أين المشكلة.. في التعليم المختلط أم في أنماط التربية؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
9498
عدد القراءات

2019-03-05

يقول نعوم تشومسكي "قد لا يشكل الخطأ في الفيزياء نتائج خطيرة على المجتمع، بينما قد يؤدي الخطأ في العلوم الإنسانية إلى نتائج كارثية". هذا ما نلمسه عندما تُطبِق التصورات العامة المدعومة بالتقليد على الوعي الفردي، ومن خلالها يمكن للأخطاء أن تصبح منطقية، وتغدو أكثر تماسكاً وحكمةً، ويصبح الدفاع عنها واجباً أخلاقياً، طالما من يقرّ هذه الأخطاء عقائدُ المجتمع العامة. وسيتضح جوهر ما أرمي إليه في استقصاء ما قدمته الدراسات والأبحاث العربية والغربية في رفضها للتعليم المختلط ومخاطره، وتأكيدها على أهمية التعليم أحادي الجنس.

إنّ المجتمعات التي تقوم على التناقض والازدواجية ستختار حلولاً تؤيد نظرتها الضيقة إلى الحياة

تتعالى في المجتمعات الغربية مجموعة دعواتٍ تتناقض مع دساتير بلادها في إعلان رفضها للتعليم المختلط، على الرغم من أنّ هذه الأصوات قليلة إلّا أنّها بدأت تصبح مؤثرةً وفاعلة، فهناك أسماء بارزة قامت بدراسات وتجارب، وألفت أبحاثاً وكتباً، كبفرلي شو، صاحب كتاب "الغرب يتراجع عن التعليم المختلط"، وميشيل فيزي، صاحب كتاب "مطبات التعليم المختلط"، ولينارد ساكس، وغيرهم.

اقرأ أيضاً: هل تشهد أزمة التعليم بتونس انفراجاً؟

تتمحور أبرز أفكارهم حول الاختلاف البيولوجي والنفسي لكل من الذكر والأنثى، والذي يعيق التحصيل الأكاديمي إذا ما درسا معاً، خاصة في فترة المراهقة؛ حيث يصرون على أنّ "الطلاب يستمتعون بنجاح أكاديمي ويظهرون طموحاً أكثر وتحفيزاً أكبر، ويشعرون بعدم توتر وراحة أكثر في المدارس أحادية الجنس".

اقرأ أيضاً: تجاربنا التعليمية وتجاربهم.. هل تصلح المقارنة؟

الملفت أنّ الأسباب والذرائع التي يتخذها أصحاب هذه النزعة تلبس لبوساً علمياً، يستند في ظاهره على النظريات البيولوجية والنفسية الحديثة، وفي باطنه يخلط ما بين الاختلاف الطبيعي والتمييز الاجتماعي الذي يسبغه المجتمع على الأفراد، ويُمَرّر عبر طرق التربية التقليدية، وحتى في اعتمادهم على النظريات التي تؤكد الفروق والاختلافات بين الجنسين، فإنّهم يستخدمون الاختلاف كتمييز؛ أي كوسيلة نفي وإلغاء، مما يجعله ينحرف عن معناه الحقيقي المؤسس للتكامل والاعتراف، شرطيّ العلاقة الإنسانية.

تتعالى بالمجتمعات الغربية دعوات ترفض التعليم المختلط وبالرغم من أنّها قليلة إلّا أنها بدأت تصبح مؤثرة وفاعلة

في لقاءٍ مع الباحثة والمختصة بعلم الأعصاب تقول ليز إليوت: "لا يوجد أي أساس يفصل الذكور عن الإناث اعتماداً على الاختلافات في الدماغ، ولا يوجد أي فرق عصبي أو نفسي للفصل بين الجنسين في التعليم، وبفصل الجنسين يفوتون فرصة التعلّم من بعضهم البعض؛ لأنهم يريدون العمل معاً فعليهم أن يتطوروا معاً"، وبالتالي الحجج التي يستخدمها مؤيدو فصل الجنسين في الغرب، تجعل من النمو الطبيعي للجنسين وعتبات البلوغ وما يرافقها من تغيرات نفسية وفيزيولوجية إعاقةً للتحصيل العلمي، كما تجعل من اختلاف الاهتمامات وشكل التلقي بين الذكور والإناث حجةً على وجوب الفصل بينهما، وتغفل عمداً الأنماط الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الهوية الجنسية للفرد وترسخ التمييز بين الجنسين.

اقرأ أيضاً: هل ينهار التعليم العالي في تركيا؟

مديرة إحدى المدارس في السويد تقول: "نوجّه الأطفال قبل سن المدرسة على التفكير كإنسان قبل التفكير كذكر أو أنثى، لا نستخدم كلمة هو وهي ليس لأنها خاطئة، لكننا نحن الكبار نستخدمها بطريقة نمطية وفقاً لتقاليد قديمة على أساس رجال ونساء، نريد التوقف عن ذلك لا نريد تغيير الأطفال، إنهم ليسوا بحاجة إلى تصحيح، نحن الكبار بحاجة إلى تصحيح تفكيرنا".

وهذا ما يشير إلى أنّ المشكلة ليست في التعليم المختلط، فمعوقات النمو النفسي للطفل ومشاكله السلوكية، لن يحلّها التعليم أحادي الجنس ما دمنا نتبع نفس آلية التفكير، وما دمنا نصر على أنّ المشكلة خارجنا وليست فينا.

اقرأ أيضاً: كم أديسون خنقه نظامنا التعليمي؟!

ليس من المفاجئ أن تهلّل مجتمعاتنا لدعوات بعض الغربيين في رفض التعليم المختلط، ورغم أنّ الأسباب التي تدّعيها الأصوات الغربية مختلفة كل الاختلاف عن أسبابنا في رفض التعليم المختلط، إلّا أنّها تُستثمر كمأخذ على الغرب كاملاً، لتندرج جمل من نوع: هذا الغرب المخطئ يعود إلى تعاليمنا. وكأنّ الغرب برمّته توجّه نحو التعليم أحادي الجنس.

في "فرنسا لا يبدو ممكناً اليوم أن تتحول فكرة المدارس أحادية الجنس لتجربة عملية أو لظاهرة، حتى وإن سمعت بعض الأصوات المطالبة بها هنا أو هناك والسبب في ذلك أنّ أي طرح يقوم على أساس التمييز الجنسي أو العرقي أو العقائدي يعتبر زعزعة لقيم الجمهورية المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة"، بتعبير الباحثة خلود الزغير المقيمة في فرنسا والحاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون الجديدة. 

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

هل حقاً يأخذ الغرب بالحسبان تجاربنا الفقيرة؟ والأهم من ذلك لماذا نحتاج دائماً إلى تأييد مجتمعات نعتبرها سلفاً خاطئة؟ ثم هذا التهليل في عالمنا لِما تمّ تسميته عودة الغرب عن التعليم المختلط، ألا يؤكد أنّ الجميع في ذات المأزق "مأزق التربية"؟ فمن خلال الإصرار على التعليم أحادي الجنس في عالمنا والدعوات التعسفية في العالم الغربي، يتم تجاهل متعمّد وخفيّ للتربية نفسها، التربية السليمةُ التي تغذي الجانب الأخلاقي والإنساني للمجتمع، وهذا كلّه فقط لخدمة الأنماط الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية المسيطرة، التي تسعى دائماً لخلق الفرد المذعن. لهذا فإنّ الفصل الجنسي في أحد أوجهه يخدم سوق العمل والإنتاج، الذي لم يوفر للإنسان المعاصر سوى مخاوف متزايدة تتعلق باغترابٍ دائمٍ عن الذات، ونزوعٍ استهلاكي حاد.

إليوت: لا أساس لفصل الذكور عن الإناث اعتماداً على الاختلافات بالدماغ ولا فرق عصبياً أو نفسياً للفصل بينهم بالتعليم

هل يمكن فصل التعليم عن التربية؟ وهل يمكن فصل مشكلة التعليم المختلط عن مشكلة التعليم بذاتها؟ ما نزال نخلط المقدمات بالنتائج وننظر إلى الوسائل وننسى الغايات، ونتصرف على أساس أنّ العلم أهم من الإنسان.

إذا لم نتمكن من الفهم بأنّ ثقافة الطفل التي تتشكل في مراحل تربيته، هي ليست سوى معارفنا وثقافتنا المسؤولتين عن إنتاج العالم الذي يعيش فيه أطفالنا، فلن يحدث أي تغيير، وسنبقى نجترُّ تأخّرنا وضياعنا.

اقرأ أيضاً: أزمة التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكيفية معالجتها

الانحرافات التي تؤخذ على الطفل المراهق كأحد أعراض التعليم المختلط، هي ليست في الحقيقة سوى الأوهام الناتجة أصلاً عن خلل التربية ما قبل المدرسة، وهي تتعلق بالصورة النمطية والمكرسة لصورة الذكر والأنثى، هذه الصورة التي يرعاها إرث ثقيل من الهيمنة والإقصاء، ونحن  بدورنا سنمارس بحِرفيّة عالية رفضنا للتعليم المختلط، ونحل المشكلة بمشكلة بتعبير علياء أحمد، المدربة في قضايا المرأة والطفل، هذا الرفض هو المؤشر الفعلي على عدم نضجنا وعدم ثقتنا بإنسانيتنا.

إنّ المجتمعات التي تقوم على التناقض والازدواجية، ستختار حلولاً  تؤيد نظرتها الضيقة إلى الحياة. النظرة التي تختصر الإنسان إلى آلة، وتختزل العلاقة بين الجنسين إلى مستوى بيولولجي غرائزي، ستحرم نفسها ثمار الإنسانية والتكامل الإنساني؛ فالحياة كما يقول فيثاغورس: عددٌ ونغم، بمعنى أنّها تعددٌ وانسجام، بالتالي إنّ أي فصل وفي أي مكان هو إلغاء تعسفي للحياة وتكاملها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أين تكمن مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر؟

2019-08-18

ليس من السهل على الباحثين استعراض الأدبيات التي تدرس حقل الإرهاب؛ لأنه يتميز بتداخل كثير من حقول المعرفة مثل: علم الاجتماع والدين وعلم النفس والعلوم السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا، الأمر الذي عقّد من دراسته، ثم زاد من هذا التعقيد قلة الدراسات المتخصصة بالظاهرة.

اقرأ أيضاً: "الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

ولم تحظ دراسة الإرهاب، على أنّه حقل مستقل، باهتمام كبير في العالم إلا بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي أدت إلى ثورة في حركة البحث والكتابة والتأليف والترجمة والمراجعات حول هذه الظاهرة، حتى أنّ عدد الكتب التي صدرت عقب الهجمات بعقدٍ من الزمن يُقدر بأكثر من 1742 كتاباً في الغرب.

أدت هجمات 11 أيلول إلى ثورة في حركة البحث والكتابة والتأليف والترجمة والمراجعات حول ظاهرة الإرهاب

لكن، وللأسف الشديد، معظم ما ينشر من كتب ودراسات اليوم يتمحور حول "الدولة" كطرفٍ فاعل، ويتناول في الأساس، بشكل مباشر أو غير مباشر، "مكافحة الإرهاب" وليس "الإرهاب"  كظاهرة إنسانية كلّانية.

لقد أصبح الإرهاب ظاهرة عولمية، تتخطى الحدود الجغرافية والقومية والثقافات ولا تختص بمنطقة جغرافية أو قومية أو جنسية أو ديانة محددة، وينشط اليوم مستفيداً من فضاءات العولمة. ولأنه نوع من العنف السياسي يهدف لتحقيق أغراض وأهداف متعددة ومختلفة؛ فقد أصبح أداة من أدوات تنفيذ السياسة الداخلية والخارجية للدول والجماعات مستفيداً من منظومة واسعة من الأسباب والمحركات المختلفة والمتعددة، لكنه يزدهر في مناطق الأزمات والصراعات السياسية والحروب، وتقوم به "أطراف فاعلة من غير الدول" لتميزه عن إرهاب الدولة؛ إذ  تشير إحصائيات "معهد الاقتصاد والسلام" في سيدني-أستراليا لعام 2017 الى أنّ الدول التي تشهد صراعات عسكرية عنيفة تعرضت لخطر الإرهاب أكثر من غيرها، وأنّ الدول العربية التي تأثرت أكثر بموجات ما يسمى بـ"الربيع العربي" بعد 2011  تعرضت لعمليات إرهابية أكثر. وأنّ 99% من مجموع قتلى العمليات الإرهابية، و96% من مجموع العمليات الإرهابية عالمياً، حدثت في الدول التي تعاني من صراعات عسكرية، والدول التي تعاني من ارتفاع معدلات الإرهاب السياسي.

اقرأ أيضاً: ما موقع الشباب في معادلة الإرهاب المعولم؟
إنّ مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر تكمن في حقيقة أنّ هناك فوضى مفاهيمية عميقة تتجلى في عملية الخلط بين الدراسة العلمّية للإرهاب؛ كحقلٍ مستقل لظاهرة اجتماعية إنسانية من جهة، وبين مكافحة الإرهاب وأساليبه المختلفة التي تركز على الجوانب الأمنية والعسكرية من جهة أخرى. وجُلّ ما يتحدث عنه اليوم في الدراسات والأبحاث وتروّجه وسائل الإعلام يندرج في إطار "مكافحة الإرهاب" وأساليبه المختلفة.

إنّ أهمية تعريف الظاهرة ليس بهدف معرفة الفعل الإرهابيّ وتحديده فقط بل لمعرفة كيفية التعامل مع تبعات الظاهرة

وإلى جانب صعوبة البحث، وفي ظل وجود الكثير من الأدبيات السطحية المتحيزة في دراسة الظاهرة بشكل عام، بقيت مشكلة تعريف المفهوم عقبة في وجه المهتمين بالظاهرة؛ إذ لا يوجد حتى الآن تعريف واحد للإرهاب اكتسب القبول العالميّ، سواء لدى الأطراف الدولية، أو المؤسسات، أو الأفراد. لذلك استمر الجدل والخلاف لأسباب متعددة منها: دينية وسياسية، وأيديولوجية، وكذلك تاريخية مفاهيمية، من حيث إنّ استخدام المفهوم تغير وتبدل عبر الزمن،  فإرهاب "فترة الرعب" 1790 إبان الثورة الفرنسية، يختلف، شكلاً ومضموناً، عن اتجاهات الإرهاب المعاصر، وينظر إلى الإرهاب عادة من زاوية الكره والرفض له، بمعنى، غياب النظرة العلمّية في الدراسة، والإغراق بعيداً باتجاه الجانب الأخلاقي للظاهرة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

إنّ أهمية تعريف الظاهرة ليس بهدف معرفة الفعل الإرهابيّ وتحديده فقط، بل لمعرفة كيفية التعامل مع تبعات الظاهرة وكما يقول "توني ديفيز" فإنّ المعنى أصلاً هو "شكل من أشكال الهيمنة، غير متأصل في الكلمة (الإرهاب) بل منزوع منها في صراع لا ينتهي بين التعريفات". وهذا ما يستدعي الإشارة وإعادة  التذكير بأنّ التعريفات الغربية، والأمريكية، تنظر إلى الإرهاب وتعرّفه كأسلوب من أساليب الحرب التقليدية، أو حرب العصابات، أو المتمردين.

لا يوجد حتى الآن تعريف واحد للإرهاب اكتسب القبول العالمي سواء لدى الأطراف الدولية أو المؤسسات أو الأفراد

لكن معظم الباحثين في أدبيات الإرهاب العالمي يؤكدون بأنّ الإرهاب هو شكل من أشكال العنف السياسي، ويعود ذلك إلى الجذور التاريخية للمفهوم، والتي تعود إلى فترة الرعب الذي رافق الثورة الفرنسية (1793-1795) كما أنه أسلوب من أساليب الصراع، ويمكن أن يشكل إستراتيجية خاصة للقائمين به.

وفي نفس الوقت، يشير الباحثون البارزون مثل؛ المؤرخ والمنظر الأمريكي المعروف في أدبيات الإرهاب والعنف السياسي، ولتر زئيف لاكوير، إلى أنه مهما كان تعريف الباحثين للمفهوم فإنّه سيُرفض من بعضهم لأسباب أيدولوجية، وبأنّ الصفة الرئيسة للإرهاب هي اشتماله على العنف، والتهديد باستخدام هذا العنف.

مناظرات متضاربة

ما تزال النظرية الواقعية هي المسيطرة في حقل دراسة الإرهاب حالياً؛ وأقصد كحقل دراسي بحثي مدرسي ومعرفي، وأيضاً كفعل عملياتي أداتي يتجلى في تكتيكات وأساليب مكافحة الإرهاب الخشنة، والتي تستند في الأساس إلى إيمان النظرية الواقعية العميق بكل فروعها بأنّ الدولة هي وحدة التحليل الرئيسة في السياسة الدولية رغم التغيرات العميقة التي أحدثتها سيرورة العولمة؛ من تغير وحفر في بنية وسلوك الدول اليوم، وفي تركيز النظرية على دراسة إرهاب "الأطراف الفاعلة من غير الدول" كالجماعات والمنظمات، في مقابل إهمال دراسة "إرهاب الدولة"؛ أي الإرهاب الذي تمارسه الدول سواء ضد غيرها من الدول، أو ضد الجماعات والمنظمات أو حتى الأفراد. وتركيز الباحثين والأكاديميين المرتبطين بها على الدراسات الانطباعية وقلة الدراسات المعتمدة على المصادر الأولية والدراسات الكمية، ثم الارتباط العضوي لهذه الدراسات والأبحاث بالدولة لأنها القادرة على تمويل الدراسات والأبحاث.

اقرأ أيضاً: بين 2014 و2019 .. هل تغير خطاب البغدادي؟

في منافسة "النظرية الواقعية" نشطت "النظرية النقدية" والدراسات النقدية في دراسة الإرهاب (Critical terrorism studies (CTS إثر هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وإعلان الحرب على الإرهاب مستندة إلى تراث ماركسي تقليدي من مدرسة "فرانكفورت" والدراسات الأمنية  النقدية في جامعة "أبيريستوث ويلز" في محاولة لتشييد مقاربة مختلفة لدراسة الإرهاب كبناءٍ اجتماعي وتعرية مفهوم الإرهاب كشعارٍ يطبق في ممارسات عنيفة محددة من خلال مستويات مختلفة من العمليات السياسية والقانونية والأكاديمية، والتأكيد في المقابل أنّ المعاني يتم تطويرها بالتنسيق مع الآخرين وليس بشكل منفصل داخل كل فرد.
من هنا تركز هذه المدرسة على ضرورة طرح أسئلة "كيف" و"لماذا" تحدث العمليات الإرهابية؟ وهل حقاً أنّ الإرهابيين يكرهون الغرب لحريته؟ أم أنّ هناك أسباباً ودوافع سياسية أخرى؟ والتأكيد على أنّ الإرهاب "أنطولوجيا" حقيقة اجتماعية وليس رغبة إنسانيه متوحشة. ومن أشهر منظريها اليوم ريتشارد جاكسون، كين بوث، وريتشارد ووين جونز.

تنظر التعريفات الغربية والأمريكية إلى الإرهاب كأسلوب من أساليب الحرب التقليدية أو حرب العصابات أو المتمردين

شخصياً؛ لا أظن بأنّ النظرية النقدية قادرة على منافسة الواقعية، على الأقل حتى الآن، لأسباب كثيرة يطول شرحها. لكن المفيد فيه أنّها وسّعت من مداركنا وأدواتنا التحليلية أبستمولوجياً وأنطولوجياً في فهم الظاهرة خاصة دراسة الإرهاب بشكلٍ معرفي، علمي وكمي، كحقل دراسي مستقل، وليس فقط كإجراءات وعملياتية تكتيكية جامدة كما تتجلى في "مكافحة الإرهاب" اليوم.

في النهاية ؛ ينبغي التأكيد على أنّه ليس هناك مجتمع معاصر محصن ضد الإرهاب، لكن مكافحته لا تتم فقط عن طريق الأساليب العسكرية والإجراءات الأمنية والمقاربات الخشنة؛ بل عن طريق الدمج المتزن والذكي بين المقاربات الخشنة والناعمة معاً، والتعاون والتشارك بين كافة الأطراف الفاعلة في المجتمع، وتعميق ثقافة الحوار والتواصل والتفاهم، وتقبل الآخر، والاهتمام بقطاعات النساء والشباب في المدارس والجامعات الذين يشكلون اليوم العمود الفقري لكافة الجماعات الإرهابية في العالم. وتوجيه الحكومات والدول ومؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها مراكز البحث والدراسات، نحو الاهتمام بالدراسات النظرية والأكاديمية التي تبحث الظاهرة من كافة جوانبها المعرفية الكمّية والكيفية. وعدم الاقتصار على دراسة "مكافحة الإرهاب" وأساليبه فقط.

للمشاركة:

هل نجح علم الاجتماع حقاً في تغيير المجتمعات؟

2019-08-18

اعتاد الناس في بعض المجتمعات العربية؛ ولا سيما في سوريا الطبيعية، على احتساء قهوتهم الصباحية بصحبة صوت فيروز؛ فإذا ما تغيّرت الأغنيات في الأسبوع التالي عما سمعوه من قبل، تتغيّر معها مشاعرهم وأحاسيسهم، حتى اللذة السمعية تتغير، وإن دلّ هذا على شيء فهو يدل على كسر الروتين اليومي الذي يرافق الطقس الاجتماعي المتمثل بـ "فنجان القهوة"، كما أنّ دعوة شخص لآخر لاحتساء القهوة معاً، هو نشاط اجتماعيّ يُعبر عن التواصل الاجتماعي بين الأفراد. لذلك يرى عالِم الاجتماع الشهير، أنتوني غدنز، أنّ فنجان القهوة "ليس مجرد شراب منعش أو منبه، بل إنّ له قيمة رمزية باعتباره جزءاً من أنشطتنا الاجتماعية اليومية،  والطقوس التي ترافق القهوة أهم من استهلاكنا لها" ، فكيف لو احتسينا القهوة الصباحية من دون صوت فيروز، على سبيل المثال، أو على أصوات الطائرات والقذائف والانفجارات، ألا تتغير نظرتنا إلى العالم وإلى المجتمع والإنسان؟

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يرى المفكر الأمريكي، رايت ملز، أنّ العمل السوسيولوجي يعتمد على "إعمال المخيّلة السوسيولوجية"؛ إذ يمكن للمتخيَّل أن يصبح واقعاً جديداً. فإعمال المخيّلة الاجتماعية؛ تؤمّن الطريق للأفراد لإدراك الظواهر الفردية في المجتمع (القضية الشخصية) التي تصبح فيما بعد ظاهرة اجتماعية عامة، كالبطالة والطلاق. وهنا يرى غدنز أنّ "كل قضية فردية تنعكس على المجتمع، والعكس صحيح"؛ "فالطلاق، على سبيل المثال، ليس قضية شخصية بحتة، إنما هو ظاهرة اجتماعية تعاني منها جميع المجتمعات في العالم"   والمقصود هو ارتباط الخاص بالعام، وانعكاس كلٍ منهما على الآخر، فإنّ أي نشاط للفرد في أي مجتمع، هو الذي يشكّل، المجتمع، وبالتالي إنّ المجتمع أيضاً يشكّل هذا النشاط ويقويه، سواء بالسلب أو بالإيجاب.

علم الاجتماع موجود للدراسة فقط مقابل الممارسات المضادة لمقوماته كالعنف والعنف المضاد وإقصاء الآخر وعدم الثقة به

رأى ماركس أنّ تطور المجتمعات مرهون بنمو عملية الإنتاج الاجتماعي، ونمو الثروة الاقتصادية، التي ربطها بالمؤسسات الاجتماعية؛ أي بتحسين الوضع الاقتصادي للطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة (فقراء المدن والأرياف)، وحدد نظريته بعاملين اثنين؛ الأول هو "رأس المال المادي" ومستلزمات إنتاجه أما العنصر الثاني فهو "العمل"؛ أي العنصر الإنساني، الذي تحدده علاقات الإنتاج، وهو الأهم في النظرية. وقد طوّر بعد ماركس بزمنٍ، طويل عالم الاجتماع الشهير، هبرماس، تلك النظرية؛ ليرى فيها العامل الأساسي في النشاط الاجتماعي والتواصل الاجتماعي وتداخل الثقافات، عن طريق التبادل التجاري بين المجتمعات.

اقرأ أيضاً: الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة
قبل اكتشاف العلماء للعلوم الإنسانية، ومنها علم الاجتماع، كان تطور المجتمعات تطوراً فطرياً (حسب حاجات الإنسان الطبيعية وغريزة البقاء)، تطورت من الصيد والالتقاط إلى الرعي والزراعة إلى الصناعة اليدوية ومنها إلى الصناعة الآلية، ومن المجتمعات البدائية أو المشاعية إلى مجتمعات صغيرة، بدأت بالأسرة من ثم العائلة فالعشيرة، هذا التطور التلقائي ألهم الفلاسفة لدراسة طبيعة المجتمعات واستنباط الأسس والأنظمة والقوانين التي تحكمها، وقد أطلق "ابن خلدون" على علم الاجتماع اسم "العمران البشري"، وذلك لما يبني في الإنسان من قيم وقوانين أخلاقية وقدرات ذاتية، تنعكس جميعها على المجتمع.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل
فهل يمكن لعلم الاجتماع، وغيره من العلوم الإنسانية، أن يتغلب على الحرب التي خلفّت الدمار في المجتمعات، وعلى التعصب الطائفي والديني والعرقي والسياسي، في العالم بوجه عام، وفي العالم العربي بوجه خاص؟
قرر عالم الاجتماع الفرنسي، أوغست كونت (1798-1857) أن يبحث في طبيعة المجتمع الفرنسي بعد أن رأى الفوضى تعم الأفراد والجماعات في عصره؛ إذ إنّ الثورة الفرنسية أدخلت على الفرنسيين مصطلحات جديدة (كالحرية والعدالة والمساواة)، وقد بدأت تلك المصطلحات بتغيير الحياة التقليدية للمجتمع الفرنسي، من هنا سعى "كونت" إلى وضع علم يفسّر القوانين والنُظم الجديدة التي طرأت على المجتمع، وقد نجح في نحت مصطلح "علم الاجتماع" بعد أن كان علم "الفيزياء الاجتماعية"، ونجح علم الاجتماع بدوره في تغيير المجتمعات الأوربية إلى حد كبير، ليس على يد كونت ومنهجه العلمي فحسب، إنما على أيدي علماء آخرين أتوا من بعده ليساهموا في تطوير هذا العلم بما يتناسب مع البيئة المحيطة بهم، سياسياً واجتماعياً واقصادياً ودينياً، حتى أصبحت مفاهيم "الحرية والعدالة والمساواة" ممارسات فعلية كممارسة الطعام والشراب، كما ساهمت المجتمعات ذاتها في تطوير "علم الاجتماع"؛ فالعلاقة متبادلة بين علم الاجتماع والمجتمع.

هل يمكن لعلم الاجتماع أن يتغلب على الحرب التي خلفّت الدمار في المجتمعات وعلى التعصب الطائفي والديني والعرقي والسياسي؟

إنّ وجود أي علم يقتضي وجود المعرفة، والمعرفة إدراك؛ إدراك للذات أولاً، من ثم إدراك الظواهر الخارجية، فلم يعد السلوك ينفصل عن الفكر. ففي جامعات الدول العربية والعالم الثالث على سبيل المثال، فروع لدراسة علم الاجتماع، تُخرج عدداً لا بأس به من الطلاب في كل عام، هذا  يعني أن هذا العلم موجود للدراسة فقط، مقابل الممارسات المضادة لمقوماته، كالعنف والعنف المضاد، وإقصاء الآخر، وعدم الثقة به. لعل هؤلاء الدارسين والدارسات لم تجمعهم الرغبة في دراسة الظواهر الاجتماعية القائمة في مجتمعاتهم/ــن، أو أنّ البيئة المحيطة بهم/ــنّ؛ (البيئة السياسية والاجتماعية والدينية) قد أثرت في كيفية كسب معارفهم، والحد من تطور دراساتهم، فقد تسلط الاستبداد على الثقافة، والفقه على الدين، والموروث على المجتمع، مما جعل المجتمعات المتخلفة لا تُنتج إلّا التخلف والنكوص إلى مجتمعات ما قبل الحداثة، فأنتجت "داعش" و"النصرة"، وخضعت لدكتاتورية الأنظمة الحاكمة، وبقي علم الاجتماع يراوح مكانه في المدارس والجامعات فقط.

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
يمكن لعلم الاجتماع، والعلوم الأخرى أن تؤدي إلى نمو المجتمعات وتقدمها، وتغيير أنماط حياتها، بشرط أن تندمج العلوم في العمل أولاً، وأن تشارك المجتمعات المعنية، من ثم، في إنتاج هذه العلوم وإنمائها وترقيتها ثانياً.

للمشاركة:

هل القطيعة المعرفية مع التراث ممكنة؟

2019-08-15

نشر موقع حفريات، بتاريخ 29 / 5 / 2018، حواراً مع الباحث المصري، المتخصص في الفكر الإسلامي وخطاب الجماعات الإسلامية، والأستاذ المشارك في علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الباسط هيكل، ذكر فيه الباحث أنّ مؤتمر جامعة الأزهر، الذي عُقد في آذار (مارس) 2018، تحت شعار: "قراءة التراث الإسلامي بين ضوابط الفهم وشطحات الوهم"، وما سبقه في مؤتمر "البناء المعرفي والأمن الفكري"، أعاد إلى الواجهة موقف الأزهر من محاولات قراءة التراث، الذي يظهر في استخدام دالّ (هو) "الأمن الفكري"، و"ضوابط الفهم وشطحات الوهم". وأنّ التوصيات، التي تبنّاها المؤتمر، ومنها تعريف التراث بأنّه "مجموع الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، وذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول والثقافة والفنون"، أخرجت القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث، فأسقطت بذلك القداسة عن التراث.

اقرأ أيضاً: التراث في فكر حسن حنفي
كما أشار الباحث إلى أنّ الأزهر استدرك على إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث، ومن ثم، على إباحة نقد التراث، بالتفريق بين مسار هدم، ومسار نقد، حصره في عملية التنقية والتدقيق والعناية بتحقيق التراث، ... وأكّد المؤتمر في توصياته رفضه لإخضاع التراث لمناهج بحثية حديثة، رأى أنّها لا تتناسب مع طبيعة نصوص التراث".

تحسب للأزهر دقته في تحديد التراث بأنّه "التراث الإسلامي" وهي دقة يفتقر إليها "المفكرون القوميون" في العالم العربي

تبرز في هذا الحوار قضيتان مهمتان: الأولى هي قضية النصوص التأسيسية، هل هي من التراث أم هي نصوص مقدسة مستقلة عن التراث؟ يتوقف على هذه القضية جواز نقد التراث أو عدم جوازه، وحدود النقد، في حال جوازه، في نظر الأزهر بالطبع. وقد استنتج هيكل أنّ الأزهر صار يبيح نقد التراث، بعد أن أخرج منه القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكنه؛ أي الأزهر، حدد شروط النقد وحدوده ومناهجه، ورفض إخضاع التراث لمناهج بحثية حديثة، رأى أنّها لا تتناسب مع طبيعة نصوص التراث". 
لم يلاحظ الدكتور هيكل أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث يعني إخراجهما من "الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، (ومن) ذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول  والثقافة والفنون"، حسب تعريف الأزهر نفسه للتراث. فلا نظن أنّ الأزهر يمكن أن يظل على موقفه إذا فكر في المسألة على هذا النحو، علاوة على أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث متعذر أشد ما يكون التعذر. إذا أمكن إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من "التراث الإسلامي"، يكف التراث عن  كونه تراثاً إسلامياً، فيرتفع الحرج من نقده. الأزهر وهذه الحال لا يبيح نقد التراث الإسلامي إلا بعد تجريده من إسلاميته، وهذا محال. ومن ثم ينطبق على موقف الأزهر من نقد التراث الإسلامي قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء.

اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي
على أي حال، تحسب للأزهر دقته في تحديد التراث بأنه "التراث الإسلامي"، وهي دقة يفتقر إليها "المفكرون القوميون"، في العالم العربي، الذين يخلطون التراث الإسلامي بالتراث العربي، ويضمرون الحديث عن الأول حين يتحدثون عن الثاني، أو العكس، فيتماهى لديهم التراث العربي والتراث الإسلامي، وتتماهى لديهم العروبة والإسلام. 
القضية الثانية هي إمكان أو عدم إمكان القطيعة المعرفية مع التراث: إذا كانت القطيعة غير ممكنة، ينتهي النقاش، وكفى الله المؤمنين شر التفكير. في هذه المسألة يبدو هيكل قاطعاً وجازماً بأنّه "لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث؛ .. فنحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"؛ .. فالماضي وإن كان قد انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلاً، إلا أنّه مايزال  يتحرّك من خلالنا في وعينا به وتفاعله - إيجاباً أو سلباً - مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، فمن الخطأ أن نظنّ أنّ التراث فحسب هو الذي يُؤثّر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه، بل الحاضر أيضاً يُؤثّر في التراث بالقدر نفسه؛ لأنّه ليس كياناً منفصلاً عنّا، بل نحن  مركز ذاك التراث نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا".

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
تلفت النظر في هذا الاقتباس الطويل عدة أمور، أولها الجزم بعدم إمكانية القطيعة المعرفية مع التراث، وهو جزم يعيِّن الموقع الأيديولوجي الذي اختاره الباحث، وهذا حقه وشأنه، ولا يسعنا إلا احترامه. لكن الجزم مجاف لمنطق الحوار والنقاش ومجاف للتفكير الحر، وينم على امتلاك ناصية الحقيقة، لا سيما أن القطيعة حاصلة بالفعل، منذ زمن غير قصير، لكن الباحث لا يعترف بذلك. لقد حدثت القطيعة بالفعل، منذ دخلت الحداثة إلى ثقافتنا، وإلى عالمنا، مع تشكل أجنِّة المجتمعات المدنية والدول الحديثة، على الرغم مما لهذه المجتمعات والدول وما عليها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
لا نجادل في واقع أنّ غالبية النخب العربية تشارك الدكتور هيكل رأيه وموقفه، وأنّ الموروث الديني خاصة عابر للمكان والزمان، ويحظى بالتقدير والتقديس. ولكننا نزعم أن التراث أشمل من التراث الديني، وهذا أشمل من التراث الإسلامي، والتراث الإسلامي هو بالأحرى تراثات؛ لأن الإسلام إسلامات. ونزعم أن  قلة من المسلمين عامة، ومن العرب المسلمين خاصة تعرف شيئاً عن الخوارج مثلاً أو عن المرجئة أو المعتزلة أو عن التصوف العقلي، أو عن الفلاسفة المسلمين وعلماء الكلام ... إلخ. إضافة إلى أنّ التراث المسيطر على عقول أكثرية المسلمين من العرب خاصة هو التراث الإسلامي المملوكي – العثماني.

اقرأ أيضاً: إشكاليات منهجية في قراءة طه عبد الرحمن للتراث
المشكلة أنّ القطيعة التي وصفناها فوق هي قطيعة انقصافية، ونأي عن الثقافة عموماً، لا عن التراث فقط، وجمود معرفي وانحطاط أخلاقي، لا قطيعة معرفية وأخلاقية، تجعل من مسائل التراث مسائل لمعرفة حديثة ومعاصرة، تنبثق منها أسئلة حديثة ومعاصرة، بقدر ما تنطوي مسائل التراث المعنية على بعد إنساني عام، وبقدر ما ينطوي التراث المعني نفسه على بعد إنساني عام.
الأمر الثاني الذي يلفت النظر هو المطابقة بين التراث وبين الماضي، الذي "انقطعت صيرورته"، حسب تعبير الدكتور هيكل، مع أنّ التراث شيء والماضي شيء آخر مختلف كلياً، حتى ليمكن القول إنّ الماضي ليس صفة للتراث. والصيرورة، كالنهر، لا تتوقف ولا تنقطع، وإن اعترضتها سدود وحواجز، الصيرورة كالنهر الذي "لا يمكن أن نسبح فيه مرتين".

اقرأ أيضاً: علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً
الصيرورة ذاتها انقطاعُ كينونةٍ عن كينونةٍ سابقة، والكينونة، في العرف الفلسفي، لحظة من لحظات الصيرورة. الصيروة مصدر الفعل صار، الذي يعني التغير والتحول أو الصَّيْر. كل كائن ناتج وصائر (الكائن الإنساني مثال ساطع على ذلك).
أما الأمر الثالث مما يلفت النظر في حوار الدكتور هيكل فهو قوله: "نحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"، هذا يشبه موقف محمد عابد الجابري، الذي شبه التراث بالقميص لا اختيار لنا معه، يمكن أن نجدده ولكننا لا نستغني عنه.

لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان مثلاً دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة

عبارة العالم في نص هيكل تشبه عبارة القميص في نص الجابري، وتعني أنّ القميص شيء مختلف عن الجسد، والتراث شيء مختلف عن العالم. تشبيه علاقة الإنسان بالتراث بعلاقته بالعالم ممكنة فقط حين يكون المقصود أنّ التراث من إنتاجنا نحن، هنا والآن، مثلما العالم من إنتاجنا نحن، هنا والآن، (أم العالم شيء منجز ونهائي، لا نعرف كيف أنجز ولا نعرف من أنجزه؟!). التراث ليس ذاكرة وليس متحفاً أو أرشيفاً. التراث هو ما نستعمله أو نستهلكه بهذه الكيفية أو تلك وعلى هذا الوجه أو ذاك: إما على وجه الاستظهار والتكرار والاجترار، وإما على وجه الفهم والتمثل والنقد، فيكون التراث، من ثم، يكون التراث هو ما ننتجه*. هذا يؤكد مرة أخرى أن التراث شيء والماضي شيء آخر. إن كيفية استهلاكنا للتراث هي التي تحدد كيفية إنتاجنا للثقافة. هذه مسألة لم يتوقف عندها المولعون بالتراث من السلفيين والأصوليين، ومنهم الجابري.

اقرأ أيضاً: مذبحة التراث على يد الإسلامويين
في ضوء ما تقدم، يمكن القول: القطيعة الانقصافية مع التراث حاصلة منذ زمن بعيد، والقطيعة المعرفية والأخلاقية، التي تعني نقد التراث برمّته، واجبة دوماً؛ لأنها عملية مفتوحة دوماً. لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان، على سبيل المثال، أو في الحرية والمساواة والعدالة من دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة، بصفتها الثقافات السائدة في مجتمعات متنثِّرة، لا تتشارك في المعاني والرموز والقيم.


هامش:

*  ثمة علاقة ضرورية بين الاستهلاك والإنتاج، على كل صعيد، بدءاً من استهلاك المواد الغذائية. الاستهلاك يولِّد الحاجة إلى الإنتاج، يولِّد الإنتاج.

للمشاركة:



رفض عربي ودولي للاعتداء الإرهابي على حقل الشيبة السعودي.. تصريحات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

توالت الإدانات الدولية للحادث الإرهابي الذي استهدف حقل الشيبة النفطي في السعودية، أمس؛ حيث دانت دولة الإمارات الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية، عن طريق طائرات مسيَّرة بدون طيار "درون" مفخخة، أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية.

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان نشرته، اليوم، وكالة "وام"، بشدة، هذا العمل الإرهابي، الذي يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويشكّل خطراً جسيماً على إمدادات الطاقة للعالم أجمع.

الإمارات تدين الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة بالسعودية

وجدّدت دولة الإمارات تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ووقوفها التام إلى جانب الأشقاء في المملكة، وتأييدها ومساندتها لها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، ودعمها الإجراءات كافة التي تتخذها في مواجهة التطرف والإرهاب.

وأكّد البيان؛ أنّ أمن دولة الإمارات العربية المتحدة وأمن المملكة العربية السعودية كلٌّ لا يتجزأ، وأنّ أيّ تهديد أو خطر يواجه المملكة تعتبره الدولة تهديداً لمنظومة الأمن والاستقرار في الإمارات.

وفي هذا السياق؛ أعرب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية عن إدانة واستنكار دولة الكويت الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة البترولي في السعودية.

وأوضح المصدر؛ أنّ "هذا العمل الذي يستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية وإمدادات الطاقة العالمية يتطلب جهداً عالمياً لوقفه بما يجنب المنطقة أزمات وصراعات ومزيداً من التوتر".

الكويت تعبّر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة من قبل الحوثيين

وأكّد وقوف الكويت التام إلى جانب السعودية، وتأييدها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لصيانة أمنها واستقرارها.

بدورها، دانت الحكومة الأردنية، أمس، "الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة باستخدام طائرة مسيّرة مفخخة".

ورأى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، السفير سفيان القضاة، أنّ هذا العمل الإرهابي "تصعيد يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويزيد من التوتر في المنطقة".

وأكّد، في بيان صحفي، تضامن الأردن الكامل ووقوفه إلى جانب السعودية "في كلّ ما تتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها والتصدي للإرهاب بكل صوره وأشكاله".

الأردن يدين الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة ويؤكّد تضامنه الكامل مع السعودية

من جهتها، دانت مصر، بأشدّ العبارات، الهجوم على حقل الشيبة جنوب شرق السعودية.

وجدّد بيان لوزارة الخارجية المصرية "تضامن مصر حكومةً وشعباً مع حكومة وشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار المملكة ضدّ محاولات النيل منها".

وحذّر البيان من "استهداف المنشآت الحيوية في السعودية بما في ذلك المساس بسلامة البنية التحتية للطاقة".

في السياق ذاته؛ أعربت أفغانستان عن استنكارها الشديد للهجوم الإرهابي الذي وقع صباح السبت في إحدى الوحدات بحقل الشيبة البترولي.

وأكّدت أفغانستان "إدانتها لكلّ الأعمال التخريبية والإرهابية" و"تضامنها التام" مع السعودية في الوقوف بحزم ضدّ ما يمسّ أمنها واستقرارها، ويستهدف منشآتها الحيوية المدنية.

مصر تتضامن مع السعودية، حكومة وشعباً، وتدعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها واستقرارها

وأوضحت؛ أنّ "هذه الأعمال الإرهابية التخريبية ما هي إلا امتداد للاستهداف المتواصل لإمدادات الطاقة في العالم بشكل عام، وفي المنطقة على وجه الخصوص، وهذه السلسلة المتواصلة من الاعتداءات الجبانة تتطلّب من المجتمع الدولي تكثيف جهوده لوقف ومنع هذه الاعتداءات على إمدادات الطاقة حفظاً للاقتصاد العالمي".

بدورها، أعربت جيبوتي عن إدانتها وبأشد العبارات للاعتداء الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة النفطي.

وقال سفير جيبوتي لدى السعودية، ضياء الدين سعيد بامخرمة: إنّ "جيبوتي تعدّ هذا الاعتداء استمراراً للتهديدات التي استهدفت إمداد البترول العالمي".

كما أكّد بامخرمة تضامن جمهورية جيبوتي "المطلق" مع السعودية.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد صرّحت، أمس، بأنّ "إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي، جنوب شرق السعودية، تعرضت لهجوم إرهابي، من قبل ميليشيات الحوثي الإرهابية".

وأوضحت الوزارة؛ أنّ الهجوم "تم عن طريق طائرات مسيرة من دون طيار "درون" مفخخة، ونجم عن ذلك حريق تمت السيطرة عليه، بعد أن خلَّف أضراراً محدودة، ودون أيّة إصابات بشرية"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

 

 

للمشاركة:

اعتداء مسلَّح على سعوديين في إسطنبول.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

حذرت السفارة السعودية في تركيا المواطنين السعوديين المتواجدين في إسطنبول، وذلك بعد تعرّض مواطنين سعوديين لاعتداء مسلّح، بمنطقة شيشلي في إسطنبول، أسفر عنه إصابة أحدهما بطلق ناري وسرقة أمتعتهما.

السفارة السعودية في تركيا تحذّر مواطنينها المتواجدين في إسطنبول وذلك بعد تعرّض سعوديين لاعتداء مسلح

وقالت سفارة الرياض لدى أنقرة، في بيان أمس: "نظراً لتعرض مواطنين أثناء تواجدهما في إحدى الكافيهات بمنطقة شيشلي في إسطنبول لاعتداء مسلح من قبل مجهولين، نتج عن ذلك إصابة، أحدهما بطلق ناري، وسرقة أمتعتهما الشخصية؛ تطلب السفارة من المواطنين والمواطنات المتواجدين في مدينة إسطنبول أخذ الحيطة والحذر، كما تنصح بعدم ارتياد منطقتي (تقسيم شيشلي) بعد غروب الشمس"، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط".

ويعدّ التحذير الحالي الذي أصدرته السفارة، أمس، التنبيه السادس الذي أصدره السفارة السعودية، خلال العام الحالي.

وفي الشهر الماضي؛ نبّهت السفارة السعودية لدى تركيا مواطنيها من عصابات تركية تستهدف السائح السعودي، بسرقة جوازات السفر والأموال.

وأكّدت مصادر موثوقة؛ أنّه تمّت سرقة 165 جواز سفر سعودياً خلال أربعة أشهر، في ثلاثة مواقع سياحية تركية، هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش، وجميع أصحابها وصلوا إلى تركيا للسياحة.

يأتي ذلك بعد أن رصدت السفارة تعرّض مواطنين ومواطنات لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق التركية من قِبل أشخاص مجهولين.

وشدّدت السفارة، في بيان لها، على ضرورة المحافظة على جوازات السفر والمقتنيات الثمينة، والحذر، خصوصاً في الأماكن المزدحمة، داعية المواطنين لعدم التردّد في التواصل معها، أو مع القنصلية العامة بإسطنبول، في حالات الطوارئ.

السفارة السعودية في تركيا تؤكّد سرقة 165 جواز سفر سعودياً في ثلاثة مواقع سياحية هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش

من جهته، أكّد القائم بالأعمال في القنصلية السعودية في إسطنبول، مشاري الذيابي، في تصريح صحفي؛ أنّ "السفارة والقنصلية شكّلتا غرفة عمليات على مدار الساعة لاستقبال البلاغات من المواطنين المقيمين في تركيا، الذين تعرضوا إلى سرقة جوازات سفر، ومبالغ مالية"، مشيراً إلى أنّ "موظفي السفارة يتوجهون على الفور إلى موقع الحادثة"، مشيراً إلى أنّ عدد السياح السعوديين انخفض بشكل كبير عن العام الماضي.

وفي أيار (مايو) الماضي، أفادت سفارة الرياض بأنقرة، في بيان؛ بأنّه ورد إليها كثير من شكاوى المواطنين المستثمرين والملاك، حول المشكلات التي تواجههم في مجال العقار في تركيا، مثل عدم حصولهم على سند التمليك، أو الحصول على سندات تمليك مقيدة برهن عقاري، إضافة إلى منعهم من دخول مساكنهم، رغم تسديد كامل قيمة العقار، إلى جانب تهديدهم من قبل شركات المقاولة.

 

للمشاركة:

هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

يحشد الحرس الثوري الإيراني قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، ما يرجّح تحضيره لعمليات عسكرية داخل قرى عراقية.

وأفادت المصادر، التي نقل عنهم موقع "السومرية" الإخباري؛ بأنّ "قوات تابعة للحرس الإيراني بدأت تتجمع بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، قرب الأراضي العراقية في إقليم كردستان".

الحرس الثوري الإيراني يحشد قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق لاستهداف جماعات كردية معارضة

وبيّنت أنّ "الحشد الإيراني الجديد يؤشر إلى احتمال وجود مخططات إيرانية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل قرى عراقية حدودية في الإقليم".

وأضافت: "هذه العمليات تأتي رداً على هجمات نفذتها أجنحة كردية مسلحة معارضة ل‍طهران انطلقت من مناطق عراقية حدودية في كردستان".

وتابعت: "قوات الحرس الثوري اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية، ومنها الاستعداد لقصف مدفعي على مقرات أو مواقع أحزاب إيرانية في بلدات سيدكان وقلعة دزة ومناطق عراقية أخرى حدودية مع إيران".

وأكّد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، خلال تفقده المناطق التي تتولى مهام الحفاظ على أمنها القوة البرية للحرس الثوري في شمال غرب إيران، ومنها المرتفعات الحدودية لمدينتي بیرانشهر وسردشت، المحاذيتين لكردستان؛ أنّ جميع قمم الجبال على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإشراف الحرس الثوري.

 

 

للمشاركة:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

محمد بدر الدين زايد

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط، وبدأت حالة تهدئة غالباً موقتة مع الشريك الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الثانية، أي الولايات المتحدة، بعد أن كان مناخ العلاقات في توتر شديد منذ إصرار أنقرة على إتمام صفقة الصواريخ الروسية "اس 400" وحول عدد آخر من الملفات، ولكن يبدو أن واشنطن اختارت بعض التهدئة في المرحلة الراهنة. العدوان التركي على ليبيا مستمر منذ بدء الاضطرابات ضد القذافي. ولكي لا يكون هناك خلط، فإن تأييد أنقرة الثورة ضد القذافي، فهذه رؤيتها السياسية على شرط أن لا تصحبها إجراءات تتضمن محاولة تغيير والتأثير على إرادة الشعب الليبي. وهذا هو ما حدث للأسف. وبالإضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة ضد النظام، فقد استمر هذا الدعم بعد إطاحة القذافي واغتياله. وبدت معالم التورط التركي – القطري في مراحل متقدمة وسابقة لآخر انتخابات برلمانية، وهي التي أسفرت عن مجلس النواب الحالي الذي لجأ إلى طبرق منذ منتصف العام 2014. بعدها بدأت تركيا تورطها العدواني ضد الشعب الليبي، ووصل الأمر إلى نقل سفينة تركية لأعداد من مقاتلي "داعش" من الجبهة السورية إلى أحد الموانئ الليبية، ما كان له دور خطير في انقلاب التوازن العسكري لصالح فصيل "فجر ليبيا" الإخواني ضد خصومها والسماح لها بالسيطرة على مطار طرابلس في العام 2014، ومن ثم تكريس الوضع الراهن الذي يشهد آخر تداعياته حالياً مع زحف الجيش الليبي ضد هذه الميلشيات التي تسيطر في شكل مطلق على العاصمة منذ ذلك الوقت. والآن ونحن في هذا الفصل الحرج من المواجهة الصعبة حول العاصمة الليبية، واصلت تركيا نقل أسلحة وذخائر لهذه الفصائل الإرهابية، وهو ما أشرنا إليه هنا غير مرة، متمثلاً في حوادث ضبط السفن التركية أو الاستيلاء على هذه الأسلحة خلال المعارك، وآخرها الطائرات المسيَّرة التركية التي تم إسقاطها وتدميرها. وفي سورية تكتسب طاقة العدوان على الدولة والشعب المزيد من قوة الدفع. فمنذ البداية لعبت تركيا دوراً مشوهاً لثورة الشعب السوري، وعملت على تسليح الفصائل المتطرفة وبخاصة "جبهة النصرة" ذات الصلة بتنظيم "القاعدة". وواصلت هذا بعد تغيير اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، وكانت دوماً طرفاً في المعادلة السورية، ما اضطر روسيا إلى إشراكها في المظلة الثلاثية، أي روسيا وتركيا وإيران، كصيغة لإدارة وتنظيم نظام الوصاية واحتلال هذه الدول للأراضي السورية وليس فقط إدارة الأزمة. وفي العام الأخير أصبحت أنقرة هي الراعي العلني للتطرف ولفصائله المختلفة وأمام أعين العالم كله. ففي ترتيبات إدلب، كان الاتفاق أنها ستنزع السلاح الثقيل الخاص بالفصائل المسلحة، كما ستفصل تللك المتشددة ومنها "القاعدة" و"داعش" عن تلك الأكثر اعتدالاً. وهو طبعاً لم يحدث. وقامت أنقرة بتوظيف وجودها في هذه المناطق شمالي غرب سورية لنقل مزيد من الإرهابيين والمتشددين إلى ليبيا. أما العدوان الأكبر والصريح فتجري تطوراته منذ أكثر من عام، بتحرك قوات تركية مباشرة لاحتلال مناطق من سورية بحجة التصدي لمحاولات إقامة دولة كردية. وأخيراً كان تصعيد الأزمة بتهديدها باحتلال مساحات من الأراضي السورية المتاخمة لها لإقامة منطقة آمنة.

وهي الأزمة التي كان عنوانها الرئيس هو التخوف من احتمال حدوث مواجهة عسكرية ضد القوات الأميركية المصاحبة للقوات الكردية في قتالها ضد "داعش". واختتمت فصول هذه المسرحية الهزلية بالاجتماعات الأمنية التركية - الأميركية التي أسفرت عن ترتيبات غامضة في ما يتعلق بمساحة المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تريدها بعمق 35 كيلومتراً وطول 140 كيلومتراً، وواشنطن تريدها أقل من نصف هذا. بينما ما تمَّ الاتفاق عليه هو إنشاء مركز عمليات مشترك ودوريات أميركية تركية مشتركة. ولم تتضح بعد بدقة مساحة المنطقة الآمنة ولكن بدأ الحديث عن حل وسط في ما يبدو بعمق 20 كيلومتراً، وإن كان لا يزال هناك خلاف حول مسألة التدرج في إنشاء هذه المنطقة التي تريدها واشنطن بينما تتعجل أنقرة في هذا. كما أنه من الواضح أن تركيا تريد نقل النازحين السورين الذين كانت تزايد وتتاجر باستضافتهم إلى هذه المنطقة الآمنة، لتطوي صفحة لم تعد في حاجة إليها. ومرة أخرى، وأياً كانت رؤيتي تجاه نهج التعاطي الإقليمي مع المسألة الكردية وضرورة معالجتها في شكل مختلف يتضمن نهج الاحتواء الإيجابي، فإنه يمكن تفهم دواعي تركيا لو كانت تكتفي بضمانات ضد قيام كيان كردي وإعطاء وقت كاف لترتيبات لمعالجة الأوضاع السورية كافة، ولكن الواضح هو تكريس سيطرة تركية على أراض سورية وتعقيد فرص تسوية هذه الأزمة وتصعيب مهمة القضاء على التنظيمات المتطرفة التي تصر أنقرة على مواصلة رعايتها.

وتواصل تركيا التنقيب عن الغاز خارج مياهها الإقليمية في سلوك يعكس ثورة غضبها لما تعتبره استبعاداً لها من "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" الذي تلعب فيه مصر دوراً محورياً بالتعاون مع اليونان وقبرص. ولم تنتبه تركيا بالطبع إلى أن عزلتها الإقليمية المتوسطية هي نتاج سياسات من العدوان على مدى قرون، تأكدت حديثاً بغزو قبرص في سبعينات القرن الماضي، وإعلان انفصال الجزء التركي منها واعتباره جمهورية مستقلة، لم يعترف بها أحد في العالم سوى أنقرة التي تتجاهل أن هذا النهج يناهض محور سياستها الخارجية وهو عدم السماح بقيام دولة كردية أو بأي تعديلات للحدود القائمة التي من بينها لواء الأسكندرونة الذي احتلته منذ عقود طويلة. وتتغافل أنقرة عن أن احتلالها لهذا الشق القبرصي يعرقل أي عمليات لترسيم الحدود في شمال شرق المتوسط. بعبارة أخرى، فإن سياساتها العدوانية والمتعالية هي التي خلقت منظومة استبعادها من شرق المتوسط، ثم جاءت رعايتها لمشروع الإسلام السياسي المتطرف لتعمق من مخاوف جيرانها الذين يرون أن هذا التوجه ينطوي على نيات توسعية وأوهام تركية مكشوفة. وفي الواقع فإن هذا الموضوع يتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات التي تكشف مدى تفشي العدوانية في العقل التركي، وهي الدليل الدائم على طغيان طبيعة الشخصية القومية التركية وتاريخها على استمرار هذه السياسة الخارجية، التي يبدو أن غيابها لبعض الوقت في تركيا الحديثة كان فقط تحت السطح، ولم يكن يعكس الواقع. ودليل ذلك هو قِصر هذه الفترات في التاريخ التركي. ومن ثم فإنه عندما طرح وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو –الذى أصبح رئيسا لوزرائها بعد ذلك لفترة من الوقت، ثم استقال لخلافه مع أردوغان - فكرة صفر مشاكل مع الجيران، وبدا بعض التحسن في أداء السياسة الخارجية التركية، ثم انتكس لتبرز مجدداً المواجهة مع الجيران، ويبرز كذلك التوتر في علاقاتها الأوروبية، ونمط معقد من إدارة الخلافات مع واشنطن. أما مع روسيا، فهناك قدرة على إدارة مصالح وترتيبات مشتركة، ولكنها لا تخفي حقيقة عمق التناقضات الاستراتيجية بين الجانبين، وعلى رأسها الخلاف حول توظيف الإسلام السياسي ومخاوف روسيا الجادة من هذا المشروع.

وأشير أخيراً إلى أمرين؛ أولهما أنني كنت من المتحفظين علمياً على مخاطر التعميم وما نطلق عليه التنميط في فهم ثقافات الشعوب المختلفة، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أشكالاً تركي معقد في نمط تعاطيها مع الآخرين عموماً أو في ما يتعلق بطموحاتها التوسعية تاريخياً، وثانيها أنني أظن أيضاً أن دولة بهذه التقاليد العدوانية، لن تستطيع الحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى سياسة خارجية أكثر حصافة وأقل عدوانية وإلى حكم يفهم أن بعض المكاسب قصيرة الأجل قد يتم دفع ثمن باهظ لها في مراحل تالية.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

بابكر فيصل

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وجدت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حرجا كبيرا في مواصلة رفع شعارات الحاكمية وتطبيق الشريعة فقررت الخروج من ذلك المأزق عبر طرح جديد يتمثل في إنشاء حزب مدني يستند إلى مرجعية إسلامية أطلقت عليه مسمى "حزب الحرية والعدالة"، باعتباره حلا يدفع عنها شبهة السعي للخلط بين السياسة والدين وتوظيف الأخير لخدمة الأهداف السياسية.

بمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط حكم الإخوان، أصدر المكتب العام للإخوان المسلمين بمصر في 29 حزيران (يونيو) الماضي بيانا أوضح فيه أن الجماعة أجرت مراجعة جادة، أفضت إلى إعادة النظر في أفكارها وسلوكها، وأبان أن الجماعة ستعمل على إنجاز التغيير الثوري الشامل بالتعاون مع القوى السياسية الأخرى.

أهم ما جاء في البيان هو القول "فإننا نعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تقف الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة الخلافة الإسلامية التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

نسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الجماعة، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

إن قرار الجماعة بعدم السعي للمنافسة على السلطة والاكتفاء بالعمل السياسي العام يمثل "جريمة إسلامية" في نظر حسن البنا، ويعتبر تحولا كبيرا في المنطلقات الفكرية للجماعة التي سعت منذ نشأتها للوصول للسلطة عبر جميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والانقلاب العسكري، وليس أدل على ذلك من دخولها في مواجهات عنيفة شاملة مع الدولة المصرية طوال تاريخها الممتد منذ عام 1928.

الأمر الثاني الذي أشار إليه البيان بوضوح هو السماح "لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء" من أبناء الجماعة بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانضمام للأحزاب والحركات الأخرى التي تتقاطع رؤيتها مع رؤية الجماعة للنهضة، وهذا أيضا يمثل نقلة في فكر الإخوان المسلمين الذين كانوا يرفضون انضمام عضويتهم لأية جهة سوى حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة في أعقاب ثورة يناير.

على الرغم من أن البيان أوضح تركيز الجماعة على "القضايا الوطنية" و"القيم الوطنية"، إلا أنه حمل بين طياته ذات التوجهات الأممية للجماعة بحديثه عن "الأمة"، والمقصود بها الأمة الإسلامية، وهذه إحدى الإشكاليات في فكر الإخوان المسلمين، الذين ظلوا ينادون بعودة الخلافة الإسلامية ويرفعون شعار "الجهاد" من أجل السيطرة الكونية عبر المراحل الست التي وضعها المرشد المؤسس والتي تنتهي بما أسماه "أستاذية العالم".

كان المرشد المؤسس قد أوضح الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

الالتباس الثاني الذي حملته سطور البيان يتمثل في عدم التعريف الدقيق لماهية "العمل السياسي العام" الذي ترغب الجماعة في الاكتفاء به، فضلا عن سكوت الجماعة عن كثير من الأمور الهامة وفي مقدمتها الإجابة عن السؤال التالي: هل يعني عدم السعي للمنافسة الحزبية على السلطة توقف الجماعة عن المطالبة بتطبيق شعارات الشريعة والحدود والحاكمية والخلافة الإسلامية؟

أيضا لا يشرح البيان معنى القول بأن الجماعة "ستعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية"، ذلك لأن الحديث عن "الخلفية الإسلامية" هو حديث فضفاض وحمَّال أوجه، وقد يعني استمرار الجماعة في خلط القضايا السياسية مع الأمور الدينية ومواصلة استخدام ذات الأساليب التي ظلت الجماعة تعمد بها إلى إخفاء أهدافها السياسية والاجتماعية وراء قناع الدين.

خلاصة الأمر هي أن بيان المكتب العام للإخوان المسلمين يطرح أسئلة أكثر من كونه يُعطي إجابات على كثير من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتبيين، وإذ يتضح من العنوان العريض للبيان أن مراجعة الجماعة لأفكارها وتجربتها الطويلة أفضت إلى قرارها بترك المنافسة على السلطة، فإنه يتوجب عليها أن تطرح رؤيتها الجديدة بصورة أكثر شمولا وتفصيلا، وأن توفر الإجابات عن الأسئلة الكثيرة المرتبطة بانعكاسات ذلك القرار ومدى تأثيره على مبادئها وأفكارها وشعاراتها وممارستها التي استمرت منذ عام 1928 وحتى اليوم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية