الأزمات المالية تدفع الحوثيين وإخوان تونس للاستثمار في الزكاة والصدقات

الأزمات المالية تدفع الحوثيين وإخوان تونس للاستثمار في الزكاة والصدقات

مشاهدة

11/06/2020

أعاد إعلان ميليشيا الحوثي عن لائحة تنفيذية بشأن الزكاة تتضمن مصطلح الخُمس إلى الواجهة من جديد الجدل بشأن المغزى من اهتمام الأحزاب والجهات السياسية بالزكاة والصدقات التي يروج لها على أنها تستهدف إحياء الشريعة الإسلامية بينما يتهم البعض الجماعات الإسلامية بمحاولات ضرب وحدة المجتمع والدولة المدينة.

ويرى مراقبون أن هذا الاهتمام بالزكاة وصناديقها يمثل ملاذ بعض الجماعات الإسلامية بعد تشديد الخناق عليها وعلى مصادر تمويلها حيث يجري استغلالها من أجل دعم ميزانيتها التي تراجعت تحت وطأة الأزمة الاقتصادية في العالم وغيرها من العوامل.

واليمن ليس استثناء في اتباع مثل هذه الخطوات لتجميع الأموال بإضفاء طابع ديني عليها، حيث لا يزال الجدل في تونس على سبيل المثال قائما بشأن صناديق الزكاة بعد أن حاولت حركة النهضة الإخوانية العام الماضي تمرير مشروع قانون يقضي بتركيز صندوق وطني للزكاة.

وبعد فشل مساعيها في تمرير هذا المقترح، الذي أرادت أن يكون جزءا من موازنة العام 2019، دفعت الحركة بحلول بديلة على المستوى المحلي. وأنشأ رئيس بلدية الكرم، إحدى بلديات العاصمة، فتحي العيوني صندوقا للزكاة رغم الانتقادات الكثيرة التي طالته.

تفكيك المجتمع

تتواصل ردود الفعل المنددة بلائحة الحوثيين بشأن إصدارهم لائحة جديدة بشأن الزكاة حيث يتهم مناوئو هذه الخطوة بأنها تستهدف تعميق الانقسامات داخل المجتمع اليمني الممزق أصلا بسبب الحرب.

من جهته، انتقد رئيس الحكومة اليمنية الشرعي معين عبدالملك تحرك الحوثيين الأخير.

وقال عبدالملك في تغريدة له على تويتر “نشر الحوثيين لما أطلقوا عليه قانون الزكاة القائم على التمييز السلالي والعنصري لا يكشف فقط عمق إيغال هذه الجماعة في تمزيق نسيج المجتمع ورفضها لقيم المواطنة المتساوية، بل يوضح أيضا مدى استخفافها بالشعب وبالعالم وبكل فرص ودعوات السلام”.

وينص القانون الذي أحدثه الحوثيون على إخراج الخُمس من النفط والمعادن والذهب والأسماك والمنتجات الحيوانية والعسل، ومن المحاصيل الزراعية والأرباح التجارية والثروة الحيوانية وغيرها من الإيرادات الخاصة بالمواطنين والشركات.

وقد تم إرجاء إعلان الحوثيين عن هذا القرار الذي وقعه مهدي المشاط رئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى في التاسع والعشرين من أبريل الماضي، والذي تضمن إصدار لائحة تنفيذية جديدة لقانون الزكاة اليمني الصادر في 1999.

ويرى معارضو هذا المقترح الذي دخل حيز التنفيذ الثلاثاء أنه يضمن توريد نسبة من أموال اليمنيين لصالح قيادة الميليشيات ورموزها تحت مسمى “الخُمس”، وهي خطوة يسعى الحوثيون من خلالها إلى نهب هذه الأموال حسب ما يقوله هؤلاء.

ويزعم الحوثيون، الذين تدعمهم إيران، أنّهم من “بني هاشم” آل بيت النبي محمد، وأنهم أولى وأحق بأن تدفع لهم نسبة 20 في المئة من أموال الزكاة، معتمدين على تأويلات فقهية ومذهبية.

واعتبر المحامي والأستاذ الجامعي اليمني نبيل السبئي في تصريح لـ”العرب” أن القانون الذي أصدره الحوثيون “تكمن خطورته في تكريس السلالية بنصوص قانونية، فهو يقسم اليمنيين ويقنن فرزهم على أساس عرقي إلى بني هاشم وسائر المسلمين، وهو ما يعني المس بالوحدة الوطنية لليمنيين بكافة انتماءاتهم، وانتهاك المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية ومفاهيم المواطنة ومقتضيات الدولة المدنية الحديثة”.

استيلاء على أموال المسلمين

عادة ما تتشبث الجهات التي تتقدم بهذه المقترحات سواء في اليمن أو غيره من الدول العربية بالدوافع الكامنة وراء احتكار الدفاع عن فريضة الزكاة.

ويقول هؤلاء إن تجميع أموال الزكاة تستهدف تعبئة موارد الدولة وإحياء الفرائض الإسلامية، وهي تبريرات يشكك في جديتها المعارضون لها الذين يعتبرون أن الإسلاميين يطوعون المصطلحات والفرائض الدينية لمصالح أحزابهم.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي باتت ترزح تحت وطأتها العديد من الدول تُتهم جماعات الإسلام السياسي وواجهاتها بمحاولة السطو على أموال الفقراء وعامة المسلمين من خلال احتكار تجميع أموال الزكاة.

ففي اليمن يرى معارضو الحوثيين أنهم لجؤوا إلى مثل هذه الخطوات لتجميع المزيد من الأموال بعد أن فقدوا بعض مصادر التمويل بسبب الحصار المفروض على إيران اقتصاديا.

وفي هذا الصدد يقول نبيل السبئي في حديثه لـ”العرب” إن “الحوثيين الانقلابيين يسعون من خلال هذه القوانين لتعبئة مواردهم المالية المخصصة للحرب بعد أن ضاقت بهم السبل في ظل الحصار المفروض على إيران وفي إطار السياسات الوقائية ضد الإرهاب في المنطقة”.

ويضيف السبئي أن “الحوثيين لا يكفون عن استخدام الدين كقفاز لإضفاء المشروعية على انتهاكاتهم المتعمدة لكافة حقوق الإنسان واستثارة مشاعر البسطاء لاستخدامهم وقودا لمعاركهم القذرة وتصفية حساباتهم السياسية”.

لكن ما يسترعي الانتباه في هذا الملف هو تشبث الإسلاميين بإدراج مصطلح الزكاة في تحركاتهم لإضفاء المشروعية الدينية عليها.

ويتمسك الإسلاميون بالزكاة وصناديقها أحيانا كأداة لتعبئة موارد الدولة ومساعدة الفقراء والعاطلين عن العمل، لكن هذه الحجج يعتبرها مناوئوها خطوة أولى لضرب مدنية الدولة والتحيل على أموال المسلمين.

في هذا الصدد تقول الدكتورة زينب التوجاني وهي باحثة تونسية متخصصة في الحضارة الإسلامية إن “تفعيل آليات المالية الإسلامية وما تعتمد عليه هذه المالية من آليات متخلفة كالإفتاء ضربة قاصمة لمدنية الدولة“.

وتضيف التوجاني في تصريح لـ“العرب”، “صناديق الزكاة تفتح باب تطبيق الشريعة في جانبها الاقتصادي، وهذا المشروع لا يخدم مدنية الدولة ولا يخدم الفقراء ولا الطبقة الوسطى، بل سيفقرهم باسم الدين ويضيف على ظهرهم أعباء ثقل الواجب الديني إلى جانب أعباء الضرائب والاقتطاعات السّابقة”.

ويأتي حديث التوجاني في إشارة إلى ما شهدته تونس من سجالات بشأن هذه الصناديق التي يُنظر إليها على أنها ملاذ الحركات الإسلامية لتعبئة مواردها.

وكان فتحي العيوني القيادي في حركة النهضة في تونس ومرشحها لرئاسة بلدية الكرم قد قام بتركيز صندوق للزكاة طاولته العديد من الانتقادات.

وفي هذا الصدد تقول زينب التوجاني “كلّ غطاء ديني للصناديق المالية ليس سوى سرقة شرعية لأموال النّاس وإنه من واجب البلديات أن تحسن تدبير مواردها ومحاربة الفساد داخلها والاعتناء بالمواطنين والمواطنات دون أن تبتز مشاعرهم الدينية”.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية