7 أعوام على الربيع العربي..الكابوس الليبي: تهريب للبشر وتهديد جهادي

9450
عدد القراءات

2018-01-04

بعد سبعة أعوام من اندلاع الثورة ضد نظام الدكتاتور معمر القذافي. باتت ليبيا ساحة للتهريب، مقسمة وبدون حكومة وتخضع لنفوذ الميليشيات؛ حيث يجري الاتجار بالبشر والوقود والسلاح وتنتهك حقوق الإنسان.

ويتنازع طرفان السلطة، التي شهدت فراغاً عقب سقوط القذافي، ومقتله بعد تسعة أشهر من انتفاض جماعات من تيارات فكرية مختلفة وقبائل وأطراف معارضة في المنفى استجابة لشرارة "الربيع العربي".

لكن أياً من هذين الطرفين يتمتع بشرعية ديمقراطية: فهناك حكومة في طرابلس تحظى بدعم من الأمم المتحدة وأخرى في طبرق تحت قيادة المشير خليفة حفتر.

يسيطر حفتر على 70% من الأراضي الليبية وتحت إمرته الجزء الأكبر من الموارد البترولية

ويسيطر حفتر، الذي أمضى عقدين بالمنفى في الولايات المتحدة، على 70% من الأراضي الليبية وتحت إمرته الجزء الأكبر من الموارد البترولية، فضلاً عن دعم روسيا والسعودية وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، والاعتراف به من قبل الأمم المتحدة كطرف ضروري.

يوضح الصحفي والمحلل السياسي صالح، لوكالة الأنباء الإسبانية (إفي) أنّ "المشكلة الأكبر في ليبيا اليوم ليست سياسية. بل الاقتصاد غير الرسمي، تهريب كافة أنواع المنتجات، هذا هو ما يحرك الاقتصاد الوطني ويوفر القوت للسواد الأعظم من العائلات نظرا لعدم وجود الدولة".

ويضيف صالح، الذي رفض ذكر المزيد عن هويته لأسباب أمنية، "ليس فقط سوق السلاح والمهاجرين، فهذا هو الجزء الظاهر. بل الوقود أيضاً، الذي يمتد إلى شمال أفريقيا بالكامل وحتى جنوب أوروبا"، وتسيطر عليه الميليشيات.

ووفقاً لبيانات مركز (مجموعة الأزمة) للدراسات، فإنّ الاتجار بالبشر يدّر مليار ونصف المليار يورو سنوياً في ليبيا، موزعة على المناطق والميليشيات المختلفة التي تنخرط في هذه العملية بعدة مدن.

المشكلة الأكبر في ليبيا اليوم ليست سياسية بل الاقتصاد غير الرسمي

 

وفيما يخص الوقود، يكشف المركز أنّ العائدات تقّدر بملياري يورو سنوياً ولا تقتصر على ليبيا فحسب؛ بل تمتد إلى إقليم الساحل بأكمله، مع ضلوع دول مثل؛ الجزائر ونيجيريا، وصولاً إلى إيطاليا.

وكان القبض على فهمي بن خليفة، الملقب بـ "ملك التهريب"، بشمال غربي البلاد في آب (أغسطس) الماضي، قد كشف عن صلات برجال أعمال، ومسؤولين في مالطا، وبعصابات الجريمة المنظمة (المافيا) مثل؛ عائلة إركولانو في صقلية.

بالمثل، طلبت الشركة الوطنية الليبية للبترول مؤخراً إلى النيابة العامة في غرب البلاد القبض على 144 شخصاً لصلتهم المحتملة بتهريب الوقود "الذي يهدر على البلاد مئات الملايين من اليورو كل عام".

المشكلة في ليبيا هي أنّ كل ميليشيا تعمل لمصلحتها فحسب، لا تبرز إحداها ولا يمكن لأي منها تولي قيادة مشتركة

كما تسهم هشاشة الحدود، خاصة في المناطق الجنوبية الغربية- الخاضعة لنفوذ أشخاص مثل؛ الفريق علي كنة، المنحدر من قبائل الطوارق والذي يسعى لإعادة إحياء نموذج القذافي- في تدفق الجهاديين الذين حّولوا ليبيا لأبرز معاقلهم في شمال أفريقيا.

وفي خضم حالة الفوضى هذه، وجد تنظيم "داعش" في ليبيا تربة خصبة للنمو، ليحتل على مدار أشهر مدينة سرت مسقط رأس القذافي، قبل أن يطرد منها في كانون الأول (ديسمبر) 2016. لكن حتى مع تراجع قواهم، يستمر الجهاديون في التواجد بالصحراء ولا يزال خطرهم قائماً.

دفع هذا الوضع إلى تفكير أجهزة استخبارات أجنبية لعدم استبعاد إمكانية عثور أبو بكر البغدادي، الذي نصّب نفسه خليفة وزعيم "داعش"، في "هذه المنطقة الرمادية" على ملاذ له بعد فراره المحتمل من العراق.

يقول عميل أوروبي لوكالة (إفي):"هناك احتمال ضعيف لحدوث ذلك. "داعش" هو أحد المنظمات الجهادية العديدة التي تنتشر في الساحل وهو ليس الأقوى بينها. جماعات مثل القاعدة في المغرب الإسلامي وأنصار الشريعة أو التحالف الجديد الناشئ في مالي على يد إياد أغ غالي، هي التهديد الحقيقي".

ويتابع "المشكلة في ليبيا هي أنّ كل ميليشيا تعمل لمصلحتها فحسب، لا تبرز إحداها ولا يمكن لأي منها تولي قيادة مشتركة. يحاول حفتر لعب هذا الدور، لكن السواد الأعظم منها لا تثق به. عجزه عن السيطرة على درنة وحتى بنغازي مشكلة أيضا".

ويتفق خبراء ليبيون في هذا السياق على وجود خيارات محدودة لأن تكون هناك عملية السلام والمصالحة التي يحاول مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليبيا غسان سلامة، الذي عُيّن قبل أربعة أشهر تقريباً.

وأشار الدبلوماسي اللبناني قبل أسابيع إلى هذه العوامل، مؤكداً أنّ ليبيا لا تتوافر فيها بعد الظروف المواتية لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تتضمنها خطته التي يعتزم تنفيذها العام الجاري.

ومع هذه الفرضية، اتفق المشير حفتر، الذي يعد جزءاً أساسياً من الحل للنزاع، وذلك خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً أصرّ فيها على أنّ ليبيا "غير مستعدة للديمقراطية".

تعرض آلاف من سكان مدينة تاورغاء (غربا) للطرد من المدينة عام 2011 بسبب دعمهم لنظام القذافي

بناء متباطئ للدولة

ترى فدريكا سايني فاسانوتي، من (مؤسسة بروكينجس) ومقرها واشنطن، في تصريحات أدلت بها لوكالة (فرانس بريس).

أنّ "العملية الديمقراطية- مثلما يعلّمنا التاريخ- طويلة دائماً، قاسية وصعبة للغاية". مضيفة "إنشاء دولة قد يستغرق عقوداً، وربما قروناً في بعض الحالات".

وتقابل كل محاولة لإعادة النظام بقدر أكبر من العداء من جانب الجماعات المسلحة التي تغّير ولاؤها وفقاً للمصلحة اليومية.

العملية الديمقراطية طويلة دائماً وقاسية وصعبة للغاية فإنشاء دولة قد يستغرق عقوداً وربما قروناً في بعض الحالات

فعلى سبيل المثال، تعرض آلاف من سكان مدينة تاورغاء (غربا) للطرد من المدينة عام 2011 بسبب دعمهم لنظام القذافي. تفاوضت الأمم المتحدة مع حكومة الوفاق الوطني على عودتهم. لكن الجماعات المسلحة منعتهم من دخول المدينة مطلع شباط (فبراير) الماضي.

لكن مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة يتوقع إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية عام 2018، كوسيلة لاستعادة النظام. تعين على المشير حفتر، الذي حاول فرض نفسه في 2017 كبديل وحيد للسلطة، الاستجابة لمطالبات القوى الغربية التي تعترف بحكومة الوفاق الوطني، وأعلن تأييده لإجراء انتخابات.

ونجح حفتر، المدعوم من قبل كل من مصر والإمارات العربية المتحدة، الصيف الماضي من إنزال الهزيمة بالميليشيات الجهادية في بنغازي، بعد ثلاثة أعوام من القتال. بيد أنّ العنف ما يزال مستمراً في ثاني كبرى مدن ليبيا.

تحليل لوكالة الأنباء الإسبانية (إفي) منشور في صحيفة (الأوبسربادور) الأوروجوائية بتاريخ 17 شباط 2018

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-05

ترجمة: مدني قصري


بعد أن حلّل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، في الجزء الأول من الحوار، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وردود الفعل من جانب السلطة، يعود في هذا الجزء إلى المتظاهرين وعددهم وأصولهم الجغرافية.

اقرأ أيضاً: قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
ويستحضر ماكينسكي، وهو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، أحداث عامي 1999 و2009 ويوضح مدى اختلاف الحركات الحالية تماماً، من حيث تأثيرها على فئات متواضعة يائسة تتدهور ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق.

هنا نص الحوار:

كم عدد المتظاهرين، حسب تقديرات السلطة؟ حسب المنظمات غير الحكومية؟ ما هي المدن التي تتأثر بهذا الشغب؟
ذكرت Iranhumanrights.org في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أنّ الاحتجاجات بدأت في 15 الشهر الماضي، في أكبر 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قزوين وتبريز وأوروميا، وسافه. وذكرت وكالة فارس في 18 الشهر نفسه أنّ حوالي 87000 شخص، وفقاً لأجهزة الاستخبارات، شاركوا حتى ذلك الحين في المظاهرات. وهي تدعي أنّ عصابات من مثيري الشغب المدرّبين هي المسؤولة عن أعمال العنف. وذكرت فارس 1000 حالة اعتقال. وذكرت نفس المصادر مجموعات من 50 إلى 1500 شخص تجمّعوا في 100 مدينة. زُعم أنّ معظم الأضرار حدثت في محافظات خوزستان وطهران وفارس وكرمان. ووفقاً لوكالة فارس فإنّ مستوى العنف والتدهور، أعلى من مستوى عنف شتاء 2017/2018. وأبلغ مسؤولو حفظ النظام، من جانبهم، عن تجمّعات في مشهد وسيرجان وخوزستان (على الرغم من وجود النفط، فهي منطقة فقيرة)، بما في ذلك الأهواز. وتؤكد مصادر أخرى (حقوق الإنسان في إيران) أنّ اضطرابات كثيرة قد اندلعت بالفعل في مناطق كثيرة. وذكر شاهد علوي (إيران واير)، أصفهان، ودزفول، وعميدية.

في شيراز، يوم السبت، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تسبّبت وفاة الشاب مهدي نيكوي في حدوث ردود فعل عنيفة. في خرمشهر، وفقاً لنفس المصادر، تصاعدت الاضطرابات وقتل شخصان، أحدهما شاب، على أيدي الشرطة. وكذلك الأمر في بهبهان التي شهدت 3 ضحايا.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم
محافظة كردستان الإيرانية هي أيضاً مضطربة للغاية، خاصة في سنندج، عاصمتها، وكذلك جافانرود في محافظة كرمانشاه، وماريفان، وفقاً لهينغاو، المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما تستشهد منظمة العفو الدولية، في تعدادها الذي بلغ 106 ضحايا، بالمواقع التالية: الأهواز، عبادان، بندر، مشهر وضواحيها  وهبهان، وبوكان، وبومهان، وأصفهان، وإسلامشر، وجافانرود، زكاراج، وكذلك كرمانشهر، وخورامشهر، وماريوان، وراهمورمز، ورباط كريم، وصدرة، وساننجاي، وشهريار، وشيراز، وسرجان، وطهران.

احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم حيّزاً مرئيًا في المسيرات

وقد ذكر راديو فاردا أيضاً الأحياء الفقيرة في مالارد، وشهر القدس Shahr Qods ، وشاردانجه قايل حسن خان وإسلام شهر في جنوب غرب طهران. يعكس هذا التوزيع التقسيم الكلاسيكي للحاضرة الكبرى. ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأحياء "الميسورة" في الشمال لم تتحرك أو لم تتحرك كثيراً، كما في شتاء 2017/2018.
ليس من المستغرب، كما تلاحظ إيران واير  Iranwire، أنّ وكالات الأنباء الإيرانية لا تُنتج نفس أصداء أعمال الشغب التي وقعت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الكاضي. يلاحظ شاهد علوي أنّ البعض قاموا بالإبلاغ ولكن ليس بنفس الطريقة التي أبلغ بها الأفراد على الشبكات الاجتماعية. وقد أمرت الوكالات الحكومية بعدم ذكرها. لقد ذكرت وكالة ايرنا IRNA الاضطرابات في سرجان دون ذكر الضحايا. لكن بعد أربعة أيام من المظاهرات، اعترفت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام بوجود اعتقالات واسعة النطاق: في بعض المدن الكبرى، تم إجراء المئات من الاعتقالات، بما في ذلك أكثر من 60 في يزد. وقد أشار المتحدث باسم القضاء إلى أنّه قد تم اعتقال 100 من "قادة المظاهرات".

هل الحركة الحالية جزء من الحركة الطلابية لعام 1999 و"الموجة الخضراء" لعام 2009؟
من الواضح أنّ هذه الحلقة الجديدة لا علاقة لها بالحركة الطلابية لعام 1999، أو بأعمال الشغب والقمع الدموي الذي أعقب الاحتجاجات الهائلة للانتخابات الرئاسية لعام 2009، والتي سمح التلاعب فيها بالنصر الاحتيالي لفائدة أحمدي نجاد. لا تتشابه التركيبة الاجتماعية للمتظاهرين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 لا مع مطالب الحركات الطلابية لعام 1999 ولا مع رفض المصادرة المدبرة من قبل المرشد وحراس الثورة لانتصار مرشح إصلاحي في 2009.

اقرأ أيضاً: ما سر دعم إيران لحركتي حماس والجهاد؟
نحن أمام وجود انفجار شعبي عبّأ فئات يائسة متواضعة تدهورت ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق. إن سكان المناطق الفقيرة في البلاد، والأحياء الفقيرة فيه، هم الذين خرجوا إلى الشوارع. لقد وصلوا إلى القشة التي قصمت ظهر البعير من خلال الإعلان عن زيادة في الوقود والغاز التي ستخنقهم بشكل لا يطاق، مما يهدد وسائط تنقلهم نحو عملهم دون حل بديل، ومع الزيادات الأخرى التي ستدمّرهم. لقد غضب هؤلاء الناس المتواضعون من هذه التدابير التكنوقراطية.

على النقيض من ذلك، من الواضح أنّه في مدينة ضخمة مثل طهران، لم تشارك الطبقة البرجوازية في هذه المظاهرات الاحتجاجية، حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بعواقب العقوبات، في المظاهرات الجارية. هؤلاء الأثرياء يخشون، مثل قادة البلاد، الاضطرابات والعنف التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة. باختصار، هذه الطبقة الثرية لا تشعر بأنّها تتأثر بشكل حيوي بالشعارات والمطالب، حتى لو كانت فكرياً تفهم مضمون بعض هذه الشعارات. وصحيح  أيضاً أنّ الطلاب قد تحركوا قليلاً، خاصة في جامعة طهران وأصفهان وشيراز، لكنهم لا يمثلون الجزء الأكبر من المتظاهرين. يمكننا الاعتقاد أنّهم انضموا إلى المواكب المتظاهرة؛ لأنّهم لم يعودوا قادرين، مثل الآخرين، على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضاً: المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟
لسنا إذن أمام مطلب ديمقراطي ذي أولوية كما كان الحال في عامي 1999 و 2009. إنّه ضرورة اقتصادية ملحّة من أجل العيش والبقاء. لا يطالب المتظاهرون أوّلاً بحرية التعبير، وبالإصلاحات للمجتمع المدني، وبمكانة أفضل للنساء. إنّهم يريدون أن يكونوا قادرين على دفع تكاليف النقل والغذاء والمأوى والأدوية. الإيرانيون غاضبون؛ لأنّهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم: التدخلات في سوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله ومجموعات أخرى ومساعدة حماس إلخ.

اعتمادات مالية لمساجد مهجورة
المتظاهرون يشعرون بالسخط بسبب الإعانات والاعتمادات المالية المقدمة للهياكل الدينية التي يرون وكأنها طفيليات (إيران بلد غالباً ما تكون مساجدها مهجورة خارج المهرجانات الكبرى) ولرجال الدين الذين لا يطيقون إملاءاتهم. إنهم لا يفهمون لماذا يتم تمويل العديد من الهياكل (المؤسسات، منظمات الحرس الثوري) بشكل غير متناسب والتي لا تدفع ضرائب، أو تدفع قليلاً. إنّهم لا يطيقون قضايا الفساد التي يظل مرتكبوها دون عقاب؛ لأنّهم محميون من شخصيات بارزة في النظام. أخيراً، هناك ظاهرة كلاسيكية، وهم السكان البسطاء، خاصة في المقاطعات، الذين يقوضهم الشعور بتخلي السلطة المركزية غير المبالية بأوضاعهم، عنهم، إلا عندما يتعلق الأمر بقمع تعبير سخط الساخطين.

لم تشارك الطبقة البرجوازية في مدينة ضخمة مثل طهران في هذه الاحتجاجات حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بالعقوبات

إذا كان هؤلاء الساخطون ينتقدون الأمريكيين، فسخطهم لا يكون إلا فيما يتعلق بالعقوبات التي يرونها غير عادلة، والتي هم أول ضحاياها، في حين محظوظو النظام لا يتأثرون بعواقب العقوبات؛ بل ويستفيدون منها. إنهم يأخذون على الدولة سياستها الخارجية المتمثلة في التحدي والتي تؤدي إلى خنق البلد، وبشكل خاص أكثرها فقراً: فهذا الاحتجاج يسير في خط موجة أحداث شتاء 2017/2018 التي ترتبط بها بالعديد من أوجه التشابه وبعض الاختلافات النادرة. وفقاً لمريم سيناي (راديو فاردا)، يمكننا أيضاً مقارنة التطورات الأخيرة بأعمال الشغب في الأحياء الفقيرة في مشهد عام 1992 وإسلامهار، وهي من ضواحي طهران، في عام 1995 عندما أدت إصلاحات الرئيس رفسنجاني إلى زيادة التضخم إلى 50 في المائة.
وفي أحداث 2017/2018؟
كما في كانون الأول (ديسمبر) 2017، فإنّ "الأخبار السيئة" هي التي أشعلت أحداث العنف (2017، ارتفاع أسعار البيض، 2019 زيادة في سعر الوقود والغاز). في كلتا الحالتين، ضخّم اللومُ والانتقادات التي ذكرناها للتو، حجمَ السخط. وبالمثل، فإنّ التعبئة موجودة بشكل أساسي عند المجموعات السكانية المتواضعة، حتى لو اعتبر بعضُ المحللين أنّ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قد جمع فئات على نطاق أوسع قليلاً. إنّ إلقاء القبض على العديد من النشطاء النقابيين، بما في ذلك سبيده قليان Sepidehh Qolian، قد يوحي بذلك، لكن ليس لدينا ما يكفي من العناصر لتقدير حجم ذلك. لقد ازداد التدهور السريع للاقتصاد منذ فصل الشتاء السابق. إنّ شدة العقوبات (الحد الأقصى من الضغط) منذ الانسحاب الأمريكي، وانهيار الريال، والتضخم الذي يتصاعد بشكل كبير، كل هذا ينذر بالخطر (حوالي 40 ٪ ، ويصل إلى 70 ٪ مع بعض السلع)، أضرت أكثر بالمحرومين ( ارتفاع النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر) ولكنها تُوسّع أيضاً عدد السكان المعنيين.

لذلك ليس من المستغرب أن ينعكس هذا في علم اجتماع المتظاهرين. فكما كان الحال في 2017/2018، فإنّ امتيازات المؤسسات وبعض الهياكل التي ذكرناها للتو أعلاه، تعتبر في نظر الشعب غير محتملة. ولا يُستثنَى المرشد من ذلك. وكما أشار علي فتح الله نجاد في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) في مذكرة من معهد بروكينجز، فإنّ الادعاءات والشكاوى التي رافقت احتجاجات الشتاء السابق لا تزال قائمة.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
الأحداث الأخيرة لا تُظهِر أعراضاً عن وجود تنسيق واضح من أي جهة. باختصار، فكما في المشهد السابق، لا يوجد "قائد جوقة" لا في الداخل أو في الخارج، ولا حتى "مؤامرة أجنبية". لا تزال الطبيعة التلقائية للحركات نقطة مشتركة (يمكننا مع ذلك أن نتساءل عن الأعمال العنيفة النادرة من جانب المتظاهرين الذين لم يتضح أصلهم بعد: يائسون، ساخطون أو عملاء محرضون من المحافظين المتطرفين و / أو المصالح الموازية؟). ذكرت مريم سيناء أنّ المحتجين والمعارضين تحدوا الرواية الرسمية للمسؤولية عن أعمال العنف. إنّهم ينسبونها إلى عملاء الحرس الثوري وعملاء "مصالح" في زي مدني.

وفقاّ لها (أي مريم سيناء)، فهم يذكّرون أنّ حراس الثورة مثل الباسيج يمارسون بانتظام "مناورات حضرية" في المدن الكبيرة للتحضير لتحييد وإبطال مفعول المظاهرات. من جانبنا، لا يمكننا أن نحسم هذه القضية. لقد وجدنا أيضاً في الفترة الأخيرة امتناع الإصلاحيين و"المعتدلين" (أتباع روحاني) الذين لم يوافقوا على المطالب الاقتصادية وكانوا، هذه المرة، أكثر تردداً في الانضمام إلى الإجراءات التي تميزت بتجاوزات عنيفة.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
كما في عام 2017، لم تقتصر الشعارات على المطالبة بظروف معيشية أفضل. لقد وسّع المتظاهرون موضوعات شعاراتهم لتشمل مؤسسات ورؤساء النظام. لم تنجح الثورة في القضاء على الفقر، ومرة أخرى بدأ الشعب هذه المرة يفضح رؤوس النظام دون تمييز، معتدلين كانوا أو "متشددين". إنّه ينتقد روحاني، ولكن خامنئي أيضاً، ولا يتردد في حرق صور الرئيس كمرشد، ويصفه أحياناً كطاغية. سمعنا مرة أخرى: "عار على الطغاة" و"عدُوّنا موجود هنا، وليس في الولايات المتحدة" و"مباركة روح الشاه". هذه الشعارات والأعمال، اليوم كما كان الأمر من قبل، تشكل تحدياً للنظام، وليست مجرد امتداد للسخط الاجتماعي.

تجدر الإشارة إلى أنّ استحضار الشاه لا يعكس حركة جماهيرية تدعو إلى عودة الملكية، على عكس بعض الأوهام على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن حركة تطالب بنهايةٍ شيطانية مطلقة. في الواقع، هاجم غاضبون ساخطون ما يقرب من 9 مقرات دينية ومكاتب صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد. لقد احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم ("يجب أن يذهب رجال الدين إلى الجحيم")، كما من قبل، حيّزاً مرئيًا في المسيرات. يعتقد بعض المحللين أنّ هذه الهجمات تستهدف بالدرجة الأولى رجال الدين وليس الدين. لا تزال الاستمرارية موجودة في تحدي الالتزامات الإقليمية لإيران: أريد أن أعيش من أجل بلدي وليس لغزة، والمال للبلاد ليس للحرب، إلخ. الأجنبي لا يهم الشعب الذي يريد أن يُهتمّ به.

الإيرانيون غاضبون لأنهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم كالتدخلات بسوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله

مقارنة بموجات 2017/2018، يمكننا أن نسجل بعض الاختلافات. لم تكن نقطة الانطلاق مكاناً رمزياً ثابتاً مثل مشهد؛ حيث بدا أنّ إحدى مبادرات المتشددين بدأت لكي تتحدى روحاني في البداية، قبل أن تفلت من مروجيها تماماً.
ثانياً، في عام 2019، استعادت السلطات سريعاً سيطرتها على الموقف؛ حيث أعاق إغلاق الإنترنت التعبئة بشكل كبير. لكن على العكس من ذلك، وفقاً لعلي فتح الله نجاد، فقد ارتفع عدد المتظاهرين الذين قدرتهم الدولة بـ 42000 (وفقاً لوزارة الداخلية) إلى 87000 (وفقاً لجهاز الاستخبارات). هذا المحلل يلاحظ زيادة هائلة للمتظاهرين في شوارع طهران.
لقد ظهر اختلاف آخر ملحوظ: القمع الذي صار أكثر عنفاً؛ فالسلطات تريد أن تخنق هذه الحركة مباشرة قبل أن تتنامى وتعظم. لكن بشكل متماثل، وفقاً لنفس الخبير، أظهر المتظاهرون تصميماً متساوياً؛ حيث واجهوا دون خوف ودون تراجع قوات الشرطة، معبّرين عن غضبهم بشكل أكبر وأعمق بكثير. كانت حملة القمع معقدة بسبب تشتت المتظاهرين. لم يترددوا كثيراً في حرق صور المرشد، لكنهم هاجموا تمثال الإمام الخميني الأيقوني. كما هاجموا بعزم مكاتب الشرطة والباسيجي، ومكاتب أئمة المساجد، والبنوك.

لم تمنع هذه الأعمال القمعية الأكثر عنفاً، حسب المصادر نفسها، أنّ المظاهرات في مجملها كانت سلمية، حتى عندما كانت قوات الأمن تُفرِّقها بقسوة غير عادية. يبقى أنّ هذه الحلقة تترك قلقاً واضحاً حتى في داخل صفوف الجيش، حيث يدرك الموظفون فيه الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أقاربهم. أخيراً، يبدو أنّ جهات فاعلة جديدة قد ظهرت في هذا المشهد. إضراب البازار، الذي بدأ في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث لوحظت اضطرابات كثيرة، وهي ظاهرة يجب رصدها.

ماذا يمكن أن تكون العواقب نتيجة لهذه الحركات؟
سيث جونز Seth Jones ودانيكا نيولي Danika Newlee، وهما مؤلفان (CSIS) لدراسة مقارنة حديثة للاحتجاجات في إيران، لا يؤمنان عموماً بسيناريو انهيار النظام؛ لأن هذه الحركات لا مركزية للغاية، ومصالح الأمن المسؤولة عن القمع قوية جداً. لكنهما يشيران إلى أنّ الإدامة الخطيرة للمظالم تفرض على السلطات العامة أن تأخذها في الاعتبار بسرعة.
يبقى في رأينا، أنّ عوامل داخلية وعوامل خارجية خاصة تضيف عدم يقين إلى أي سيناريو: تطور الأزمة العراقية حيث أصبح الحِملُ الإيراني المهيمن محل خلاف أكثر فأكثر، وبداية محتملة للحوار لتخفيف التوتر مع العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: هل تقرر انتفاضة العراق مصير النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

لا يمكن للمرء التكهن بإمكانيات التفاوض الناجح بين طهران وترامب في ظل ظروف غامضة لكلا الجانبين، لكن لا شيء مستبعد. إنّ الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي هو السؤال الذي يطرح نفسه داخلياً (يدفع المتطرفون والباسدران في هذا الاتجاه) وخارجياً على السواء. إنّ مخرجاً كاملاً قد يُعقّد بشكل خطير علاقات إيران مع بقية العالم. إنّ أيّ تحسن محتمل لأي حوار مالي مشروط باعتماد البرلمان الإيراني لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، التي طلبتها فرقة العمل المالية لشهر شباط (فبراير) 2020 ، والتي يعارضها المتشددون وحراس الثورة. الباسدران، على وجه الخصوص، يرفضون التخلي عن دعم حزب الله.
الأمر متروك للمرشد لكي يتخذ القرار ويحسم الأمور. هناك حالة عدم يقين رئيسية أخرى: الانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها في الربع الأول من عام 2020. فالأغلبية الحالية، كتلة المحافظين البراغماتيين التابعة لعلي لاريجاني، ومعتدلي روحاني، والإصلاحيون الضعفاء والمنقسمون، متصدعة للغاية لصالح المحافظين الأكثر تشدداً. لا نعرف ما إذا كان علي لاريجاني سيمثل نفسه، في حين يحاول المرشدون، والباسدران، ومتشدّدو النظام، تهميشَ وإقصاء جميع عائلة لاريجاني، بمن فيهم صادق لاريجاني، الرئيس السابق لهيئة القضاء، المتهم بالفساد. كل ذلك في سياق خلَفِ المرشد حيث يمثل الريسي، رئيس السلطة القضائية، الشخصَ المفضل عند خامنئي، دون أن يكون محصناً أمام المنافسين.

في هذه الفترة من عدم اليقين المتعدد، فمن المفارقات أنّه لا يمكن أن نوصي الشركات، مع الحذر الواجب واحترام العقوبات، بالحفاظ على العلاقات مع شركائهم في سياق معقد للغاية. إنّ ندرة اليورو في إيران تزن بثقلها الكامل. بالنسبة للمجموعات المصدرة التي تنتمي إلى القطاعات غير الخاضعة للعقوبات (المنتجات الزراعية، المواد الغذائية الزراعية، الأدوية)، من الضروري مراقبة التنفيذ التدريجي لأداة اينستكس Instex (1) الأوروبية. هذه الأداة لا تستبعد استخدام آليات أخرى غير مصرفية (مثل المقاصة أو إعادة شراء الذمم المدينة، إلخ) التي يعمل عليها مختلف الخبراء. بالنسبة للشركات التي تمتنع عن أي صفقة مع إيران، يُنصح بتطوير علاقات غير رسمية غير تعاقدية (في القطاعات المعفاة)، مثل زيارات الوفود والدورات التدريبية المجانية، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران، العراق، لبنان... المسألة الشيعية
الهدف من ذلك هو الحفاظ على علاقة مستمرة مع المحاورين الإيرانيين حتى يكونوا قادرين على استعادة التعاون والمعاملات في وقت لاحق في المستقبل، وإذا تم تطبيع الوضع على المدى المتوسط، وفي حالة رفع العقوبات. هذه مجرد فرضية، لكن من غير المرجح أن تختفي إيران كدولة صناعية حتى على الرغم من الهزات غير المريحة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن جميع دول شبه الجزيرة العربية. ليس من العبث الرهان على مستقبل أمة تمتلك ثاني احتياطي الغاز العالمي.
 


الهوامش:
(1) اينستكس   INSTEXآلية دعم التبادل التجاري : Instrument in Support of Trade Exchanges، هي آلية مالية خاصة (SPV) أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 كانون الثامي (يناير) 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. يقع مقر الشركة في باريس، فرنسا، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لكومرتس بنك، بين عامي 2003 و 2014. في أيار (مايو) 2019، اقتصر استخدام آلية دعم التبادل التجاري على السلع الإنسانية؛ مثل شراء الأغذية أو الأدوية المحظورة..
في 11 شباط (فبراير) 2019، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أنّ بلاده ستسعى للمشاركة الكاملة في الآلية المشتركة لتسوية الحسابات المالية مع إيران، اينستكس.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ما هي الجماعات الإرهابية الأخطر على مستوى العالم؟

2019-12-04

ترجمة: علي نوار


شهد عام 2018 نشاطاً مطّرداً لجماعات إرهابية عدّة، لكن أكثرها خطورة كانت حركة طالبان، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف باسم "داعش"، وفرع تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان وجماعة بوكو حرام؛ حيث إنّها كانت الأكثر دموية وأوقعت عدداً أكبر من الضحايا.

اقرأ أيضاً: ذئب جسر لندن.. كيف أربك عثمان خان إستراتيجية مواجهة الإرهاب؟
وإجمالاً كانت هذه الجماعات مسؤولة عن مصرع تسعة آلاف و223 قتيلاً في هجمات إرهابية؛ أي ما يمثّل 57.8% من إجمالي ضحايا الإرهاب عام 2018. وفي العام 2012؛ أي قبل تصاعد وتيرة النشاط الإرهابي على مستوى العالم، تسبّبت هذه الجماعات الأربع في مقتل 29% من إجمالي ضحايا الإرهاب. أما قبل 10 أعوام، فقد كانت حركة طالبان هي الوحيدة التي لها وجود من بين التنظيمات الأربع المُشار إليها.

 

إنّ تحديد الجماعات الإرهابية الأنشط والمسؤولة عن الرقم الأكبر من القتلى ربما يكون عملية صعبة، نظراً لأنّ الكثير منها يحظى بفروع في مناطق أخرى وكذلك تنظيمات تربط بينها علاقة تحالف أو حتى تعمل معاً تحت إمرة قيادة واحدة بشكل جزئي. ويعتمد التحليل الفصل بين الجماعات بحيث لن يجرى دمج أي تنظيم بفروعه الموالية له. فعلى سبيل المثال سيُقصد بـ "داعش" تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" فقط وليس "ولاية خراسان" أو "ولاية سيناء"، حتى مع الروابط القوية بين التنظيمين. وبنفس الطريقة ستُحسب جماعة "الشباب" كتنظيم منفصل وليس فرعاً لتنظيم القاعدة.

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة في السواحل الأفريقية: الشتات الإرهابي واحتمالات المواجهة

شهد العقد المنصرم تصاعداً حثيثاً في النشاط الإرهابي هو الأكبر على مدار الأعوام الخمسين الأخيرة. لكن من بين الجماعات الأربع الأكثر دموية وخطورة عام 2018 كانت طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية في خراسان هما اللتان شهدتا تزايداً في أنشطتهما الإرهابية في العام الأخير.

طالبان
نشأت حركة طالبان في أفغانستان عام 1994 وكانت تضم في عضويتها المجاهدين الذين سبق لهم القتال ضد الغزو السوفييتي في 1979 إلى جوار قبائل البشتون. سيطر عناصر طالبان على أفغانستان في العام 1996. وأعلنت الجماعة قيام إمارة إسلامية في البلاد ومنحت زعيمها صلاحيات رئيس الدولة حتى 2001 حين أسقط تحالف بقيادة حلف شمال الأطلسي (ناتو) النظام الذي كان يُعتقد أنّه يوفّر الملاذ لتنظيم القاعدة. لكن بعد سقوط ذلك النظام، عاودت الحركة تنظيم نفسها على الجانب الآخر من الحدود مع باكستان ومنذ ذلك الوقت قادت عمليات ضد الحكومة الأفغانية وقوات المساعدة الدولية بقيادة الولايات المتحدة.

ومنذ 2001 بدأت حركة طالبان تدريجياً في استرداد سيطرتها على الأراضي في أفغانستان. وبحلول عام 2018 قُدّرت المساحة التي يسيطرون عليها بـ15% من إجمالي 229 منطقة، بينما لا تزال 119 منطقة أخرى محلّ نزاع. كما ارتفعت وتيرة النشاط الإرهابي المنسوب لطالبان بشكل ملحوظ في 2018 خاصّة بعد أن شنّت الجماعة هجمات في جميع ولايات أفغانستان وإحدى ولايات طاجيكستان.

ماذا حدث في 2018؟

في عام 2018 وصل عدد ضحايا العمليات الإرهابية التي نفّذتها حركة طالبان إلى رقم قياسي جديد. حيث أسقطت الحركة ستة آلاف و103 قتلى ذلك العام؛ أي بزيادة 71% مقارنة بحصيلة ضحاياها عام 2017. وبهدف تعزيز موقفها في مفاوضات مستقبلية من أجل السلام، اندفعت طالبان في جهود دموية لكسب مزيد من الأراضي عام 2018.

ارتفع العدد الإجمالي للهجمات التي شنّتها طالبان بنسبة 39% في العام الماضي ليصل إلى 972 اعتداء

وقد ارتفع العدد الإجمالي للهجمات التي شنّتها طالبان بنسبة 39% في العام المنصرم ليصل إلى 972 اعتداء. وباتت الهجمات أكثر دموية بمعدّل 6.3 حالة وفاة لكل هجوم، مقارنة بـ5.1 في 2017. ويُعتقد أنّ نصف تعداد سكّان أفغانستان- أي 15 مليون نسمة- يعيشون بمناطق تنشط فيها طالبان أو تنفّذ فيها هجمات بصورة متكرّرة.
وبينما كان العام دامياً بسبب عمليات طالبان في أفغانستان، شهد نشاط فرع الحركة على الجانب الآخر من الحدود في باكستان تراجعاً ملحوظاً في عدد ضحايا الإرهاب. فقد نفّذت طالبان باكستان إجمالاً 57 هجوماً راح ضحيتها 102 قتيل؛ أي بانخفاض نسبته 56% مقارنة بـ2017.

وبحلول 10 آب (أغسطس) من العام 2018 كانت حركة طالبان قد ارتكبت الاعتداء الإرهابي الأكثر دموية في ذلك العام بالهجوم على مدينة غزنة في أفغانستان والذي أودى بحياة 466 شخصاً. وسعت الحركة على مدار 2018  للتوسّع في الأراضي التي تسيطر عليها عن طريق الحصار المسلّح للمدن الاستراتيجية، والتي كان لها بالغ الأهمية في حصول طالبان على أراضي وموارد لوجيستية استغلّتها في التخطيط وشنّ هجمات دامية.

اقرأ أيضاً: هل صعود اليمين المتطرف مرتبط حقاً بتنامي تيار الإرهاب؟

ومقارنة بعام 2017، يمكن بسهولة رؤية كيف أنّ حركة طالبان توسّعت فيما هو أبعد من ميادين القتال الواقعة بالشطر الجنوبي من البلاد وباتت تنشط حالياً في جميع ولايات الشمال والشرق والغرب الأفغاني.

التكتيك المُفضّل

كان الهدف الرئيس للحركة عام 2018 هو قوات الجيش والشرطة بنسبة 53% من الهجمات و59% من الضحايا. ولطالما كان التركيز على استهداف القوات النظامية ملمحاً أساسياً لعمليات طالبان كوسيلة لتقويض الدولة. ففي 2018 لقي ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف و600 عسكري مصرعهم جراء هجمات منسوبة للحركة. إلّا أنّ أغلب هذه الاعتداءات كانت تتمّ بشكل متقطّع، مثل؛ استهداف مباني ونقاط تفتيش أمنية، كما كانت الحركة مسؤولة كذلك عن سلسلة من الهجمات بالعبوات الناسفة.

أدرجت منظمة الأمم المتحدة "داعش" ضمن قائمة الجماعات التي تستخدم العنف الجنسي لأهداف استراتيجية وعلى نحو منهجي

على الجانب الآخر، قفز عدد الضحايا من المدنيين بنسبة 108%، من 548 قتيلاً عام 2017 إلى ألف و140 في عام 2018. ونُفّذت أغلب الهجمات ضد المدنيين بواسطة المتفجّرات والتي ارتفعت وتيرتها أيضاً بـ49% مقارنة بالعام 2017. فبعد تراجع نسبة الضحايا المدنيين عام 2017، يظهر اهتمام طالبان المتجدّد بالأساليب التوسّعية. وسقط أغلب القتلى المدنيين خلال عمليات واسعة النطاق للجماعة في قرى ومدن مثل غزنة وفراه.

لا تزال الهجمات بالأسلحة والقنابل أبرز الأساليب القتالية لطالبان. وبينما تراجعت نسبة الاعتداءات بالمتفجرات بصورة طفيفة، تزايدت الهجمات المسلّحة بنسبة 23%. بالمثل، تزايدت حالات الاختطاف بشكل ملحوظ بنسبة 92% مقارنة بعام 2017، وكانت في غالبيتها موجّهة لأفراد الشرطة والجيش، ثم المدنيين وراءهم.

"الدولة الإسلامية في العراق والشام"

للمرة الأولى منذ 2014، لا يأتي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصارا باسم "داعش"- على رأس قائمة المنظّمات الإرهابية الأكثر خطورة في العالم. تعود جذور التنظيم إلى وحدات شعبية مسلّحة في العراق مطلع عام 2000، والتي كانت فيما بعد نواة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق. وبعد تشكيله في 2010، ضمّ بقايا تنظيم القاعدة في العراق وأفراداً سابقين مستبعدين من ميليشيات (الصحوة) التي درّبتها الولايات المتحدة بغرض دعم العمليات الأمريكية الهادفة لتفكيك تنظيم القاعدة في العراق قبل خروج القوات الأمريكية عام 2010.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟

كشف "داعش" عن نفسه رسمياً في 2014 حين أعلن زعيمه أبو بكر البغدادي قيام خلافة إسلامية في أجزاء من العراق وسوريا، وبعد السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي في شمال العراق، أصبح التنظيم مسؤولًا عن مقتل 27 ألف و947 ضحية. وتبلغ النسبة 80% في العراق، و17% في سوريا.

ماذا حدث في 2018؟

تسبّب "داعش" عام 2018 في مقتل ألف و328 شخصاً؛ أي بتراجع نسبته 69% مقارنة بالعام الذي سبقه و85% منذ وصوله لذروة وحشيته في 2016. يُعزى هذا الانخفاض الحاد في النشاط الإرهابي للتنظيم خلال العامين الماضيين بصورة أساسية إلى الانتصارات التي حقّقتها القوات المحلية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، اللذان أنزلا هزائم عسكرية كبيرة بالتنظيم سواء في سوريا أوالعراق. وبخلاف نشاطه في الأراضي العراقية والسورية، تقلّصت رقعة عمله عالمياً أيضاً. ففي عام 2018 اقتصر نشاط "داعش" على خمس دول، رغم أنّه كان يحظى بوجود في 10 دول عام 2017، و15 دولة عام 2016.

كما أنّه على الرغم من شنّ تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام لـ6% فقط من هجماته عام 2018 في سوريا، إلّا أنّ هذه الاعتداءات أسقطت 36% من ضحاياه في ذلك العام. وكان ذلك نتيجة لسلسة من العمليات الدامية في سوريا، وكذلك عدد ملحوظ من الهجمات الفاشلة في العراق. وأوقعت 38% تقريباً من الهجمات في العراق صفر ضحايا، بينما كانت حصيلة 25% من الاعتداءات قتيلاً واحداً. أما الاعتداء الأكثر دموية لـ "داعش" في عام 2018 فكان ذلك الذي وقع بمحافظة دير الزور السورية حيث هاجم 10 انتحاريين يستقلّون أربع عربات مفّخخة تجمّعاً من الأشخاص ليقع 51 قتيلاً.

جاءت "بوكو حرام" رابعة في تصنيف أخطر منظمة إرهابية في 2018 والأكثر دموية على مستوى أفريقيا جنوب الصحراء

بيد أنّ هزيمة "داعش" في العراق وسوريا وضعت حكومات العالم في مأزق لا سيما كيفية التعامل مع المواطنين الذين تركوا دولهم كي ينخرطوا في صفوف هذا التنظيم. ولا يزال آلاف المقاتلين الأجانب قابعين بمنطقة حرب تحت سيطرة تحالف "قوات سوريا الديمقراطية". لكن الكثير من الحكومات لا تبدو مرحّبة باستعادة مواطنيها المتطرّفين. فمن بين إجمالي 41 ألف و490 مقاتلاً أجنبياً تسنّى تسجيلهم، لم يتمكّن سوى 18% من العودة إلى بلدانهم الأصلية.

ورغم الانحسار الكبير في نشاط تنظيم "الدولة الإسلامية" بالعراق والشام، ما زال عدد أفرعه والتنظيمات الموالية له خارج العراق وسوريا آخذاً في التزايد، وكذلك عدد الجماعات التي أقسمت الولاء له. كما يستمرّ تأثير "داعش" في جنوب آسيا، ممثّلاً في تنظيم "الدولة الإسلامية"-ولاية خراسان- ثالث أخطر تنظيم إرهابي في 2018، وكذلك شمال وغرب أفريقيا عبر تنظيم "الدولة الإسلامية" في الصحراء الكبرى- تاسع أخطر تنظيم إرهابي.

التكتيك المفضّل

اكتسب "داعش" جزءاً من شهرته نتيجة عمليات الاختطاف وبتر الرؤوس التي ارتكبها بحق عدد من رهائنه، وبعضهم صحفيون عالميون، ونشر مقاطع فيديو لهذه الجرائم عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وعلاوة على استعماله التكتيكات الإرهابية "التقليدية"، أدرجت منظمة الأمم المتحدة "داعش" ضمن قائمة الجماعات التي تستخدم العنف الجنسي لأهداف استراتيجية وعلى نحو منهجي.

بوكو حرام

جماعة بوكو حرام أو المعروفة رسمياً باسم "جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد"، لا تزال تظهر مؤشّرات على تراجع نشاطها منذ وصوله لذروته في 2014. ورغم ذلك، لكنّها جاءت رابعة في تصنيف أخطر منظمة إرهابية في 2018، والأكثر دموية على مستوى أفريقيا جنوب الصحراء.

تتبنّى "بوكو حرام" استراتيجية حثيثة لتجنيد النساء والأطفال كإرهابيين انتحاريين وتفعل ذلك بالقوة أحياناً

فمنذ صعودها عام 2009، كانت بوكو حرام مسؤولة عن مقتل آلاف الأشخاص في جميع إقليم بحيرة تشاد بغرب أفريقيا. وتسبّب النشاط الجهادي السلفي المسلّح في مصرع 35 ألف شخص سقطوا خلال معارك، إضافة إلى 18 ألف نتيجة عمليات إرهابية منذ 2011، وبصورة رئيسة في نيجيريا. وتنشط الجماعة بشكل أساسي في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، إلّا أنّها نفّذت بالمثل عمليات في بوركينا فاسو والكاميرون.

يُعدّ الطابع الديمغرافي أحد الخصائص المميّزة لجماعة بوكو حرام بين المنظّمات الإرهابية الأخرى؛ حيث يدخل في عضوية التنظيم وبنسب غير مألوفة النساء والأطفال. وتمثّل النساء نسبة الثلثين من الإرهابيين الانتحاريين في بوكو حرام، وواحدة من كل ثلاث نساء هن قاصرات.

ماذا حدث في 2018؟

أدّت الخلافات الداخلية إلى انقسام "بوكو حرام" لعدة فصائل تبدو متناحرة فيما بينها الآن. لكن الفصيل الأكبر هو "ولاية غرب أفريقيا" من تنظيم "الدولة الإسلامية" المرتبط بتنظيم "داعش" ويقوده أبو مصعب البرناوي. ومن الواضح أنّ تنظيم "الدولة الإسلامية"-ولاية غرب أفريقيا، يسيطر على الأراضي الواقعة على ضفاف بحيرة تشاد ويجمع الضرائب في شمال غربي نيجيريا. أما الفصيل الغريم لـ"ولاية غرب أفريقيا" فهو ذلك الذي يتزعّمه أبو بكر شيكاو. في المقابل، يركّز تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" على استهداف القوات المسلّحة والموالية لحكومة نيجيريا، فيما يُعرف عن تنظيم شيكاو اعتباره لأي مسلم لا يبايعه كهدف محتمل. ويُعتقد أنّ هذا الاختلاف هو الدافع وراء الانقسام الذي حدث.

ومن حيث ضحايا جماعة "بوكو حرام"، فقد تراجعت النسبة بـ42% عام 2018 مقارنة بالعام الذي سبقه، وترتفع نسبة الانخفاض لـ89% إذا ما قورنت بذروة نشاط الحركة التي كانت في عام 2014. بالمثل، انخفض عدد الضحايا الذين يسقطون في كل اعتداء لـ"بوكو حرام" من 15 قتيلًا في الهجوم الواحد، إلى أربعة على مدار الأعوام الخمسة الأخيرة. لكنّ الحركة لم تغيّر مسرح عملياتها بشكل جذري، حيث وقعت 85% من هجماتها عام 2018 داخل الأراضي النيجيرية.

اقرأ أيضاً: زيادة عدد الدول المتأثرة بالإرهاب

وتتمثّل أكبر جهود مكافحة "بوكو حرام" في القوات المشتركة التي تعمل بالتنسيق مع الجيش النيجيري. وقد أسهمت العمليات التي شنّتها هذه القوات- من دول بنين والكاميرون وتشاد والنيجر إضافة إلى نيجيريا- عامي 2015 و2016 في تجريد "بوكو حرام" من مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت الحركة تسيطر عليها، فضلًا عن إضعاف الجماعة بشكل كبير. لكن ورغم استمرار القوات المسلّحة المشتركة في تحقيق الانتصارات المتتالية عسكرياً على حساب "بوكو حرام"، إلّا أنّ الجماعة كانت سبباً في مقتل 615 شخصاً خلال اشتباكات في الأشهر الثمانية الأولى فقط من عام 2019.

التكتيك المفضّل

تشتهر "بوكو حرام" بتفضيلها لتنفيذ هجماتها باستخدام العبوات الناسفة شديدة الانفجار، إضافة إلى العمليات الانتحارية. والأخيرة تحديداً تعُدّ تكتيكاً إرهابياً غير شائع في أفريقيا جنوب الصحراء. ورغم دمويتها، لا تُعتبر العمليات الانتحارية السبب الرئيس في مقتل ضحايا الجماعة؛ فأغلب الانتحاريين من الحركة لا يستطيعون تفجير القنابل التي يحملونها، وحتى إن تمكّنوا من فعل ذلك يكون معدّل القتلى أقلّ بكثير من جماعات إرهابية أخرى.

إلّا أنّ "بوكو حرام" نفّذت العدد الأكبر من الهجمات الانتحارية مقارنة بأي جماعة إرهابية أخرى عام 2018، وأسقط هذا النوع من الاعتداءات 19% من ضحايا "بوكو حرام"، مقارنة بـ38% لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام.

اقرأ أيضاً: الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية

كما تتبنّى "بوكو حرام" استراتيجية حثيثة لتجنيد النساء والأطفال كإرهابيين انتحاريين وتفعل ذلك بالقوة أحياناً. وقد انتبه قادة الجماعة للمميزات الاستراتيجية الكامنة في تجنيد مزيد من النساء والقصّر. ففرص انكشاف أمر النساء أقل بكثير من مثيلتها بالنسبة للرجال، خاصة في دول تتشكّل قواتها النظامية بصورة كاسحة من الرجال وتوجد بها لوائح تميّز بين الجنسين، بينما يندر الاشتباه في الأطفال. وبالفعل كانت العمليات الانتحارية التي نفّذها أطفال ضد محطّات للحافلات أو أسواق تجارية، هي صاحبة الحصيلة الأكبر من القتلى إذا ما قورنت بتلك التي شنّها البالغون.

تنظيم "الدولة الإسلامية"- ولاية خراسان

يُعدّ تنظيم "الدولة الإسلامية"- ولاية خراسان فرعاً من تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام، ينشط في أفغانستان وباكستان والهند. وبوصفه فرعاً من "داعش"، يسعى تنظيم "ولاية خراسان" لإقامة خلافة في إقليم خراسان الذي يشمل أجزاء من إيران وآسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان.

ظهر تنظيم "ولاية خراسان" في 2014 على يد مسلّحين محليين وعناصر في حركة طالبان الباكستانية وأعضاء سابقين في جماعة "لشكر إسلام" أو "جيش الإسلام" السلفية الجهادية. ويتركّز الجانب الأكبر من نشاط "ولاية خراسان" الإرهابي في أفغانستان وباكستان، حيث راح ضحية هجماته ألفان و800 قتيل خلال 419 عملية إرهابية منذ عام 2014.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

وفي كانون الثاني (يناير) 2015، أقسم "ولاية خراسان" الولاء لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام". وبعد خسارة الأخير للأراضي التي كانت تخضع لسيطرته في كل من العراق وسوريا، سهّل تنظيم "الدولة الإسلامية" عمليات إرسال عناصره إلى تنظيم "الدولة الإسلامية في خراسان" بأفغانستان. وبوصفه فرعاً لـ"داعش"، يعمل التنظيم على استلهام تكتيكاته في العمليات التي ينفّذها سواء محلّياً أو عالمياً. وقد حذّرت منظمة الأمم المتحدة من خطط إرهابية تم إفشالها في أوروبا عام 2018 وكان تنظيم "ولاية خراسان" يدبّر لشنّها.

لكن التوسّع الحثيث لـ"ولاية خراسان" في جنوب آسيا قوبل بعدائية من قبل التنظيمات الأصولية النشطة في المنطقة بالفعل، وعلى رأسها حركة طالبان. والواقع أنّ تصاعد وتيرة نشاط "ولاية خراسان" في أفغانستان يهدّد بوأد محادثات السلام بين "طالبان" والولايات المتحدة. وقُدّر عام 2018 أنّ تنظيم "ولاية خراسان" يمتلك قوات مقاتلة يتراوح قوامها بين 600 و800 فردًا، ما يعدّ تراجعاً كبيراً مقارنة بعام 2016 حين كان التنظيم يحظى بعدد يتراوح بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف مقاتل.

ماذا حدث في 2018؟

كان 2018 هو العام الأكثر دموية بالنسبة لتنظيم "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان". فقد ازداد عدد ضحايا هجماته الإرهابية بنسبة 24% حيث قفز الرقم من 891 قتيلاً عام 2017 إلى ألف و60 قتيلاً عام 2018. ومن بين ألف و60 من ضحايا التنظيم، سقط 75% جراء عمليات شنّت على الأراضي الأفغانية. وتأتي باكستان في المركز الثاني بـ241 قتيلاً، تليها الهند بخمسة قتلى. ولا يزال تنظيم "ولاية خراسان" هو ثاني أكثر تنظيم دموي في جنوب آسيا للعام الثالث على التوالي.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟

وعلى الرغم من ارتفاع عدد الضحايا، إلّا أنّ عدد الهجمات انخفض، ما يرفع بالتالي معدّل الضحايا لكل هجوم ويزيد من وطأة خطورة "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان". فقد نفّذ التنظيم 125 هجوماً عام 2018، مقارنة بـ148 اعتداء في العام 2017. وأخذ معدّل الضحايا لكل هجوم في الازدياد بشكل مستمر، من قتيل واحد لكل عملية، وصولاً إلى 8.5 ضحية لكل هجوم في 2018.

أما في باكستان، فقد ارتفع معدّل الضحايا بشكل مأساوي من 6.3 ضحية لكل هجوم عام 2017 إلى 12.1 ضحية لكل هجوم في 2018.

لكن، واعتباراً من 2018، تعرّض التنظيم لضغط عسكري مكثّف من قبل قوات الأمن الأفغانية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. بيد أنّ "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان" لا يزال يحتفظ بوجود في شرق وشمال أفغانستان، فضلاً عن خلايا نائمة في العاصمة كابول، وكذلك في مدينتي هرات وجلال أباد. بينما يقع الجانب الأعظم من العمليات المنسوبة لـ"ولاية خراسان" بولاية ننكرهار في الشرق الأفغاني حيث يتمتّع التنظيم بهيمنة مطلقة. فيما سقط أغلب ضحايا "ولاية خراسان" عام 2018 بكابول في أفغانستان وبارتفاع قدره 61% مقارنة بعام 2017.

التكتيك المفضّل

على غرار "داعش"، يعتمد تنظيم "ولاية خراسان" بصورة كبيرة على القنابل والمتفجّرات في عملياته بنسبة 59%. وقد أودت هذه الهجمات بحياة 881 شخصاً في عام 2018. بالمثل، يشنّ التنظيم اعتداءات بالأسلحة النارية وعمليات قتل واختطاف بحقّ المدنيين وقوات الشرطة والجيش وأهداف حكومية. ومن 125 هجوماً وقعت عام 2018 كانت 36% منها انتحارية؛ أي ما يمثّل ارتفاعاً بمقدار 50% مقارنة بالعام الذي سبقه. وقد أوقعت العمليات الانتحارية بالعبوات الناسفة التي ارتكبها "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان" في أفغانستان 9% من إجمالي ضحايا العمليات الإرهاب في مجملها عام 2018.

لا يزال تنظيم "ولاية خراسان" هو ثاني أكثر تنظيم دموي في جنوب آسيا للعام الثالث على التوالي

واستهدفت أغلب عمليات "ولاية خراسان" المدنيين بصورة رئيسة حيث سقط 292 ضحية، بزيادة 139% في 2018 عن العام الذي سبقه. وبينما ارتفع عدد الضحايا من المدنيين، انخفضت وتيرة العمليات ضدهم من 47 هجوماً عام 2017 إلى 32 اعتداء عام 2018. ومثله في ذلك مثل "داعش"، ينتهج "ولاية خراسان" العنف الطائفي؛ حيث يركّز عند استهدافه المدنيين على أبناء الطائفة الشيعية من المسلمين.
وفي أفغانستان، كثّف تنظيم "الدولة الإسلامية-ولاية خراسان" من عملياته ضد الأهداف الحكومية، ليتضاعف عددها في 2018 عما كانت عليه في 2017. وفي ننكرهار، ارتفعت وتيرة العمليات الموجّهة ضد الحكومة بنسبة 240% خلال 2018، بينما تراجعت حدّة الاعتداءات التي تستهدف المدنيين بنسبة 35%. وكانت أغلب الاعتداءات التي ضربت أهدافاً حكومية رداً على الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 حين قُتل 156 شخصاً في كابول.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/33KJ31e

للمشاركة:

الإسرائيليون لا يريدون نتنياهو: هل اقتربت النهاية؟

2019-12-02

ترجمة: إسماعيل حسن


يسابق رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، بنيامين نتنياهو، الوقت؛ في محاولة للحفاظ على مكانته السياسية في أعقاب اتهامه بالرشوة والاحتيال، وما تشكّله التهم الموجّهة ضدّه من خطر على إمكانية تشكيله للحكومة المقبلة، وبينما يسعى نتنياهو إلى ضمان المصادقة على قانون الحصانة البرلمانية، وعدم تقديم لائحة اتّهام ضدّه، بات الداخل الإسرائيلي يعيش حالة من الفوضى العارمة والانقسام الداخلي، إزاء تعثّر الوصول إلى تشكيل حكومة تقود شؤون البلاد، وذلك بعد فشل كلٍّ من زعيمي حزبَي "كحول لفان" (بيني غانتس)، و"الليكود" (بنيامين نتنياهو)، اللذين حققا فوزاً متقارباً في انتخابات الكنيست في جولة الإعادة الثانية غير الحاسمة، الرئيس رؤوفين ريفلين سبق أن منح مهلة تحت سقف زمني محدّد لكلّ من غانتس ونتنياهو من أجل تشكيل الحكومة، لكن انتهاء المدة المحددة لكليهما دون أيّ تقدّم، دفع بالرئيس إلى إعطاء كلّ من الحزبين مهلة 21 يوماً إضافية وأخيرة، على أن يقوم أيّ من الأعضاء داخل الحزبين على تشكيل الحكومة، داعياً خلال ذلك الإسرائيليين للاستعداد لإجراء انتخابات ثالثة خلال العام حال فشلت المهلة.

اقرأ أيضاً: هل قطع نتنياهو تمدّد السحب الإيرانية إلى غزة؟
بنيامين نتنياهو، الذي يعدّ صاحب الولاية الأطول في تاريخ الحكم، لم يسعفه النجاح الذي حقّقه في الجولَتين الانتخابيتَين، الأولى والثانية، من تشكيل الحكومة، وأصبحت حياته السياسية على المحكّ، وذلك بعد أن بات مهدّداً بالسجن بعد تورطه بثلاث قضايا فساد؛ حيث كان لقرار المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي مندلبليت، بإصداره تهم تلقّي نتنياهو الرشوة والاحتيال في الملفات 4000 و1000 و2000 صدمة مدوية له ويقترب بشكل أكبر من السجن.

مأزق قانوني لإسرائيل
مراقبون يرون أنّ قرار التهم الموجهة إلى نتنياهو لا تهدّد مستقبله السياسي فقط؛ بل تعرض إسرائيل لمأزق قانوني، بينما ينصّ القانون الإسرائيلي على إمكانية معاقبة رئيس الوزراء بالسجن لمدة قد تصل إلى 10 أعوام بتهمة الرشوة، و3 أعوام بتهمة الاحتيال وانتهاك الثقة، وذلك إذا ثبت أنّه مذنب فعلاً، وبناء عليه؛ فإنّ نتنياهو، الذي نفى مراراً وتكراراً الاتهامات جملة وتفصيلاً، ووصف لائحة الاتهام بأنّها محاولة انقلاب، سيحارب بيديه وأسنانه كي يبقى في السلطة، وينجو من الإجراءات الجنائية، رغم إثبات تورّطه.

على نتنياهو إقناع النواب بأنّ المخالفات الموجهة إليه تمت خلال أداء مهماته وأنّ لائحة الاتّهام لم ترفع بنيّة طيبة

استطلاع للرأي أجرته القناة العبرية 12، بيّن أنّ ما نسبتهم 56% من الجمهور الإسرائيلي يعتقدون أنّه لا يجب على نتنياهو الاستمرار في منصبه، حتى إن أجريت انتخابات ثالثة فسيحصل بحسب الاستطلاع حزب كحول لفان "أزرق أبيض"، على 37 مقعداً، مقابل 30 مقعداً لليكود ومع ذلك سيخرج نتنياهو من الحياة السياسية ومصيره الحتمي هو السجن.
ونتيجة للتعثر الحاصل ونشوب الخلافات السياسية بين الأحزاب، بيّن الاستطلاع ذاته أنّ 90% من الإسرائيليين يرون أنّهم منقسمون، سياسياً ودينياً، وخلصت نتائج الاستطلاع إلى توجيه تهم إلى قادة الأحزاب بتورطهم بالخلافات القائمة وجرّ البلاد إلى انتخابات ثالثة؛ حيث يرى ما نسبتهم 42% أنّ نتنياهو يتحمل مسؤولية التورط في إجراء انتخابات جديدة، بينما يرى 35%؛ أنّ أفيغدور ليبرمان زعيم إسرائيل "بيتنا" هو المسؤول عن إجراء الانتخابات، في حين أنّ ما نسبتهم 4% اتّهموا غانتس بذلك، وفور إعلان المستشار القضائي للحكومة اتّهام نتنياهو ونشر مضمون لوائح الاتّهام ضدّه، التي شملت تهم تلقّي رشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، خرج حزب الليكود بحملة واسعة لدعم رئيس الوزراء في مواجهة حملة اليسار وحزب العمل، المطالِبة باستقالته، في حين رأى وزير المواصلات يسرائيل كاتس، أنّ نتنياهو من أكثر رؤساء الحكومات الذين ضحوا بحياتهم من أجل أمن إسرائيل وتعزيز مكانتها الدولية، وتوجه إلى اليسار قائلاً إنّه طالما لا يوجد مانع قانوني لولاية نتنياهو كرئيس للحكومة، فإنّ بإمكانه البقاء في منصبه، وفقط الجمهور وأعضاء الكنيست هم الذين سيحسمون بشكل ديمقراطي من يقود إسرائيل في فترة التحديات هذه المليئة بالمخاطر.  

لماذا يناور نتنياهو؟

الكاتب والمحلل السياسي، رامي ليفني، يقول: إنّ نتنياهو يناور ويرتكب أخطاء كبيرة وخطيرة في حملاته الانتخابية، ولا يعلم بالمقابل أنّ ما يفعله لا يعدّ هيناً على الإسرائيليين، نتنياهو، بحسب ليفني، غامر باغتيال قائد أركان حركة الجهاد الإسلامي، وأدخل البلاد في مأزق سياسي وتوقفت الحياة ثلاثة أيام نتيجة وابل الصواريخ الذي أطلقته منظمة الجهاد الإسلامي، وبعد أن توقفت الصواريخ بات السؤال: ما هي مكاسب وخسائر نتنياهو من عملية الاغتيال؟ وهل نجح في الظهور بشخصية سيد الأمن وفي أن يضيف إلى رصيده الانتخابي والسياسي أمام خصومه مقابل ما حظي به من خسائر سياسية وأمنية؟ بالتأكيد لم يحقق شيئاً، وأشار إلى أنّ من بين الأضرار المتكررة التي تسبّب بها بنيامين نتنياهو للمجتمع الإسرائيلي، هو العمى المتعمد الذي سلكه تجاه الفلسطينيين، لم يفهم نتنياهو الفلسطينيين يوماً ما، وذلك لأنّه غير قادر على فهم الآخر؛ بسبب مصالحه السياسية.

يواجه نتنياهو معضلة خسرانه حزب الليكود، الذي تزعمه لأعوام طويلة؛ حيث هدّد عدد من أعضاء الحزب بإخراج نتنياهو منه

عدم الفهم هذا لم يبقه لنفسه، بل قاد حملة تجهيل مستمرة هدفها أن يجتث من وعي الجمهور كلّ آثار للتفكير العقلاني الذي يرتكز إلى الحقائق في موضوع النزاع، هذا الجهد نجح نجاحاً باهراً بعد أكثر من 13 عاماً لنتنياهو. يشاهد الإسرائيلي العادي التلفزيون، ولا يميز بين يمينه ويساره، ولا يهتم بالفرق بين حماس والجهاد وفتح، فهم جميعاً الشيء نفسه، ويملّ من المناورات السياسية الضعيفة للفلسطينيين، وبالتأكيد غير قادر على أن يصوغ لنفسه فهماً مستقلاً ومنفصلاً عن الدعاية الحكومية، نتنياهو لم يعد يستوعب أنّ إسرائيل منقسمة بين عرب ويهود، وأنّ العرب يشكّلون مليون ونصف المليون نسمة داخل إسرائيل، كان بإمكانه أن يستغل أصوات العرب لصالحه بدلاً من التحريض عليهم في كلّ جولة انتخابات، كما حدث قبيل جولة الانتخابات الثانية عندما وعد بضمّ الضفة الغربية إلى إسرائيل، كدعاية انتخابية لم تحقق له سوى العداء والكراهية من العرب.

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية؟

هكذا يوجه نتنياهو القطيع، الذي آمن جزء منه ذات يوم بالسلام وخرج للتظاهر من أجله، والذي يشمل أيضاً عدداً غير قليل من الشرقيين والخبراء والمراسلين للشؤون الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، الذين يملكون المعلومات، ولكن ليس نقص المعلومات المتاحة هو أساس المشكلة، وحتى ليس الصقورية الزائدة أو الخلل في معايير الأخلاق، إنّ أساس الموضوع هو عدم الرغبة في الإصغاء، إذ تضع نفسك في حذاء الآخر من خلال سياقه، إنّ التعامل مع وجهة النظر الفلسطينية يجب ألا ينبع فقط من حساسية غيرية بالتحديد، بل من دوافع نفعية قبل أيّ شيء آخر، إذا لم تصغِ للطرف الآخر فلن تتعامل بجدية مع أقواله، وتستطيع الاعتماد فقط على مواقفك المسبقة التي هي دائماً ناقصة.

لم يقم نتنياهو باختراع العمى

لم يقم نتنياهو باختراع العمى تجاه الفلسطينيين بشكل عام، فقد سبقه تقريباً جميع رؤساء الحكومات في ذلك، نذكر منهم؛ غولدا مائير، التي رفضت السلام مع مصر بذريعة أنّ أنور السادات غير مستعد لأيّ اتفاق، وحصلت على حرب يوم الغفران واتفاق سلام بعد بضعة أعوام، وإيهود باراك الذي تفاجأ عندما رفض ياسر عرفات اقتراحاته في موضوع القدس وعمق الانسحاب، وهي اقتراحات كان يمكننا أن نعرف مسبقاً أنّ الفلسطينيين لا يمكنهم الموافقة عليها، ورداً على ذلك قال باراك جملة "لا يوجد شريك"، وأقنع اليمين واليسار بسهولة، وحصل على الانتفاضة الثانية وعقدين من الجمود، أما نتنياهو فقد تفوق عليهم جميعاً، فالفلسطينيون بالنسبة إليه دمى؛ لذلك لا يوجد أيّ سبب للتعمّق في الفجوات الداخلية بينهم أو التغيرات التي حدثت في مواقفهم طوال الوقت، كلّ أقوالهم وأفعالهم تغطية على خططهم الخبيثة، وبحسب رأي ليفني؛ العامل الوحيد المهم في المواجهة مع الفلسطينيين هو القوة صحيح، ولكن أهمية القوة هي عبرة مهمة ومبررة ولا مثيل لها، وأنّ الشعب الإسرائيلي تعلّم من تاريخه الحزين، لكنّ رؤيته كمؤشر على أيّ شيء في العلاقات بين الشعوب دون الأخذ في الحسبان لعناصر أخرى، مثل المصالح القومية والاعتبارات السياسية والقيود الدولية، هي أمور غير منطقية.

اقرأ أيضاً: هل ينجح بيني غانتس فيما فشل فيه نتنياهو؟

يخطئ نتنياهو بشكل متعمد مرة تلو الأخرى، لقد صوّر القيادة الفلسطينية الحالية قيادة حربية ورافضة للتسوية، في الوقت الذي تظهر فيه الحقائق بصورة قاطعة، أنّ الرئيس محمود عباس ومحيطه يملكون المواقف الأكثر اعتدالاً، ومواقف الحدّ الأدنى التي كانت ذات يوم في المعسكر الفلسطيني، لقد حول طلب الاعتراف بإسرائيل كدولة إلى إثبات قاطع على تمسّكه بمؤامرتهم، كلّ ذلك في الوقت الذي وقعت فيه مصر والأردن على اتفاق سلام مع إسرائيل؛ إذ لم يطلب منهما هذا الاعتراف والفلسطينيون أنفسهم اعترفوا في السابق بإسرائيل رسمياً، عام 1993، لقد نشر الاعتقاد بأنّ الفلسطينيين يريدون القضاء على إسرائيل من خلال حقّ العودة، رغم أنّ كلّ شخص غير منحاز يمكنه أن يفهم من موافقتهم على المبادرة العربية، والتصريحات المتكررة الأخرى لزعمائهم بأنّهم تنازلوا فعلياً عن عودة اللاجئين، من يؤمن بالعقلانية ويعتقد أنّها مفتاح مهم للسياسة لا يمكنه أن يغفر لنتنياهو، فهو عدو للعبقرية الإسرائيلية، أما نحن فسنحتاج إلى أعوام من أجل إصلاح الأضرار التي سبّبها.

خسارة الحزب

في خضمّ ذلك؛ يواجه نتنياهو معضلة أخرى، تتعلق بخسرانه لحزب الليكود، الذي تزعمه لأعوام طويلة؛ حيث هدّد عدد من أعضاء الحزب بإخراج نتنياهو منه، نتيجة تورط زعيمهم بقضايا فساد تتعلق بخيانة الأمانة والرشوة والاحتيال، ونتيجة لحدة الخلاف القائم داخل الحزب، وافق نتنياهو على إجراء انتخابات داخلية لرئاسة الحزب، في وقت بدأ يرفض فيه البعض داخل الحزب تنحّي نتنياهو عن رئاسته.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
وبخلاف بقية أعضاء الليكود الذين يلتزمون الصمت في ذلك، يتحدّى عضو الكنيست، جدعون ساعر، كلّ أعضاء حزب الليكود أن يبقى نتنياهو قائداً للحزب، بعد تقديم المستشار القضائي لوائح اتهام ضدّه، لكنّ نتنياهو، الذي يشعر بخطر محقق يقترب منه، خرج للإعلام معلناً أنّ ما يحصل بحقه إنما هو انقلاب، وهاجم جدعون نتنياهو على خلفية التصريحات التي أدلى بها، والتي وصف فيها تقديم لوائح الاتهام ضدّه بأنّها محاولة انقلاب سلطوية، وأكّد ساعر أنّ نتنياهو لن ينجح في تأليف حكومة خلال الأيام الـ21 المقبلة؛ لذا يجب التوجه إلى انتخابات داخلية سريعة لحزب الليكود، وأشار إلى أنّه الشخص القادر على قيادة الحزب في هذه الفترة.

استطلاع للرأي أجرته القناة العبرية 12: 56% من الإسرائيليين يعتقدون أنّه لا يجب على نتنياهو الاستمرار في منصبه

في الوقت ذاته، قال حزب الليكود، في بيان صادر عنه: إنّه من المؤسف أنّه في الوقت الذي يسعى فيه رئيس الحكومة، نتنياهو، للحفاظ على أمن إسرائيل في كلّ الجبهات، ويسعى للحفاظ على حكم الليكود، يظهر جدعون، كعادته، انعدام ولاء، وأقصى قدر من التخريب، ودعا جدعون أعضاء الليكود للامتناع عن منح نتنياهو حصانة قانونية، مشدداً على حيوية حسم المحكمة بالتهم الخطيرة الموجهة له، وعلى خلفية تبادل الاتهامات جدّد أفيغدور ليبرمان هجومه على نتنياهو، وقال إنّه يقوم بهذه الأيام بالتحالف مع حركة حماس، مشيراً إلى استئناف نقل الأموال من قطر لها.

اقرأ أيضاً: بعد فشل اغتيال قاسم سليماني: قلق إسرائيلي من هجوم إيراني
في مقابل ذلك أكد خبراء وسياسيون، إلى جانب ساعر، قولهم: إنّ ما عدّه نتنياهو وقادة الليكود من احتمالات نجاحه في الاستمرار بمهمته والتوصل إلى وضع يشكل فيه حكومة، هو أمر بعيد من الواقع؛ إذ تقف أمامه عوائق، أبرزها الحصانة وقانونية تشكيل الحكومة، وفي جانب الحصانة يرى خبراء أنّ قانون حصانة نواب الكنيست وحقوقهم وواجباتهم، يقضي بأنّه يحقّ للنائب الذي يقرر المستشار القانوني رفع لائحة اتّهام ضدّه، أن يطلب من الكنيست في غضون 30 يوماً أن يقرر أنّه يملك حصانة ضدّ القانون الجنائي، بالتالي لا يمكن تقديمه إلى المحاكمة.
في حالة نتنياهو عليه أن يقنع النواب بأنّ المخالفات التي يتهم بها، تمت خلال أداء مهماته، وأنّ لائحة الاتّهام لم ترفع بنية طيبة ووفق القانون، يتم البحث في طلب نتنياهو بالحصول على حصانة في لجنة الكنيست، لكن منذ الانتخابات الأولى، التي أجريت في نيسان (أبريل) الماضي، لا توجد لجنة للكنيست، وهنا يطرح السؤال حول ما إذا كانت اللجنة التنظيمية التي تدير شؤون الكنيست، في الفترة التي لا تكون فيها لجنة كنيست فعلية، مخوّلة ببحث مثل طلب نتنياهو، أم إنّ ذلك سيؤجل إلى حين تشكيل هذه اللجنة، بعد بدء الكنيست بالعمل بشكل كامل؟ وفي هذه الحالة؛ إذا أعلن المستشار عدم أهلية نتنياهو لتشكيل حكومة، فلن يتمكن من الحصول على الحصانة.  


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف

https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-731068

https://www.maariv.co.il/news/politics/Article-731892

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-730979

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-05

ترجمة: مدني قصري


بعد أن حلّل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، في الجزء الأول من الحوار، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وردود الفعل من جانب السلطة، يعود في هذا الجزء إلى المتظاهرين وعددهم وأصولهم الجغرافية.

اقرأ أيضاً: قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
ويستحضر ماكينسكي، وهو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، أحداث عامي 1999 و2009 ويوضح مدى اختلاف الحركات الحالية تماماً، من حيث تأثيرها على فئات متواضعة يائسة تتدهور ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق.

هنا نص الحوار:

كم عدد المتظاهرين، حسب تقديرات السلطة؟ حسب المنظمات غير الحكومية؟ ما هي المدن التي تتأثر بهذا الشغب؟
ذكرت Iranhumanrights.org في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أنّ الاحتجاجات بدأت في 15 الشهر الماضي، في أكبر 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قزوين وتبريز وأوروميا، وسافه. وذكرت وكالة فارس في 18 الشهر نفسه أنّ حوالي 87000 شخص، وفقاً لأجهزة الاستخبارات، شاركوا حتى ذلك الحين في المظاهرات. وهي تدعي أنّ عصابات من مثيري الشغب المدرّبين هي المسؤولة عن أعمال العنف. وذكرت فارس 1000 حالة اعتقال. وذكرت نفس المصادر مجموعات من 50 إلى 1500 شخص تجمّعوا في 100 مدينة. زُعم أنّ معظم الأضرار حدثت في محافظات خوزستان وطهران وفارس وكرمان. ووفقاً لوكالة فارس فإنّ مستوى العنف والتدهور، أعلى من مستوى عنف شتاء 2017/2018. وأبلغ مسؤولو حفظ النظام، من جانبهم، عن تجمّعات في مشهد وسيرجان وخوزستان (على الرغم من وجود النفط، فهي منطقة فقيرة)، بما في ذلك الأهواز. وتؤكد مصادر أخرى (حقوق الإنسان في إيران) أنّ اضطرابات كثيرة قد اندلعت بالفعل في مناطق كثيرة. وذكر شاهد علوي (إيران واير)، أصفهان، ودزفول، وعميدية.

في شيراز، يوم السبت، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تسبّبت وفاة الشاب مهدي نيكوي في حدوث ردود فعل عنيفة. في خرمشهر، وفقاً لنفس المصادر، تصاعدت الاضطرابات وقتل شخصان، أحدهما شاب، على أيدي الشرطة. وكذلك الأمر في بهبهان التي شهدت 3 ضحايا.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم
محافظة كردستان الإيرانية هي أيضاً مضطربة للغاية، خاصة في سنندج، عاصمتها، وكذلك جافانرود في محافظة كرمانشاه، وماريفان، وفقاً لهينغاو، المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما تستشهد منظمة العفو الدولية، في تعدادها الذي بلغ 106 ضحايا، بالمواقع التالية: الأهواز، عبادان، بندر، مشهر وضواحيها  وهبهان، وبوكان، وبومهان، وأصفهان، وإسلامشر، وجافانرود، زكاراج، وكذلك كرمانشهر، وخورامشهر، وماريوان، وراهمورمز، ورباط كريم، وصدرة، وساننجاي، وشهريار، وشيراز، وسرجان، وطهران.

احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم حيّزاً مرئيًا في المسيرات

وقد ذكر راديو فاردا أيضاً الأحياء الفقيرة في مالارد، وشهر القدس Shahr Qods ، وشاردانجه قايل حسن خان وإسلام شهر في جنوب غرب طهران. يعكس هذا التوزيع التقسيم الكلاسيكي للحاضرة الكبرى. ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأحياء "الميسورة" في الشمال لم تتحرك أو لم تتحرك كثيراً، كما في شتاء 2017/2018.
ليس من المستغرب، كما تلاحظ إيران واير  Iranwire، أنّ وكالات الأنباء الإيرانية لا تُنتج نفس أصداء أعمال الشغب التي وقعت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الكاضي. يلاحظ شاهد علوي أنّ البعض قاموا بالإبلاغ ولكن ليس بنفس الطريقة التي أبلغ بها الأفراد على الشبكات الاجتماعية. وقد أمرت الوكالات الحكومية بعدم ذكرها. لقد ذكرت وكالة ايرنا IRNA الاضطرابات في سرجان دون ذكر الضحايا. لكن بعد أربعة أيام من المظاهرات، اعترفت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام بوجود اعتقالات واسعة النطاق: في بعض المدن الكبرى، تم إجراء المئات من الاعتقالات، بما في ذلك أكثر من 60 في يزد. وقد أشار المتحدث باسم القضاء إلى أنّه قد تم اعتقال 100 من "قادة المظاهرات".

هل الحركة الحالية جزء من الحركة الطلابية لعام 1999 و"الموجة الخضراء" لعام 2009؟
من الواضح أنّ هذه الحلقة الجديدة لا علاقة لها بالحركة الطلابية لعام 1999، أو بأعمال الشغب والقمع الدموي الذي أعقب الاحتجاجات الهائلة للانتخابات الرئاسية لعام 2009، والتي سمح التلاعب فيها بالنصر الاحتيالي لفائدة أحمدي نجاد. لا تتشابه التركيبة الاجتماعية للمتظاهرين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 لا مع مطالب الحركات الطلابية لعام 1999 ولا مع رفض المصادرة المدبرة من قبل المرشد وحراس الثورة لانتصار مرشح إصلاحي في 2009.

اقرأ أيضاً: ما سر دعم إيران لحركتي حماس والجهاد؟
نحن أمام وجود انفجار شعبي عبّأ فئات يائسة متواضعة تدهورت ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق. إن سكان المناطق الفقيرة في البلاد، والأحياء الفقيرة فيه، هم الذين خرجوا إلى الشوارع. لقد وصلوا إلى القشة التي قصمت ظهر البعير من خلال الإعلان عن زيادة في الوقود والغاز التي ستخنقهم بشكل لا يطاق، مما يهدد وسائط تنقلهم نحو عملهم دون حل بديل، ومع الزيادات الأخرى التي ستدمّرهم. لقد غضب هؤلاء الناس المتواضعون من هذه التدابير التكنوقراطية.

على النقيض من ذلك، من الواضح أنّه في مدينة ضخمة مثل طهران، لم تشارك الطبقة البرجوازية في هذه المظاهرات الاحتجاجية، حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بعواقب العقوبات، في المظاهرات الجارية. هؤلاء الأثرياء يخشون، مثل قادة البلاد، الاضطرابات والعنف التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة. باختصار، هذه الطبقة الثرية لا تشعر بأنّها تتأثر بشكل حيوي بالشعارات والمطالب، حتى لو كانت فكرياً تفهم مضمون بعض هذه الشعارات. وصحيح  أيضاً أنّ الطلاب قد تحركوا قليلاً، خاصة في جامعة طهران وأصفهان وشيراز، لكنهم لا يمثلون الجزء الأكبر من المتظاهرين. يمكننا الاعتقاد أنّهم انضموا إلى المواكب المتظاهرة؛ لأنّهم لم يعودوا قادرين، مثل الآخرين، على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضاً: المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟
لسنا إذن أمام مطلب ديمقراطي ذي أولوية كما كان الحال في عامي 1999 و 2009. إنّه ضرورة اقتصادية ملحّة من أجل العيش والبقاء. لا يطالب المتظاهرون أوّلاً بحرية التعبير، وبالإصلاحات للمجتمع المدني، وبمكانة أفضل للنساء. إنّهم يريدون أن يكونوا قادرين على دفع تكاليف النقل والغذاء والمأوى والأدوية. الإيرانيون غاضبون؛ لأنّهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم: التدخلات في سوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله ومجموعات أخرى ومساعدة حماس إلخ.

اعتمادات مالية لمساجد مهجورة
المتظاهرون يشعرون بالسخط بسبب الإعانات والاعتمادات المالية المقدمة للهياكل الدينية التي يرون وكأنها طفيليات (إيران بلد غالباً ما تكون مساجدها مهجورة خارج المهرجانات الكبرى) ولرجال الدين الذين لا يطيقون إملاءاتهم. إنهم لا يفهمون لماذا يتم تمويل العديد من الهياكل (المؤسسات، منظمات الحرس الثوري) بشكل غير متناسب والتي لا تدفع ضرائب، أو تدفع قليلاً. إنّهم لا يطيقون قضايا الفساد التي يظل مرتكبوها دون عقاب؛ لأنّهم محميون من شخصيات بارزة في النظام. أخيراً، هناك ظاهرة كلاسيكية، وهم السكان البسطاء، خاصة في المقاطعات، الذين يقوضهم الشعور بتخلي السلطة المركزية غير المبالية بأوضاعهم، عنهم، إلا عندما يتعلق الأمر بقمع تعبير سخط الساخطين.

لم تشارك الطبقة البرجوازية في مدينة ضخمة مثل طهران في هذه الاحتجاجات حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بالعقوبات

إذا كان هؤلاء الساخطون ينتقدون الأمريكيين، فسخطهم لا يكون إلا فيما يتعلق بالعقوبات التي يرونها غير عادلة، والتي هم أول ضحاياها، في حين محظوظو النظام لا يتأثرون بعواقب العقوبات؛ بل ويستفيدون منها. إنهم يأخذون على الدولة سياستها الخارجية المتمثلة في التحدي والتي تؤدي إلى خنق البلد، وبشكل خاص أكثرها فقراً: فهذا الاحتجاج يسير في خط موجة أحداث شتاء 2017/2018 التي ترتبط بها بالعديد من أوجه التشابه وبعض الاختلافات النادرة. وفقاً لمريم سيناي (راديو فاردا)، يمكننا أيضاً مقارنة التطورات الأخيرة بأعمال الشغب في الأحياء الفقيرة في مشهد عام 1992 وإسلامهار، وهي من ضواحي طهران، في عام 1995 عندما أدت إصلاحات الرئيس رفسنجاني إلى زيادة التضخم إلى 50 في المائة.
وفي أحداث 2017/2018؟
كما في كانون الأول (ديسمبر) 2017، فإنّ "الأخبار السيئة" هي التي أشعلت أحداث العنف (2017، ارتفاع أسعار البيض، 2019 زيادة في سعر الوقود والغاز). في كلتا الحالتين، ضخّم اللومُ والانتقادات التي ذكرناها للتو، حجمَ السخط. وبالمثل، فإنّ التعبئة موجودة بشكل أساسي عند المجموعات السكانية المتواضعة، حتى لو اعتبر بعضُ المحللين أنّ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قد جمع فئات على نطاق أوسع قليلاً. إنّ إلقاء القبض على العديد من النشطاء النقابيين، بما في ذلك سبيده قليان Sepidehh Qolian، قد يوحي بذلك، لكن ليس لدينا ما يكفي من العناصر لتقدير حجم ذلك. لقد ازداد التدهور السريع للاقتصاد منذ فصل الشتاء السابق. إنّ شدة العقوبات (الحد الأقصى من الضغط) منذ الانسحاب الأمريكي، وانهيار الريال، والتضخم الذي يتصاعد بشكل كبير، كل هذا ينذر بالخطر (حوالي 40 ٪ ، ويصل إلى 70 ٪ مع بعض السلع)، أضرت أكثر بالمحرومين ( ارتفاع النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر) ولكنها تُوسّع أيضاً عدد السكان المعنيين.

لذلك ليس من المستغرب أن ينعكس هذا في علم اجتماع المتظاهرين. فكما كان الحال في 2017/2018، فإنّ امتيازات المؤسسات وبعض الهياكل التي ذكرناها للتو أعلاه، تعتبر في نظر الشعب غير محتملة. ولا يُستثنَى المرشد من ذلك. وكما أشار علي فتح الله نجاد في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) في مذكرة من معهد بروكينجز، فإنّ الادعاءات والشكاوى التي رافقت احتجاجات الشتاء السابق لا تزال قائمة.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
الأحداث الأخيرة لا تُظهِر أعراضاً عن وجود تنسيق واضح من أي جهة. باختصار، فكما في المشهد السابق، لا يوجد "قائد جوقة" لا في الداخل أو في الخارج، ولا حتى "مؤامرة أجنبية". لا تزال الطبيعة التلقائية للحركات نقطة مشتركة (يمكننا مع ذلك أن نتساءل عن الأعمال العنيفة النادرة من جانب المتظاهرين الذين لم يتضح أصلهم بعد: يائسون، ساخطون أو عملاء محرضون من المحافظين المتطرفين و / أو المصالح الموازية؟). ذكرت مريم سيناء أنّ المحتجين والمعارضين تحدوا الرواية الرسمية للمسؤولية عن أعمال العنف. إنّهم ينسبونها إلى عملاء الحرس الثوري وعملاء "مصالح" في زي مدني.

وفقاّ لها (أي مريم سيناء)، فهم يذكّرون أنّ حراس الثورة مثل الباسيج يمارسون بانتظام "مناورات حضرية" في المدن الكبيرة للتحضير لتحييد وإبطال مفعول المظاهرات. من جانبنا، لا يمكننا أن نحسم هذه القضية. لقد وجدنا أيضاً في الفترة الأخيرة امتناع الإصلاحيين و"المعتدلين" (أتباع روحاني) الذين لم يوافقوا على المطالب الاقتصادية وكانوا، هذه المرة، أكثر تردداً في الانضمام إلى الإجراءات التي تميزت بتجاوزات عنيفة.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
كما في عام 2017، لم تقتصر الشعارات على المطالبة بظروف معيشية أفضل. لقد وسّع المتظاهرون موضوعات شعاراتهم لتشمل مؤسسات ورؤساء النظام. لم تنجح الثورة في القضاء على الفقر، ومرة أخرى بدأ الشعب هذه المرة يفضح رؤوس النظام دون تمييز، معتدلين كانوا أو "متشددين". إنّه ينتقد روحاني، ولكن خامنئي أيضاً، ولا يتردد في حرق صور الرئيس كمرشد، ويصفه أحياناً كطاغية. سمعنا مرة أخرى: "عار على الطغاة" و"عدُوّنا موجود هنا، وليس في الولايات المتحدة" و"مباركة روح الشاه". هذه الشعارات والأعمال، اليوم كما كان الأمر من قبل، تشكل تحدياً للنظام، وليست مجرد امتداد للسخط الاجتماعي.

تجدر الإشارة إلى أنّ استحضار الشاه لا يعكس حركة جماهيرية تدعو إلى عودة الملكية، على عكس بعض الأوهام على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن حركة تطالب بنهايةٍ شيطانية مطلقة. في الواقع، هاجم غاضبون ساخطون ما يقرب من 9 مقرات دينية ومكاتب صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد. لقد احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم ("يجب أن يذهب رجال الدين إلى الجحيم")، كما من قبل، حيّزاً مرئيًا في المسيرات. يعتقد بعض المحللين أنّ هذه الهجمات تستهدف بالدرجة الأولى رجال الدين وليس الدين. لا تزال الاستمرارية موجودة في تحدي الالتزامات الإقليمية لإيران: أريد أن أعيش من أجل بلدي وليس لغزة، والمال للبلاد ليس للحرب، إلخ. الأجنبي لا يهم الشعب الذي يريد أن يُهتمّ به.

الإيرانيون غاضبون لأنهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم كالتدخلات بسوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله

مقارنة بموجات 2017/2018، يمكننا أن نسجل بعض الاختلافات. لم تكن نقطة الانطلاق مكاناً رمزياً ثابتاً مثل مشهد؛ حيث بدا أنّ إحدى مبادرات المتشددين بدأت لكي تتحدى روحاني في البداية، قبل أن تفلت من مروجيها تماماً.
ثانياً، في عام 2019، استعادت السلطات سريعاً سيطرتها على الموقف؛ حيث أعاق إغلاق الإنترنت التعبئة بشكل كبير. لكن على العكس من ذلك، وفقاً لعلي فتح الله نجاد، فقد ارتفع عدد المتظاهرين الذين قدرتهم الدولة بـ 42000 (وفقاً لوزارة الداخلية) إلى 87000 (وفقاً لجهاز الاستخبارات). هذا المحلل يلاحظ زيادة هائلة للمتظاهرين في شوارع طهران.
لقد ظهر اختلاف آخر ملحوظ: القمع الذي صار أكثر عنفاً؛ فالسلطات تريد أن تخنق هذه الحركة مباشرة قبل أن تتنامى وتعظم. لكن بشكل متماثل، وفقاً لنفس الخبير، أظهر المتظاهرون تصميماً متساوياً؛ حيث واجهوا دون خوف ودون تراجع قوات الشرطة، معبّرين عن غضبهم بشكل أكبر وأعمق بكثير. كانت حملة القمع معقدة بسبب تشتت المتظاهرين. لم يترددوا كثيراً في حرق صور المرشد، لكنهم هاجموا تمثال الإمام الخميني الأيقوني. كما هاجموا بعزم مكاتب الشرطة والباسيجي، ومكاتب أئمة المساجد، والبنوك.

لم تمنع هذه الأعمال القمعية الأكثر عنفاً، حسب المصادر نفسها، أنّ المظاهرات في مجملها كانت سلمية، حتى عندما كانت قوات الأمن تُفرِّقها بقسوة غير عادية. يبقى أنّ هذه الحلقة تترك قلقاً واضحاً حتى في داخل صفوف الجيش، حيث يدرك الموظفون فيه الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أقاربهم. أخيراً، يبدو أنّ جهات فاعلة جديدة قد ظهرت في هذا المشهد. إضراب البازار، الذي بدأ في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث لوحظت اضطرابات كثيرة، وهي ظاهرة يجب رصدها.

ماذا يمكن أن تكون العواقب نتيجة لهذه الحركات؟
سيث جونز Seth Jones ودانيكا نيولي Danika Newlee، وهما مؤلفان (CSIS) لدراسة مقارنة حديثة للاحتجاجات في إيران، لا يؤمنان عموماً بسيناريو انهيار النظام؛ لأن هذه الحركات لا مركزية للغاية، ومصالح الأمن المسؤولة عن القمع قوية جداً. لكنهما يشيران إلى أنّ الإدامة الخطيرة للمظالم تفرض على السلطات العامة أن تأخذها في الاعتبار بسرعة.
يبقى في رأينا، أنّ عوامل داخلية وعوامل خارجية خاصة تضيف عدم يقين إلى أي سيناريو: تطور الأزمة العراقية حيث أصبح الحِملُ الإيراني المهيمن محل خلاف أكثر فأكثر، وبداية محتملة للحوار لتخفيف التوتر مع العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: هل تقرر انتفاضة العراق مصير النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

لا يمكن للمرء التكهن بإمكانيات التفاوض الناجح بين طهران وترامب في ظل ظروف غامضة لكلا الجانبين، لكن لا شيء مستبعد. إنّ الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي هو السؤال الذي يطرح نفسه داخلياً (يدفع المتطرفون والباسدران في هذا الاتجاه) وخارجياً على السواء. إنّ مخرجاً كاملاً قد يُعقّد بشكل خطير علاقات إيران مع بقية العالم. إنّ أيّ تحسن محتمل لأي حوار مالي مشروط باعتماد البرلمان الإيراني لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، التي طلبتها فرقة العمل المالية لشهر شباط (فبراير) 2020 ، والتي يعارضها المتشددون وحراس الثورة. الباسدران، على وجه الخصوص، يرفضون التخلي عن دعم حزب الله.
الأمر متروك للمرشد لكي يتخذ القرار ويحسم الأمور. هناك حالة عدم يقين رئيسية أخرى: الانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها في الربع الأول من عام 2020. فالأغلبية الحالية، كتلة المحافظين البراغماتيين التابعة لعلي لاريجاني، ومعتدلي روحاني، والإصلاحيون الضعفاء والمنقسمون، متصدعة للغاية لصالح المحافظين الأكثر تشدداً. لا نعرف ما إذا كان علي لاريجاني سيمثل نفسه، في حين يحاول المرشدون، والباسدران، ومتشدّدو النظام، تهميشَ وإقصاء جميع عائلة لاريجاني، بمن فيهم صادق لاريجاني، الرئيس السابق لهيئة القضاء، المتهم بالفساد. كل ذلك في سياق خلَفِ المرشد حيث يمثل الريسي، رئيس السلطة القضائية، الشخصَ المفضل عند خامنئي، دون أن يكون محصناً أمام المنافسين.

في هذه الفترة من عدم اليقين المتعدد، فمن المفارقات أنّه لا يمكن أن نوصي الشركات، مع الحذر الواجب واحترام العقوبات، بالحفاظ على العلاقات مع شركائهم في سياق معقد للغاية. إنّ ندرة اليورو في إيران تزن بثقلها الكامل. بالنسبة للمجموعات المصدرة التي تنتمي إلى القطاعات غير الخاضعة للعقوبات (المنتجات الزراعية، المواد الغذائية الزراعية، الأدوية)، من الضروري مراقبة التنفيذ التدريجي لأداة اينستكس Instex (1) الأوروبية. هذه الأداة لا تستبعد استخدام آليات أخرى غير مصرفية (مثل المقاصة أو إعادة شراء الذمم المدينة، إلخ) التي يعمل عليها مختلف الخبراء. بالنسبة للشركات التي تمتنع عن أي صفقة مع إيران، يُنصح بتطوير علاقات غير رسمية غير تعاقدية (في القطاعات المعفاة)، مثل زيارات الوفود والدورات التدريبية المجانية، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران، العراق، لبنان... المسألة الشيعية
الهدف من ذلك هو الحفاظ على علاقة مستمرة مع المحاورين الإيرانيين حتى يكونوا قادرين على استعادة التعاون والمعاملات في وقت لاحق في المستقبل، وإذا تم تطبيع الوضع على المدى المتوسط، وفي حالة رفع العقوبات. هذه مجرد فرضية، لكن من غير المرجح أن تختفي إيران كدولة صناعية حتى على الرغم من الهزات غير المريحة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن جميع دول شبه الجزيرة العربية. ليس من العبث الرهان على مستقبل أمة تمتلك ثاني احتياطي الغاز العالمي.
 


الهوامش:
(1) اينستكس   INSTEXآلية دعم التبادل التجاري : Instrument in Support of Trade Exchanges، هي آلية مالية خاصة (SPV) أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 كانون الثامي (يناير) 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. يقع مقر الشركة في باريس، فرنسا، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لكومرتس بنك، بين عامي 2003 و 2014. في أيار (مايو) 2019، اقتصر استخدام آلية دعم التبادل التجاري على السلع الإنسانية؛ مثل شراء الأغذية أو الأدوية المحظورة..
في 11 شباط (فبراير) 2019، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أنّ بلاده ستسعى للمشاركة الكاملة في الآلية المشتركة لتسوية الحسابات المالية مع إيران، اينستكس.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية