطاف كنبوءة: "احذروا عصر العدمية القادم لا محالة".

للمشاركة:

هل إيران عنوان التحدي الأبرز لأمريكا؟

2019-11-10

إيران عنوان التحدي الأمريكي الأبرز... هل يبدو هذا منطقياً؟
أعتقد ذلك؛ فبحسب تعبير كونداليزا رايس؛ هي التحدي الإستراتيجي الأخطر على أمريكا، وهي تشكّل حالة مزدوجة من ناحية كونها هدفاً في حدّ ذاتها، ومبرراً لأهداف أخرى، بمعنى أنّ الهدف الأمريكي من إيران هو كبح جماح تطور قدراتها النووية وإفشال مساعيها وأدوارها في العراق، وفي لبنان فيما يتصل بحزب الله، ووقف تنامي نفوذها وتقليص حجم محوريتها في المنطقة بشكل عام، وهي في الوقت ذاته مبرر وعنوان رئيس لأهداف أخرى، أهمّها بقاء أمريكا في المنطقة لأطول فترة ممكنة، وذريعة للتدخّل في لبنان بحجة ارتباط حزب الله بإيران.

اقرأ أيضاً: هل زادت فرص نشوب صراع عسكري بين إيران وأمريكا؟
ليس سهلاً على أيّ أحد القول إنّ من مصلحة أمريكا أن يبقى الخطر الإيراني قائماً، ليبقى معه كلّ هذا الاضطراب في المنطقة، إلا أنّ هذا الأمر ليس مستبعداً، بدليل أنّ أمريكا حريصة على أن يكون لها سبب أو عنوان أو مبرّر لوجودها، وكلّما انتهى سبب، استطاعت أن تخلق سبباً آخر.

أمريكا حريصة على أن يكون لها سبب أو مبرّر لوجودها وكلّما انتهى سبب استطاعت أن تخلق آخر

كان العراق سبباً كبيراً للوجود الأمريكي، وحتى لا تصل أمريكا في وقت من الأوقات إلى حالة تكون فيها مضطرة للخروج من العراق، ومن المنطقة، أوجدت عنواناً دائماً لها، يسمى "إيران"، وقدرة هذه الأخيرة على خلق الجدل وتثوير المجال السياسي العام في المنطقة، وأهمها سوريا ولبنان وحزب الله، كدولة موازية داخل الدولة.

الحرب التي وقعت فعلاً هي الحرب على العراق، والحرب التي تقع باستمرار هي الحرب على إيران، من جهة الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، ومن جهة الشعوب التي بدأت تعيد صياغة مواقفها من المسلّمات التي حشرت عنوة في وعيها، مثل وعي الممانعة والمقاومة فيما يتصل بحزب الله تحديداً، الذراع الإيراني الخطير، في خاصرة لبنان.
أياً كانت التحليلات والتوقعات فإنّ قرار إبقاء المشهد الإيراني مفتوحاً على احتمالات متعددة، متصل بالمشهد العام في المنطقة برمّتها، "العراق وسوريا ولبنان" على وجه التحديد، لذا كان الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو، على سبيل المثال، ممتلئاً بقناعة أنّ إيران لا يجدي معها أيّ جهد دبلوماسي، ومع ذلك بقي دبلوماسياً معها إلى حدّ ما، كذلك الحال مع دونالد ترامب الذي لا يمكن اعتبار قناعاته أسباباً كافية للحرب، ولا للسلام؛ إنّه يبدو كما لو أنّه يعتنق مبدأ الحرب أو اللاحرب، وليس الحرب أو السلام، وثمة فارق كبير بين المبدأين، أن تبقى إيران بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، في حالة الحرب أو اللاحرب، أما مسألة السلام فتلك فكرة لا يمكن الإيمان بها في أجواء مشحونة بالمصالح غير المنجزة للقوى العالمية ولشعوب المنطقة أيضاً، تلك الشعوب التي بدأت تقرأ عناوين مصالحها وخياراتها جيداً، كما حدث في تونس، وكما يحدث اليوم في لبنان عبر انحياز الشعب الخارج في الشوارع لمصالحه، وليس لفئاته السياسية، أو لتكتلات السلطة ومحاصصات نفوذها.

قرار إبقاء المشهد الإيراني مفتوحاً على احتمالات متعددة متصل بالمشهد العام بالمنطقة برمّتها وعلى وجه التحديد بالعراق وسوريا ولبنان

عبث إيران في هوامشها سيؤول حتماً إلى نتائج وخيمة عليها، وليس لها، سواء أكان ذلك في وقت قريب أم بعيد، فليست إيران الوحيدة التي تتقن فنّ إدارة الزمن، واللعب البطيء، إنّ خمسة عشر يوماً في الشوارع ليست فترة طويلة، وليست قصيرة أيضاً، إذا كانت المسألة تعبيراً عن حالة رفض عام، أعني احتجاجات الشعب اللبناني، لكنّها مؤشر على أنّ الشعب اللبناني جادّ وحاسم في وقف العبث بمصالحه ومستقبله، لصالح أجندات سياسية متصلة بمصالح خارجية وأذرع عسكرية أيضاً مرتبطة بمصالح خارجية.

اقرأ أيضاً: أمريكا تعاقب إيران على هجوم أرامكو.. بهذه الطريقة

أختم المقالة بأنّ الخبراء الأمريكيين الذين حاولوا سابقاً الركون للرأي القائل إنّ إيران، مع ما تسبّبه من قلق، فإنّها لا تسعى باتجاه جعل المنطقة أكثر اضطراباً؛ لأنّ ذلك لا يوحي بأنّه يخدم مصالحها وتوجهاتها، ربما أدركوا كم كانوا واهمين، أو لم يدركوا، ذلك شأنهم، لكنّ شواهد المنطقة التي تحتضن هوامش إيران، تؤكد أنّ العبث الإيراني الذي تأسس، سياسياً وعسكرياً، في عدد من الدول، يقدم نتائج بالجملة، فإيران متن مهم من متون السياسة الأمريكية، بينما العراق وسوريا ولبنان هوامش.

للمشاركة:



هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية