الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار

702
عدد القراءات

2018-12-27

منذ أن اقتحمت طائرتان مركز التجارة العالمي في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، انطلق على نحو صاخب نقاش هائل عن الصراع بين رأسمالية العالم الحر والنسخة الراديكالية من الإسلام، انخرط فيه أكاديميون وصحفيون وإعلاميون وسياسيون، في وقتٍ دأب فيه اليسار - في عمومه - على تجاهل هذا الكرنفال على اعتبار أنه يخدم مصالح القوى الحاكمة أكثر مما يهدد وجودها، وكإحدى القضايا التي تضطلع بها الحكومات المختلفة بهدف التعمية على القضايا الأكثر أهمية، بالإضافة إلى أن المنحى الثقافوي، الذي أخذته طبيعة تحليل الظاهرة الإرهابية عبر ردها إلى خصائص تتعلق حصراً بالدين الإسلامي لم يكن ذا جاذبية تُذكر لسحب اليسار إلى أفقها المُلّغم.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن للدول أن تمارس "الإسلام الرسمي" للحد من التطرف الراديكالي؟
تدريجياً، بدأ اليسار يضم إلى قضيته الأولى (تحليل التراكم الرأسمالي وتداعياته على البشر والأشياء) اهتماماً بتمدد الظاهرة الإرهابية وتوحشها، فبادر بعض مفكري اليسار وفلاسفته إلى تفسيرها بطريقة تقطع مع ما تراكم من دراسات أنتجتها مراكز الأبحاث اليمينية المختصة وتدشن لوعي جديد وكلي عالمنا بما فيه أعراضه بما فيها الأكثر خطورة: الإرهاب.

آلان باديو

ابن العولمة البكر
الأحداث الإرهابية المتعاقبة التي ضربت فرنسا في السنوات الثلاث الأخيرة دفعت الفيلسوف الشيوعي آلان باديو على إنجاز كتابه عن الإرهاب بعنوان "شرنا يأتي مما هو أبعد" بقصد التفكير في القضية والتعبير عن الموقف اليساري منها وموضعتها ضمن سياق هيمنة الرأسمالية المعولمة.
آلان باديو الشيوعي العتيد الذي وهب حياته لتفكيك الرأسمالية ودحض شعاراتها ومفاهيمها وحاول مراراً كشف مستورها؛ ينتهي إلى أن أصل الشر في عالمنا هو الهزيمة التاريخية للاشتراكية، وليس الدين (أو الإسلام بالتحديد) أو الشرق الأوسط.

الصعود الصاروخي لـ"داعش" وتمدده في الغرب ليس سوى مظهر من مظاهر الفاشية المعاصرة الغارقة في اقتراف العنف

ولم يستعجل باديو الوصول إلى هذه النتيجة، بل خلص إليها بعد تحليل مستفيض لبنية عالمنا المعاصر متمثلة في انتصار الرأسمالية المعولمة، موضوعياً كما يتجلى في التمدد في كافة بقاع الكوكب مع تركز الثروة بيد الشركات العابرة للجنسيات وإضعاف سيادة الدول من خلال الممارسات الامبريالية الجديدة وتحويل النخب والحكومات إلى وكلاء لرأس المال المركز في العالم.
فيما تمثل انتصارها الذاتي في إضعاف كافة أشكال المقاومة وشلّ فاعليتها وإرغامها على التراجع بعد الانتقال من نظام القطبين: الرأسمالي والاشتراكي، إلى نظام الرأسمالية المعولمة واجتثاث إمكان التفكير في أي بديل، وهو ما يعني أن انهزام أطروحات المقاومة يكاد يكون في باب التحصيل حاصل.
لحظة الانتصار المفصلية هذه أفقدت الغرب الحاجة إلى الإيمان الحماسي والحقائق الجوهرية والسرديات والمنظومات العقائدية الكبرى، كما كتب المنظر اليساري تيري إيغلتون في مقال هو تطوير لأطروحته في "الإرهاب المقدس"، وكان ذلك ملائماً مع المناخ ما بعد الأيديولوجي للرأسمالية المتقدمة.

غلاف كتاب "شرنا يأتي مما هو أبعد"

بربرية متحضرة وأخرى متخلفة

في تحليله اللامع، اعتبر باديو أن بنية العالم المعاصر أسفرت عن ثلاثة أضرب من الذاتيات: الذاتية الغربية والذاتية التي ترغب في الغرب وأخيراً الذاتية العدمية. وتتميز الذاتية الغربية التي تجسدها الطبقات الوسطى بالاعتداد بالنفس، على اعتبار أن نمط حياتها هو الأنموذج الذي ينبغي أن يكون وأن يُتبَّع، مدعية بذلك الحداثة والتقدم وبر الأمان، وهو الأنموذج الذي تعمل وسائل الإعلام على تسويقه. أما الذاتية التي ترغب في الغرب فهي متأثرة بنمط حياة الذات الغربية الذي يتم تسويقه حتى صار مطلباً وجودياً؛ وعليه فإن الرغبة في الغرب مردها إلى التقليد والاتباع؛ بحثاً عن ترف الحياة المعاصرة وما تثيره من إغراءات. وتأتي الذاتية العدمية على النقيض من الذاتية التي ترغب في الغرب؛ فتحاول إلغاء كافة تجليات الذات الغربية، وهي عدمية تحركها "الرغبة العنيفة في الانتقام والتدمير ويعبر عنها في صورة ميثولوجيا رجعية، ضداً لنمط الحياة الغربية وللرغبة في الغرب".

اقرأ أيضاً: إسلامي سابق يحكي قصته مع السلفية الراديكالية في ألمانيا
ونصل مع باديو إلى مفارقة غير عادية؛ فالذاتيات الثلاث هي ارتكاسية تماماً، وقد ترتب عنها ظهور الفاشية المعاصرة والتي - رغم تطرفها - لا تطرح أي إمكان آخر خارج بنية العالم المعاصر التي تتحكم فيها الرأسمالية المعولمة، ما عدا إعلان العداء لكافة لفكرة الحياة نفسها عبر الاحتفاء البطولي بالموت.
إن الصعود الصاروخي لـ"داعش" وتمدده في الغرب نفسه لا يعدو أن يكون سوى مظهر من مظاهر الفاشية المعاصرة الغارقة في دوامة بنية لا تجد عنها مخرجاً غير الاشتغال بآلياتها وإعلان العداء لها من خلال تجنيد الشباب الذين يقعون على هامش فئة المستهلكين والأجراء لاقتراف المذابح والتفجيرات، وبوسعها بطبيعة الحال الاتكاء على خطابٍ ميتافيزيقي لشرعنة أفعالها الدموية وإلباسها لبوس الدين وما يوحي إليه من دلالات النصر والتمكين والفتح.
إذاً، فمنبع الإسلام الراديكالي ليس القيم التي جاء بها الإسلام قبل 14 قرناً بل الرأسمالية المعولمة التي هي أسُّ الفاشية المعاصرة، وهي التي تجعل الفاشيين يعتقدون أن ما يقترفونه من مذابح مجرد رد فعل مضاد للغرب، مبررين هذا الانفعال بالدين، والحال أن مرد انفعالهم هذا إلى كون الرأسمالية المعولمة لم تستوعب حشود اللاجئين والمعطلين والمهمشين في العالم، حتى صاروا في نظرها في حكم العَدَم.

اقرأ أيضاً: إشكالية الديمقراطية في العالم العربي بين الحكّام واليسار وقوى الإسلام السياسي
ومثل باديو، يقرر إيغلتون أن الكراهية ليست منبع الأصولية بالتأكيد، ومن ثّم سيصبح "التسامح" الذي تحاول الخطابات الغربية ترويجه هو الحل الوهمي للمشكلة الخطأ. إن منبعها هو القلق الناتج عن الرأسمالية، التركيبة الذهنية المَرَضِيَّة لأولئك الذين يشعرون بأن العالم الجديد والجَسور للرأسمالية المتقدمة جرفهم بأمواجه وأذلّهم، والذين ربما استنتجوا أن الطريقة الوحيدة للفت الانتباه إلى وجودهم ذي القيمة المتدنية هو أن يفجّروا رؤوس الأطفال الصغار باسم الله.
هذا ما ندركه مع باديو أيضاً؛ فالعدمية تسير في اتجاهين: رأسمالية تتعامل مع الأغلبية الفقيرة في العالم كعَدَم، عبء ضاغط على الأرقام المتداولة في البورصات، وهامشيون يحتفون بالموت الجماعي، والبربرية في الحالتين واحدة: جماعات تقتل الأبرياء في الشارع بشكل فج، ورأسمالية تحكم بالموت على شعوب بأكملها من أجل البحث عن أسواق لتصريف فائض إنتاجها ومناطق خصبة لاستغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية، وبالأخير إن كان هناك فرق بين بربرية الفاشيين المعاصرين وبربرية الرأسمالية المعولمة فلا يعدو أن يكون فارقاً بين بربرية متخلفة وبربرية متحضرة (بالرغم من المفارقة الواضحة في التعبير نفسه).

منبع الإسلام الراديكالي ليس القيم التي جاء بها الإسلام قبل 14 قرناً

درس السحر والساحر

ما يحاول إيغلتون إثباته أنّ الغرب الليبرالي "اللا أَدْريّ" لعب بالفعل دوراً في إنجاب هذا الخصم البربري، رغم أنه ما يزال يرفض الإقرار بأن هذا الشيء الظلامي هو من منتجاته (جزئياً على الأقل)؛ إن إيديولوجيا مُصممة لإبعاد التعصب نجحت بالفعل في تغذيته من خلال سياسات الغرب الخارجية العدوانية، وهكذا لم ينتج الغرب العلمانية فحسب بل الأصولية أيضاً، وليس غريباً أنْ يسهم كل معسكر في تقوية المعسكر الآخر.

اقرأ أيضاً: لماذا لم ينجح اليسار في تونس رغم إخفاق الإسلاميين؟
بالرجوع إلى التاريخ نفهم كيف أن هذه "الظلامية الجديدة" من منتجات الغرب وليست بنتاً شرعية للتراث الذي كونته الحضارة الإسلامية خلال مسيرتها الطويلة؛ فمنذ الستينيات والغرب يعمل، ودون كلل، على دحْر وتطويق القوى اليسارية والقومية في العالم الإسلامي من أجل أهدافه الإمبريالية (أشرف الغرب ورعى كسر المشروع القومي العربي عسكرياً، وجعل الشرق الأوسط عائماً على بحر من الدين المُسيس بقصد إغراق الشيوعية وتطويقها) وبنجاحه في ذلك فإنه ولّد فراغاً هائلاً في المنطقة الحيوية جيوسياسياً؛ تمكّن التطرف الإسلامي من التحرك فيه.
الورطة التي وضع الغرب قدمه فيها صارت أعمق مع بزوغ فجر العولمة؛ ففي سياق الرأسمالية المتقدمة انخرط الغرب في خلق مناخ صدامي مع العالم الإسلامي ازدهر فيه التطرف (الديني) والتطرف المضاد المتمثل في التمترس اليميني في الغرب، بيد أن مساهمة إيغلتون تتيح نظرة أعمق على مآلات الصراع؛ فالغرب، برأيه، انخرط في نوع من نزع السلاح الإيديولوجي فيما يتعلق بالإيمان (الذي خدمه جيداً في أطواره الأولى) متخيلاً أنه يستطيع المتابعة بمزيج من البراغماتية والثقافوية والنسبية ومعاداة التأسيسية والعلمانية، في اللحظة التي يواجه فيها خصم أصولي وميتافيزيقي وحماسي.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً
وفي أشد أوقاته حاجةً إلى تبرير أكثر قوة لأنشطته، مما يمكن أن تزوده به ما بعد الحداثة من ثقافة نسبية ومعادية بشدة للتأسيسية، أصبحت لغة العقل والعلم والتقدم والحرية متآكلة تماماً، ووصلت النزعة الإنسانية الليبرالية أو الرومانسية إلى نهايتها، في زمن أصبحت فيه الثقافة ساحة المعركة والصراع بالنسبة إلى الغرب والجهاديين معاً، غير أن الفارق يكاد يصبح محسوماً بمرور الوقت ضد ثقافة مُعتنقة بشكل معتدل وبراجماتي لصالح أخرى مُعتنقة بشكل راديكالي وإلى درجة الاستعداد للموت من أجلها.
في "الإرهاب المقدس" يسخر إيغلتون من القناعات السائدة بأن الإرهابي شخص تعرّض لـ"غسيل مخ" وأنه يتبنى مذهباً فخماً مستوحى من فعل القتل الصرِف، ويؤكد أن الإرهابيين عموماً، سواء كانوا إسلاميين أو مؤيدين للبنتاغون وعقيدة "الصدمة والرعب"، لا تخلو جعبتهم من الأفكار، مهما كانت تلك الأفكار خطيرة أو منافية للعقل والطبيعة؛ وإرهابهم إذاً ليس إلا وسيلة تساعدهم في تنفيذ رؤاهم السياسية، وليس بديلاً عنها.
هل كان اليسار هو الأستاذ؟
ما يميز الظاهرتين: اليسارية والإسلاموية، هو تخطي الصفة الإقليمية التي تميز مناطق ثقافية بعينها والناتجة عن هيمنة سياسية مرتبطة بالفتح أو بتأسيس الدولة القومية الحديثة، ويتعلق الأمر بخصوص الماركسية باستراتيجية "الأممية" حصراً والتي ترفض الحدود القومية وتفترض تضامناً أكيداً بين الطبقات العاملة في العالم أجمع، فيما يرتبط الانتشار الديني، خارج أي نظام للهيمنة السياسية داخل فضاء إقليمي بعينه، بالعولمة وما يميزها من انتقال الأفكار والمواد الثقافية والإعلام وأنماط الاستهلاك.

باديو وإيغلتون: الكراهية ليست منبع الأصولية بالتأكيد. إن منبعها هو القلق الناتج عن الرأسمالية التي جرفت الناس بأمواجها

الفارق يكمن في أن اليسارية افترضت كونية مبادئها وتطابقها مع المجتمعات التي دمُجت داخل بينة الرأسمالية ومن ثّم حافظت على قوامها الأساسي سليماً لم يُمسّ سواء تعلق الأمر بدولة بالغة التطور مثل بريطانيا أو دولة لم تحظَ بأي هامش تمديني مثل اليمن، فيما اضطرت الإسلاموية، كي تحقق انتشار خارج فضائها التقليدي، للتخلي عن الخصائص الثقافية للدين (فيما يخص عادات التدين وليس اللاهوت) والتي نما في إطارها، وعلى هذا أمكنها توحيد نمط التدين الجديد والرؤية العالمية للدين، كما يلاحظ أوليفيه روا، لتتشابه قناعات وممارسات المتدين الماليزي مع نظيره الألماني.

 أوليفيه روا
هذا التشابه الظاهري بين اليسار والإسلاموية لم يُرض أوليفه روا الفرنسي اليساري "السابق" والذي أصبح رائداً في دراسات الإسلام السياسي، فذهب إلى اعتبار اليسار قدوة للإسلاميين الراديكاليين فيما يتعلق بالعنف أيضاً، وهو لا يفتأ يذكّرنا في "الجهل المقدس" بأن اليساريين كانوا مندفعين منذ الستينيات في غمار الإيمان الصوفي بالعنف، والانشغال المَرَضِي، الانتحاري غالباً، بالقضاء على الإنسان القديم في الذات وفي الآخر معاً، وهي السمة التي سوف توصم بها الجذرية الدينية لدى الجهاديين.

اقرأ أيضاً: المتحولون من اليسار إلى الإسلام السياسي
ورغم أنّ روا يفرّق بين القيمة المرموقة للعنف الثوري وبين القيمة المتدنية للعنف الديني ذي الطابع العدمي، إلا أنه طالما أن اليسار هو الأستاذ فليس للتفرقة قيمة تُذكر. ومن الجدير بالذّكر أيضاً أن روا في سرده هذا يتجاهل الإرث السياسي الماركسي الرافض للإرهاب الثوري للفوضويين في القرن التاسع عشر، وهو الإرث الذي كان قد أكد على رفض الاغتيالات السياسية، والتفجيرات، والطليعية الضيقة، وبالأساس: التعاطي مع الإرهاب بوصفه استراتيجية ثورية.
لا يُلام اليسار على استعارة الإسلام الراديكالي طرائق عنفه الثوري، فإستراتيجيات حرب العصابات لم تكن من اختراعه، وإن كان خبيراً ومبدعاً فيها، لكنه يلام على عدم إنجازه نقداً جدياّ للصحوة الإسلامية برمتها؛ فـ"الصحوة التي ظهرت في السبعينيات وجدت نفسها مُعزَّزة تعزيزاً مزدوجاً، فهي من جهة معفية من أي نقد يساري جذري، بالمعنى الذي قد يؤدي إلى تفكيكها ...، ومن جهة أخرى تُقابَل بنقد يميني ماهوي عنيف يؤدي إلى مزيد من استقطابها، ومن ثَمَّ تعزيز غربتها، ورؤيتها الصدامية للعالم"، كما يقول الكاتب المصري أحمد الشربيني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: