الإخوان وتركيا: من الإعجاب بالنموذج إلى التذيُّل السياسي

الإسلام السياسي

الإخوان وتركيا: من الإعجاب بالنموذج إلى التذيُّل السياسي

مشاهدة

03/03/2020

قبل اندلاع ما يسمى "الربيع العربي" روّج شباب الإسلاميين الموصوفين بـ "الاعتدال" في مصر، لنموذج حزب العدالة والتنمية التركي، على اعتبار أنّه مصدر إلهامهم السياسي، وكثيراً ما ألحّوا على نجاح تجربته الاقتصادية وتجربته في الإصلاح القانوني والإداري، وعلاقاته الخارجية المتوازنة آنذاك (سياسة صفر مشاكل) وقبل كلّ ذلك نجاحه في الجمع بين الديمقراطية ومبادئ الإسلام.

اقرأ أيضاً: حقيقة دور تركيا في سوريا

ومع سقوط نظام مبارك، وترسُّخ القناعات بأنّ جماعة الإخوان المسلمين هي الفصيل الأكثر جاهزية لحصد ثمرة النضال الديمقراطي الشعبي، الذي انطلق منذ 2001 والوصول إلى السلطة، رأت الجماعة في حزب العدالة والتنمية رمزاً لـ "الديمقراطية المسلمة"، واستوحت منه اسم حزبها "العدالة والحرية"، وكذلك برنامجها الانتخابي، وهي خطوة عادت على الجماعة (ذات التقاليد السرية والغامضة) بمكاسب سياسية هائلة، لعلّ أهمها طمأنة الرأي العام المصري بالحفاظ على الطابع الوطني والعلماني للدولة، وبأنّها لن تسعى إلى تفكيك الدولة القائمة وإذابتها في أيّة مشروعات فوق وطنية، تماماً مثلما كان ينظر الناس لحزب نظرائهم الإسلاميين في تركيا.

لاحقاً؛ اتّضح أنّ الذين يروجون لـ "النموذج التركي" لم يفهموا طبيعة التحوّل الذي طال الحركة الإسلامية في تركيا، ولم يدركوا أنّ التعايش الهشّ بين القيم الإسلامية والديمقراطية لم يتحقق في تركيا بفضل جهود حزب العدالة والتنمية لتطوير ديمقراطية إسلامية، بل لأنّ الإسلاميين اضطروا أن يقبلوا بالإطار العلماني للدولة التركية.

ركّزت تركيا على القوة الناعمة التي شملت المسلسلات التركية لدرجة أنّ "مهند" أصبح سفير تركيا إلى البيوت المصرية

ودون كثير عناء؛ لاحظ غالبية المهتمين بالشأن العام أنّ ترويج الإخوان لـ "النموذج التركي" لم يكن سوى استغلال براغماتي، وأنّ الجماعة لم تتخلَّ قيد أنملة عن بنيتها التنظيمية كجماعة شمولية تدمج الدين والسياسة في كلٍّ خطابي واحد، ولا عن أدبياتها الأيديولوجية المتشددة، التي سرعان ما ظهرت بكلّ فجاجة مع أول أزمة واجهتها الجماعة لحظة اندلاع موجة اعتراض واسعة على الإعلان الدستوري الذي طرحه محمد مرسي، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.

فرس الرهان للاعتدال الأيديولوجي
إلا أنّ الجانب المهمّ من العملية لم يكن سوء فهم الجذور العميقة لظهور المحافظية التركية الجديدة، ممثلة في حزب العدالة والتنمية، التي تزامنت مع الانتقال النيوليبرالي في ثمانينيات القرن العشرين، وأدّت إلى ظهور شريحة سياسية جديدة (رجال أعمال وجناح محافظ من الطبقة الوسطى) كانت بمثابة فرس الرهان للاعتدال الأيديولوجي الذي امتطاه رجب طيب أردوغان ببراعة، بل كان الأكثر أهمية التحوّل الذي أصاب علاقة الإخوان في مصر بالعدالة والتنمية التركي؛ إذ انقلب الإعجاب إلى ذيلية سياسية حقيقة.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران.. الاستعلاء القومي بغطاء ديني

هذا التحوّل الدرامي من ترويج الإخوان لأنفسهم باسم نجاح أحد تجلياتهم في الخارج، إلى أن تكون الجماعة نفسها مجرد عنصر من عناصر الإستراتيجية التوسعية لأردوغان، كان محور اهتمام ندوة مركز "دال" القاهري، الأربعاء الماضي، والتي حاضر فيها الأكاديمي المصري المعروف، الدكتور علي الدين هلال، الكاتب وأستاذ العلوم السياسية.

 الدكتور علي الدين هلال

الباحث رامي شفيق، الذي قدّم للندوة أرجع هذا التحول إلى طبيعة الإخوان نفسها كـ "جماعة وظيفية"، وهو بذلك يُدرج طرحه ضمن مصفوفة عريضة من الأدبيات البحثية التي تعاملت مع الجماعة على هذا الأساس، إلا أنّ شفيق كان حريصاً على عدم اختزال الأمر في هوية الجماعة، وأشار إلى طبيعة التعقيد الذي يكتنف المسألة، ومردّ هذا التعقيد يكمن في جدلية الإسلام السياسي في تركيا؛ إذ وصلت "الميلي جورش" (الحركة الإسلامية التركية) للسلطة، عام ١٩٧٠، ومنذ هذا التوقيت وحتى انفراد رجب طيب أردوغان بحزب "العدالة والتنمية"، كانت هناك مسافة زمنية ودراما سياسية جاءت على وقع الانقلابات العسكرية التي طالما حاولت أن تزيح الإسلام السياسي من على المسرح التركي.

تقويض المزاعم الإخوانية
وفي تقويض للمزاعم الإخوانية التي تنسب نجاح العدالة والتنمية إلى الخط السياسي للجماعة، أكّد شفيق أنّ رجب طيب أردوغان لم يؤسس حزب العدالة والتنمية على قاعدة إسلامية متصلة بفكر جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ بل على قاعدة خطاب سياسي يتباين في لغته وفي مضمونه عن خطاب الجماعة، سواء على مستوى السياسات الداخلية، أو على مستوى السياسة الخارجية، وهذه المسافة بين الخطابين يجب أن يتم الاشتباك معها، على مستويين:
الأول: في الفترة من عام ٢٠٠٣ حتى عام ٢٠١١؛ حيث قدم رجب أردوغان رؤية مختلفة عن تجارب الإسلام السياسي، وتتناسب مع الحالة التركية القائمة على التوازن بين المؤسسات التركية، وهو ما دفعه لتبنّي سياسات قائمة البرغماتية السياسية المحضة.

اقرأ أيضاً: تركيا.. ما الذي يبحث عنه أردوغان؟
الثاني: ما حدث عام ٢٠١١ في تونس ومصر وسوريا واليمن، وهي الفترة التي شهدت صعود تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، واستغلها أردوغان في تقديم نفسه كقائد للإسلام السنّي في العالم.

وألمح شفيق إلى أنّ فشل أردوغان في الانضمام للاتحاد الأوروبي أكثر من مرة، هو الذي دفعه للتوجه نحو العالم الإسلامي واستغلال ثورات الربيع العربي التي دفعت بالإسلام السياسي إلى موقع الصدارة السياسية في تقديم نفسه باعتباره رمزاً للمنطقة ورائداً للإقليم.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة

وعلى سبيل التمهيد، قال الدكتور علي الدين هلال؛ إنّ تركيا قوة كبيرة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، نختلف معها نعم، أما التقليل من شأنها فهو خطأ سياسي، فهي ضمن أكبر 20 اقتصاداً في العالم، وهي بلد صناعة وتجارة وزراعة وسياحة (40 مليون سائح في السنة) وصناعات عسكرية متقدمة، وهي بلد يستطيع أن يرسل جيشه في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

تاريخ موازٍ للتحوّل
أما عن العلاقة المعقدة بين الإخوان وتركيا؛ فقد قدّم هلال سرداً تاريخياً شيقاً عن تلك العلاقة، قائلاً: "قبل 2011 لم تكن هناك معلومات مؤكدة عن علاقة تركية بالإخوان، إنما من المؤكد أنّ تركيا كان لها علاقات وثيقة جداً بمصر"، مضيفاً: "أنا أذكر في 2001 زار الرئيس عبد الله غول مصر، واصطحبه الرئيس مبارك إلى الكلية الحربية لحضور حفل تخرج دفعة من الكلية؛ إذ أراد الرئيس المصري أن يكرمه فأدخله أحد معاقل العسكرية المصرية كي يشارك بحفل التخرج".

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وأكّد أنّ تركيا لم تُقدم في ذلك الوقت على عمل علاقات صريحة مع طرف سياسي مناوئ للنظام يؤدي إلى توتير العلاقات، وبعد 2005 وحصول الجماعة على 88 مقعداً في البرلمان قدمت السفارة التركية، كما فعلت السفارة الأمريكية والبريطانية، دعوة لبعض أعضاء الجماعة إلى حفلات في مناسبات مختلفة، وأقامت صلة معهم في هذا الوقت.

ويحدّد هلال النقطة المفصلية في العلاقات بين مصر وتركيا بلحظة يناير 2011؛ حيث اتخذ أردوغان موقفاً عنيداً ضدّ الرئيس حسني مبارك، وقال: "عليه أنْ يستقيل فوراً"، وكان موقفاً غريباً من مسؤول كبير في دولة كانت تربطه بمصر علاقات وثيقة جداً.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة

وكانت خطبة أردوغان المشهورة ضدّ مبارك فاتحة لشكل جديد من أشكال العلاقة مع الإخوان المسلمين؛ فبحسب هلال كان أردوغان من أوائل الشخصيات الكبيرة التي زارت مصر بعد الثورة، وذلك في أيلول (سبتمبر) 2011، في وقتٍ كان الإسلام السياسي يتصدر فيه المشهد بحصوله على 64% من مقاعد البرلمان.
وما وراء الزيارة؛ يفسّره هلال بأنّ تركيا طرحت نفسها كراعِ للنظم الجديدة في المنطقة، وكحاضن لانتفاضات الربيع العربي، وداعم للآمال المشروعة للشعوب العربية في الديموقراطية والحرية والتقدم، أما السؤال الأكثر جوهرية فهو: لماذا؟

العلاقات المصرية التركية
يسلط أستاذ العلوم السياسية الضوء على مسيرة موازية للعلاقات المصرية التركية الرسمية، وذلك بالإحالة إلى عدة محطات مهمة في تاريخ العلاقة بين التنظيم المصري والنظام التركي، وهي:
1-  عام 2002 ذهب أردوغان إلى أمريكا وزار مراكز البحوث الأمريكية، وكانت رسالته هي أنّ أمريكا مخطئة في عداء الحركات الإسلامية، وأنّها أخطأت بأن قاربت الإسلام كمرادف لإيران، وأكّد حينها أنّ الحركات الإسلامية كانت دوماً صديقة لأمريكا، وأنّها كانت إحدى الأدوات الأساسية في الدبلوماسية الأمريكية ضدّ الشيوعية أيام الحرب الباردة، وذكرهم بمؤتمر نظمته وزارة الخارجية الأمريكية، عام 1953، الذي حضرته كلّ قيادات التنظيمات الإسلامية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وطلب منهم تغيير موقفهم من الدور السياسي الإسلامي.

2- كان خطاب أردوغان آنذاك قائماً على تصدير حزبه كنموذج للديمقراطية الإسلامية، وتساءل: لماذا تراهن أمريكا على نظم ملكية قديمة بالية وراثية أو على نظم عسكرية لا تؤسس نفسها على انتخابات حرة وتتجاهل النموذج الإسلامي الديموقراطي صاحب الشرعية والشعبية؟ وتبنت أكثر من مؤسسة أمريكية هذه الرؤية بما فيها مؤسسة "راند"، التي روّجت لما يسمى بالإسلام الديمقراطي المعتدل والليبرالي كحليف للولايات المتحدة.

3-  حين أثير جدل على نطاق واسع، عام 2004، حول هل يشارك الإخوان في الانتخابات البرلمانية المقبلة أو لا؟ خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية حينها بتصريح تقول فيه: "الولايات المتحدة لا مانع لديها في أن تصل الأحزاب الدينية إلى السلطة، طالما أنّ ذلك في إطار انتخابات حرة ديمقراطية"، وكان هذا هو الضوء الأخضر لكل الحركات الإسلامية للمشاركة في الترتيبات السياسية القائمة حينها.

واقعي ومراوِغ
رغم أنّ ثورات 2011 أبرزت أنموذجاً آخر لما يعرف بالإسلام الديمقراطي، وهو تونس، التي قدمت تجربة سياسية كانت الأكثر قدرة على تحقيق توافق ديمقراطي بين الفرقاء السياسيين، إلا أنّ النموذج التركي بقي الأكثر تشعباً وشمولاً وقدرة على تحويل أفكاره وتصوراته إلى سياسات وعمليات تمارس على الأرض.

وفي القلب من هذه التصورات التي يقدمها النظام التركي عن نفسه تقع "العثمانية الجديدة" التي تبرر فكرياً للهيمنة التركية القومية، وبحسب هلال؛ فإنّ أردوغان، دون أن يذكر هذا صراحة، يتبنى هذه الأفكار؛ ففي عام ٢٠١٤ قررت وزارة التربية الوطنية والتعليم الوطني التركية إعادة العمل باللغة العثمانية القديمة في المدراس الدينية، بعد إلغائها منذ قرن تقريباً، وعندما اعترض علمانيون أتراك قال الرئيس التركي: "سوف يتمّ تنفيذ ذلك شاؤوا أم أبوا".

اقرأ أيضاً: تركيا والأمن القومي العربي

وفي إطار سياسات "العثمنة" يشير هلال إلى أنّ أردوغان قال أكثر من مرة: "أنا من نسل السلاطين العثمانيين"، و"هناك ماضٍ عظيم نعتز به وعلينا أن نعمل على إحيائه"، وهو الماضي العثماني الذي تحتل فيه التركية الصدارة.

وعليه، يؤكّد هلال أنّ النخبة السياسية التي يقودها أردوغان تدرك أنّ لديها فائض قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، ولديها رؤية، وترغب في استخدامها مع قدر عالٍ من الواقعية أو الانتهازية، فتغيّر موقفها حسب موازين القوى، وأن تنتقل من النقي إلى النقيض حسب مصالح الدولة التركية.

د. علي الدين هلال في مركز "دال": النخبة السياسية التي يقودها أردوغان تدرك أنّ لديها فائض قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية

ورغم أنّ السياسات التركية بعد 2013 أثرت سلباً في شرعية النظام الحاكم، وأضعفت بشكل نسبي الاقتصاد التركي، إلا أنّ هلال يؤكد أنّ الحديث عن ضعف تركيا، أو انهيار الحزب الحاكم بعد فقدانه مقعد رئيس بلدية إسطنبول، لا يمكن أن يكون واقعياً، بل قد يكون هذا المثل أيضاً في صالح أردوغان؛ بادعائه أنّ النظام لديه من الحرية والمؤسسية ما يسمح لحزب معارض أن ينجح في الحصول على منصب عمدة أكبر مدينة تركية.

وطالب هلال بتغيير أساليب التعامل الفكري والإعلامي العربي مع الشأن التركي، والتي لا تتعدى، بحسبه، الاتهامات والتنبؤ بالسقوط أو عزلة أردوغان، مشيراً إلى ضرورة التعرّف إلى أهداف أردوغان والسعي لفهم ماذا يفعل؟ وكيف يفعله؟
ولفت إلى أنّه منذ عدة أعوام ركّزت تركيا على القوة الناعمة التي شملت المسلسلات التركية، على سبيل المثال، لدرجة أنّ "مهند" أصبح سفير تركيا إلى البيوت المصرية، والآن تركز المسلسلات التركية على الأمجاد العثمانية وبموازاة القوة الناعمة ترسل تركيا الإرهابيين إلى سوريا والعراق، وتتدخل عسكرياً في سوريا وليبيا، وبالتالي يصبح التساؤل حول مصادر قوة هذا النظام الداخلية والخارجية أكثر إلحاحاً؛ هذا إذا كنا نريد محاصرة تأثيره وإضعافه في الفضاء العربي.

الصفحة الرئيسية