احتجاجات الشباب العربي.. هل تعكس انطباعات خادعة؟

احتجاجات الشباب العربي.. هل تعكس انطباعات خادعة؟

مشاهدة

09/01/2020

لا تبشرنا عتبة العام 2020 أنّ ثمة خلاصاً يلوح في الأفق لمنطقة الشرق الأوسط، بل ينبئنا بمزيد من الاضطرابات والصراعات، في وقت كان يطمح فيه الشباب وارثو المستقبل والشريحة العمرية الأكبر التي بلغت نحو 33% من التركيبة السكانية، أن يغيروا وجه التاريخ بالمنطقة عبر حراك احتجاجي امتد من العام 2011، وهو بالضرورة ما أدى إلى أن يكون الشباب بصفتهم الفاعل المؤثر، نقطة جدل مركزية تضمنتها أغلب السجالات التي أعقبت أو صاحبت تداعيات هذا الحراك.


إذ إنّ هذه الأجساد الفتية والطاقة الحيوية المنسالة عبر الميادين والشاشات، والمشحونة بالتطلعات والرغبات، باتت مصدر تهديد وأمل في آن واحد، وفي مواجهة مفتوحة مع بنى اجتماعية وسياسية شبه متهالكة، مما أثار العديد من الأسئلة، للكشف عمّا يدور بذهن هؤلاء الشباب، وما إذا كان بمقدورهم إنتاج بنى ثقافية جديدة، وفرض رؤى بديلة من عدمه؟
ثمة انطباعات مُتخيلة، واستقراء غير دقيق ومعمم، للمظهر الخارجي الاحتجاجي للشباب، وما يبديه بعضهم من آراء وسجالات في حيز وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي ومنصات التدوين، التي غالباً ما تُؤوَّل سواء بالتهوين من شأن ما يتعرضون له من مخاطر تهدد واقعهم وتغيّم مستقبلهم، باختزالهم في الحكم القيمي الذي يعدهم شباباً صغيراً مُستغَلاً ومنفلتاً أخلاقياً، أو التهويل بشأن ما يطمحون إليه، ومدى مقدرتهم على بلورة فكر راديكالي ناضج، بوسعه هدم البني الاجتماعية والسياسية القديمة بما يتوافق وإرادتهم. 

لا تبشرنا عتبة العام 2020 أنّ ثمة خلاصاً يلوح في الأفق لمنطقة الشرق الأوسط وشبابه

لكن ما لا يقبل الشك، أنّ شباب اليوم، أدرك ذلك أم لم يدركه، لا يواجه أنظمته المحلية، فحسب، إنما تتسع رقعة صراعه، وتمتد مقاومته ضد نظام عالمي نيوليبرالي يعيش في كنفه دائماً على حدود المخاطرة، ويبدو كأنه قوى لامرئية أخطبوطية متشابكة على نحو معقد، الشباب الثائر، في لبنان والعراق والسودان والجزائر وغيره، ضد قوى الهيمنة الاقتصادية والفساد السياسي، هو بالضرورة، ثائراً ضد شروط العمل وتقسيماته الدولية التي تنتهك سيادة دوله، وتستنزف مواردها، فيما تحتله شركات متعددة الجنسيات، عابرة للقوميات، ومعفاة من القوانين، عدا الديون والقروض المتراكمة باسم التنمية والإصلاح الهيكلي وحرية السوق وإرادة الفرد.
خلال سبعينيات القرن الماضي، تبنى النظام النيوليبرالي سردية نهاية التاريخ وصراع الحضارات ثم صراع الأصوليات عقب غزو العراق 2003، كأيدولوجيا مبتذلة تثبت نهاية خطية التاريخ، بانتصار الرأسمالية الغربية في مواجهة العالم الثالث والشرق الأوسط الغارق في ماضويته واستبداده وغرائبيته، كجوهر ثابت متجمد، على الرغم من تكرار مقولات "العالم الذي صار قرية صغيرة"، تسير في فلك ومسار واحد!

اقرأ أيضاً: تونس في 2020: انتهاء للأزمات أم عودة للاحتجاجات؟

إلى أن جاءت الموجة الثورية الأولى 2011، التي وُصفت بثورة الشباب، لتكون على نحو ما تحدياً لتلك السردية، ومن ثمّ، اعتُبرت بمثابة فرصة لإعادة العالم الثالث إلى دائرة الصراع الحداثي أي حلبة التاريخ، بإعادة إنتاج جدليات العلمنة والدين وعلاقتها بالسلطة السياسية والنظام الاقتصادي قياساً على التحولات التاريخية التي مر بها الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وما إذا كان بمقدور الشباب العربي بما إنّه القوة الفاعلة البارزة، تأسيس مجتمع علماني ديمقراطي حديث وفق منطق داخلي ذاتي نابع من الإرادة الشعبية، على عكس العلمنة الفوقية المنتكسة التي شهدها جيل الآباء والأجداد.

اقرأ أيضاً: احتجاجات 2019
تلك العلمنة التي شهدتها المجتمعات الأوروبية في القرن التاسع عشر، وعززتها ثورات ربيع الشعوب العام 1848، استعارت منها الثورات العربية الوسم والفشل، بيد أنّ ربيع الشعوب الأوروبية كان من قوة التأثير الاجتماعي، وذي امتدادات توسعية اقتصادية خارج حدوده؛ لأن يدفع بمزيد من عملية تخلخل أنظمة الحكم الثيوقيراطية، وينهي الإيمان بالحقوق والواجبات الأبوية التي كان يتمتع بها السادة المتفوقون، اجتماعياً واقتصادياً، بمباركة المؤسسات الدينية والتقليدية بحسب "اريك هوبزباوم"، ومن ثمّ، تعزيز بناء منظومة قيم وتصورات، وكذلك مؤسسات حداثية بديلة نظمت الفرد والمجتمع والدولة في علاقات تعاقدية حرة وفق مفردات زمنية خارج النسق الديني القروسطي.

شباب اليوم لا يواجه أنظمته المحلية فحسب بل نظاماً عالمياً نيوليبرالياً يعيش في كنفه مرغماً

بهذا السياق، وتحت عنوان "مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، أصدرت مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية دراستها العام 2016، وقد شملت ثماني دول عربية متباينة المستوى الاقتصادي ونمط الحكم السياسي، وهي: اليمن، البحرين، مصر، فلسطين، تونس، المغرب، الأردن، لبنان، وكذلك اللاجئون السوريين بلبنان، بمعدل 1000 شاب وشابة لكل بلد.
ثمة تحفظات معيارية أو إجرائية تخص ذلك النوع من الدراسات الإحصائية؛ إذ إنّ الشباب ليس طبقة اجتماعية مستقلة، إنما هو شريحة عمرية متغيرة على مدى زمني قصير، ومن ثمّ، تتسم بمرونة التفكير وسرعة التكييف والتبديل، مما يصَعب عملية القياس وبناء التوقعات، إلا أنّها تظل مهمة.

إنّ غلاف الدراسة الخارجي لهو كاشف إلى حد كبير عن مضمون محتواها؛ حيث يصور مجموعتين من الشباب على ربوة مرتفعة بحديقة الأزهر بحي مصر القديمة، إحدى الضواحي المتكدسة والمتهالكة بمدينة القاهرة، يعلوها ويظللها مسجد السلطان حسن أو الأزهر ربما، بمئذنتيه المرتفعتين؛ شاب وامرأة يبدو أنهما زوجان أو في علاقة عاطفية، متحرران من ملاحقات التلصص، ومراهق صغير تحدثه المرأة في حالة من الأريحية، ثم ثلاث فتيات، محجبات بغطاء الرأس، لكنهن متحررات في زيهن، وحركة أجسادهن التي تنافي الضوابط الدينية السائدة، تشير فتاتين منهنّ، بإشارة "Ganges" المافيوية أو "قرني الشيطان" الشائعة بين الشباب، إحداهما متجهة مباشرة نحو المئذنتين.

اقرأ أيضاً: ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟
تحتمل هذه الصورة عدة تأويلات؛ إذ قد تثير امتعاض البعض وتحسره على انهيار المجتمع وانفلات الشباب الأخلاقي، خصوصاً نساءه اللواتي يقاس بهنّ مدى التحكم والانضباط المجتمعي الديني، أو تُقرأ بمدلول الثورة الاجتماعية المنشودة والمتعالية، ضد الفقر والفكر المتحجر الراكد الذي تمثله المدينة القديمة، والذهنية الشعبية الراضخة لسلطة الدين والرضا القدري، وقد يدلل بها البعض على متغيرات الانفتاح الاقتصادي الليبرالية التي طرأت على مجتمعات العالم الثالث، فترة التسعينيات وأحدثت طفرة ثقافية في الوعي أدت إلى الحراك الثوري.
وفي ما توصلت إليه الدراسة المذكورة، وتعززها دراسات أخرى، أنّه على عكس الرأي القائل بانتشار الإلحاد واللادينية بين صفوف الشباب، يزداد الاهتمام بالدين، إلا أنّ، ما طرأ عليه التغيير، هو نمط التدين؛ ذاك الذي يرفض التوسط التنظيمي المؤسساتي بين الفرد وإلهه، مما يعني أنّ التنظيمات الدينية الحركية كالإسلام السياسي وصولاً إلى المؤسسات كالأزهر والكنيسة، باتت محل رفض وازدراء من الشباب، فيما تصاعد التوجه صوب التصوف، والنزوع إلى اعتبار الدين مصدر الانضباط الذاتي للفرد ومسألة شخصية تخضع للاختيار الحر.

لكن، هل يدل ذلك أو يكفي، كما يطمح البعض، لأن نعتقد أنّ التدين السياسي في سبيله إلى التداعي، فيما يبرز التدين الاجتماعي أو الفردي، الذي يُثبّت القيم والمعايير بالطواعية الاجتماعية ويفصلها عن الوصاية السلطوية؟ أم يكشف عن إحساس داخلي بالرغبة في الانكفاء على الذات والهروب إلى ملاذ آمن يقي من ضغوط الواقع شديدة الوطأة التي عجزت الثورة عن أن تغيرها؟ أم يدلل على مزيد من عملية التركيب والفبركة الثقافية التي تنتهجها على نحو جليّ، الطبقات الشعبية أسفل ووسط الهرم الاجتماعي؛ حيث تخلط في وعائها كل متناقض دون أن تتخلى عن أي عنصر؟

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران والعراق ولبنان تندّد بـ "الزعامات الفاسدة": كلن يعني كلهم
الواقع المعيش، يؤكد على أنّ البنية المادية إذا لم تدفع أو توازي عملية التغيير الثقافي الفكري؛ أي الممارسة التي تُفعل المثال، فسيكون الأخير مجرد محاولات يائسة عشوائية تدنو أكثر من الابتذال وتساهم في تغذية مظاهر التفسخ القيمي أكثر من كونها أفكاراً منفتحة متوازنة ومتماسكة يمكن تبنيها من قِبل العقلية الشعبية، بفاعلية أو ثقة، بل تصير حافزاً لابتعاث الأفكار الرجعية واللاعقلانية، حتى وإن فقدت قواعدها التنظيمية.
بمعنى آخر، إنّ الظروف الاقتصادية الطاحنة، وتآكل معايير الحياة الطبيعة والأمن الاجتماعي في ظل الحرب والإرهاب والاضطرابات الثورية، والمستقبل الغامض الذي لا يعد الشباب بعمل مضمون وثابت يفي بوعد التعليم الذي حصلوه، لهو كافٍ لعرقلة أي تصور ذاتي من شأنه تغيير البنية الاجتماعية والسياسية، عدا أنّ هذا الواقع السيئ مادياً يسلبهم بمرور الوقت القدرة على الحلم أو الإيمان به، ويحول دون صنع حيزات آمنة تصلح لأن تكون مختبراً تجريبياً للأفكار الراديكالية حال وُجدت.

اقرأ أيضاً: عراق ما بعد الاحتجاجات هو بلد آخر
علاوة على أنّ شروط سوق العمل المجحفة، وتداعي دولة الرفاه الاجتماعي، التي كانت مسؤولة عن التوظيف وضمان شبكات الأمان الاجتماعي، جعل أغلب الشباب في حالة انتظار طويلة، لأن يستقل بحياته، سواء الخاصة أو العمل؛ ومن لديه الحظ منهم، يُهيّأ للعمل بالاقتصاد العائلي، وعليه، تبقى العائلة هي وحدة الإنتاج الرئيسة للتملك، والضمان الاجتماعي للفرد.

تصورات الشباب السياسية لا تتجاوز الفكر التوفيقي العاجز عن استحداث أشكال جديدة من الإدارة أو أنظمة الحكم

ولا عجب، إذن، أن يستمر النظام الاجتماعي القديم حتى وهو بأتعس حالاته؛ لأنّه وعلى الرغم ما يعانيه من عجز ويفرضه من وصايه، إلا أنّه يظل محتفظاً بقدر من اليقين الاجتماعي والثقة، مما يعينه بالنسبة إلى أغلب الشباب مصدر بناء القيم والمواقف الحياتية، طالما لم يسفر الحاضر عن منظومة قيم بديلة مستقرة، إذن، ليس بمستغرب، أنّ نسبة معتبرة منهم ما يزال لديها نزوع تقليدي للتمسك بمفاهيم الفضيلة والعار والشرف، تلك التي اكتسبت الطابع الديني المتزمت.
نسحب الخط إلى نهايته، ويتضح أنّ ما يغلب على تصورات الشباب السياسية- وهم ليس بوسعهم غير ذلك- لا يتجاوز الفكر الإصلاحي التوفيقي، العاجز عن استحداث أشكال جديدة من الإدارة أو أنظمة الحكم السياسية، وعليه، لا يرفض القديم تماماً، وإنما إعادة هيكلته، لذا يطالبون الدولة بوظائفها في الحماية والتدخل، شرط الكفاءة والفعالية، حتى الموجة الثانية، تؤكد ذلك؛ إذ ليس لدى الثائرين تصور يتخطى حدود دولة الرعاية الانضباطية، المعنية بتنظيم وتفعيل ما اتفق عليه بالحقوق الطبيعية؛ أي تحقيق السلم الاجتماعي مقابل شرعية احتكار العنف، وتوفير الأمن المادي، مع قدر من الديمقراطية التمثيلية عبر هيئات منتخبة.
هكذا، يحدث الاصطدام والتعارض بين الفرد وسياقه ذي الفرص المحدودة للغاية، بين الصورة المتخيلة للذات المنفتحة على العالم المتغير، وشروط الواقع المادي التي تدفع إلى مزيد من التركيب والفبركة بين عدة متعارضات، بل، وترسيخ أشكال الأبوية والعلاقات الهرمية التي سبق ورُفضت، فنصير أمام فردانية شكلانية ممسوخة أو مكبوحة، وفورات عرضية قصيرة الأجل من الأفكار التحررية التي يسهل الارتداد عنها، وهكذا يصير الشباب قوة ثائرة بلا معاول.

الصفحة الرئيسية