أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي

2424
عدد القراءات

2019-05-01

لا تقتصر ظاهرة تسييس الدين على العالم الإسلامي وحده، وليس الاستثمار المتبادل بين السياسة والدين حكراً على عوالم المسلمين، ولا حتى على الديانات الإبراهيمية الثلاث وحدها، على ما بينها من تفاوت. فثمة حركات أصولية غير إسلامية يزداد نشاطها في أنحاء مختلفة من العالم حتى اليوم. لكن، وعلى الرغم من كون جميع هذه الحركات تتخذ من نصوصها المقدسة مرجعية لها في الشأن العام، يبقى ثمة فارق بين فكر تلك الحركات وفكر حركات الإسلام السياسي يتمثل في فهم طبيعة ونوع العلاقة بين الدين والسياسة في ذهن الإسلاميين، ليس على المستوى الشعبي وفكر العامة فحسب، إنّما في فكر قادة هذه الحركات ومنظريها وآبائها الروحيين؛ إذ يجمع هؤلاء المنظرون على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية على أنّ ثمة علاقة خاصة بين الإسلام والسياسة تختلف عن علاقة غيره من الأديان، وأنّها علاقة جوهرية أو ضرورية، وليست تاريخية فحسب، باعتبار أنّ الإسلام دين ودولة وتشريع شامل لكل مناحي الحياة صالح لكل زمان ومكان، وأن سلطة النص أعلى من سلطة العقل.
غلاف كتاب  أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي"

العلاقة بين الإسلام والسياسة
ينطلق الباحث اللبناني عادل ضاهر في كتابه" أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي" لمعالجة  إشكالية تلك العلاقة وتفرعاتها معالجة فلسفية عقلية تؤكد على أولية العقل، وتبين أنّ هذه النظرة إلى الإسلام  لا تتسم باللاعقلانية فقط، إنما تتسم باللامعقولية، لأنّ في "اشتراطها الموجب أن يقوم النظام السياسي على تعاليم دين معين فإنّها، في حال تجسّدها في حركة سياسية، ستنتهي بأصحابها إلى عمل كلّ ما يلزم للحؤول دون أن يكون لأيّ رأي مخالف أيّ دور في المجال العامّ، بحجّة أنه يتعارض مع القيام بواجب ديني. وليس في هذا انحراف عن معايير العقل فحسب، بل وأيضاً عن شروط المعقولية".

ليس الاستثمار المتبادل بين السياسة والدين حكراً على عوالم المسلمين ولا حتى على الديانات الإبراهيمية الثلاث

كما أنّ هذه الرؤية تعطي للقادة الإسلاميين امتيازاً معرفياً وأخلاقياً وروحياً على غيرهم من بني البشر الذين "تغرقهم علمانيتهم الخالصة في "جاهلية" عمياء" حسب رؤية سيد قطب الذي أصبحت أفكاره "نصوصاً مقدسة" في فكر الإسلام "الجهادي".
وإذا كان لا ينكر أحد أنّ ثمة علاقة تاريخية بين الإسلام والسياسة فرضتها ظروف نشأة الإسلام في الجزيرة العربية في مجتمع ما قبل الدولة أفضت إلى تزامن نشوء الدين والدولة كأساس تنظيمي لنشر الدعوة في ذلك الوقت، لكنّ هذه العلاقة تبقى علاقة تاريخية وحسب، وليست من جوهر الإسلام أو من صلب ماهيته العقدية.

تفكيك علاقة الدين والسياسة
كما أنّ نشر الدعوة الإسلامية اليوم لا يحتاج إلى الدولة على اعتبار أنّ "ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب"، ولعل النقطة المهمة التي يلفت إليها ضاهر، في هذا السياق، هي أنّ هذه النظرة إلى العلاقة بين الدين والسياسة لم تعد تقتصر على المنظرين الإسلاميين فقط، بل أصبح صداها يتردد على ألسنة غير الإسلاميين أيضاً، وإلا فما الفرق بين قول حسن البنا أنّ "الإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل... لا ينفك واحد عن الآخر"، وقول محمد عمارة "إنّ قيام الدولة الإسلامية ضروري لتأدية المسلم بعض واجباته الدينية"، مع أنّ عمارة لا يرى أن فصل الدين عن الدولة واجب ديني كما يراه القرضاوي أو غيره، من منظري الإسلام السياسي الحركي، أو قول الشاعر السوري أدونيس "إن ما يحدث في إيران اليوم ليس "إسلاماً سياسياً"،  إنما هو  إسلام بحصر المعنى"، أو قوله "بَدْهيّ أنّ السياسة في الإسلام بعدٌ جوهريٌ من أبعاد الدين".

اقرأ أيضاً: مستقبل الإسلام السياسي: مآزقه وخياراته
يشكل تفكيك العلاقة بين الدين والسياسة مرتكزاً أساسياً في أطروحات عادل ضاهر حول الإسلام السياسي في أكثر من كتاب له في هذا الشأن، ويشكّل في كتابه "أولية العقل" مدخلاً ينفذ من خلاله الكاتب لتفنيد جملة من أطروحات الإسلام السياسي التي تشكل المنظور المشترك لمرجعياته الفكرية والروحية على تعدد تياراته وتنظيماته، وأهم هذه الأطروحات التي يشتبك معها الكاتب هي: "النقل قبل العقل"، "وعدم قدرة الإنسان على تدبير شؤون دنياه بدون توجيه إلهي"، و"قصر الاجتهاد في المجال العام على ما ليس فيه نص"، ومن ثم  معالجة الإشكالية الأكثر التباساً في فكر الإسلاميين وهي "قضية الديمقراطية" والمصير الذي ينتظرها في ظل دولة تجعل المرجعية الدينية المصدر النهائي لسلطاتها وتشريعاتها.
 الباحث اللبناني عادل ضاهر

إعلاء العقل
يؤسس ضاهر نقده لتلك الأطروحات على أولية العقل الذي يسهب طويلاً في استعراض مفهومه الفلسفي وتطور هذا المفهوم بدءاً من المرحلة اليونانية وحتى العصر الحديث استعراضاً شيقاً وشاملاً، ويسوق جملة من الأدلة والبراهين الفلسفية التي تؤكد على أولية العقل بالمعنى الإبستمولوجي على أي نص، وتؤكد أنّ العقل بين كل المصادر الممكنة لاعتقاداتنا وقراراتنا ومواقفنا هو الأكثر موثوقية في تقريبنا من معرفة الحقيقة والصواب، لأنّ المعرفة إما أن تكون عقلية، أو مجرد اعتقاد، أو لا نكون في وضع يسمح لنا بأن نعرف أنها معرفة، وأنّ افتراض وجود مصدر آخر للمعرفة أو لبعض أنواع المعرفة هو افتراض لا يستقيم بدون سند عقلي، والاعتبارات العقلية مبطلة للاعتبارات غير العقلية في حال تعارضهما؛ فالمعرفة العقلانية وإن اتسمت بالشمول والاتساق تبقى معرفة غير يقينية وقابلة للخطأ مع كل اختبار جديد، وقابلة بالتالي للنقد والتصحيح والتجاوز في كل حين، نقد استخلاصاتها ونقد أدواتها نفسها على السواء، بينما المعرفة غير العقلية ومن أي مصدر كانت، كالوحي أو النقل أو الحدس أو الإدراك فوق الحسي، هي معرفة يقينية قطعية لا تحتمل المراجعة والنقد، ولا تمكننا من معرفة أننا قد نكون على خطأ أو ظلال، وقد تنهار كلية أمام النقد، ما يجعل من العقل دليلاً نهائياً  في كل معرفة.

يشكل تفكيك العلاقة بين الدين والسياسة مرتكزاً أساسياً في أطروحات عادل ضاهر حول الإسلام السياسي

ولما كان الإنسان قد تميّز عن جميع المخلوقات بالعقل الذي مكنه من معرفة الله تعالى، فهو قادر على تدبير شؤون دنياه ورعاية مصالحة باستقلالية عن أي توجيه إلهي بمقتضى العقل، وما رفضَ الإسلاميون ذلك إلا بحجة أنّه يصب في خانة العلمانية، العلمانية المفهومة من قبلهم كنزعة مادية تقوم على انعدام الإيمان الديني، أي (مروق من الدين) كما عبر عنها القرضاوي.
وهو من ناحية ثانية تأكيد على أنّ الإسلام دين ودولة خلافاً لغيره من الأديان التوحيدية التي تقبل العلمانية وهو ما يقود بالتالي إلى "اعتبار الإيمان التوحيدي التأليهي حكراً على الإسلام الذي لم ينكر يوماً وجود موحدين خارجه"، كما أنّ هذا القول الذي يذهب في اتجاه اعتبار أن ثمة خصوصية إسلامية بعلاقة الدين بالدولة ليبرر رفضهم للعلمانية. كما يقود إلى رفض الأسبقية الإبستمولوجية للأخلاق على الدين، في حين أنّ المعرفة الدينية تفترض مسبقاً المعرفة الأخلاقية، وأنّ افتراض أنّ الإنسان غير قادر على تدبير شؤون حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بحرية وبدون توجيه إلهي، وهي أمور من صلب المعرفة الأخلاقية يتناقض تناقضاً صريحاً مع القول بأسبقية المعرفة الأخلاقية على المعرفة الدينية ومع افتراض أن الإنسان قادر أن يعرف حقيقة وجود الله تعالى. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
وبناءً على ذلك يخلص الباحث إلى القول إنّ المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون الدنيا "مستقلّة منطقياً عن المعرفة الدينية، وهي ليست ذات مكوّنات ثابتة، وأنّها تتغيّر بتغيّر ظروف البشر وتغيّر أجهزتهم المفاهيمية، وعلى افتراض وجود أمر إلهي بتنظيم شؤون الدنيا على نحو معيّن، فإنّ هذا الأمر ينبغي فهمه على أنّه أمر شرطيّ، لا مطلقاً"، حسبما تمليه علينا الظروف التاريخية، وهو ما يفتح باب الاجتهاد واسعاً أمام العقل على أساس مبدأ العدالة والمصالح المرسلة التي سبق واتبعها الفقهاء من قبل.

الإسلام السياسي والديمقراطية
يتبنى الإسلاميون شعار "الدولة الإسلامية" أو "دولة الإسلام" ويقبل بعضهم المشاركة السياسية والديمقراطية مداورة أو صراحة، على الأقل وهم في موقع المعارضة، ويجعلون من الشورى نظيراً إسلامياً لمفهوم الديمقراطية، لكنّهم يرفضون العلمانية باعتبارها "مشكلة مصطنعة"، وأنّه لا يوجد في الإسلام إكليروس ديني يستأثر بالسلطة كما كان في الغرب المسيحي، لكن السؤال الإشكالي هو هل يمكن قيام الديمقراطية بدون العلمانية؟

اقرأ أيضاً: أوليفيه روا يحلل عوامل فشل "تجربة الإسلام السياسي"
في تفكيكه لهذه الإشكالية وبعد نقاش مستفيض لتناقض أطروحة الإسلاميين التي تدعي إمكان تعايش الديمقراطية مع نظام إسلامي لا علماني في "الدولة الإسلامية"، يخلص ضاهر إلى "أنّ "الدولة الدينية" لا يمكن إلا أن تميل بطبعتها إلى أن تكون دولة كليانية توتاليتارية، وأنّ العلمانية شرط ضروريّ للديمقراطية وليس شرطاً كافياً" ذلك لأنّ ليس كل نظام علماني ديمقراطي بالضرورة. 

يؤسس ضاهر نقده لتلك الأطروحات على أولية العقل الذي يسهب طويلاً باستعراض مفهومه الفلسفي وتطوره

ويشير  الكاتب إلى عدة شروط لإقامة مؤسسات ديمقراطية عادلة لا يمكن أن يتوفر أي منها في "الدولة الدينية"، مثل شرط كون الإدارة الشعبية هي مصدر السلطة السياسية وعدم جواز استئثار أي فرد أو جماعة بها، وأن تكون نفس الفرص متاحة لجميع مواطني الدولة للمشاركة في الحياة السياسية؛ فالحاكمية في "الدولة الدينية" هي لله، وهذا يعني- علمياً وواقعياً- استئثار الجماعة الدينية التي تحكم نيابة عن الله بالسلطة السياسية. وهذا بدورة يلغى شرطا آخر من شروط الديمقراطية، وهو شرط المساواة في الحرية وفي حقوق المواطنة، ويُلغى التمييز بين المجالين العام والخاص، ويحول الدولة إلى دولة كليانية طالما أنّ العقيدة الدينية عقيدة شاملة تحيط بالشؤون الدنيوية والأخروية، وأنّ القوانين الإلهية لا الإنسانية هي المرجع الأخير في تنظيم تلك الشؤون، وأنّ فض تلك القوانين وتأويلها لن يكون متاحاً أمام كل فرد في المجتمع على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، إنّما سيكون من مهمة فئة مختارة من رجال الدين الضالعين في التفسير والتشريع، وسيحول هذه الفئة إلى مركزانية نخبوية في المجال السياسي، ويستبعد بذلك النساء وغير المسلمين والمسلمين العلمانيين من أي دور في هذا المجال.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟
كما أنّه لا يمكن إعطاء هوية إسلامية أو غير إسلامية للدولة، ومن المفترض أن تكون محايدة تجاه أي هوية من هويات مواطنيها، وتضمن قوانينها حق الاعتقاد وحرية الضمير لجميع مواطنيها على قدم المساواة، إلا إذا كان القصد من وراء ذلك طبع تشريعات وسياسات الدولة بطابع الإسلام الخاص الذي لن يكتفي بأسلمة السياسة والقضاء، إنما سيعمل بحكم تبنيه أيديولوجيا كليانية على أسلمة شاملة تطال الفكر والفن والتربية والأخلاق. وماذا يتبقّى من الديمقراطية في ظل دولة "كليانية" وفي ظل "دولنة" شبه تامة للمجتمع؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: