الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!

الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!
17862
عدد القراءات

2018-10-21

منذ أواخر السبعينيات، صعد التطرف الديني العنيف، وصحبته موجات من الكراهية والعنف تترجمت إلى عمليات إرهابية متوالية، ثم إلى صراعات وحروب أهلية طاحنة، عصفت بكثير من الدول والمجتمعات، واستنزفت موارد هائلة، ونشأت، في الوقت نفسه، عمليات واسعة للمواجهة والدراسة والفهم.

خلّفت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 المأساوية، كثيراً من الجراحات والندبات في عمق جسم المجتمع الدولي، وكانت بإجماع الكثير من علماء السياسة والعلاقات الدولية، والفلاسفة، بداية عصر جديد للمجتمع الدولي، ولم يقتصر تأثيرها على الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل شمل العالم كلّه.

اقرأ أيضاً: إرهاب "ما بعد" داعش.. ما شكل الوحش القادم؟

وتركت الحقبة التالية لتلك الأحداث القيامية (Apocalypses) كثيراً من التغيرات في "بنية" و"سلوك" الدول، بمختلف قارات العالم، وعلى رأس هذه التغيرات؛ الحرب التي لا تنتهي على الإرهاب العالمي، والتي رفعت راية الحرب العسكرية، واستخدام القوة الخشنة والعمليات الاستخبارية، واستخدام أحدث تقنيات مكافحة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين؛ من خلال التوسّع باستخدام آليات العولمة التكنولوجية، خاصة استخدام الذكاء الصناعي والطائرات بدون طيار.
للمرة الأولى في التاريخ، تسطّح المجمع الاستخباري العالمي، حتى أصبحت أجهزة مخابرات العالم، وكأنّها جهاز مركزي واحد، من خلال تشارك وتقاسم المعلومات الاستخبارية السرية.

يشهد العالم موجة توحش الإرهاب المعولم الذي تمثله تنظيمات مثل: داعش والقاعدة وغيرهما

في المقابل؛ أصبحت الأطراف الفاعلة، من غير الدول "الجماعات والمنظمات الإرهابية"، أكثر خطراً وفتكاً، وأخذت تهدّد الأمن والسلم العالميّين، والاقتصاد العالميّ، بالإضافة إلى برامج التنمية.

كان التوسع في برامج "إعادة التأهيل والإدماج" للإرهابيين من أهم النتائج الفورية التي أعقبت تلك الهجمات؛ حيث بدأت هذه البرامج بالانتشار في كثير من الدول التي عانت من خطر الإرهاب، وما تزال تعاني وترزح تحت تهديد خطر  الجماعات الإرهابية، خاصة الإسلاموية، بشقيها؛ السنّي والشيعي، والتي سيطرت على المشهد العالمي منذ أواخر السبعينيات، وانفلات موجة التطرف الديني العنيف، عقب ثورة الخميني في ايران، بعد عام 1979، حتى أصبح مفهوم الإرهاب العالمي اليوم مرتبطاً بالجماعات والمنظمات الإرهابية الإسلاموية.

اقرأ أيضاً: ما الجديد في إستراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب؟

وفي الوقت الذي انتشرت فيه برامج تأهيل وإدماج الإرهابيين، التي تشرف عليها الدولة، هناك قلة في الأدبيات والدراسات الأكاديمية والمسحية ودراسات الحالة، حول هذه البرامج، وأهميتها كجزء مهم في "المكافحة الناعمة" للتطرف العنيف والإرهاب.
الكتاب الذي نعرضه هنا، لأستاذ الدراسات الأمنية في سنغافورة، روهان جونارتنا (Rohan Gunaratna)، بمشاركة الباحثة والمحللة في "المركز الدولي لمكافحة العنف السياسي والإرهاب" في جامعة "نانينغ" التكنولوجية في سنغافورة، صبرية حسين (Sabariah Hussin)، يشكّل استثناءً يستحقّ الدراسة والتحليل، لأهميته القصوى في فهم هذا "الاتجاه" الحديث بمجال سياسات وإستراتيجيات مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، لا غنى للدول والمجتمعات عن دراسته وفهمه.

غلاف الكتاب

وتتألف الطبعة الأولى من الكتاب، المعنون بـ "International Case Studies of Terrorist Rehabilitation /دراسات الحالة الدولية في إعادة تأهيل الإرهابيين" الصادر العام 2018، عن دار النشر المعروفة (Routledge)، من 236 صفحة، وقد حرّره البرفسور روهان، بالتعاون مع الباحثة صبرية  حسين،  باقتدار وحرفية عالية، وهي من تقديم لخبير مكافحة الإرهاب المعروف عالمياً، والمستشار لمدير مؤسسة  "راند"، براين مايكل جنكينز (Brian Michael Jenkins)، وبمقدّمة خاصة للمحرّرَين: الدكتور (Rohan Gunaratna)، والباحثة (Sabariah Hussin)، إضافة إلى (11) فصلاً، تشكّل مساهمات بحثية لمجموعة مختارة من الباحثين المختصين تتناول، على الترتيب، تجارب لدول: الباكستان، الدنمارك، السعودية، مصر، العراق، بنغلادش، ماليزيا، نيجيريا، سيرلانكا، سنغافورة، ألمانيا، والصين.

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟

والقاسم المشترك بين هذه الدول، التي تمثل ثلاث قارات هي؛ آسيا وأوروبا وإفريقيا، أنّها من أكثر الدول التي تعرضت لخطر الإرهاب الذي تمثله الجماعات الإسلاموية اليوم، وعلى رأسها: تنظيم القاعدة وفروعه، وتنظيم داعش، وتنظيم بوكو حرام.

Brian Michael Jenkins

لذلك؛ فإنّ اختيار هذه العينة من الدول، يعطي مؤشراً أولياً على أهمية هذا الكتاب والدراسات التي يتضمنها، خاصة هذه الأيام، التي يشهد فيها العالم موجة توحش الإرهاب المعولم، الذي تمثله تنظيمات مثل: داعش، وبوكو حرام، وفروع تنظيم القاعدة المنتشرة حول العالم، رغم الهزائم العسكرية التي مني بها تنظيم داعش في العراق وسوريا، وزيادة خطر عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، الذين يقدر عددهم بحوالي (40000) مقاتل، بحسب آخر الإحصائيات، إلى بلادهم، والمشكلات الأمنية والسياسية والاجتماعية، والتكاليف المالية التي ستنفقها دولهم، في حال قررت المضي في برامج إعادة التأهيل والإدماج والرعاية اللاحقة.

Rohan Gunaratna
كمدخلٍ للكتاب؛ يخبرنا (Brian Michael Jenkins)، بتكثيفٍ عميق، عن أصل معضلة الإرهاب المعاصر ومكافحته؛ مستحضراً التجربة الأمريكية مع مكافحة التطرف العنيف، خاصة اليمين المتطرف، وهي تجربة أعمق وأقدم في التاريخ الأمريكي الحديث من تجربة الإرهاب العالمي، ومكافحة الإرهاب، التي بدأت فصولها التراجيدية عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)؛ وهي أنّ جزءاً بسيطاً من المتطرفين بشكل عام يصبحون إرهابيين، وليس من الممكن أنْ تطلق النار على كلّ الإرهابيين مرة واحدة، وفي الوقت نفسه؛ فإنّ السجون والمعتقلات ليست الحلّ الوحيد للإرهابيين؛ بل هي حل مؤقت، وليس جذرياً، لذلك؛ من المهمّ البحث عن أساليب ووسائل لكسر حلقة الإرهاب (الجهادية)، التي تبدأ عادة بالميول الراديكالية للأفراد (مع ملاحظة  أنّ (Jenkins)  يستخدم كلمة "جهاديين" وليس إرهابيين).
ويؤكّد (Jenkins) على أنّ إعادة التأهيل هي عملية معقدة ومختلفة المقاربات؛ لذلك فهي ليست موعظة دينية لإمام يتحدث فيها عن السلوك الصحيح للأفراد فقط، وأنّ مكافحة "الراديكالية" عملية سلوكية معقدة، وتساهم فيها كثير من المقاربات من مختلف الحقول والتخصصات في العلوم الإنسانية والعلوم البحتة.

اقرأ أيضاً: مواجهة التطرف العنيف في الأردن.. هل من جديد؟

يمثل (Jenkins)، بكل وضوح، المدرسة الأمريكية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب العالمي، وكلّ ما يتعلق بهذه الظاهرة؛ ابتداء من مكافحة الإرهاب، إلى النظرة لملف إعادة التأهيل والإدماج، وهو كغيره من منظري الظاهرة الأمريكيين، لا يخرج عن مقاربات المدرسة "الواقعية" في السياسة، والعلاقات الدولية، والدراسات الأمنية والتي ترى في "الدولة" وحدة الدراسات الأهم في دراسة السياسية الدولية، والطرفَ الفاعل الوحيد والمسيطر في السياسة الدولية، وبالتالي؛ تقلّل من شأن "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، وأهمّها الجماعات الإرهابية، مثل؛ القاعدة وداعش وبوكو حرام، وغيرها من جماعات تاريخية، قومية ويسارية، معظمها ترك السلاح وانخرط في العملية السياسية، أو انتهى تحت ضغط الحرب العسكرية الشاملة.
إنّ هذه المدرسة تشكّك في قدرة الجماعات الإرهابية على تغيير بنية وسلوك الدولة.

يشير جنكيز إلى سهولة ملاحظة غياب "دراسات الحالة" لبرامج إعادة تأهيل الإرهابيين في السجون الأمريكية

ولذلك؛ يشير (Jenkins) إلى سهولة ملاحظة غياب "دراسات الحالة" لبرامج إعادة تأهيل الإرهابيين في السجون الأمريكية، وهذا واضح ومفهوم؛ لأنّ المقاربة الأمريكية في مكافحة الإرهاب تفضّل المقاربة التقليدية والقانون التقليدي، وتقوم أساساً على الحرب الوقائية، ولا ترى في الإرهاب إلا نوعاً من "الجرائم العنيفة"، وبالتالي؛ فإنّ عقوبة الإرهابي: إمّا القتل في عمليات مكافحة الإرهاب، أو خلال تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الاعتقال طويل الأجل، دون تخفيض العقوبة، ودون برامج إعادة تأهيل.
ويؤكّد؛ أنّه حتى عام 2017، كان يُعتقد بأنّ هناك (35%) من الإرهابيين (الجهاديين) الذين أُفرج عنهم من معتقل غوانتنامو؛ الذي لا توجد فيه أية برامج لإعادة التأهيل، أو جهودٍ لمنع الراديكالية، عادوا ليصبحوا قياديّين نشطاء في الجماعات الإرهابية (الجهادية).
خلاصة حديث (Jenkins)؛ أنّه نظراً لقلة عدد الإرهابيين (الجهاديّين) في أمريكا، وقلة عدد العمليات الإرهابية التي يرتكبها هؤلاء في أمريكا، مقارنة مع دول أخرى في العالم؛ فإنّهم لا يشكّلون مشكلة تستحق الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والدمج والرعاية اللاحقة، والتعامل معهم، قانونياً وسياسياً وأمنياً، لا يختلف عن التعامل مع الجرائم العنيفة الأخرى في أمريكا.

اقرأ أيضاً: كيف ينتهي الإرهاب؟
في تقديمهم القيّم للكتاب؛ يتحدّث المحرّرون عن مثلث الأخطار والتحديات التي تواجه عالمنا اليوم، والذي يتكوّن من ثلاثة أضلاع: التطرف، والأيديولوجيا الإقصائية التي تنفي الآخر، والإرهاب، وأنّ هذه الأضلاع المترابطة تشكّل تحديات أمنية للأطراف الفاعلة من الدول، وخطراً يهدّد الاستقرار الاجتماعيّ؛ لذلك فهما يحذّران المجتمع الدولي والمؤسسات الحكومية من أنّ الفشل في مواجهة خطر الإرهاب ستكون نتائجه كارثية ومتخطية للحدود القومية للدول، ومثال ذلك: خطر "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" في سوريا والعراق.
ومن هنا؛ فهما يؤكدان على ضرورة "بناء إستراتيجية شاملة لمواجهة التطرف العنيف (CVE)"، على أنْ تتكوّن من ثلاثة برامج مترابطة؛ هي:
أولاً: منع الراديكالية.
ثانياً: إعادة التأهيل.
ثالثاً: الوقاية، وتقوم على التدخل المبكر للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف.
وفي سبيل شرح أهمية هذه الإستراتيجية؛ عادا إلى أمثلة قديمة، تعود إلى 600 عام من تاريخ وسط الهند والبنغال، فمثّلوا بكيفية تعامل البريطانيين، في القرن الثامن عشر (1830)، مع عصابات "البلطجة" (Thugis) التي كانت تنشط في عمليات السرقة والقتل، وكيف أنّ البريطانيين طبّقوا برامج دائمة ناجحة لمنع الراديكالية والتأهيل للمحكومين، تقوم على التشجيع والتحفيز، المادي والاجتماعي، لمواجهة خطر هذه العصابات التي نشطت في الهند لأكثر من ستة قرون من الزمن.
لكن يبدو أننا لا نتعلم من دروس التاريخ؛ لأننا نطبّق اليوم تكتيكات مقاومة النار بالنار، ودليل ذلك؛ هو أنّ الإستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) 2018، هي مجرّد صدى لإستراتيجيات جورج بوش الابن.

برامج الوقاية تقوم على التدخل المبكر للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف

وقد كانت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، وما أعقبها من حرب على الإرهاب، وغزو لأفغانستان، واحتلال للعراق، أكبر مثال على فشل "المقاربة  الخشنة " العسكرية –الأمنية (Kinetic)، وهي المقاربة  نفسها التي أشار إليها (Jenkins) بشكل ضمني، حتى  إنّ تغيّر الوضع بعض الشيء أيام الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، والذي حاولت إدارته إقامة برامج لإعادة التأهيل والدمج، لكنّ نتائجها كانت غير مشجعة، خاصّة تجربة سجن "بوكا" المعروف، الذي خرجت عدد منه أهم قيادات تنظيم داعش، ومن بينها "الخليفة الحالي"، وقائد التنظيم، أبو بكر البغدادي، ولذلك استمر فشل المجتمع الدولي، حتى الآن، في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وتفاقمت المشكلة بدلاً من حلّها ونهاية الإرهاب.

الإرهاب، اليوم، طال معظم دول العالم؛ بحسب معهد الاقتصاد والسلام/ (IEP)

الإرهاب، اليوم، طال معظم دول العالم؛ فبحسب "مؤشر الإرهاب العالمي" (GTI)، لعام 2018، الذي يصدره "معهد الاقتصاد والسلام/ (The Institute for Economics & Peace) (IEP)، فقد تعرضت 77 دولة، من أصل 163 دولة في العالم، للإرهاب، وزادت نسبة ضحايا الإرهاب، خلال العقد الماضي، من عام 2006 حتى 2016، بنسبة 67%، وتتصدّر الدول التي نعرض تجاربها في هذا الكتاب قائمة الدول الأكثر تعرضاً للإرهاب عام 2018؛ فالعراق يحتلّ المرتبة الأولى، ونيجيريا في المرتبة الثالثة، والباكستان في المرتبة الخامسة، ومصر في المرتبة الحادية عشر، وبنغلادش في المرتبة الحادية والعشرين، والسعودية في المرتبة السادسة والعشرين، والصين في المرتبة السابعة والثلاثين، وألمانيا في المرتبة الثامنة والثلاثين، وماليزيا في المرتبة الخامسة والستين، وسيريلانكا في المرتبة الثامنة والستّين ، والدنمارك في المرتبة التسعين، وأوزبكستان في المرتبة المئة والخمسة والعشرين، وتشكّل الباكستان ونيجيريا والعراق (بالاشتراك مع أفغانستان وسوريا) 75% من المجموع الكلّي لقتلى الإرهاب، لعام 2018.

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟

ورغم ذلك؛ لا بدّ من التأكيد على أنّ هدف هذا الكتاب هو توضيح الفجوة التي ما تزال قائمةً بين التوقعات العريضة وتحقيق الأهداف والتطلعات، كما أنّه يأتي في الوقت المناسب، في أيلول (سبتمبر) 2018، ونحن على أبواب أزمة قد تفتح قريباً في تسويات إدلب - سوريا، واحتمالية خروج كثير من "المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، وعودة بعضهم إلى بلادهم، خاصة الأطفال والأيتام والنساء؛ فإلى أين سيذهب هؤلاء؟!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج: دليل إرهابي

صورة نادر رزق
كاتب وباحث أردني
2020-06-01

على الرغم من أنّ أفكار تنظيم الجهاد في مصر لم تكن لتختلف في جوهرها عمّا هو متداول قبله من أدبيّات التكفير والحاكمية التي رسخها سيد قطب -أو قدم الإلهام لإحيائها- في كتابه "معالم في الطريق"، إلا أنّ التنظيم الذي ظهر في الجامعات المصرية في بدايات السبعينيات الماضية وجد نفسه مفتقراً إلى تأصيل فكري مدون لاستراتيجيته "الشفوية" التي تبنّاها حتى ظهور كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج العام 1980، الذي كان السبب الرئيسي وراء اغتيال السادات في العام الذي تلاه.
ولكن يمكن اعتبار "الفريضة الغائبة" حاشية تفوقت على الأصل بدعواه الصريحة للانتقال خطوة إلى الأمام من المفهوم القطبي بـ "تجهيل" المجتمعات الذي قد يحمل معنى المتشابه من القول إلى محكمه بتكفيرها الصريح من خلال سوق مجموعة من "تدليسات الأدلة الشرعية" التي غلب عليها الانتقائية الفجّة إن على سياق النقل أو التأويل.
تبدأ إشكالية الكتاب من عنوانه نفسه، فرغم تواضع لغة المؤلف ووقوعه في كثير من الأخطاء النحوية، فضلاً عن ركاكة عامة في الأسلوب، إلا أنّه "برع" في اختيار العنوان بهدف خلق تأثير الانطباع الأول؛ إذ يسعى فرج من خلاله إلى وضع المتلقي في حالة ترقب وقلق من خلال جمع النقيضين (الفريضة-الغياب). فالعقلية المسلمة تسلم أن كل فريضة بطبيعتها تحمل معنى الإلزام والحضور دون الحاجة إلى إثبات هذه المقدمة المنطقية الكبرى التي تثبت نفسها بنفسها، ومن ثم سيسهل عليه، كما يعتقد، الولوج إلى الفكرة الأساسية للكتاب من"إقناع المقتنع" إلى التأثير فيه بترجمة هذا الشعور بالذنب بترك فريضة الجهاد للسير به باتجاه الفاعلية بممارسة هذا الواجب وعدم الاكتفاء بالتأييد القلبي. ثم يشرع باختطاف تعريف هذه الفريضة نفسها لتكييفها وفق فهمه الخاص وهنا مكمن الخطورة الحقيقية في هذا الطرح.

يمكن ببساطة من خلال استعراض لغة فرج في الخطاب أن نلحظ أنّه ليس معنياً بالدرجة الأولى بالإقناع بل بالتأثير.. وذلك بحكم أنّ المستهدفين هم من يحملون فكره أصلاً أو من المهيَّئين له، وهذا ما يتجلّى بعدم تكلف المؤلف مؤونة إثبات الدعوى المركزية التي يقوم عليها كتابه ألا وهي "التكفير"؛ لأنّها عنده أوضح من أن تحتاج إلى دليل منطقي؛ إذ لم يفرد لهذه المسألة الجوهرية أي عنوان فرعي من العناوين التي حفل بها الكتاب وقاربت الخمسين. وهذا يعكس افتراض اللامساواة واللاتكافئية واللاتبادلية في الحديث دأْبَ أي فكر يعتقد بامتلاك الحقيقة المطلقة.
وهذا ما يظهر عندما يشرع بتبرير الخروج على الحاكم (الدولة) تعليقاً على الحديث النبوي "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" بقوله "بواحاً أي ظاهراً والمراد بالكفر هنا المعاصي". متعمداً إغفال استكمال من يقتبس منهم وتحريفه عن مواضعه وهو هنا الإمام النووي في شرحه لصحيح البخاري إذ يقول "فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين".

شهد الكتاب تحايلاً وتوظيفاً للآيات والأحاديث التي تتناول الجهاد

يقدم ما سبق عينة من منهجية الكتاب التي سار عليها المؤلف في التغييب والتحريف لكل ما لا يدعم مقولته.. حتى وإن أدى ذلك إلى "اللامعقولية" في الطرح، وذلك عندما يحمل على دعاة الإصلاح الديني في المجتمع، متّهماً إياهم بالتخاذل عن واجب الجهاد؛ لأنّ من سيقيم الدولة الإسلامية هم "القلة المؤمنة"، وهذه الثيمة واحدة من الدوافع النفسية التي يسعى دعاة مثل هذا الفكر إلى تعزيزها دوماً، بالتقليل من شأن الأكثرية باعتبار أنّ الفئة الناجية هي دوماً من أصحاب القلة، والنصر لا يكون من كثرة. في تبرير واضح لتحرك "الفئة المؤمنة" ضد المجتمع معتبراً بذلك طريق الدعوة غير عملي ومضيعة للوقت "فكيف تنجح الدعوة هذا النجاح العريض وكل الوسائل الإعلامية الآن تحت سيطرة الكفرة والفسقة والمحاربين لدين الله".. ويعود إلى تأكيد فكرة التكفير في معرض قوله "ويجدر بنا في استعراضنا هذه النقطة الرد على من يقول إنّه لا بد أن يكون الناس مسلمين حتى تطبق الإسلام عليهم كي يستجيبوا لهم وكي لا تفشل في تطبيقه".. "فهذا الدين الصالح للتطبيق في كل زمان ومكان وقادر على تسيير المسلم والكافر والفاسق والصالح والعالم والجاهل".
ومن الملاحظ أنّه حتى دعاوى تنظيمات متطرفة أخرى لم تسلم من هجومه ومنها فكر جماعة التكفير والهجرة دون أن يسميها صراحة، مبطلاً دعواها بأن طريق إقامة الدولة الإسلامية إلى بلد أخرى وإقامة الدولة هناك ثم العودة مرة أخرى فاتحين. وهذا يقودنا ضمنياً إلى نتيجة مؤداها أنّ التصادم يكاد يكون حتمياً بين جميع هذه التيارات التكفيرية، فليس ثمة مجال للرأي ووجهات النظر و"الاجتهاد"؛ فكلٌّ لا يريك إلا ما يرى، وليس أدل على ذلك ما نشهده اليوم من تصارع هذه التيارات في سوريا حد تكفير بعضها البعض رغم أنها جميعاً خرجت من رحم فكري واحد يدعو إلى "إقامة شرع الله".

 

يقوم الكتاب –أو بالأحرى الكتيّب- على ثلاثة أفكار رئيسية يسعى إلى تكريسها: أن السعي لإقامة "الدولة الإسلامية" بالجهاد فرض عين، كفر المجتمعات الإسلامية الحالية ومؤسساتها وحكامها، وبالتالي ضرورة إعلان الحرب عليهم.

استشهد الكاتب واعتمد على فتاوى ابن تيمية التكفيرية وتأثّر بفكرة الاستعلاء عند سيد قطب

وفي هذا السياق فإنّ تكفير الحاكم المسلم والإفتاء بقتله عند هؤلاء ليس مرتبطاً جوهرياً بمواقفه السياسية الخارجية، كما زعموا بتبرير اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات رداً على عقده معاهدة كامب ديفيد، وهو ما يرد صراحة في الكتاب تحت ما أسماه "أولوية قتال العدو القريب على البعيد"، فيشرع بالتبرير أنّ النصر إن تحقق بتحرير الأرض المحتلة سيجير لصالح الحكم الكافر وفيه تثبيت لأركان الدولة الخارجة عن شرع الله "فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجدٍ وغير مفيد وما هو إلا مضيعة للوقت فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية.. اقتلاع تلك القيادات الكافرة واستبدالها بالنظام الإسلامي الكامل"، دون أن يأتي على تبرير مقنع لعدم إعلان "الجهاد" على العدو الخارجي المحتل بمبادرة فردية منفصلة عن الدولة التي يتهمها بالكفر إلا فكرة مركزية تشكل العمود الفقري أو الجذع الذي تتولد منه فروع الدعاوى المرعبة التي تبرر التكفير والقتل؛ ألا هي عقد مقارنة أو مطابقة عجيبة بين حال المسلمين اليوم وحال التتار الذين انتسبوا إلى الإسلام دون أن يردعهم عن العدوان والإجرام واحتلال أرض المسلمين، متخذاً فتاوى ابن تيمية بحقهم مرشداً له في جميع الأحكام التي يطلقها؛ إذ بلغت الاستشهادات بأقواله خمسة وعشرين فيما لا يزيد على اثنتين وثلاثين صفحة هي حجم كتابه، ليصل إلى نتيجة مؤداها أنّ الحل لما نحن فيه من الهوان لا يكون إلا بحلول راديكالية تجتث الأسباب التي أدت إلى ذلك.


ثم يشرع بتعداد التكتيكات الحربية "التنظيمية" في مواجهة "الأعداء" والثبات والصبر على ذلك عبر فقرات قصيرة مركزة لا تزيد أحياناً على ثلاثة أسطر؛ نحن إذن أمام "دليل مستخدم" للإرهاب، ولكن يغلب عليه فوضى في الطرح فليس فيه تسلسل واضح ينتظم عناوينه الفرعية، حتى أن آخر قسم فيه حمل عنوان "غرور الفقيه يمنع تأميره"! ومن سخرية الكتاب مثلاً أنّه بعد أن يسوق ما يبرر قتل الأبناء عند الإغارة على "الكفار" الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير إنذار بأنه تجري عليهم أحكام آبائهم كما الميراث والقصاص، يتلوه مباشرة بحديث حول حرمة قتل النساء والرهبان والشيوخ في الحرب، مكتفياً بالتعليق بألا تناقض بين الحديثين!

ويعمد فرج إلى انتقاء اعتراضات (أو شبهات) مقنّنة دون غيرها والرد عليها، ناسباً العلم إلى نفسه وهو خريج الهندسة! فيضع مقياساً للعلماء الصالحين بمن يوافقون أمراً واضحاً في عقله واضعاً بذلك نفسه وصياً على الشريعة بحجة أنّ ما يأتي به مؤيد بالأدلة الدامغة التي لا ترد، بعد أن يضرب صفحاً على مئات بل آلاف النصوص الشرعية التي تخالف معتقده، دون أن ترد على قلمه عبارة "والله أعلم" بما يوحي باستعلاء واضح سواء تجاه المخالفين أو المخاطبين، ولا يخفى هنا التأثر بالفكرة القطبية حول "الاستعلاء بالإيمان".
يبدأ الكتاب بالآية القرآنية 16 من سورة الحديد "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون"، ثم يشرع في مقدمته – دون مقدمات- بالتنبيه على أهمية الجهاد القصوى "وخطورته على مستقبل هذا الدين" (كذا)، منتقداً علماء العصر لأنهم تجاهلوه بالرغم من علمهم بأنه السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد، وآثر كل مسلم ما يهوى من أفكاره وفلسفاته على خير طريق رسمه الله سبحانه وتعالى لعزة العباد.
ثم يحمل على "طواغيت" هذه الأرض مؤكداً أنها لن تزول إلا بقوة السيف مستشهداً بالحديث النبوي "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"، مؤكداً أن الإسلام انتشر بالسيف "بما يبطل أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط" مستشهداً بالحديث "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" رغم إجماع أهل الحديث أنه جاء في سياق الرد على من يقاتل رياء أو حمية.

تجاهل  الكتاب القيم التأسيسية لرسالة الإسلام كالعدل والرحمة والتسامح

فنحن مع "الفريضة الغائبة" أمام نوع جديد من الجهاد يمكن أن نطلق عليه "جهاد التمكين" ضد المسلمين أنفسهم بحجة خروجهم من الإسلام، بالاستناد إلى عقلية دوغمائية تتخذ الذرائعية منهجاً في التعامل مع القرآن والسنة لتبرير الإرهاب والقتل والقفز على كل المفاهيم والقيم التأسيسية للدين الإسلامي في الرحمة والعدل والتسامح، باتباع الشبهات دون التسلح بالحد الأدنى من الذخيرة المعرفية إلا نقولات من أقوال وأفهام المتأخرين اتخذها مصدراً أساسياً لتشريع كل الفظائع التي يحفل بها الكتاب.
ورغم هذا التجني الواضح والمصادرة في فهم النصوص الشرعية التي تتبعها أمثال هذه المتون لكنها تطرح مسألة شائكة تمثل ثغرة لم تسد بعد في تراث الفقه الإسلامي ما تزال تتسرب منها أفكار المتطرفين تكمن في استغلال مسألة النسخ في القرآن الكريم كما في التعامل مع "آية السيف" بادعاء أنها أبطلت أحكام مئة وأربع عشرة آية في التسامح! فضلاً عن إشكالية تأويل الحديث النبوي الذي يفترض أن يزيل اللبس في فهم القرآن.. لتصبح السنة بدورها "حمالة أوجه"، فلا عجب أن يتقدم المتطرفون اليوم خطوة أخرى في منهجهم المنحرف ضد بعضهم بعضاً بإشهار سيف الردة متبعين الآليات ذاتها.

 

 

//0x87h

للمشاركة:

"ماذا يعني انتمائي للإسلام" لفتحي يكن: الهدم وسيلة الإخوان للسلطة

2020-05-27

ظلت جماعة الإخوان المسلمين، كتلة في مجتمعاتها تتعبد بهدم دولها، ونقض أنظمتها، رافضة أن تسخر إمكاناتها للمساهمة الإيجابية في أوساطها المجتمعية، أو المشاركة فيها، فضلاً عن محاولة البناء، فنخرت كسوس في عظام الدولة، في انتظار لحظة الانهيار، وعندما سقطت عدد من الدول إثر "الربيع العربي"، وقف التنظيم عاجزاً تماماً عن أن يبني ما قد هدم، أو أن يقدم مشروعاً لنهضة الدولة، كما أنه تعرض لتلك العزلة التي ضربها من قبل على أوساطه المجتمعية، وشرب من الكأس نفسه.

إنّ أكثر ما يلفت الانتباه في كتاب الإخواني اللبناني فتحي يكن "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، هو قوله: "إن قبضة الحركة الإسلامية، ينبغي أن تكون موجهة دائماً، وباستمرار إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة، إلى مرتكزاتها الأساسية وقواعدها ومنطلقاتها".. ولم يكتف بذلك؛ بل تتعالى نبرته التحذيرية من أن تأتي خطوة لصالح النظم فيقول: "حذار من أن تكون الخطوة سبباً في عيشها، لا مسماراً في نعشها، حذار من نقطة تكون مبرراً لبقائها، لا عاملاً في زوالها وفنائها".

يكن: ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم

تفوح من كلمات الرجل ميكيافلية سافرة، تبعد مسافات عن العمل الصالح المجرد، إن لم يكن يخدم أهداف الجماعة في الوصول لأهدافها؛ بل ينهار النظام أولاً ثم تأتي بعد ذلك الحركة لينسب إليها النجاح وحدها دون غيرها: "ليس من مهمة العمل الإسلامي أن يلتمس حلول المشكلات؛ التعليمية، والإعلامية، أو الغذائية، أو الكسائية، أو السياسية، والاقتصادية،..."، كأنّه تطبيق نموذجي لمقولة "دعه يغرق"؛ فلا مشاركة في بناء، أو حل لمشكلات، حتى تنهار السلطة.

الشرب من الكأس نفسه

عندما صعد "الإخوان" إلى سدة الحكم في مصر، وجدوا أنفسهم أمام كتل من المشكلات المتراكمة في كافة القطاعات، فوقفوا عاجزين عن وضع حلول لها؛ إذ إنّهم لم يساهموا في عمليات إصلاحية من القاعدة من قبل، واكتفوا بنقد النظم الحاكمة في كل خططها ومشاريعها، في انتظار تهاوي النظام، حتى يصعدوا هم، وعندما صعدوا لم يجدوا سوى مؤسسات مترهلة، ولم ينجحوا في إقناع القوى الأخرى بوضع طاقاتهم في سلة واحدة، فكان السقوط المدوي.

فإذا كان هناك التحام أو تفاعل مع مثل هذه المشكلات، فإن الهدف الأساسي ليس تقديم مشروع أو حتى طرح ما يمكن أن يساعد في حلها.. يقول يكن: "إذا كان لا بد من التعرض لمثل هذه المشكلات، من قريب أو بعيد، فبقدر ما يؤدي إلى إدانة النظم التي أفرزتها، وبقدر ما يعري هذه النظم ويفضحها".

ويوضح ذلك بضرب عدد من الأمثلة العملية: "فإذا عرضت مشكلة الغلاء مثلاً، كان على الحركة أن تبيّن أنّها ثمرة طبيعية لحاكمية النظم الرأسمالية، وسيطرة فئة من الناس على ثروات البلاد، وتسخيرها لمصالحها الذاتية، وأنّ الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يملك خلق مجتمع نظيف تتحقق فيه العدالة، لا أن تعمل الحركة على مساعدة هذه النظم على حل المشكلة؛ لأنها بذلك تكون قد أعطتها مبرراً للبقاء".

ويذهب يكن ليؤصّل المهمة الأساسية للتنظيم بوضوح: "إن مهمة الحركة الإسلامية أن تهيئ كل الإمكانات لإزالة حكم الطاغوت، فهي ليست حركة إصلاحية اجتماعية، تبذل العطاء في مجالات اجتماعية بشكل مجرد؛ بل عملها كله ينصب على إزالة النظام، وإقامة آخر بديلاً له يحكم بالإسلام"

يحدد يكن خطواته مستشهداً بمقولة البنا:  "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح"

يحدد الرجل خطواته بدقة مستشهداً بمقولة حسن البنا، مؤسس الجماعة، التي تحصر خطواتها في 3 مراحل رئيسة "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح".

كما يؤطر للعلاقة الحاكمة بينه وبين المجتمع الذي يصفه بـ"الجاهلية"، فيرى أنه "لا يكون التعايش مع الجاهلية "أمداً وقدراً" إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانات؛ لأن الغاية هي تحقيق هذه النقلة".

الهدف إذن نسف النظام والانقلاب التام وإعمال المعول لنقض الحضارة والثقافة التي يقوم عليها المجتمع، ولذا فإنه يكشف عن ذلك بجلاء: "فإذا كانت غاية المنهج الإسلامي، هي تعبيد الناس لله في سلوكهم وتعاملاتهم، في أنظمتهم وتشريعاتهم، وفي كل مناحي حياتهم، فإنّ ذلك يعني إحلال المنهج الإسلامي محل النظم الوضعية، فإن ذلك يعني استبدال وضع بوضع، يعني نقض الأسس والمرتكزات، التي يقوم عليها المجتمع ونقض الحضارة التي يتبناها ويعتمدها".

فتحي يكن

سياسة النفس الطويل

في سردية المرحلية، يشدد يكن على وجوب تبنّي "سياسة النفس الطويل"، وهدم اللبنات بصبر شديد، فإن ذلك سيوصل في النهاية إلى الغاية المخطط لها بعناية: "إن ضخامة العبء وثقل التضحيات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي، يؤكدان أنّ الطريق طويل، والعمل شاق والجهاد مرير، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها".

ثم يعيد تكرار مقولة "علانية العمل وسرية التنظيم"، "فصوت الجماعة يجب أن يعلو، لكن التنظيم يجب أن يبقى سراً.. فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، والحرب خدعة".

ينحاز الرجل في الكتاب، إلى أفكار سيد قطب، ويؤكد على مفهوم "العزلة النفسية لا الحسية": "مفهوم العزلة هنا التي يشير إليها سيد قطب هي عزلة الشعور من أن يدنّسه رغام الجاهلية، والعزلة هنا تعني التمايز، تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة".

 

 

ولا ينسى وهو في طريقه لإيصال فكرته، أن ينسف الجماعات الإسلامية التي تتخذ طرائق للعمل مغايرة لما تنتهجه جماعته: "عليّ أن أدرك حين أنتمي للحركة الإسلامية، أنّ طرائق العمل الإسلامي الأخرى، ومنظماته المختلفة لا تمثل الخط الإسلامي الأصيل، وأنّ واحدة منها لا تلتزم بمنهج الرسول الكريم كاملاً، فيما يتعلق بالجانب الروحي والثقافي والخيري والسياسي".

ومع أنّه يستخدم مصطلح "الحركة الإسلامية" إلا أنه بالطبع يقصد بها "جماعة الإخوان" فيغلق المسارات كافة على الجماعات الأخرى التي يقول عنها: "لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل المتكامل، العمل الذي يمكن أن يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية للإسلام، العمل الذي يمكن أن ينقذ العالم الإسلامي من تحكم الحضارة الغربية الفاجرة، وحكم الكفر والطاغوت، ولذلك تبقى أعمال كل هذه الفئات مبتورة شوهاء".

لا تعتقد أنك مسلم!

"لا تعتقد أنك مسلم في الحقيقة، فأنت لست كذلك، فكثير من الناس مسلمون بهوية إثبات الشخصية؛ لأنّهم ولدوا من أبوين مسلمين".. ترتكز جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات، على هذا المدخل الصادم في خطابهم الدعوي، حتى يأتي دور دعاتها في تلقف المستهدفين الباحثين عن الخلاص عبر عقيدة صحيحة، وجماعة تمثل المحضن الذي يتعهد بتوفير مستلزمات الانتماء للإسلام.

يبين الكاتب الشروط التي يجب توافرها في كل من انتمى لهذا الدين، "إن كثيراً من الناس مسلمون بالهوية، أو مسلمون لأنهم وُلدوا من أبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون في الحقيقة معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، يبيّن ما يطلبه الاسلام من المسلم، ليكون انتماؤه للإسلام انتماءً صحيحاً وحقيقياً"؛ لا تنطبق غالبية الشروط التي يسردها على معظم المسلمين اليوم، ولذا فإن غالبيتهم الكاسحة لا تنتمي للإسلام حقيقة بنظره.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة" يدّعي فيه أنّ من يترك التنظيم عاجز عن الإيمان

لا يعترف فتحي يكن، وهو زعيم الجماعة الإسلامية في لبنان "فرع الإخوان المسلمين"، من العام (1962-1992)، في كتابه، بصحة عقيدة المجتمعات الإسلامية؛ بل يسوق 17 شرطاً، يجب أن تتوافر في الفرد حتى يوصف بالإسلام، ولا يخرج في هذا المعنى عن المفهوم الذي دشن له سيد قطب، وتبعته في ذلك الغالبية الكاسحة من الجماعات والتنظيمات الإسلاموية، فشهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا تكفي لوصف قائلها بالإسلام، حتى تتجلى عليه حقائقها وسماتها وشروطها.

يأخذنا يكن (1933–2009)، من هذا المدخل إلى أن يصل في النهاية إلى أنّ جماعة الإخوان هي الجماعة التي تتوافر فيها صفات الجماعة الربانية، التي يجب الانتماء إليها، دون غيرها من الجماعات، وإذ يفعل ذلك يمر بمراحل تدريجية مرتّبة يحاول أن يستلب فيها عقول المخاطبين وأفئدتهم، حتى يصل في النهاية إلى مبتغاه.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى جماعة الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة"، كتبه ليثبت أنّ من يترك التنظيم، ما هو إلا فرد لم تتوافر فيه خصائص المؤمن الحق، وأنّه يمتلك من المشكلات النفسية الداخلية، ما يجعله ينتكث عند التعرض للفتنة، لتبقى الجماعة نقية بعد عمليات التمحيص، وقسّمهم لأنواع عديدة، إلا أنه نفسه سقط "وفق مفاهيمه" على طريق "الدعوة"؛ إذ إنّه انشق عن الجماعة فيما بعد، وتسوق قادتها بعد انشقاقه مقولات من قبيل أنّ ما كتبه كان جيداً، لكن الشخص نفسه تعرض للفتنة.

اللافت أنّ كتاب "يكن" هذا لم تدرسه جماعة الإخوان لأعضائها فقط، بل تبنّته جماعات متطرفة، ودرسته لأعضائها، مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر.

معسكر الباطل

يستخدم الكاتب في توصيله لأفكاره أسلوب ضمير المتكلم، فيقسم الناس إلى ثلاثة أقسام في فصل "أن أعيش للإسلام":

"الناس في هذه الدنيا 3 أصناف، فأي صنف من هذه الدنيا أنا يا ترى؟: صنف يعيش للدنيا، اعتقاداً أو واقعاً، وقد سمّاهم القرآن بالدهريين، والشيوعيون والعلمانيون ومن لفّ لفّهم، يصدرون من نفس المعتقد، وعندما يكفر الإنسان بوجود حياة بعد هذه الحياة يحاسب فيها الإنسان عما كسبت يداه، تصبح الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، يعيش لها، ويلهث وراءها، ويغرق في شهواتها ولذائذها بدون حساب".

أما الصنف الثاني فهم: "عموم الناس الذين اضطربت معتقداتهم وضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء وإن كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر، إلا أنّ معتقداتهم هذه صورية منفصلة انفصالاً كلياً عن واقعهم العملي، فهؤلاء مادّيون حقيقة، وإن كانوا يمارسون في الواقع بعض الطقوس الروحية".

بين طيات كلماته تتعالى ذروة ترهيب هذا الصنف؛ لأنّ الأول ميئوس منه، لا يحبّذ منظرو الجماعات بذل الجهد في محاولة جذبه واستقطابه؛ فيصنع الكاتب حالة من التنادي للصنف الآخر، "الذي يقبع بين المؤمنين والملحدين العلمانيين"، على حد تعبيره.

يدعو "يكن" الصنف الثاني، في محاوله لجذبه للصنف الذي ينتمي إليه: "صنف يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، الذين يدركون حقيقة هذه الحياة، كما يدركون قيمة الدنيا من الآخرة".

فريضة الانتماء للجماعة

بذل الكاتب كل هذا الجهد حتى يصل إلى فريضة الانتماء للجماعة، مؤكداً على المقولات الإخوانية في أن العمل للإسلام لا يصح إلا وفق العمل في إطار الجماعة، ثم يبدأ في تفعيل الخطوة التالية في الإقناع، "هذه الجماعة هي جماعة الإخوان دون غيرها".

يواجه يكن المخاطبين بما يزعم أنها الأدلة: "يفرض عليّ الإسلام أن أعمل له ضمن جماعة، أن أتعاون مع العاملين غيري في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، "عليك بجماعة المسلمين وإمامهم"، "الجماعة بركة"، "الجماعة رحمة والفرقة عذاب".. ينزع الرجل المفهوم الكلي للجماعة التي تعني الدولة أو الأمة، ليخصّ بها جماعته، بينما يرى غيره أنّ جماعة الإخوان تمثل "الغنم القاصية"، ولا تمثل الجماعة العامة.

يحدد يكن الهدف الأصيل لهذه الجماعة: "إنّ العمل للإسلام لإيجاد الشخصية التي تتمثّله عقيدة وأخلاقاً، لإيجاد المجتمع الذي يلتزمه فكراً وسلوكاً، لإيجاد الدولة التي تطبقه شريعةً ومنهجاً ودستوراً، وتحمله دعوة هادية لإقامة الحق والعدل في العالمين، إنّ هذا العمل، وما يحتاجه ويتصل به ويتفرع عنه ويتطلبه هو واجب إسلامي شرعي لا يسقط حتى تقوم "السلطة" التي تتولى القيام بهذه المسؤولية وترعى شؤون المسلمين".

يكن: إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها

ويستطرد: "وما دامت هذه السلطة غير موجودة، فإنّ كل تقصير من العاملين أو قعود من المسلمين إثم، لا يرفعه إلا المبادرة السريعة للنهوض، بتكاليف العمل للإسلام، وإنّ ما يؤكّد وجوب العمل للإسلام، وأنه تكليفي وليس تطوعياً، كون وجوبه يقينياً".

ثم يعيد مرة أخرى أفكار الهدم: "إنّ معظم الأقطار الإسلامية إن لم يكن كلها، بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات يونانية ورومانية وفرنسية وغيرها، والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية، مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واجباً". ويتابع: "ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم".

ثم يعزف مرة أخرى على إيقاع المعاول: "إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها، وإقامة الإسلام مكانها.. ولا يقوى على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعياً وتنظيماً وقدرة".

كل ذلك لإقامة دولة الإسلام؛ لأن "كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة الخليفة والإمام، وهذا بالتالي مرتبط بوجوب سلطة إسلامية، فكل التشريعات المتعلقة بالحكم والعقوبات، والسلم والحرب، والجهاد والصلح، والمعاهدة والمعاملات الاقتصادية، هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا على طريق دولة تقوم على أساس الإسلام".

للمشاركة:

"الطريق إلى جماعة المسلمين".. قراءة في أخطر كتب التكوين السري للإخوان

2020-05-21

الاطلاع على المناهج التربوية والحركية للإخوان المسلمين كفيل بكشف جزء كبير ومهم من أهدافهم، ووسائلهم، وأساليب تعاملهم المرحلي "المداهن" مع المجتمع، والسلطة، وأجهزة الدولة، والقوى السياسية، وقادة الفكر والرأي، والمنشقين عنها، والجماعات الدينية الأخرى، ونظرتهم الحقيقية تجاه كل هؤلاء.
وقد وضع أعلام الإخوان مؤلفات أكثر من أن تحصى تروّج لأفكارهم وتؤسطر مؤسس حركتهم ورجالاتهم و"نضالاتهم"، لكن "الطريق إلى جماعة المسلمين" يعد أخطرها على الإطلاق، ومكمن خطورته أنّه يخلص إلى أنّ "الإخوان" هم الجماعة المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع مستخدماً  لغة "البحث العلمي"؛ إذ إنه في الأصل رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نهاية السبعينيات لباحث إخواني يمني مغمور يدعى حسين بن محسن علي جابر، وقامت بطباعته أول مرة جماعة الإخوان المسلمين في الكويت العام 1984 من خلال مكتبتهم "دار الدعوة"، ثم توالت طبعاته في مصر حتى أنه صدرت منه 4 طبعات خلال 4 أعوام فقط (1987-1990)، ويكفي لإدراك أهمية هذا الكتاب معرفة أنّ من قدم له القيادي الإخواني التاريخي المستشار علي جريشة.

 يكشف الكتاب عن أن العنف وسيلة معتمدة مؤجلة لدى الجماعة الإسلامية حتى تحين اللحظة المواتية

يعد الكتاب المرجع الأساسي الذي يشكل العقل الخفي للقاعدة الإخوانية، وكان يدرس في مناهجها حتى وقت قريب في الأسر الإخوانية المنتظمة والعاملة، ويعتبر "المنافستو" الذي يلتزم به الأعضاء العاملون في الدعوة الفردية، وهو مصطلح في قاموس الأدبيات الإخوانية يعني "تجنيد الأعضاء الجدد".
ينبني هذا الكتاب الذي يقع في نحو 466 صفحة على مقولة تأسيسية، جاءت في الفصل الأول منه، وهي أنه "لا توجد جماعة للمسلمين"، ولذا فإن على المسلمين إنشاء هذه الجماعة، فإذ به يأخذ المتلقي في النهاية إلى مقولة أخرى، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين هي نفسها جماعة المسلمين، والتي ستعيد "دولة الخلافة الإسلامية"، وذلك بعد أن يكون الكاتب قد قام بتهيئة عقل المتلقي، لاستقبال النتيجة دون التعرض للاندهاش المباغت.
انتظار اللحظة المواتية
ويكشف عن أن العنف وسيلة معتمدة لدى الجماعة، فأعضاء التنظيم يتربون على انتظار لحظة مواتية لاستخدامها، ويرسخ الأفكار العنفية، باعتبار أن دولة الإسلام المنتظرة لن تقوم إلا بعد معركة دامية بين الحق والباطل، وهو ما اشتهر بين دارسي الإخوان بمفهوم "العنف المؤجل"، أي العنف حينما يأتي وقته، وتقدر عليه الجماعة، ولا يكون له تبعات ولا حساب.
ويعرف الكتاب "جماعة المسلمين" بأنها " أهل الاسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل أتباعهم"؛ فلا تختلف "الإخوان" في هذا الشأن عن الجماعات التكفيرية، والتي ترى من نفسها، جماعة المسلمين، إلا أنّ هذا الكتاب شبه السري الذي استخرجناه من الصناديق المغبرة للجماعة، لا يرى حتمية القتال الفوري والآني، كما تراه غيرها من الجماعات التكفيرية؛ بل يعتمد المرحلية المتدرجة، حتى يصل في النهاية لمشهد إمبراطوري دموي، تقاتل خلاله الجماعة كل الأغيار عنها، بعد تخييرهم بين الالتحاق بركبهم، أو الجهاد ضدها.
يحدد الكتاب الارتباط بين الفكرة والتطبيق بواقع الحركة نفسها من حيث السلب والايجاب، مستشهداً بالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر، إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
تنضح سطور الكتاب، بتكفيرية واستعلائية واضحة، ويعتبر المرجع الأهم للباحثين عن روافد العنف المسلح والتكفير، الذي بدا تحولاً كبيراً وسريعاً ظهر في التنظيمات الدموية التي انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين بعد أحداث 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر.
فلا تختلف مضامين ما جاء في الكتاب، عما جاء في كتاب فقه المقاومة الشعبية، الذي أصدره في 25 كانون الثاني (يناير) 2015 القيادي بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال، الذي لقي مصرعه على أيدي قوات الأمن في العام 2016، واستخدمت فيه مصطلحات من عينة " الطائفة الممتنعة" و"أحكام دفع العدو الصائل".
فالكتاب يرى "ممانعة جميع الدول الاسلامية في تحكيم شرع الله، ورفع راية الجهاد لأنها تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، وتقمع من طلب عكس ما تريد، وإن الذين يسعون في ركابها بحسب ما تريد رغبة في التعايش السلمي معها مخطئون، وعليهم أن يتوبوا ويقلعوا عن الذي هم فيه، ويستغفروا الله".
حدود "الجماعة".. العالم كله
يحاول الكاتب بين الحين والآخر، تغذية المستهدفين، بما يطلق عليه، مبدأ سيسيولجيا الأمل، الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات، لدى شرائح واسعة من الشباب المحبط، فيؤكد أن هدف تلك الجماعة هو "فتح" العاصمة الإيطالية روما، وعلى أن الكرة الأرضية ملك لها خالصة من دون الناس.
حدود تلك الجماعة، كما يكشف الكتاب، هي "العالم كله"، لكن التنفيذ يبدأ بديار المسلمين، ثم ينتقل للغزو بعد ذلك في اتجاه "دار الحرب"، حتى تعلو راية تلك الجماعة على المعمورة.
تنطلق الفكرة من قاعدة تقضي بأن للمسلمين ملكية الأرض جميعاً، واستيلاء "أهل الباطل" لبعض أجزائها، هو استيلاء منهم على حق من حقوق جماعة المسلمين، إلا أن الكاتب يعود ليؤكد مرة أخرى، على مبدأ الفتح التدريجي.

 يحاول الكاتب تغذية المستهدفين بالأمل الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات خاصة بين الشباب المحبط

يحدد الكتاب هنا نقاطاً للوصول؛ الأولى: أن كل شبر على هذه "الأرض" قامت عليه جماعة من الناس تحكم نفسها بشرع الله، فهو "دار عدل"، ونقطة الانطلاقة الثانية: هي أن يتحد أهل دار العدل هؤلاء مع غيرهم، من دور العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة، ثم نقطة الانطلاقة الثالثة: هي أن تنطلق جبهة دار العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة.
ثم نقطة الانطلاقة الرابعة: أن تنطلق جبهة العدل المتحدة أو دولة دار العدل المتحدة إلى من حولها من الناس تبلغهم الأحكام وتخضعهم لأحكامه انطلاقة مستمرة "حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله".
أما الهدف العام لجماعة المسلمين كما يحدده الكتاب هي: "أن تعبد البشرية رباً واحداً وتتزعم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تزيل الفتنة من الأرض كافة وفتح رومية عاصمة إيطاليا".
التحذير من استعجال قطف الثمرة
ويحذر الكتاب من مغبة الدخول في المواجهة قبل امتلاك الأرض فيقول: إن الجماعة التي تحدد المواجهة مع السلطة على الأرض التي تقف عليها الجماعة نفسها جماعة تعبث بقوتها وتهلك أفرادها بأقل كلفة، وأيسر خسارة لتلك السلطة المهيمنة على تلك الأرض، وهي جماعة مقضي عليها بالفشل والهلاك، وهي بعيدة عن النهج النبوي والتوجيه الرباني.
ثم يعود الكاتب للتحذير مما يطلق عليه "استعجال قطف الثمرة قبل نضوجها" ويضرب بذلك مثالاً بشعب أريتريا مع إثيوبيا، وقضية مسلمي الفلبين مع حكومة الفلبين، ففي قضية شعب أريتريا أدخلته قياداته في مواجهة عسكرية مع حكومة إثيوبيا، وحكومة إثيوبيا هي القابضة على أرض ذلك الشعب، فكانت النتيجة أن قتل وشرد أكثر من ذلك الشعب وانسحبت القيادة تجر وراءها ذيول الفشل والخسارة.
وكذلك قضية مسلمي الفلبين "يقتلون جندياً واحداً من جنود الحكومة التي تحكم الأرض التي يقطنها المسلمون فتبيد الحكومة "الفاجرة" قرية أو عدداً من قرى المسلمين، كل ذلك لأن قيادة المسلمين حددت نقطة المواجهة مع تلك الحكومة قبل أن تملك الأرض التي سوف تنطلق منها إلى تلك المواجهة".
لا للتعددية
يخوض الكاتب حرباً ضد الجماعات الإسلامية من غير الإخوان المسلمين، فهو يرى أن "تعدد الجماعات في الأمة باطل يجب أن يزول، وأن الواجب أن تصب جهود الأمة كلها في قالب واحد وفي اتجاه واحد".
ويقف بالمرصاد ضد فكرة التعددية؛ بل إنه يرى في التعددية ظاهرة يجب القضاء عليها بالقتال قضاء مبرماً، وفي سوقه للأدلة على عدم وجود جماعة المسلمين يقول: "الإسلام لا يعترف بتعدد الحكومات التي تحكم الأمة الإسلامية، فالإسلام لا يعترف بغير حكومة واحدة على رأس الأمة الإسلامية، بل يطالب الأمة الإسلامية أن تقتل الحاكم الثاني مباشرة كما بينت النصوص الشرعية (إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما)".
ويعود للسرد التاريخي ليحاول تأكيد صدقية مقولاته: "لو كان التعدد في الحكومات جائزاً لما قاتل عليٌّ معاوية القتال العادل، وأهدر دماء صفوة الأمة الاسلامية من الصحابة الكرام والتابعين الابرار، ولما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجبهة المقاتلة لعلي الفئة الباغية".
السرية والكتمان
تعتبر السرية ركناً أصيلاً ومهماً عند تنظيم الإخوان، لا يرتبط بمرحلة معينة، ولا بظروف طارئة، فالجماعة عرفت السرية منذ إنشاء مؤسسها حسن البنا لــ"النظام الخاص" الذي اشتهر لاحقاً بـــ"الجهاز السري".. فقد أحاط البنا هذه القوة العسكرية الخاصة بقدر كبير من السرية والكتمان.
ويسقط الكاتب تاريخ السرية النبوية، على جماعة الإخوان، فيختلط السياق، وتندمج السردية؛ إذ تؤصل مناهج الإخوان لأهمية السرية، وتفرد لها مساحات واسعة، وكعادة الإخوان دائماً، تزعم كتب المناهج أن السرية هي اقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي عرفت دعوته في مكة مرحلتين: الأولى هي سرية الدعوة وسرية التنظيم، والثانية هي علنية الدعوة مع استمرار سرية التنظيم.

 الكتاب يتهم جميع الدول الاسلامية بممانعة تحكيم شرع الله لأنها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف

هو نفسه ما يقوله فتحي يكن في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟": "لا يجوز أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق، بل إن ذلك يعد جهلاً بالإسلام، وتعريضاً للحركة وأفرادها لمكر الأعداء".
ولا يختلف ما جاء في هذا الكتاب عن سابقه؛ فعندما يعرض للوسيلة التي سيتحقق من خلالها أهداف الجماعة، فيكشف عن أنها "السرية" مبرراً لها بمقولة: "حتى لا تضرب الدعوة في مهدها"، ثم يعرض للوسيلة الثانية في بناء "الجماعة المسلمة" وهي "الجانب التنظيمي".
ويوضح الكتاب المقصود بالسرية في عمل بناء الجماعة فيؤكد أن "تنحصر معلومات خطة العمل في محيط القيادة العامة للعمل، وأن يجهل الأشخاص في العمل السري بعضهم بعضاً من حيث التكاليف والمهام، وأن يعلم كل واحد في العمل مهمته دون غيره، فلا تخرج معلومات مهام عمرو إلى زيد بحال من الأحوال".
وكل عمل ينقسم إلى قسمين من حيث وجوده في الحياة والعمل الإسلامي، قسم تنظيمي: ويجب أن يكون سراً، وقسم فكري وروحي: وهو الذي يجب أن يكون جهراً ضمن خطة مدروسة.
وتبقى السرية، مبدأً سارياً وممتداً، حتى بعد دخول مرحلة الدعوة العلنية، فيبقى جزء علني معروف للناس، ويظل الجزء الآخر في طي الكتمان، ويضرب بذلك مثالاً بما كان في عهد الجماعة المسلمة الأولى من إعلان أعلام قريش الذين أسلموا ولم تخش الدعوة عليهم سطوة الكفار بسبب قوة قبائلهم فكانوا الواجهة التي تدعو للإسلام.
وأما الطائفة الثانية فهي تمثل ضعاف المسلمين ممن لا سند لهم يدافع عنهم أمام سطوة قريش وجبروتها، فكان عملهم كله سرياً، وكانت مناهجهم كلها سرية.

تَقِيّة المرحلية
ويتوقف الكتاب عند قضية "المرحلية" أكثر من مرة؛ فهي إحدى أهم ركائز جماعة الإخوان، بل هي الإطار الحاكم لتصرفات وقرارات وخطاب الجماعة عبر عقود، وإدراكها يكشف تماماً طبيعة فكر الإخوان ونوايا الجماعة، فتحت مظلة "المرحلية"، تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها، وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها.
فيرى الكاتب أن التدرج في الخطوات عند التنظيم من أهم ما يميزه؛ لأن ذلك كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعتقادهم أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الناس، ومرحلة التكوين وتجهيز الأنصار وإعداد الجنود، ومرحلة التنفيذ وهي مرحلة العمل والإنتاج.

 تحت مظلة "المرحلية" تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها

إن إدراك الموقف الحقيقي للإخوان من استخدام القوة والعنف لفرض رأيهم السياسي، أو للتخلص من خصومهم، هو أمر في غاية الأهمية، ليس فقط للإحاطة بحقائق الماضي، ولكن لإدراك سبل التعامل المناسب مع الجماعة مستقبلاً.
ومفهوم "المرحلية" عند الإخوان أن يكون للجماعة خطاب ومواقف تخدم تنظيمهم في مرحلة سياسية وزمنية معينة، حتى لو كانت هذه التصرفات مضرة بالصالح العام للمجتمع، وحتى لو كان هذا الخطاب يكذب على المخاطبين، وكتب الإخوان تعرف ما يسمى بـ"خطاب الاستضعاف" و"خطاب التمكين"، فالأول يتسم بمودة مصطنعة، وقبول للآخر، لا تظهر فيه الجماعة نواياها، والثاني تكشف فيه الجماعة عن أهدافها ووسائلها دون خوف أو تردد.
وقد تحدث سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" عن المرحلية معتبراً إياها سمة من سمات الدين، الذى يحدد لكل مرحلة وسائلها من بدء ميلاد طليعة البعث الإسلامي، وصولاً إلى مرحلة التمكين وإزالة الطواغيت، بتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية.
 

الحشد والمفاصلة
أما عن وجوب اكتمال العدد؛ فيشدد الكاتب على أنه لا بد أن يصل عدد أفراد الجماعة الذين سيدخلون المعركة رقماً معيناً من الجيش المقابل، وأن يكون قرار بدء المواجهة من خصوصيات القيادة العليا للجماعة، وأنها لا تكون إلا بعد التمكين من الأرض الصالحة التي سيكون منها ذلك الانطلاق واكتمال العدد الذي ستكون به المواجهة.
ويصل الكاتب إلى أهم وسائل الجماعة إلى أهدافها الخاصة، وهي "وجوب إعادة أجهزة الإعلام والتعليم والاقتصاد وغيرها من أجهزة الدولة إلى الإسلام، ليتولى توجيهها ضمن حدوده وتشريعاته".، و"الضرب بيد من حديد على كل عناصر النفاق والفسق في الأمة وتطهير المجتمع منهم، وإعداد الأمة الإسلامية إعداداً يتناسب مع مطالب المرحلة القادمة من حيث الإعداد والعدة".
أما الوسائل العامة لجماعة المسلمين فهي: "إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة من خلال أجهزة الإعلام في الدولة الإسلامية، مطالبة كافة البشرية بالدخول للإسلام لنسخه سائر الأديان، ومطالبة كافة الدول بالخضوع لتعاليم الإسلام، وفى هذا الباب سواء كانت هذه الدول غربية علمانية لا صلة لها باليهودية والنصرانية، أو شرقية اشتراكية لا تعترف بالأديان".
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة".
ويحدد الكاتب محاور الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى؛ الأمر الذي يحدد نقاط الحركة بين الوسائل والأهداف في الجماعة، فالرسول لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين الحنيف، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة"، وعند إقامة الجماعة المسلمة للدولة الاسلامية فإن أحكام الشريعة يجب أن تطبق بشكل كامل وفوري.

الإخوان.. المخلص الأوحد
ويخلص في النهاية إلى أن "الجماعة تتبرأ من كل الحكومات ولا تعترف بالدول التي لا تحكم بالإسلام"، مستشهداً بسعيد حوّى: "وبما أن ولاة الأمر في الأمة اليوم بين كافر أو منافق أو فاسق لا تصح موالاتهم، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هي أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة في عصرنا الحاضر"، ليصل الكتاب بذلك إلى مبتغاه بأن يجير للإخوان المسلمين جميع مع ذكر من صفات "الجماعة" الصادقة؛ فهي التي يجب الالتحاق بركبها شرعاً؛ "من خلال دراستنا لمبادئها وأفكارها... يتقرر أنها أقرب الجماعات المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع، وأنها الجماعة التي سيكون على يدها عودة مجد الأمة الإسلامية وكرامتها بإذن الله"، فما تتمتع به "من الدقة والوضوح في النظام والتنظيم هو ما ينبغي على كل جماعة من الجماعات الإسلامية الاهتمام به، خاصة في هذا الوقت الذي نظم الكفر نفسه ليحول بين المسلمين وأهدافهم".
ثم يعرج على أهم الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة ليكشف ثغراتها وعيوب منهجها ومن ثم مخالفتها للدين، ويحرضها على الالتحاق بالإخوان لأنها الجماعة المنوط بها الوصول لهدف إقامة الدولة والدين، كما يخاطب الفرد المستهدف بالدعوة الإخوانية من أجل إقناعه بأن جماعة الإخوان هي الجماعة الكاملة الربانية.
وبعد تفكيك الكتاب لمناهج الجماعات الإسلامية الأخرى المنافسة لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال إثبات قصور مناهج تلك الجماعات، وعدم موافقتها لمراد الله، ليقدم بعد ذلك ما أسماه "الجماعة المرشحة" لأن تكون "جماعة المسلمين" التي تحمل راية الله في الأرض وتقيم دولة الخلافة الإسلامية".
وفي الختام يتطرق الكتاب إلى صفات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، فيجعله كائناً قديساً اجتمعت فيه خصائص القائد الرباني الذي صنعه الله على يديه ليجدد لهذه الأمة دينها، ويصنع هو جماعة المسلمين التي ترجع للأمة عزها ومجدها فيقول "وقد كتب عن هذه الشخصية الفذة وعن جماعته الكثير من العلماء.. ولم يبق لي من مزيد سوى الاقتباس القليل بما يناسب المقام"، ثم ينقل عن حوّى: "إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها وخفقت إعلامها على رأسه الشريف.. كان لله بكلية روحه وجسده بقلبه وقالبه بتصرفاته كلها، كان لله فكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار".

 

للمشاركة:



أردوغان يشن حملة اعتقالات جديدة.. ما الأسباب الحقيقية وراءها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قرارات باعتقالات جديدة بحق 118 شخصاً في إسطنبول.

السلطات التركية تصدر قرارات باعتقالات جديدة بحق 118 شخصاً بينهم 98 عسكرياً

ومن بين المعتقلين 98 عسكرياً في 35 مدينة في إطار تحقيقين منفصلين مركزهما بإسطنبول، بتهم تتعلق بالمشاركة في "محاولة انقلاب" عام 2016 التي أصبح يستخدمها الرئيس رجب طيب أردوغان ذريعة لسجن معارضيه من العسكريين والسياسيين أو حتى من الصحفيين والناشطين المدنيين، وفق ما نقلت صحيفة "زمان" التركية.

وتأتي حملات الاعتقال رغم تفشي فيروس كورونا المستجد، الذي حصد أرواح أكثر من 4500 شخص.

وشكك عدد من المراقبين للشأن التركي بمسببات الاعتقال، مؤكدين أنّه طرأ في القوات المسلحة التركية الكثير من الانشقاقات والاعتراضات حول تدخل أردوغان وحكومته في عدد من الدول ما أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأتراك، مستندين إلى ما حدث عند مقتل عشرات الجنود الأتراك في شباط (فبراير) الماضي في حادثة قصف من قبل الجيش السوري، عندها شهدت المؤسسة العسكرية التركية موجة من الاستقالات تمّت السيطرة عليها لاحقاً، بالإضافة إلى التستر عن مقتل عناصر من الجيش برتب عليا خلال الحرب الدائرة في ليبيا ما ينذر بانشقاقات كبيرة تفسر الحملة الحالية على مؤسستي الجيش والأمن.

يشار إلى أنّه، حتى شباط (فبراير) الماضي وصل عدد المفصولين من القوات المسلحة عقب انقلاب 2016 المزعوم إلى 28 ألفاً و148 شخصاً، من بينهم 24 ألفاً و185 مفصولاً بمراسيم من رئيس الجمهورية أردوغان، و3 آلاف و963 بقرار حمل توقيع وزير الدفاع خلوصي أكار.

للمشاركة:

كورونا يهدد إيران.. ارتفاع حالات الوفيات والإصابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

سجلت وزارة الصحة الإيرانية، الثلاثاء، 64 حالة وفاة جديدة ليرتفع إجمالي الوفيات إلى 7942.

وزارة الصحة الإيرانية تسجل اليوم 64 حالة وفاة و3117 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهانبور، اليوم، إنّ إجمالي عدد الإصابات ارتفع إلى 157 ألفاً و562 حالة، بعد تسجيل 3117 حالة إصابة جديدة، حسب وكالة (إرنا) الإيرانية.

ولفت جهانبور إلى أنّ 2565 من المصابين في وضع صحي حرج.

وكان برلمانيون وأعضاء مجالس بلديات اتهموا وزارة الصحة، في وقت سابق، بإخفاء إحصائيات وفيات ومصابي كورونا.

وذكر مركز دراسات البرلمان في وقت سابق، في تقرير له، أنّ عدد الوفيات الحقيقي يبلغ ضعفي العدد الرسمي، وأنّ عدد المصابين يصل بين 8 إلى 10 أضعاف الأرقام التي تعلنها وزارة الصحة.

وفي السياق، كانت بعض الأحزاب والمجموعات السياسية، قد أصدرت يوم 29 شباط (فبراير) الماضي، بياناً حول تفشي فيروس كورونا في إيران، دانت فيه منع النظام الإيراني للتدفق الحر للمعلومات، وطالبت بالإعلان عن الإحصائيات الدقيقة للوفيات والمصابين بالفيروس المذكور.

برلمانيون: عدد الوفيات بسبب كورونا يبلغ ضعفي العدد الرسمي، وعدد المصابين يصل بين 8 إلى 10 أضعاف المعلن

هذا ونشر مرصد حقوق الإنسان في إيران، أمس، تقريراً يؤكد فيه تشديد النظام الإيراني من ضغوطه القضائية والأمنية على النشطاء السياسيين والمدنيين والأقليات الدينية، تزامناً مع تفشي فيروس كورونا في مختلف المحافظات الإيرانية.

وأشار المرصد الحقوقي، في تقريره، إلى حالات انتهاك حقوق الإنسان في إيران، خلال شهر مايو (أيار) الماضي، لافتاً إلى أنّ العديد من السجناء الذين تم منحهم إجازة بسبب تفشي فيروس كورونا في السجون الإيرانية، تمت إعادتهم إلى محبسهم مجدداً.

ولفت المرصد إلى تدهور "الظروف في السجون الإيرانية سيئة السمعة"، مشيراً إلى إصابات بفيروس كورونا في بعض السجون، مثل: سجن قرجك ورامين، وسجن أرومية المركزي، وسجن شيبان في الأهواز، وسجن إيفين، وفشافويه، ووكيل آباد في مشهد.

إلى ذلك، انتقد التقرير عمليات اعتقال النشطاء الحقوقيين والمحامين والمشاركين في الاحتجاجات السلمية، خلال شهر أيار (مايو) الماضي، وإصدار أحكام قضائية مغلظة ضد بعض هؤلاء المعتقلين.

مرصد حقوق الإنسان: العديد من السجناء الذين تم منحهم إجازة بسبب كورونا تمت إعادتهم إلى السجون

وذكر التقرير أيضاً اعتقال عدد من النشطاء الشباب من قبل الحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات الإيرانية.

وأفاد المرصد بأنّ من بين انتهاكات حقوق الإنسان إصدار أحكام بالسجن ضد 16 شخصاً من المحتجين على إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ الحرس الثوري، دون تمتعهم بمحاكمة عادلة، وحرمانهم من الحصول على محامين.

تجدر الإشارة إلى أنّ منظمات حقوقية دولية شددت على ضرورة عدم استخدام الحكومات حول العالم لقوانين الطوارئ في ظل جائحة كورونا، وعدم اتخاذ ظروف الوباء ذريعة لقمع المعارضين.

للمشاركة:

أندونيسيا لن ترسل مواطنيها للحج.. والسعودية تحسم مصير الموسم قريباً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

أعلنت الحكومة الأندونيسية، اليوم، أنّها لن ترسل مواطنيها للحج في المملكة العربية السعودية بسبب المخاوف من فيروس كورونا المستجد، بينما لم تحسم المملكة مصير موسم الحج للعام الجاري بعد.

الحكومة الأندونيسية تعلن أنها لن ترسل مواطنيها إلى السعودية للحج بسبب المخاوف من فيروس كورونا

وقال وزير الشؤون الدينية، فخرول الرازي، خلال مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، إنّ "الحكومة قررت عدم إرسال حجاج في العام الحالي، مضيفاً: "هذا قرار مرير وصعب علينا اتخاذه"، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء "أنتارا" الأندونيسية الرسمية.

وأضاف الوزير الأندونيسي: "لقد بذلنا جهوداً شاملة، ولكن من ناحية أخرى، نحن مسؤولون عن حماية الحجاج"، وتابع بالقول إنّ "السعودية لم تسمح بعد بدخول حجاج من أي دولة في العالم. ولم يبق لدى حكومتنا وقت كافٍ لإعداد خدمات وحماية الحجاج".

وأفادت وكالة أنباء "أنتارا"، وفق شبكة "سي ان ان"، بأنّ أندونيسيا كانت قد حصلت على أعلى حصة للحج وخططت لإرسال 221 ألف حاج إلى مكة هذا العام.

وأضافت أنّه تم قرار الحكومة على أساس دراسة شاملة قام بها فريق من الوزارة وبعد التشاور مع مجلس العلماء الدينيين الأندونيسيين.

صحف سعودية: سيعقد اجتماع للمسؤولين السعوديين لتقرير مصير موسم الحج لهذا العام

هذا ونقلت عدد من الصحف السعودية، أمس، أنّ هناك اجتماعاً مرتقباً للمسؤولين بالمملكة العربية السعودية، سيُقام في مدينة الرياض خلال اليومين القادمين؛ لتقرير مصير موسم الحج لهذا العام، وإصدار الضوابط الجديدة لأداء الفريضة في حال ما تقرر انطلاق الموسم، والتي ستتضمن الإجراءات الاحترازية والوقائية ضد انتشار فيروس كورونا لمنع انتقال المرض من شخص لآخر.

الضوابط السعودية ستوضح العديد من النقاط الغامضة؛ كأعداد الحجاج وأعمارهم وكيفية التسكين بالفنادق وهل ستكون هناك زيارات للمدينة المنورة وإمكانية الإقامة بمشعر منى في ظل ضيق المساحات بها والتكدس الذي تشهده كل عام، إضافة إلى الإجراءات الصحية التي سيتم اتباعها مع المسافرين قبل وأثناء سفرهم للأراضي المقدسة.

هذا وقد تمهلت الدول الإسلامية في إجراء أي تعاقدات للحج تنفيذاً لتعليمات وزارة الحج السعودية في آذار (مارس) الماضي، بشأن التريث في تعاقدات الحج لهذا العام بسبب انتشار جائحة كورونا.

للمشاركة:



هكذا يبيع لاجئون سوريون في تركيا أعضاءهم لـ"يعيشوا"!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

محيي الدين حسين

يلجأ لاجئون سوريون في تركيا إلى بيع أعضاء من أجسادهم لمجرد تغطية احتياجاتهم اليومية، وذلك عبر سماسرة يستغلون مسألة "التبرع بالأعضاء" ويحولونها إلى تجارة مربحة بأعضاء البشر، فكيف تتم هذه "التجارة"؟ وما هي أسباب ازدهارها؟

لايزال أبو عبد الله يشعر بآلام في خاصرته. فاللاجئ السوري الذي يعيش في تركيا منذ أربع سنوات باع إحدى كليتيه لسماسرة الاتجار بأعضاء بالبشر، لكي يخرج من ضائقة مالية ألمّت به. "بيع الأعضاء للبقاء على قيد الحياة" هو عنوان الوثائقي الذي نشرته قناة "سي بي إس" الأمريكية والذي عرض قصة أبو عبدالله.

القصة بدأت عندما رأى أبو عبدالله منشورات على الفيسبوك يعرض فيها بعض الأشخاص مبالغ مالية مقابل أعضاء بشرية. فاتفق أبو عبدالله مع سمسار للاتجار بالأعضاء على بيع إحدى كليتيه بمبلغ 10 آلاف دولار.

وتنتشر على الفيسبوك مجموعات يتم فيها الاتجار بأعضاء البشر تحت اسم "التبرع بالأعضاء بمقابل مادي". وفي حين ينشر فيها "متبرعون" معلوماتهم مثل الجنسية وزمرة الدم وحتى أرقام الهواتف، يقدم فيها سماسرة الاتجار بالأعضاء مبالغ مختلفة لكل عضو، وتتعلق غالبية تلك العروض بالكلى. وكتب أحد أولئك السماسرة في إحدى المجموعات: "نقدم لك خدمة تأمين متبرع بمقابل مادي مع تسهيل إجراءات المستشفى".

وفي حين يعتبر الاتجار بأعضاء البشر ممنوعاً في تركيا، فإن "التبرع بالأعضاء" بين الأشخاص الذين تربطهم علاقة عائلية مسموح، وهذا ما يستغله سماسرة الاتجار بالأعضاء.

بيع على هيئة تبرع وبأوراق مزورة
يقول أبو عبدالله إنه وقبل أن يخضع للعملية طلب منه الطاقم الطبي في المستشفى أن يؤكد شفهياً أنه على صلة قرابة بالشخص المُتبرَّع له. وحتى في الحالات التي لا يكفي فيها هذا "التأكيد الشفهي" – بحسب الوثائقي- يتم استخدام وثائق مزورة تُظهر وكأن الشخص يتبرع بكليته لأحد أقربائه، وإن كان في الحقيقة لا يعرف من هو "قريبه المفترض".

بعد انتهاء العملية، لم يحصل أبو عبدالله سوى على نصف المبلغ المتفق عليه، ثم انقطع الخط الهاتفي للسمسار و"اختفى".

لاجئون سوريون آخرون مروا بقصص مشابهة، مثل أم محمد، الأم لثلاثة أولاد، والتي باعت نصف كبدها مقابل 4 آلاف دولار، من أجل أن تدفع إيجار البيت لسنتين.

بيع اللاجئين أعضاءهم لم يثر استغراب رجل الأعمال السوري يقظان الشيشكلي، الذي أسس منظمة لمساعدة اللاجئين في تركيا. يقول الشيشكلي لـ"سي بي إس": "ليس لديهم خيارات أخرى"، ويضيف: "إنهم يفكرون: لا بأس إن مت. لكن على الأقل سأحصل على بعض المال لأعطيه لعائلتي"، مشيراً إلى أن الظروف التي يعيش فيها اللاجئون "سيئة للغاية" وأنهم يبيتون "بدون مأوى وبدون طعام في بعض الليالي".

"خليط من الفقر وقلة الوعي"
لكن د.محمد، وهو طبيب سوري يعيش في تركيا، يرى أن هناك أسباباً أخرى وراء بيع بعض اللاجئين أعضاءهم، ويضيف لمهاجر نيوز: "اللجوء إلى بيع الأعضاء سببه خليط من الفقر وقلة الوعي والانخداع بوعود السماسرة"، ويضيف: "هناك العديد من اللاجئين الذين قد تكون أوضاعهم أسوأ من الأوضاع التي يعيش فيها أبو عبدالله أو أم محمد، لكنهم لا يفكرون باللجوء إلى هذه الطريقة ويحاولون حل مشاكلهم المادية بطرق أخرى".

ويؤكد د.محمد على ضرورة أن تعالج السلطات التركية "الثغرات" التي تسمح للسماسرة بتحويل التبرع بالأعضاء إلى اتجار بالبشر، وذلك بزيادة التشديد على المستشفيات فيما يخص هذا الموضوع.

"المساعدات قد تخفف المشكلة"
وقضية بيع اللاجئين أعضاءهم في تركيا ليست جديدة، ففي تموز/يوليو عام 2019 تصدرت القضية عناوين الصحف التركية بعد أن ألقت الشرطة القبض على لاجئ سوري في أحد مستشفيات إسطنبول قبل البدء بعملية نقل كليته مقابل 10 آلاف دولار، في صفقة تمت عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال وسيط، كما نقلت صحيفة جمهوريت التركية.

ورغم أن السلطات التركية تلاحق عصابات وسماسرة الاتجار بالأعضاء، قال أحد السماسرة الذي كان يتم تصويره سراً من قبل فريق "سي بي إس" إنه مستمر في عمله وإنهم أجروا عشرات العمليات المماثلة.

وكان تحقيق استقصائي لفريق من القناة الألمانية الأولى قد كشف قبل عامين أن لاجئين سوريين يبيعون أعضائهم البشرية في تركيا من أجل العيش. وأفاد التقرير أن أغلب الزبائن هم أثرياء من الدول الغربية ومن السعودية. وفي حالة أبو عبدالله أيضاً، يعتقد اللاجئ السوري أن الشخص الذي حصل على كليته هو مواطن أوروبي.

ويرى د. محمد أن الدول الأوروبية أيضاً تتحمل مسؤولية الأوضاع السيئة التي يعيش فيها اللاجئون السوريون في تركيا، مشيراً إلى أنه يمكن للدول الأوروبية أن تساعد على "تخفيف" مشكلة بيع اللاجئين لأعضاءهم من خلال زيادة المساعدات، ويضيف: "المشكلة أن المساعدات قليلة وطرق إيصالها ملتوية".

أما حل العديد من المشاكل التي يعاني منها اللاجئون السوريون في تركيا، فلن يتم – بحسب د.محمد – إلا بعودة اللاجئين إلى بلدهم بعد أن تنتهي الأزمة، "لتنتهي المعاناة اليومية للسوريين".

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:

الإمارات تحتل مراتب متقدمة في 9 تقارير تنافسية عالمية مرتبطة بـ "كورونا"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

بشار باغ

أظهر تقرير صادر عن الهيئة الاتحادية للتنافسية والاحصاء، اليوم الثلاثاء، تصدر دولة الإمارات لمراتب متقدمة دولياً في 9 تقارير عالمية مرتبطة بجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19).

واحتلت الدولة المرتبة الثالثة عالمياً في تدابير احتواء فيروس كورونا المستجد من قبل الحكومات وفق تقرير مؤسسة "تولونا وبلاك بوكس".

كما صنف تقرير "ستاندر آند بورز جلوبال بلاتس" العالمية الإمارات باعتبارها الدولة العربية الأفضل استعداداً لمواجهة تراجعات أسعار النفط والتداعيات الاقتصادية لانتشار كورونا.

وتربعت الدولة في المرتبة التاسعة عالمياً في كفاءة وفعالية قيادة الدول ومدى استعداد انظمتها الصحية للتصدي للجائحة في تقرير مؤشر الاستجابة العالمية للأمراض المعدية الصادر عن معهد المحاسبين الإداريين المعتمدين.

واحتلت الإمارات المرتبة العاشرة عالمياً في فعالية العلاج لمصابي الفيروس المستجد في تقرير صادر عن مجموعة "ديب نولج".

وجاءت الدولة في المرتبة العشرين عالمياً في التعليم ضمن تقرير صادر عن مؤسسة "فيوتشر ليرن".

كما جاءت في المرتبة 11 عالمياً من حيث السلامة من الفيروس المستجد ضمن تقرير صادر عن مؤسسة "ديب نولج".

واحتلت الإمارات المرتبة 12 عالمياً كأفضل دولة للاستثمار أو ممارسة الأعمال التجارية لعام 2020 وفقاً تقرير صادر عن مجلة "سي إي أو" العالمية المتخصصة في الأعمال والاستثمار.

وجاءت الإمارات في المرتبة الأولى عربياً و24 عالمياً في سرعة الأداء العالمي للأنترنت وفقاً لتقرير شركة "أوكلا" المتخصصة في اختبار الانترنت والبيانات والتحليلات.

كما صنفت الإمارات ضمن أقوى 20 اقتصاداً ناشئاً من حيث القوة المالية بحسب مجلة "إيكونومست".

عن "البيان"

للمشاركة:

اغتيال الحلاق.. الاحتلال يسبق الاعتقال بإزهاق الأرواح

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

داود عبدالرؤوف

ما إن تطأ قدماك مداخل البلدة القديمة في مدينة القدس المحتلة، حتى تتفجر أمامك قصص العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية بدم بارد.

بيْد أن تلك القصص تقاطعت جميعها عند سؤال واحد، هو: لماذا لم يتم اللجوء إلى الاعتقال بدل إطلاق النار على الفلسطيني تحت ستار "الاشتباه"؟.

سؤال يجرنا إلى قصة الشهيد إياد الحلاق ابن الـ 32 عاما من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي استشهد برصاص عناصر الشرطة الإسرائيلية، في باب الأسباط ، السبت الماضي، بداعي الاشتباه بوجود جسم مشبوه في يديه اُكتشف لاحقا أنه كيس من النفايات.

الرصاصة القاتلة
6-8 رصاصات 2 منها اخترقتا جسد إياد لتصيبه في مقتل، بزعم أنه كان يحمل سكينا في جيبه، وإذ به كيس من النفايات حمله شخص يعاني من التوحد، بينما كان ذاهبا إلى مدرسته.

زياد الحموري، مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، قال لـ"العين الإخبارية": "منذ العام 2015 أطلق عناصر الشرطة الإسرائيلية النار على العديد من الفلسطينيين بالبلدة القديمة وخاصة باب الأسباط وباب العامود بداعي الاشتباه وبزعم محاولة الطعن".

وأضاف: " يتضح من تفاصيل جميع عمليات القتل أن هناك سياسة ممنهجة بإطلاق النار على الفلسطيني بهدف القتل تحت ستار مزاعم الاشتباه".

وتابع الحموري: "من الممكن أن يجد أي شخص نفسه شهيدا فقط لأجل قيامه بحركة معينة بيده أو جسده".

وبرزت هذه السياسة منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015 حينما أطلقت شرطة الاحتلال النار على فادي علون، 19 عاما، وباسل سدر، 20 عاما، في منطقة باب العامود، بتهمة لم تثبت عن محاولة الطعن.

وفي حينه قال مركز "بتسيلم" الحقوقي الإسرائيلي: "في الحالتين (علون وسدر) هناك اشتباه كبير بأنّ إطلاق النار لم يكن بهدف منع خطر شكّله المشتبه بهما في حادثة الطعن، وإنما كان بهدف قتلهم".

واعتبرت أن "الدّعم الذي توفره القيادة السياسية لهذا السلوك والجو الجماهيري الذي يدعم قتل الفلسطينيين المشتبه بهم، يضمنان تواصل وقوع مثل هذه الحالات".

ولم يحاسب القتلة الإسرائيليون على جريمتهم وأصبح إطلاق النار عادة تتكرر مرة كل شهر على الأقل بزعم الاشتباه.

حلال للاحتلال حرام على الفلسطيني
وعلى الرغم من انتشار عشرات كاميرات الشرطة الإسرائيلية في شوارع القدس إلا أنها لا تظهر تصويرها إلا في حال مهاجمة شرطي أو مستوطن.

وفي هذا الصدد، أوضح الحموري: "الشرطة، كما هو الحال في قضية الحلاق ، رفضت الإفراج عن تسجيلات التصوير وهو ما يشكل غطاء لعناصرها لمواصلة عمليات القتل".

وتابع: "تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن تناقض رواية الشرطي مطلق النار على الحلاق ورواية قائده، وكان بالإمكان حسم هذا التناقض لو تم الإفراج عن الشريط، ولكن هذا لم يتم".

وأكد الحموري أن تعامل الحكومة الإسرائيلية مع تكرار حوادث القتل هذه تظهر بوضوح أن هناك تعليمات بإطلاق النار على أي كان وأنه لا عقوبة على من يقوم بذلك.

النائب العربي أحمد الطيبي أثار هذه القضية مجددا في الكنيست ، يوم أمس الإثنين.

ومن على منصة الكنيست، قال الطيبي: " لماذا هذا الاستهتار بالدم العربي الفلسطيني؟ لأن من يحمل السلاح مُشبّع بالفكر العنصري والتحريض الحقير ضد العرب. إنه الاحتلال".

مضيفا "من يطلق الرصاص ويقتل بدم بارد يعتقد أنه سيتم منحه ترقية لأن الضحية عربي. هؤلاء هم حثالة البشرية ومكانهم في مزبلة التاريخ. لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي وننظر إلى عيون أمهات الشهداء الذين يسقطون بدم بارد".

وشدد الطيبي على ضرورة إيصال هذه الجريمة إلى محكمة الجنايات الدولية وليس إلى وحدة التحقيقات في الشرطة الإسرائيلية، "فالقدس منطقة محتلة ويسري عليها القانون الدولي".

وحتى الآن لم يعاقب أي شرطي إسرائيلي على إطلاق النار بدون مبرر.

استشهد إياد حتى دون أن يعرف السبب، لكن صورته وهو واقفاً أمام الكاميرا يحمل وردة بين يديه، بقيت أثرا منه يذكّر العالم بأن العدل سقط على المداخل حين استباحت إسرائيل دم الفلسطيني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية