الاتفاق بين دمشق والقامشلي... رابحون وخاسرون

20038
عدد القراءات

2019-10-17

مع العدوان التركي على شمال شرق سوريا، ظهر أنّ ثمة فرصة لخصوم آخرين للأكراد للاستفادة من الخريطة الميدانية الجديدة التي خلقها ذلك العدوان.

 لقد بدا أنّ من مصلحة إيران والحكومة السورية وروسيا، إضعاف الأكراد، بعدما أخلَتْ القوات الأمريكية قواعد وأماكن انتشارها في منبج وسواها، فما كان من حكومة دمشق، بدعم روسي، إلا الإسراع والمبادرة بملء الفراغ الذي خلّفته القوات الأمريكية هناك. وقد صرّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس أنّه لا يعترض على أي دعم روسي لدمشق.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!

والواقع أنّ أنقرة، برغم قولها إنّها تريد إقامة منطقة آمنة تمتد من منبج حتى الحدود العراقية، فإنّها أعلنت عدم رفضها لدخول القوات الحكومية السورية منبج، بشرط ألا تضم المجموعات الكردية في صفوفها.

الغزو التركي لشمال شرق سوريا دفع كلاً من دمشق والقامشلي لإجراء تفاهمات على عَجَل، برعاية روسية-إيرانية؛ حيث فضّلت "قسد" هذا الخيار المُرّ، بالنسبة إليها، على خيار الخطر الوجودي عليها في ظل الاجتياح العسكري التركي.

الغزو التركي لشمال شرق سوريا دفع كلاً من دمشق والقامشلي لإجراء تفاهمات على عَجَل برعاية روسية-إيرانية

موسكو خططت للاستفادة من العدوان التركي على سوريا، فكان رفض روسيا لصدور قرار من مجلس الأمن الدولي يعترض على العملية العسكرية التركية شمال شرق سوريا بمنزلة تشجيع ودفعٍ للأكراد للمصالحة مع الجيش الحكومي السوري، والاستنجاد به لشغل المناطق التي بحوزة الأكراد. بل إنّه بعد خمس سنوات من خروج القوات السورية من الرقة، ها هي تدخلها اليوم، برغبة وقبول من الأكراد الذين سيطروا على الرقة وريفها بعد هزيمة تنظيم داعش هناك، على المستوى العسكري على الأقل.

اقرأ أيضاً: هذا موقف إخوان سوريا من العدوان التركي

وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، قال أمس إنّ الحوار بين الأكراد ودمشق يحقق نتائج ملموسة. والمرجح أنّ دمشق ستسعى إلى توظيف الورقة الكردية، في شكلها المستجدّ، في مواجهة الأطماع التركية في سوريا. ومع أنّ موسكو دعت أنقرة ودمشق إلى العودة إلى اتفاق أضنة الموقع بين البلدين في العام 1998، فإنّ الأغلب أنّ تركيا غير راغبة، حالياً، في الاستجابة لهذا الطلب.

موسكو خططت للاستفادة من العدوان التركي على سوريا

إيران من جانبها مبتهجة من العملية العسكرية التركية لجهة أنّ من ترغب أنقرة في إحلالهم من اللاجئين السوريين في مناطق شمال شرق سوريا هم في غالبيتهم من العرب السنّة الذين فرّوا من دمشق والرقة وغيرها من المدن السورية، التي أعادت طهران والميليشيات الموالية لها في سوريا هندستها ديمغرافياً لصالحها، بعدما تمّ تهجير أهلها الأصليين منها خلال سنوات الحرب الماضية.

اقرأ أيضاً:  تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟

ومن المنتظر أيضاً أن تحقق إيران، حليفة بشار الأسد، مكاسب. فمن المرجح، حسب وكالة "رويترز"، أن تساعد فصائل شبه عسكرية عراقية تدعمها إيران على الحدود العراقية السورية الأسد في بسط سيطرته مما يدعم خطوط إمدادها على امتداد مسار يمتد من طهران إلى بيروت.

وسيسعى الأكراد للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي في محادثات سياسية مع سوريا، وهو هدفهم المعلن منذ فترة طويلة. لكن لم يعد لهم حليف قوي يناصرهم، وفقاً لـ"رويترز".

"بوتين أُهديَ الشرق الأوسط على طبق"

وفي عرضها لمقال لكون كوغلان بعنوان "بوتين أُهديَ الشرق الأوسط على طبق " في صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية ذكرت "بي بي سي عربي" أنّ الكاتب ذكر في مقاله أنّ الشخصية الدولية الوحيدة التي انتفعت من قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فك الارتباط مع الصراع الدائر في سوريا هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويقول الكاتب: إنْ كان ترامب عاقداً العزم على منح نظيره الروسي هدية مبكرة لعيد الميلاد، فمن الصعب تخيّل هدية أكثر سخاء من إهدائه الشرق الأوسط على طبق.

محلل:ترامب منح بوتين الفرصة للعب الدور الذي كان ذات يوم حكراً على الولايات المتحدة

ويقول الكاتب إنّ واحدة من الإستراتيجيات الرئيسية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بصفة مستمرة إبعاد روسيا عن نفط الشرق الأوسط، ولكن الآن نظراً لقرار ترامب المتهور إزاء مصير الأكراد في سوريا، فإنه يبدو أنّ بوتين اتخذ إجراءات لتوطيد نفوذه في المنطقة. ويضيف: يبدو أنّ ترامب منح بوتين الفرصة للعب الدور الذي كان ذات يوم حكراً على الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

ويرى الكاتب أنّ روسيا تلعب دوراً متعاظماً بانتظام في المنطقة منذ تدخلها لصالح النظام السوري، والآن يمكن لبوتين أن يحصل على المزيد من التغلغل في المنطقة لدوره في التوسط لاتفاق بين النظام السوري والأكراد، وهو تحالف قد يؤدي إلى وقف التوغل التركي في شمال سوريا.

منعطف رئيسي

ويعدّ الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية ونشر الجيش السوري منعطفاً رئيسياً في الصراع السوري، كما تقول "رويترز"؛ إذ إنّه يعيد لحكومة الأسد موطئ قدم في أكبر قطاع من البلاد لم يكن تحت سيطرتها.  وتوجد في المنطقة موارد نفطية وزراعية ومياه وكذلك سد الطبقة المستخدم في توليد الكهرباء، وكلها موارد حيوية من شأنها تحسين قدرة الحكومة على مواجهة تداعيات العقوبات الغربية، بحسب "رويترز".

بعد خمس سنوات من خروج القوات السورية من الرقة ها هي تدخلها اليوم برغبة وقبول من الأكراد

وقالت وسائل إعلام رسمية في سوريا إنّ القوات وصلت إلى الطريق السريع إم4 الذي يمتد من الشرق إلى الغرب على مسافة 30 كيلومتراً تقريباً من الحدود مع تركيا أي على حدود "المنطقة الآمنة" التي تعتزم أنقرة إقامتها.  ويوم الثلاثاء الماضي دخلت القوات السورية مدينة منبج في منطقة كانت تركيا والولايات المتحدة تنظم فيها دوريات مشتركة.

"تهوّر ترامب" فرصة لمن؟

في سياق ذي صلة، نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية تحليلاً لريتشارد سبنسر، مراسلها لشؤون الشرق الأوسط بعنوان "تهور ترامب فرصة لم يفوتها بوتين". ويقول سبنسر، كما نقل موقع "بي بي سي"، إنّ الولايات المتحدة ردّت على العملية العسكرية التركية بفرض عقوبات على أنقرة، بما في ذلك حظر بيع السلاح لتركيا. ويضيف أنّه في الوقت ذاته، أدى انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا وترك القوات الكردية من دون دعم أمريكي-الأمر الذي كان يطلبه أردوغان منذ أمد طويل-إلى زعزعة استقرار منطقة في سوريا كانت تشهد نوعاً من الاستقرار.

ويشيرسبنسر إلى أنّ المليوني كردي ونيف الذين يعيشون في المنطقة ما كانوا قط ليتمكنوا من صدّ تركيا أو النظام السوري بمفردهم، وفي الماضي كانوا قد أعربوا عن أن تحقيق اتفاق مع النظام أفضل بالنسبة لهم من الإذعان لتركيا.

ترغب أنقرة في إحلال اللاجئين السوريين في مناطق شمال شرق سوريا

ويقول الكاتب إنّ المحادثات التي يجريها أردوغان مع الرئيس الروسي لها أهمية كبرى، فروسيا كانت على الدوام حليفاً للنظام السوري، ولكن هناك ما يشير إلى أنّ بوتين لن يرغب في خذلان أردوغان، إذا أخذنا في الاعتبار أن بوتين كان دوماً يشجع أردوغان على التصدي للولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أنّه من غير المرجح أن يتم إنشاء منطقة آمنة حدودية شمال شرق سوريا يُنقل إليها نحو مليوني لاجئ سوري، كما يرغب أردوغان، ولكن أردوغان بالتأكيد سيرى أنّ سيطرة النظام السوري على المنطقة خير له من سيطرة القوات الكردية عليها. ولكن، في الوقت ذاته، سيستخدم نظام الأسد القوات الكردية كورقة للضغط والتفاوض مع أردوغان.

دور القاهرة في الاتفاق الكردي مع دمشق

في غضون ذلك، نقلت صحيفة "الجريدة" الكويتية أمس عن مصادر لم تسمّها، وصفتها بـ"المطلعة"، قولها إنّ التفاهم على انتشار الجيش السوري في مناطق شرق الفرات بعد انسحاب قوات "سوريا الديمقراطية" تم بعيداً عن أي دور إيراني؛ حيث لم تعلم به طهران إلا في اللحظات الأخيرة، على حدّ قول الصحيفة، وأنّ الدور الأكبر في إقناع القيادات الكردية بسحب القوات لعبته القاهرة التي دخلت على الخط بعد الانهيار السريع لـ "قسد" في اليوم الأول للعملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا.

صحيفة "الجريدة" الكويتية: الدور الأكبر في إقناع القيادات الكردية بسحب القوات لعبته القاهرة بعد الانهيار السريع لقسد باليوم الأول من العدوان

وأوضحت تلك المصادر أنّ موافقة قيادات "سوريا الديمقراطية" على الاقتراح المصري بنشر الجيش السوري لم تكن صعبة، وتمّت بعد جلسة لوفد يمثّل الأكراد استمرت ساعات عدة، السبت الماضي، في مقر جهاز الاستخبارات العامة المصرية بالقاهرة، ليبدأ على الفور التفاوض حول التفاصيل، بعد أن انتقلت رعاية هذا الاتفاق إلى روسيا، التي استضافت ممثلي الجانبين؛ الكردي والحكومي، في قاعدتها العسكرية في حميميم باللاذقية.

وأشارت إلى أنّ المفاوضات في القاعدة الروسية التي بدأت مساء السبت واستمرت حتى فجر اليوم التالي، ناقشت كل تفاصيل مسارات انسحاب القوات الكردية، وانتشار الجيش السوري بدلاً منها؛ حيث كان الهدف الأساسي الذي وضعه الخبراء العسكريون الروس هو ضرورة ضمان أن تدخل القوات السورية النظامية مدينتي عين العرب ومنبج قبل وصول طلائع القوات التركية إليهما، والذي كان متوقعاً قبل انتهاء ساعات نهار الأحد الماضي، بسبب ضعف مقاومة "قسد".

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟

وأضافت المصادر أنّ اهتمام الروس كان منصبّاً على عدم حدوث أي اشتباكات بين الجيشين؛ السوري والتركي، للوصول إلى نقطة توازن في مسرح العمليات تم بعدها البدء في اتصالات بوساطة روسية لتثبيت الوضع عسكرياً.

وأكدت الصحيفة أنّ القاهرة كانت تتابع من قرب اجتماع حميميم، بما يشير إلى أنّ انخراطها في الملف السوري قد يستمر خلال الفترة المقبلة.

 

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف حضرتْ إيران واليمن والاحتجاجات العربية في ملتقى أبوظبي الإستراتيجي؟

2019-11-12

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، إنّ ثمة إمكانية لوجود مسار سياسي للتعامل مع إيران، قد يكون بمقدور جميع أطراف الصراع الاستعداد لإطلاقه قريباً، من دون أن يعني ذلك القبول بالطبيعة العدوانية للسياسة الخارجية الإيرانية. ولفت قرقاش إلى أنّ النزاعات والتحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة وصلت إلى مرحلة حاسمة، الأمر الذي يستوجب ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، وعدم التصعيد في ما يتعلق بإيران.
جاء كلام الوزير الإماراتي خلال ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس، الذي نظمه مركز الإمارات للسياسات، واختتم أعماله أمس في أبوظبي.

قرقاش: لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات

وحذر قرقاش من أنّه لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب من جهة أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات من جهة أخرى؛ في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الكبرى في تموز (يوليو) 2015. ووصف المسؤول الإماراتي هذا الخيار بـ"الخاطئ"، مؤكداً رفضه لثنائية الصراع والاستسلام. وأضاف أنّ "سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة، لكننا لا نسعى إلى المواجهة، والمزيد من التصعيد في هذا الوقت لا يخدم أحداً، ونعتقد بقوة أنّ ثمة متسعاً لنجاح الدبلوماسية الجماعية".

اقرأ أيضاً: الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن
وأشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في كلمته أمام ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس إلى أن هذا النجاح يرتبط بجملة من الشروط والمحددات من أبرزها ما يلي:
1. يتوجب، استناداً إلى هذه العملية، التعاطي مع القضايا الأمنية الرئيسية التي تشكّل مصدر قلق للدول الأخرى في المنطقة، مثل التدخل الإيراني المباشر، ومن خلال الوكلاء، في الدول الأخرى في المنطقة، إضافة إلى برامجها النووية والصاروخية.

سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة
2. أن تكون دول الخليج العربية حاضرة على طاولة أي محادثات حول تلك القضايا المذكورة.
3. وجود توافق في صفوف المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلى جانب دول الخليج العربية.

اقرأ أيضاً: الإمارات تقدّم المساعدات في مدينتَي المخا وشبوة اليمنيتَين
4. إنهاء الهجمات الفظيعة التي تعرضت لها منشآت أرامكو السعودية، وأي هجمات على شاكلتها، بوصفها غير مقبولة وتقوّض أي عملية سياسية أو دبلوماسية محتملة. وإذا أثبتت إيران التزامها الجدي تجاه هذه العملية، فإنّ مساراً سياسياً قد يتكلل بالنجاح. واستدرك الوزير بأنّ هذا المسار سيكون طويلاً ويتطلب الصبر والشجاعة.
وقال قرقاش إن مثل الاتفاق، إن تمّ، سيعمل على تنشيط الاقتصاد الإيراني، وتشكيل خريطة طريق لنظام إقليمي جديد أكثر استقراراً يمكن لجميع الدول أن تحقق الازدهار من خلاله.

الخيار في اليمن
وفي إطار ربط الوزير الإماراتي هذه المسألة بالواقع القائم في اليمن، أوضح بأنّ الخيار في هذا البلد ليس بين صراع دائم أو التخلي عن الشعب اليمني لصالح ميليشيا الحوثيين، أو لمصلحة تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وقال قرقاش إنّ الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي، من أهم خصائصه البراغماتية والسلمية والاستدامة. وتابع قرقاش بأنّ أي اتفاق على الحل في اليمن يتعين عليه أن يأخذ بالاعتبار ما يلي:
1.  الطموحات المشروعة لجميع أطراف المجتمع اليمني، وهذا يشمل الحوثيين؛ فبالرغم من أن ميليشيا الحوثيين ألحقت دماراً واسعاً في اليمن؛ فإنهم جزء من المجتمع اليمني ولهم دور في مستقبله، على حدّ قوله.

قرقاش: الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي

2. يتوجب أن يسعى أي حل سياسي مستدام في اليمن للسماح كذلك بتقديم ضمانات أمنية مناسبة للدول المجاورة، وهذا يشتمل على احتواء التهديدات الإرهابية، وضمان الأمن البحري، ومنع أي هجمات ضد الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي اليمنية.
3. يمكن للمجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن الدولي، أن يقوم بدور فاعل في إخراج هذا الاتفاق إلى النور.
وقال قرقاش إنّ الأزمة اليمنية تشكّل فرصة لجميع الأطراف للبدء في بناء نظام إقليمي جديد، يكون احترام السيادة الوطنية جزءاً أساسياً في صميم هذا النظام، ما يعني إنهاء التدخلات أو التهديد بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
وذكر المسؤول الإماراتي أنّ بلاده ستواصل العمل في هذا الاتجاه، مؤكداً أنّ أولويات بلاده في "التحالف العربي" في أعقاب إعادة انتشار قواتها من عدن هي الاستمرار في مواجهة التهديدات الإرهابية، وحماية الأمن البحري، ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
تطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق

نقاشات نوعية
وكان ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس شهد نقاشاً ثرياً حول توزّع القوة في النظامين الدولي والإقليمي، فاتحاً الجدل العلمي والمنهجي حول عناوين جديدة في المنطقة العربية؛ مثل؛ محور القوة الجيو-مالية، وخريطة العالم الجيو-تقنية، وعسكرة التكنولوجيا، والتنافس حول اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: القوات اليمنية: بهذه الجريمة نسف الحوثيون جهود السلام
وتطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق. وأكّد رئيس الوزراء الليبي السابق، محمود جبريل، أنّ الخلل الهيكلي العميق في الدولة العربية يُعدّ سبباً أساسياً في اندلاع الهبّات الشعبية في العالم العربي. من جانبه، قال الإعلامي العراقي، مشرق عباس، إنّ الاحتجاجات الجارية في العراق تعكس رغبة شعبية قوية بضرورة التغيير، والردّ على محاولة السلطات العراقية تفتيت الهوية الوطنية العراقية الجامعة.
ولفت عباس إلى أنّ الداعين إلى وجود قيادة موحدة لهذه الاحتجاجات يغفلون عن أنّه من المهم في هذه المرحلة استمرار هذه الاحتجاجات بشكلها الحالي: السلمي والعابر للمناطقية والطائفية والقومية، فضلاً عن أنّ خروج قيادات في هذه المرحلة-التي تشهد استخدام القوة المفرطة بحق المحتجين- سيعني تصفيتهم، كما أنّ أهداف الاحتجاج لم تتحقق ليتم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات، والتي تتطلب وقتها وجود وجوه قيادية للتفاوض مع الحكومة، على حد قوله.

للمشاركة:

موت مؤجَّل: فلسطين المتخيلة في طموحات حماس بالسلطة

2019-11-12

منذ إعلانها برنامجها السياسي، عام 2017، كشف البرنامج الجديد لحركة حماس أنّه لا مانع في المستقبل من إقامة دولةٍ فلسطينية على حدود 1967، دون الاعتراف بدولة الاحتلال، أملاً من الحركة في أن يمنحها ذلك قبولاً دولياً أكثر، لكنّ الوثيقة، من زاويةٍ أخرى، تكشف جانباً من صراع الحركة على السلطة مع حركة فتح بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007.

اقرأ أيضاً: تدوير المناصب الحكومية في غزة.. حماس تعزز الانقسام
ورغم رفض حماس الدخول في منظمة التحرير قبل عقودٍ من تعديل برنامجها السياسي، ورفضها القاطع لاتفاقية السلام الفلسطينية الإسرائيلية (أوسلو)؛ فإنّها، ومن خلال خطواتٍ داخلية، وأخرى خارجية سياسية ودبلوماسية، بدأت تتجه إلى كونها حركةً تسعى نحو السلطة، أو ربما الاستقلال كسلطةٍ حاكمة على غزة التي تشكل جزءاً من فلسطين فقط، فما هي ملامح هذه الرغبة الحمساوية، إن وجدت؟ وما هي أهدافها؟

صناعة الشِّقاق
يمرّ اليوم ما يقارب 12 عاماً من الانقسام بين حركتَي فتح وحماس، وهو انقسامٌ لا بدّ من أنّه يسعد دولة الاحتلال، التي تعمل بمقولة نابليون بونابرت: "إذا أخطأ عدوّك فلا تقم بمقاطعته أبداً"، لكنّ هذا الانقسام ليس وليد لحظة عنفٍ واجتثاث، عام 2007، بل يعود في جذوره العميقة إلى موقف جماعة الإخوان المسلمين بعد هزيمة عام 1967، واحتلال ما تبقى من أرض فلسطين؛ حيث رأت الجماعة حينذاك أنّ هذه الهزيمة "انتقام إلهي ممّا حدث لجماعتهم وتعذيبهم في السجون، من قبل الرئيس الراحل، عبد الناصر، وعدّوا بُعد الدولة عن الإيمان وعدم تطبيق الشرع الإلهي السبب الأول للهزيمة"، وفق دراسة لمجدي نجم، نشرتها جامعة "بير زيت " عام 2007.

في ميثاقها التأسيسي أسّست حماس لنوع من الطائفية السياسية بالقول إنّ فلسطين إسلامية وليست علمانية كعلمانية منظمة التحرير

ويقود لوم الجماعة لعبد الناصر إلى لومها مشاركته الأساسية في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث نأت الجماعة عن المنظمة منذ نشأتها، عام 1964، وهو ما قاد مباشرةً إلى تفكيرها في تشكيل فصيلٍ مقاوم خاص بها، وقد تبلورت هذه الفكرة بالتحديد، بعد اجتياح بيروت، عام 1982، وذلك لأنّه "بعد هزيمة منظمة التحرير في لبنان، ورحيل قياداتها والعديد من عناصرها أبعد عن فلسطين، رأت الجماعة أنّ هذا الحدث، يشكل بداية نهاية منظمة التحرير رسمياً"، بحسب مقال للباحث الدكتور عقل صلاح، في موقع "رأي اليوم"، عام 2017؛ ما جعل الجماعة، التي تختلف أيديولوجياً كذلك مع بعض التوجهات اليسارية والسياسية داخل منظمة التحرير، إلى تدشين جناحها العسكري المقاوم في فلسطين، وهو حركة حماس.

 الانقسام خطأ تاريخي جعل حماس وفتح منكمشتَين وبعيدتَين عن فلسطين

حماس لم تقبل بأيّة مشاركة في الجبهة الفلسطينية الموحدة للفصائل الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، وبدا نفورها من فتح يتضح بحلول انتفاضة عام 1987 في فلسطين؛ حيث كانت الحركة تقوم ببعض النشاطات، كتنظيم الإضرابات والمظاهرات بصورة مستقلة في الضفة وغزة، معلنة وجودها في فلسطين.

اقرأ أيضاً: الانقسام الفلسطيني.. 12 عاماً على التبعات المنسية
بعد ذلك، يقول صلاح: "قامت الحركة بإصدار ميثاقها، في آب (أغسطس) 1988، الذي يستمد مبادئه من فكر الإخوان المسلمين، إلا أنّه كان على غرار الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير ولكن برؤية دينية، ومن هنا نجد أنّ نجم حماس بدأ بالصعود بقوة، على أنّها حركة خارج أطر منظمة التحرير وعملية السلام، ولاحقاً أوسلو بالتحديد".

انتمت رؤى حماس التأسيسية إلى جماعة الإخوان المسلمين أكثر من انتمائها إلى محيطها وبيئتها الفلسطينية وهذا أفقدها الكثير

ولعلّ أهم ما ميّز ميثاق حماس، عام 1988، هو أنّها أسّست من خلاله لشقاقٍ عميق في بنية الفصائل الفلسطينية، وحولت مسار الصراع مع الاحتلال إلى مسار صراعٍ داخلي، يمكن عدّه طائفياً وإضعافاً للمقاومة؛ إذ تؤكّد، في المادة السابعة والعشرين منه (منشور في الموقع الرسمي للحركة)؛ أنّ منظمة التحرير الفلسطينية شقيقة لحماس "لكن حماس لن تستبدل أبداً إسلامية فلسطين بالرؤى العلمانية لمنظمة التحرير".
وخلال تسعينيات القرن الماضي؛ نأت حركة حماس بنفسها عن السلطة الفلسطينية، التي تأسست منذ 1994، قدر الإمكان، ولم تقبل بأيّة مشاركةٍ واضحة في المجلس التشريعي الفلسطيني، وخاضت بعض العمليات ضدّ الاحتلال بصورةٍ منفردة، ومرت فترات خففت حماس فيها من لهجتها السياسية تجاه السلطة الفلسطينية، وبحلول الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عام 2000، كاد يظهر شبه توافق على دعم نضال الشعب الفلسطيني فصائلياً في الضفة وغزة، إلى أن انتهت الانتفاضة، وتوفّي الرئيس الراحل، ياسر عرفات، لاحقاً، عام 2004.
بعد ذلك، في مطلع 2006، ربحت حماس الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وبدأت الخلافات تدبّ من جديد، حول المرجعية التي سوف تؤول إليها السلطة الفلسطينية بين فتح وحماس، فتفجّر الصراع واضحاً، منذ عام 2007، وقامت حماس بالاستيلاء على قطاع غزة عملياً، وسط عمليات عسكرية لعناصرها، وحوادث قتل واختطاف بينها وبين حركة فتح بالتحديد، فيما تمترست فتح بأجهزتها وسلطتها في الضفة الغربية، وبدأ عصر الانقسام الداخلي في فلسطين، وتبدّلت أدوارٌ كثيرة، ربما أهمّها؛ أن هناك صراعاً تقوده حماس سياسياً وعملياً ضدّ السلطة الفلسطينية، داخلياً وخارجياً، لكن هل تقمصت حماس هذا الدور وحدها، أم إنّ الاحتلال قادها إليه؟

سيطرة حماس على غزة جعلت الحركة ومشكلاتها تتضخم

من المقاومة إلى السلطة
ويشير مجدي نجم؛ إلى أنّ "اغتيال قادة تاريخيين في حماس، مثل الشيخ أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي، ربما كان يهدف إلى تغيير تركيبة الحركة، وبالتالي مسارها داخل فلسطين كحركة مقاومة"؛ فقد أسهم اغتيال قادة حماس المهمّين، وفق نجم، في ارتفاع أسهم الحركة شعبياً، بينما كانت فتح تعاني انحداراً في شعبيتها، بعد تراكم المعضلات أمامها من قبل الاحتلال، ولعوامل داخلية وخارجية أخرى، منعت تحقيق إقامة دولةٍ فلسطينية والمضي في عملية السلام، وهو ما أتاح "لأمريكا غالباً، رسم دورٍ جديد لحماس، يمكن لها أن تخوضه وحدها، لتكون قطباً في معادلة السلطة الفلسطينية، له ثقله، وبالتالي يصبح لحماس جانبٌ سياسي، وليس فقط عسكرياً، وذلك ... من أجل تطويع الحركة لاحقاً بصورةٍ سياسية، حتى تقبل بالاشتراطات الأمريكية والتسويات الإسرائيلية".

عزّز الانقسام الفلسطيني ضعف الفلسطينيين وجعل حماس تخضع إلى تركيبة جديدة قوامها السعي إلى السلطة على سلم المقاومة

وإضافة إلى ذلك؛ تمّت إزاحة الرئيس التاريخي للفلسطينيين، ياسر عرفات، من الساحة، فترك موته فراغاً لا يمكن لفتح أن تسدّه وحدها، وشعرت حماس بعد ذلك بحاجتها إلى المشاركة السياسية في السلطة، خصوصاً أنّها باتت تحتاج إلى غطاء سياسي ونوع من الشرعية أمام العالم، كما أنّ قوتها تعاظمت شعبياً وداخلياً، لكنّها لم تستطع التوافق طويلاً مع فتح، التي تشبه بوجودها نوعاً من (مستقبل حماس) في السلطة؛ حيث بدأت فتح في قمة الثورية والنضال، وانتهت في أوسلو، وهذه مسيرة تريد حماس أن تخوضها وحدها، علّها تصل إلى مكانٍ غير أوسلو، ولو إلى دولةٍ أخرى خاصّة، تمثّل جزءاً من فلسطين.
لكن، بعد انتخابات 2007، واندلاع المواجهات بين الحركتَين، اتّضح أنّ حماس أسرعت لاقتطاع حصةٍ لها من السلطة، بعد أحداثٍ دموية انتهت باستيلائها على قطاع غزة.
ومثلما ظهر أنّ السلطة الوطنية تهيمن على الضفة الغربية؛ فإنّ حماس بدأت، بعد سيطرتها على قطاع غزة، بالهيمنة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً عليه؛ أي إنّها عادت لاستنساخ تجربة غريمها، إن صحّ التعبير، وهو حركة فتح، لكن من الصعب القول إنّها تسيطر على الأمور بالفعل، فالشقاق والخلاف بين حماس وفتح، قابل للسيطرة في الواقع من دولة الاحتلال، كما أنّ حماس بدأت، منذ 2008، تنكمش وتحفر الأنفاق تارة بين غزة ومصر من أجل إبقاء الحياة قائمة، بسبب انتهائها اقتصادياً.

اقرأ أيضاً: الانقسام وصفقة القرن ليسا قدراً على الشعب الفلسطيني
وفي هذا السياق؛ تكشف دراسةٌ للمركز الفلسطيني للدراسات الإستراتيجية، عام 2017؛ أنّ "انفراد حماس في غزة أدّى إلى عزلةٍ عن (فلسطين)، وربما عزّز فكرة الانفصال، وأخذ يكوي وعي المواطنين والبسطاء، خصوصاً أنّ أكثر من عشرة أعوام من هذا الانفصال، خصوصاً مع سعي الحركة لإيجاد حلول لمشكلات القطاع، خاصة في مجالات الطاقة والإعمار ومحاولة إنشاء الميناء، بالتنسيق المباشر مع أطراف إقليمية، بعيداً عن السلطة الفلسطينية، ما أدخل الكثير من القلق من توجهات "حماس" المستقبلية"، ومن المعروف أنّ غزة لم تتقدم في مجالات والإعمار والخدمات التي يتحكم الاحتلال في بعضها كالكهرباء؛ لذا فإنّ بعض التسويات المحتملة مستقبلاً بين حماس والاحتلال، ربما تستهدف، على أبعد تقدير، ترك الاحتلال وغزة لشأنها حتى تتطور في الخدمات والإعمار، لا أكثر ولا أقل.

جوبه حراك الفلسطينيين في غزة بالقمع والتخوين كإشارة إلى فشل حماس

ومنذ مدةٍ غير قصيرة، شهدت غزة احتجاجاتٍ شعبية عديدة للمطالبة بحقوق الناس المعيشية والاقتصادية، بعد تردّي أوضاعهم في معظم مجالات الحياة، وكان آخرها في شهر آذار (مارس) الماضي؛ حين تظاهر فلسطينيون في غزة، وأسّسوا حركة "بدنا نعيش"، للمطالبة بحقوقهم، لكنّ حماس "قمعت المظاهرات بالعنف آنذاك، واستخدمت قوة مفرطة ضدّ مواطني غزة، واعتقلت المئات منهم، كما أنّها وظّفت الأحدث سياسياً، متهمة السلطة الفلسطينية بالتسبّب في تردي الأوضاع، وبتحريض موظفيها في القطاع للخروج ضدّ حماس، رغم الوضع الخطير المكشوف للجميع هناك"، وفق تقريرٍ لـ "دويتشة فيله "، بتاريخ 25 آذار (مارس) الماضي.
كما أنّ حماس ظلت تستثمر، مضطرة أو غير مضطرة، في كلّ حربٍ يشنّها الاحتلال ضدّها، من خلال دماء أبناء غزة المحاصرين، التي استُثمرت في عمليات هدنة برعاية عربية ودولية أحياناً، لتبدو حماس متحكمةً بالأمور، ناهيك عن أخذها بقبول الأموال والمساعدات من بعض الدول، من باب الصمود، الذي كان يهدمه الاحتلال كلّ مرة، مبقياً الوضع على ما هو عليه.
وبحلول عام 2017؛ قامت حماس أخيراً بتعديل ميثاقها الخاص بالحركة من جديد، والذي رأى كثيرون أنّه "محاولة من حماس للحصول على نصيبٍ من السوق، وحيازة قبولٍ دولي وأمريكي جديدَين، وطرح نفسها كبديلٍ نهائي عن منظمة التحرير، أو ما تبقى منها، بحسب تقرير "بي بي سي"، في أيار (مايو) 2017، كما أنّ الاستعداد الحمساوي للاستقلال بغزة ربما يكون مبرراً في زمنٍ لاحق، إذا ما فرضت عليها الظروف التي صنعها الاحتلال ذلك، والانقسام الفلسطيني الفلسطيني، الذي أسهم في قصّ أجنحة حماس وتحويلها إلى حركة براغماتيةٍ تقريباً، تسعى نحو السلطة، كلفها ذلك أيضاً جزءاً من شعبيتها وقيمها التي بنت عليها ذاتها كحركة، إضافة إلى فشلها المتكرر والمعروف في إدارة القطاع الذي اقتطعته من فلسطين فعلياً، من أجل المقاومة، التي تراوح مكانها منذ 12 عاماً، دون جديد، سوى المزيد من الخسائر الفلسطينية في الضفة والقطاع، كأن الانقسام، مجرد محاولةٍ للتهرب من موتٍ مؤجل للقضية الفلسطينية، بعد أن أصبح أخوة النضال، غرماء السلطة.

للمشاركة:

هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎

2019-11-11

برغم الإخفاق النسبي الذي سجّلته حركة النّهضة الإسلامية التونسية في الاستحقاق الرئاسي والبرلماني، ورغم تصّدع قاعدتها الانتخابية، إلاّ أنّها مازالت اللاعب الرئيسي الذي يتحكّم بخيوط اللعبة السياسية في تونس، لتضع أنصارها أحياناً ولاعبين غير مباشرين أحياناً أخرى في مواقع القرار، معتمدةً على التوافق مرّةً، والتحالف أخرى.

اقرأ أيضاً: النهضة ترشّح الغنوشي لهذا المنصب
"النّهضة" التي تقود المشهد التونسي، رغم أنّه لم يكن هناك إخواني واحد في شارع الحبيب بورقيبة (رمز ثورة تونس) يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011، انطلقت في شحن عتادها الإعلامي والسياسي للتوصل إلى اتّفاقٍ مع أحزاب ما وصفتهم بـ "الخط الثوري"، باعتبارها الحزب الأوّل (52 مقعداً) والمعني، بحسب الأحكام الدستورية، لتشكيل حكومةٍ جديدةٍ تقود تونس، في فترةٍ وجيزةٍ لا تتجاوز الشهر، فيما يحاول قادتها ضمان المزيد من بسط نفوذها لإرباك خصومها السياسيين والنقابيين على حد السواء.

اقرأ أيضاً: انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار
هذا وترفض كلّ الأحزاب التحالف مع "النّهضة"، باستثناء كتلة ائتلاف الكرامة (21 مقعداً) التي تضم قياداتٍ سبق وأن قادت هجماتٍ ضد مقرات للاتحاد العام التونسي للشغل (منظمة تعني بالدفاع عن العمال)، والتي تتقاطع مع الحركة في مرجعيتها الفكرية، وفي بعض أفكارها، ولا تستطيع الحركة تكوين أغلبية برلمانية (109) أصوات بتحالفها مع ائتلاف الكرامة فقط.
الأحزاب التونسية باستثناء كتلة ائتلاف الكرامة ترفض التحالف مع حركة النّهضة

محاولة التحكّم بالمشهد التونسي
اشتدّت خلافات حركة النهضة مع باقي الفاعلين السياسيين، بعد أن رفضت الدعوات التي نصحتها باختيار شخصيةٍ من خارجها تكون مقبولةً من معظم القوى السياسية، وأقدر على تشكيل حكومةٍ مستقرةٍ ومدعومةٍ من أغلبيةٍ واسعة في البرلمان، وتمسكت بقرار ترشيح شخصيةٍ من داخلها، حتّى أنّها عينت عدداً من مسؤوليها لتختار من بينهم من تراه مؤهلاً لذلك، ووضعت على رأس قائمة المرشحين زعيمها راشد الغنوشي، الذي عبّر عن رغبته في ذلك.

القاسمي: النّهضة ورّطت نفسها في خطابٍ ثوري استعادته فجأةً في الحملات الانتخابية

واصطدمت بعد ذلك، رغبة "النهضة" في التحالف مع باقي الأحزاب الحائزة على مقاعد نيابيةٍ، برفض هذه الأحزاب لتمسّكها  بنقطة وضع شخصيةٍ نهضاوية على رأس الحكومة المقبلة، ويرجع مراقبون ذلك، أولاً إلى قلق جل هذه الأحزاب من أن تواجه نفس مصير نداء تونس الذي تشتت بعد انتخابات 2014،  أو حزب التكتل وحزب المؤتمر لأجل الجمهورية، اللذان فقدا كتلتهما النيابية وبريقهما السياسي بعد التحالف معها لتشكيل حكومة ما يعرف بالترويكا، وإلى المرجعية الفكرية وتقارب "النهضة" مع ائتلاف الكرامة ذات المرجعية الإسلامية.
هذه التخوفات عبرت عنها أحزاب قلب تونس (83 مقعداً)، التيار الديمقراطي (22 مقعداً)، وحركة الشعب (15 مقعداً)، برفضها المشاركة في تشكيل حكومة ائتلافية مع الحركة الإسلامية، وبقطع المشاورات معها، إذا ما قررت مواصلة التمسك بموقفها السياسي بوضع "شخصية نهضاوية" على رأس الحكومة، في محاولةٍ يعتبرها خصومها التفافاً على الحكومة المقبلة، والتحكم في مفاصل الدولة، والهيمنة على الوزارات السيادية، والمراكز والمناصب الحساسة، على غرار وزارة الخارجية والعدل والخارجية والدفاع.

اقرأ أيضاً: بعد فوز سعيّد... علاقته مع النهضة تثير مخاوف التونسيين
ويشدّد في هذا الخصوص القيادي بحركة الشعب سيف سالم على أنّ حركته لن تتحالف مع "مَن كان مسؤولاً بدرجةٍ أولى عن الاغتيالات السياسية التي عاشت على وقعها تونس عهد حكومة الترويكا، خاصّةً أنّه تم اغتيال الشهيد محمد البراهمي رغم إشعار وزارة الداخلية بمخطط اغتياله، ورغم ذلك لم يوفروا له الحماية أو حتى يعلموه بذلك كي يتمكن من حماية نفسه".
وأضاف سالم في حديثه لـ "حفريات" أنّه لا يمكن التحالف مع النّهضة بالرغم من أنّها تصدّرت المشهد منذ العام 2011، "لأنّها كانت سبباً في تفقير الشعب التونسي، من خلال الخيارات التي ساهمت في تراجع كافة المؤشرات، في مقدمتها التنمية والبطالة".
يرى محللون أنّ حركة النهضة قد ترشح الغنوشي لرئاسة حكومة تونس الجديدة

تخطيط وبرامج الحركة
النهضة التي شاركت في جميع الحكومات المتعاقبة ، منذ العام 2012 إلى العام 2014 ضمن ما يعرف بحكومة الترويكا، والتي تصدرت الانتخابات البلدية العام 2018، ثم الانتخابات البرلمانية العام 2019، تحاول جاهدةً السيطرة على المشهد السياسي برمته، ومهاجمة كل من يخالف توجهاتها أو برامجها السياسية.

سالم: حركة الشعب لن تتحالف مع مَن كان مسؤولاً عن الاغتيالات السياسية التي عاشت على وقعها تونس عهد حكومة الترويكا

واستطاعت الاستمرار في التحكم في خيوط اللعبة تارةً عبر احتواء الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمةٍ نقابيةٍ في البلاد تُعنى بالدفاع عن العمال)، وهو ما ظهر في وثيقة قرطاج الأولى، قبل أن تعلن المركزية الديمقراطية مغادرتها عقب إصرار الحركة، وطوراً عبر المناورة ومهاجمة قيادات الاتحاد، حين تتعثر فرص الوصول إلى كسب مواقف التأييد منه.
ولم يستبعد المحلل السياسي منذر ثابت أن تتصدر حركة النهضة المشهد التونسي، معتبراً ذلك "طبيعياً"؛ لأنّها المسؤولة دستورياً  وسياسياً عن تشكيل الحكومة، "فهي رغم التراجع الذي سجلته على مستوى قاعدتها الانتخابية لا تزال الحزب الأوّل في البلاد، لكن هذا لا ينفي أنّها ستواجه خلال هذه المرحلة واقعاً مأزوماً ودقيقاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي المتأزم بطبعه".
ورجّح ثابت في تصريحه لـ"حفريات"، أن تغير حركة النهضة تحرّكها التكتيكي لاستقطاب أبرز الأحزاب الفائزة التي تمكنها من ضمان الأغلبية البرلمانية، في هذه المرحلة التي تستوجب سياساتٍ محكمةٍ للتضحية بالبعد الاجتماعي، وتراهن على إضعاف دور النقابات، عبر تطويق الاتحاد العام التونسي للشغل، على حد تعبيره.

اقرأ أيضاً: انتخابات تونس.. برلمان دون أغلبية وفوز منقوص لحركة النهضة الإخوانية
وأوضح ثابت أنّ النهضة ستسعى جاهدةً لإيجاد تحالفاتٍ مع الأحزاب العلمانية والمحسوبة على الخط الليبيرالي على غرار "قلب تونس" الذي يقوده رجل الإعلام والمرشح الرئاسي السابق نبيل القروي، و"تحيا تونس" الذي يقوده رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، مشيراً إلى أنّ النهج الأيديولوجي لما سمي بخط الثورة لا يمكن أن يقنع المستثمر الداخلي ولا الشريك الخارجي.
حركة النهضة تستنجد بخطاب ثوري لمواصلة السيطرة على المشهد التونسي

ورطة الخطاب الثوري
ومن أجل حفاظها على صدارة المشهد، استنجدت الحركة بخطابٍ ثوري يقطع مع خطابها القديم المتسم بالهدوء والدعوة للعمل المشترك بين مختلف العائلات السياسية دون إقصاء أحدٍ، ولجأت إلى هذا الخيار السياسي بعد أن أظهرت المؤشرات تناقص خزانها الانتخابي من مليون ونصف المليون ناخب العام 2011 إلى حوالي 400 ألف ناخب العام 2019.

ثابت: النّهضة ستقود المشهد التونسي لكنّها ستواجه واقعاً مأزوماً ودقيقاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي

وقد حقّق هذا الخطاب أهدافه خلال الحملة الانتخابية؛ إذ استطاعت الحركة استرجاع جزءٍ صغيرٍ من قواعدها الانتخابية، ما أعادها مرةً ثالثة في المرتبة الأولى، كما منحها تأشيرة العبور إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، إلاّ أنّه أبعد عنها جزءاً مهماً من الفائزين في الانتخابات في مقدمتهم حزبا قلب تونس والدستوري الحر، اللذان رفضا قطعياً التشاور معها بخصوص تركيبة الحكومة، وهو ما عسّر مهمة التفاوض، ووضعها في طريق جديد محفوف بكل إمكانيات الفشل.
هذا واعتبر المحلل السياسي، جمعي القاسمي، أنّ "النهضة" ورّطت نفسها في خطابها الثوري الذي استعادته فجأةً خلال الحملات الانتخابية مؤخراً، وهو ما يتناقض مع التوجه العام الذي سارت وفقه هذه الحركة الإسلامية منذ العام 2014، إبان توافقها مع نداء تونس العلماني.
وشدّد القاسمي في تصريحه لـ "حفريات"، على أنّ هذا التحول قد "ورّطها ووجدت نفسها في مأزقٍ حقيقي، على مستوى قيادتها وعلى مستوى قواعدها"، مبيناً أنّها "تبحث عن آلياتٍ للتنصل من مفردات هذا الخطاب، الذي أدخلها في مأزقٍ يجسده الانسداد الحالي في تشكيلة الحكومة"، ذاهباً إلى أنّ النهضة تدرك أنّ ما سمي بالخط الثوري المتمثل في ائتلاف الكرامة، مرفوض داخلياً وإقليمياً ودولياً، لمرجعيته وخطابه العنيف، وهو ما سيدفعها إلى تقديم تنازلاتٍ.

للمشاركة:



الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:

الأردن يحبط مخططات إرهابية.. هذه أهدافها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أحبطت الأجهزة الأمنية الأردنية، مؤخراً، مخططات إرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتين؛ الأمريكية والإسرائيلية، إضافة إلى جنود أمريكيين متواجدين في قاعدة عسكرية في منطقة الجفر.

وخطّط متهمان لاستخدام الأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بالمركبات، لتنفيذ العمليات، لكنّ الأجهزة الأمنية حالت دون ذلك، وتمّ القبض عليهما، في نهاية تموز (يوليو) الماضي، وفق ما أوردت صحيفة "الرأي" الأردنية في عددها الصادر اليوم.

الخلية الإرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتَين الأمريكية والإسرائيلية وجنوداً أمريكيين في منطقة الجفر

وأحيل المتهمان إلى محكمة أمن الدولة، التي وجهت لكلّ منهما تهماً بجنايتَي؛ المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، والترويج لأفكار جماعة إرهابية.

وأشارت لائحة الاتهام من محكمة أمن الدولة إلى أنّ آلية تنفيذ المُتْهَمَيْن لعملياتهما الإرهابية لأهدافهما تمثلت بالأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بواسطة مركبات.

 وأشارت الصحيفة إلى أنّ "محكمة أمن الدولة بدأت، الأحد الماضي، بمحاكمة المتهمَين على التهم التي أسندتها لهما النيابة".

وكانت السلطات الأردنية قد أحبطت، الشهر الماضي، مخططاً لتنظيم داعش، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية في الساحة الأردنية.

وأعلنت السلطات؛ أنّ الخلية كانت تعتزم استهداف الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما وردت في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية