تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
6030
عدد القراءات

2019-06-13

مع ارتسام خطوط النفوذ بين ثلاث قوى دولية وإقليمية في سوريا: الأمريكيون، شرق الفرات، والأتراك، في الشمال الغربي، وحلفاء النظام من (الروس والإيرانيين)، غرب الفرات، بدأت تلك الأطراف الثلاثة مساعي محمومة بغية استقطاب العدد الأكبر من العشائر العربية، خاصة من جانب النظام السوري وتركيا، وهي مساع تؤرق قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تتواجد في مناطق سيطرتها الغالبية الكبرى من العشائر، ناهيك عن أنّ مناطقها ما تزال مجهولة المصير، في ظلّ اكتفاء غربي بدعم عسكري دون سياسي لـ "الإدارة الذاتية" التي تديرها.

اقرأ أيضاً: بين الالتقاء والافتراق.. النظام والكُرد السوريون إلى أين؟
وضمن ذاك الإطار؛ التقى، نهاية آذار (مارس) الماضي، نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، برئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، في العاصمة التركية أنقرة، ضمن اجتماع مغلق، أكدت خلاله أنقرة مواصلة جهودها في المنطقة، بالتزامن مع مساعيها لإنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية مع سوريا، فيما صرح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن حينها بالقول: إنّ "المنطقة الممتدة من إدلب إلى منبج، مروراً بعفرين وجرابلس على الحدود السورية التركية، تشكلت فيها منطقة آمنة فعلياً".

بعض وجهاء العشائر السورية

تصريحٌ يعدّ جزءاً من تطلعات أخرى ساعية للتدخل في مناطق شرق الفرات، وهي تطلعات تدركها قوات سوريا الديمقراطية المسيطرة على تلك البقعة التي تقارب الـ30% من البلاد، ويمكن اعتبارها الأكثر خطورة، نتيجة للتنوع العرقي والديني الذي تحتويه، فعلى الرغم مما يدلي به قادة "قسد" من تأكيدات هزيمتهم الفتن الطائفية والعرقية، ووأدهم أيّ نزاع بين الكُرد والعرب ضمن مناطقهم، تُعول تركيا بالدرجة الأولى على نشوب أيّ تضعضع هناك، يمنحها الفرصة لشنّ هجوم عسكري طالما توعدت به، والنظام السوري بالدرجة الثانية ضمن سعيه للاستحواذ على مناطق النفط، كونها تحوي الحقول النفطية السورية الأعلى إنتاجاً. 

العشائر قبل عام 2011

باستطلاع واقع العشائر في سوريا قبل اندلاع الحراك الشعبي، عام 2011، يقول أكرم محشوش، وهو أحد وجهاء قبيلة الجبور، خلال حديثه لـ "حفريات": "العشائر بشكل عام، حتى عام 2011، كانت مهمشة من قبل الدولة، ولا دور لها في أي مكان، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، أو حتى الاجتماعي؛ حيث كانت تهيمن القبضة الأمنية والتبعية المُصطنعة، وأكثر الشيوخ حديثة العهد مُصنعة من قبل الفروع الأمنية، والحقيقة أنهم ينظرون إلى المجتمع بشكل عام ووجهاء العشائر بأنهم أصبحوا تابعين للأفرع الأمنية والنظام، فلم يكن لهم أيّ دور نتيجة القبضة الأمنية القاسية، ولم يستطيعوا التحرك رغم عدد العشائر الكبير وتموضعهم على مساحة جغرافية واسعة".

أكرم محشوش: العشائر لم تقتنع بفكر "داعش" أو فكر الإخوان المسلمين؛ كونها تعتمد على الترابط الاجتماعي لا الديني

ويتابع الجبور حديثه: "حالياً بات الكل يريد أن يفعل دور العشار، بمن فيهم القوى الدولي والتحالف الدولي وتركيا، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية؛ حيث كُثفت اللقاءات والمشاورات، ومنها مؤتمر عين عيسى، وكذلك فعلت تركيا التي عقدت لقاء للعشائر في أورفا، والكل يقول: "أنا أمثّل العشائر"، والحقيقة أننا نريد أن يكون هناك دور للعشائر، لكن إذا انتهت طريقة إلغاء المشيخة والحساسيات؛ فهل سيكون للعشائر دور في المنطقة؟ وأية قوة تدعم العشائر ليكون لها وجود، وأن تكون هذه العشائر حاضنة للقوة بكل مجالاتها؟ لأنّ العشائر تشكل صمام الأمان، كما أنّ أبناء العشائر موجودون داخل القوى العسكرية الموجودة سواءً مع قوات سوريا الديمقراطية، أو الجيش السوري، أو الجيش الحر، فكلّهم أبناء عشائر، لكن -مثلاً- لم تقم أيّة قوة من هذه القوى بتسمية الشهداء العرب، فكل الشهداء سموا بأسماء الفصائل الموجودة؛ كشهيد الجيش الحر، وشهيد الجيش العربي السوري، وشهيد قوات سوريا الديمقراطية، ولم تكن للعشائر أيّة تسمية، وهذا تهميش مهمّ عندما لم يتم ذكر اسم العشيرة الفلانية بأنها قد قدمت عدداً من الشهداء؛ لأننا نريد استقلالية للعشائر، وأظن هناك صحوة عشائرية لتنظيم نفسها عن طريق مجالس الأعيان ومجالس شورى".

إدراك للمخططات

تدرك "قسد" حجم التعبئة المضادة التي يحدثها الإعلام المعارض الذي يؤيد تركيا في مساعيها بالسيطرة على شرق الفرات، ومساعي النظام إعادة حقول النفط والغاز إلى سيادته، وعليه تسعى القوات التي تتشكل من مقاتلين كرد وعرب وسريان وغيرهم، إلى استباق شرارة الفتنة، عبر التواصل مع العدد الأكبر من العشائر العربية لكسب ودّها، وشرح منظورها للحلّ في سوريا.

اقرأ أيضاً: جدار حول عفرين .. ماذا تفعل تركيا في الشمال السوري؟

في الثالث من أيار (مايو)؛ نظّم مجلس سوريا الديمقراطية ملتقى العشائر السورية في ناحية "عين عيسى" بحضور ممثلين عن العشائر السورية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، وألقت خلاله رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، كلمةً أشارت فيها إلى أنّ القوى المتربصة بمستقبل الشعب السوري، تعمل على خلق الفتن بين السوريين "بين العشائر نفسها والمكونات"، وأضافت: "اجتمعنا كي نعطي رسالتنا لكلّ السوريين والعالم، لنقول لهم: "مهما فعلتم لن تستطيعوا كسر إرادتنا التي دحرت الإرهاب، وعانينا من قبل الاستبداد، من قِبَل النظام السوري".

اقرأ أيضاً: ما هدف الإخوان المسلمين من دعوة تركيا للسيطرة على شمال سوريا؟

بدوره، يقول رئيس المجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة، حسين عزام، في حديثه لـ "حفريات: "المؤتمر الذي عقد في عين عيسى تحت شعار (العشائر السورية تحمي المجتمع السوري وتصون عقده الاجتماعي)، هدفنا منه دعوة العشائر العربية والكردية إلى مكافحة الإرهاب، والمساهمة في بناء الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، ومناقشة سبل تجفيف المنابع الفكرية لداعش ومن لفّ لفيفها في المنطقة، وقطع الطريق أمام الأجندات الإقليمية التي تتربص بسوريا، وهو ما سيكون له دور بارز لدى العشائر العربية، ونحن نعوّل عليه كثيراً".

وتابع: "بالنسبة إلى الفتنة التي تحاول تركيا وبعض الأطراف الإقليمية إذكاءها، فهذا ما راهنوا عليه في بداية تشكيل الإدارة الذاتية، على الصراع الكُردي العربي، لكن نحن تجاوزناها بكل ثقة واستطعنا أن نشكل إدارة بناء على أخوّة الشعوب ونعمل من خلالها حالياً".

اقرأ أيضاً: هل تخشى تركيا محاكمة دولية للدواعش؟ لماذا؟

أما حول تعاطي القوى الإقليمية والدولية مع اجتماع العشائر السورية في عين عيسى شمال سوريا، فيقول عزام لـ "حفريات": "بالتأكيد هذا المؤتمر، أو الملتقى، الذي اجتمع فيه حشد كبير من كافة وجهاء وشيوخ شمال وشرق سوريا أثار حفيظة روسيا وتركيا؛ لأنّهم يعتقدون بأنّ هذا المؤتمر هو تشويش على الأستانة، أو سير المهام التي يريدون أن يقوموا بها، فلن يستطيع أحد أن يجمع مثل هذا الحشد الذي لم يكن رقماً فقط، بل حضوراً مميزاً، وله دور في رسم سياسة المنطقة بالتعاون مع قسد".

ملتقى عين عيسى للعشائر السورية

خطوط عريضة

وحول الاتهامات الروسية للمؤتمر بتعطيل مسار الأستانة، أشار عزام إلى أنّهم "مع مسار جنيف والقرار 2254"، قائلاً: "نحن لم نشارك في الأستانة أو جنيف، لكن نريد أن نشارك في كلّ مؤتمر يكون له دور في إخماد نار الفتنة بسوريا، وأن نساعد معاً في ذلك، نريد أن نشارك في هذه المؤتمرات الدولية ونسعى لذلك باتصالاتنا، وبكل تأكيد لن يكون هناك أي حلّ للقضية السورية في غياب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

حسين عزام: ناقشنا سبل تجفيف المنابع الفكرية لداعش ومن لفّ لفيفها بالمنطقة، وقطع الطريق أمام الأجندات الإقليمية التي تتربص بسوريا

ونوّه عزام إلى أنّ الخطوط العريضة التي اتفقت عليها العشائر العربية في مناطق شمال سوريا خلال ملتقى عين عيسى، تتلخص في التأكيد على "وحدة تراب سوريا وشعبها، وإنهاء كافة الاحتلالات، خاصة الاحتلال التركي، في مناطق جرابلس وإعزاز والباب، وإدلب وعفرين، وعودة أهالي عفرين، ووضع الكل أمام مسؤوليته المشتركة لحلّ الأزمة السورية، وأن يعمّ السلام في سوريا كافة والسعي بأسرع وقت ممكن للتخلص من آثار الصراعات المسلحة، والتأكيد على دستور سوري توافقي تُمثل فيه كافة القوى الفاعلة".

ويتابع: "نحن إلى الآن لم تتم دعوتنا للمشاركة في وضع الدستور"، مردفاً: "سنواصل محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه المالية والفكرية، والعمل على تحقيق التغيير الديموقراطي والتنمية المستمرة لسوريا وتحقيق حرية الإنسان والمواطن، وتحريم الدماء السورية على بعضها، كما قمنا بتوجيه نداء للعودة الآمنة لجميع السوريين الذين هاجروا أو غادروا، سواء إلى خارج البلاد، أو كانوا نازحين ضمنها".

شدّ حبال

مع إعلان مجلس سوريا الديمقراطية حضور ما يقارب 5000 فرد، من وجهاء العشائر في مناطق شمال سوريا لمؤتمر عين عيسى؛ ردّ النظام السوري على ذلك بالإعلان أنّ الحاضرين فيه (خونة)، رغم أنّ المؤتمر عقد من قبل سوريين وعلى أرض سورية، وتم الاتفاق خلاله على وحدة سوريا، وهو هجوم لم يشنه النظام على مؤتمرات عقدتها تركيا مع مجموعات عشائرية، وتؤيد في مضمونها إسقاط النظام في دمشق.

اقرأ أيضاً: هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟

وحول المفارقة تلك، يقول صلاح الدين بلال، مدير مركز "إسبار" للدراسات والأبحاث، في حديثه لـ"حفريات": "للنظام السوري إستراتيجية عمل خاصة في الداخل السوري؛ فالنشاطات التي تتم في الخارج تختلف تماماً بوجهة نظر النظام عن النشاطات التي تتم في الداخل، على المستوى السياسي أو المستوى العسكري، أو على المستوى الاجتماعي، ولا سيما أنّ النظام ينظر إلى المناطق الخارجة عن سيطرته على أنها مناطق ما تزال تحت سلطاته، وهو عازم على إعادتها، لذلك ينظر إليها بشكل مختلف تماماً عن المؤتمرات الخارجية".
ويؤكد المصدر هنا؛ أنّ "النظام السوري يرى أنّ النشاطات الخارجية باتت جميعها، عدا السياسية، غير ذات قيمة، كون المعارضة التي تمثل الثورة قد خبا وهجها وهبيتها، وانحصرت في منطقه محدودة أمام تمدّد وتوسع النظام السوري".

اقرأ أيضاً: الكُرد السوريون.. مُعارضون أم موالون للنظام؟

ويتابع بلال: "ينظر النظام بعين الريبة لهذه الاجتماعات؛ انطلاقاً من عدة مبادئ، هي أنّ النظام السوري يرى أنّه من الممكن الجلوس والتفاوض مع الأتراك، الذين يدعمون جزءاً كبيراً من العشائر التابعة للمعارضة السورية، وبالتالي فإنّ التفاوض مع الأتراك حول هذا الملف قد يحقق مكاسب إلى حدّ بعيد له، ولا سيما من خلال الضغط الإيراني الروسي على الأتراك على المستوى السياسي، والنظام بذلك يضمن أن يكون هناك توازٍ مع الجهود التركية في المنطقة الشرقية عبر حلفائه من أجل بناء الخطط وإنهاء التحالف العشائري العربي مع الأكراد ومشروع انخراطهم في مؤسسات الإدارة الذاتية، وتلتقي الإرادة الخاصة بالنظام السوري مع تطلعات الأتراك في ضرورة التخلص من النفوذ التابع للإدارة الذاتية التي تدعم العشائر في نشاطاتها من أجل كسب العشائر لصالحها، وبالتالي تعزيز فكرة الإدارة اللامركزية في تلك المنطقة، وهذا ما يخشاه النظام السوري والأتراك معاً، لذلك يسعى النظام إلى عدم توجيه أيّة انتقادات للمؤتمرات العشائرية في تركيا".

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية

وأردف: "المؤتمرات الخارجية التي تتصف بصفة العشائرية، مهما كان خطرها، إلا أنّها لا تشكل خطراً على النسيج الاجتماعي العشائري في الداخل بمنظور النظام، كون العشائر تمثل جزءاً كبيراً من النسيج الاجتماعي في المنطقة الشمالية الشرقية، وإنّ كسب أيّ طرف لهذا النسيج سيعزز موقعه الإستراتيجي في تلك المنطقة، وطالما أنّ المؤتمرات التي تعقد في تركيا تبقى بعيدة عن التأثير المباشر على الحاضنة العشائرية، فلا ينظر النظام إليها بعين الخطر، عكس الإجراءات المباشرة التي تحدث عبر العشائر، والتي تنظمها الوحدات الكردية، وهذا هو سبب مهاجمة النظام لمؤتمر عين عيسى".

أحد اجتماعات العشائر المؤيدة للنظام

الدور الأمريكي والإيراني

يشير بلال إلى أنّ "منظور النظام السوري إلى كلّ من الدول التي تدعم المؤتمرات العشائرية، مختلف تماماً عن السابق، فالنظام السوري يرى في الولايات المتحدة الأمريكية خطراً أكبر من تركيا، ولا سيما في مجال إعادة سيطرة النظام على شرق وشمال شرق سوريا، لهذا يرى النظام السوري أنّ الولايات المتحدة عدوته، عكس الأتراك، الذين باتوا شركاء في تبادل المصالح في الملف السوري".

عزام: نريد المشاركة في المؤتمرات الدولية ولن يكون هناك أي حلّ للقضية السورية بغياب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا

مضيفاً: "التأثير الإيراني على القرار السوري في هذا المجال واضح جداً؛ فمشروع العشائر شرق وشمال شرق سوريا، هو أساساً مشروع إيراني، يهدف الى ربط العشائر السورية بإيران، ومن ثم ربط العشائر السورية بالعراقية، وإنّ وصف من يشارك في المشروع المضاد لإيران يمثل عدواً حقيقياً له، ووصف الخيانة الذي أُطلق على مؤتمر عيسى ينطلق تماماً من عرقلة المشروع الإيراني".

ويتابع بلال لـ "حفريات": "وصف النظام السوري للمؤتمر في عين عيسى بالخيانة، وتعميم هذا الأمر من قبل أجهزة الأمن السورية، على كافة العشائر العاملة في سوريا، هو رسالة واضحة لهذه العشائر بأنّ التعاون مع هذه المؤتمرات، أو تشجيعها، أو التواصل مع مسؤوليها، سيرتب مسؤولية كبيرة على هؤلاء الأشخاص، وبالتالي هي محاولة واضحة لتقويض النظام لهذه الجهود على المستوى المستقبلي وضربة استباقية يقوم بها النظام من خلال خطوتين؛ الأولى: تخوين من يشارك بهذه المؤتمرات، والثانية: بناء حلف عشائري مضاد ضمن مناطق شمال شرق سوريا، يدعم النظام، ويقوض المشروع الذي تدعمه الإدارة الذاتية".

النظام وورقة العشائر

يؤكد بلال أنّ "القرار الصادر من النظام السوري في تخوين مؤتمر عين عيسى يحظى بدعم سياسي من قبل الروس، وهذا التطور الكبير الذي حدث هو نتيجة أمرين: الأول؛ انقطاع خطوط التفاوض بين النظام والروس من جهة، والإدارة الذاتية من جهة ثانية، إضافة للأمر الثاني؛ القائم على أنّ المؤتمرات التي تتم في شمال شرق سوريا تتم بمعزل عن أيّ تواصل مع الروس، وانقطاع الخطوط الساخنة مع النظام في الحضور والتشاور بتنظيمها، وهي بمثابة رسالة للروس والنظام؛ بأنّ الأمور هناك خارجة عن يد النظام السوري تماماً".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"

أما الأمر الأكثر أهمية في مؤتمر عين عيسى؛ فيراه بلال في "النجاح بالانعقاد رغم الحملة الإعلامية التي أدارها النظام السوري قبيل الاجتماع، وحملة التخوين بغرض تقويضه، إلا أنّ الاجتماع تم عقده، وشارك فيه عدد كبير من العشائر على كافة المستويات، ورغم أنه كان أقلّ من طموح الإدارة الذاتية، إلا أنّ انعقاد المؤتمر بحد ذاته يعدّ ضربة للنظام السوري على مستوى الورقة التي كان يعمل عليها وهي ورقة العشائر، فالمؤتمر أتى بعد عدة اجتماعات عشائرية أشرف عليها النظام في كلّ من؛ أثريا جنوب حلب، ودمشق، ودير الزور، من أجل توجيه رسالة بأنّ ورقة العشائر بيده، لكنّ اجتماع عين عيسى تمّ اعتباره تهديداً لهذه الجهود".

اقرأ أيضاً: بين المعارضة والنظام: سوريات يدفعن الثمن مرتين

ويشدّد بلال على أنّ "توجيه اتهامات الخيانة لمن شارك في مؤتمر عين عيسى هو جزء من إستراتيجية تقضي بالتأثير سلباً على أيّ ارتباط عربي كردي في المنطقة الشمالية الشرقية، ولا سيما أنّ هذا الارتباط يعني نجاح الإدارة الذاتية بضمان التعاون مع العشائر، وبالتالي خلق وحدة مجتمعية يصعب على النظام اختراقها".

القوة القادرة على كسب العشائر

يقدم بلال نظرة شاملة حول القوى التي يمكن أن تكسب العشائر لصالحها في شمال شرق سوريا، والامتيازات التي ستمنح للقوة الناجحة في لعبة شدّ الحبال الحاصلة بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية وتركيا عبر المعارضة الموجودة على أراضيها، وينوّه إلى أنّه يجب النظر إلى حيثيات المنطقة التي تتواجد فيها العشائر؛ من حيث السيطرة العسكرية والسياسية، وقدرة القوة على كسب العشائر من خلال التعامل مع هذه العشائر، والتعاون معها، وإعطائها الصلاحيات اللازمة لتعويم قياداتها ودورها.

صلاح الدين بلال: تركيا استناداً للأوراق التي تستخدمها، لا تستطيع السيطرة على العشائر في شمال شرق سوريا

ويعتقد أنّ "قوة التأثير التركية، أو قوة تأثير النظام، أو حتى الإدارة الذاتية، تتوقف على العلاقة مع عشائر محددة في مناطق محددة، وضمن حيثيات تستغلها هذه الأطراف؛ حيث إنّ تركيا فشلت وبشكل فعلي في كسب ملف العشائر في شمال شرق سوريا، بسبب ضعف الجهات السياسية والاجتماعية التي تعتمد عليها في التغلغل في الملف العشائري، وبالتالي فإنّ قوة كلٍّ من النظام السوري من جهة، والإدارة الذاتية من جهة ثانية، هما الأبرز في ملف العشائر.

قدرة تركيا

يقول بلال: بالنظر إلى دور كلٍّ من النظام السوري والإدارة الذاتية وتركيا، نجد ما يلي: تركيا بعد فشلها في التوغل في شمال شرق سوريا عبر مكاتب العشائر على أراضيها، ولا سيما من حيث العمل على تجنيد عشائر في شمال شرق سوريا لصالحها، فإنّها عمدت إلى عدة خطوات تتضمن أهدافاً تسعى من خلالها للتوغل في شمال شرق سوريا، وهي:

1- بناء نفوذ تابع لها عبر العشائر في المرحلة الأولى؛ حيث كانت تتضمن الخطة إنشاء مجلس العشائر والقبائل ليكون بمثابة دائرة تنظيمية وصلة ربط بين تركيا والعشائر في شمال سوريا، بشكل عام، وشمال شرق سوريا بشكل خاص، وقد كان لهذه الدوائر الصفة الرئيسة في تمرير مشاريع وأجندات تركية في هذه المناطق، لكن فقد فشلت هذه المجالس، حتى الآن، في هذا الأمر فانتقلت تركيا إلى الخطوة الثانية.

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

2- الخطوة الثانية: كانت تتضمن تجنيد شخصيات محسوبة على تركيا من أجل تجنيد العشائر لتحقيق المصالح التركية، وقد تسلم هذا الأمر عدة شخصيات، أولها كان أحمد طعمة الخضر، ومن ثم مالك العبدة الأخ الأصغر لأنس العبدة، لكنّهم فشلوا بشكل كبير في خلق نفوذ تركي في العشائر في الداخل.

3- الخطوة الثالثة: والتي تعمل عليها تركيا من خلال دمج المنظمات السياسية والمدنية بين بعضها البعض، لتشكل قوة واحدة تعمل على تجييش العشائر لصالح تركيا، وعلى سبيل المثال، خلقت تركيا مثل هذا التحالف بين رابطة المستقلين الكُرد ومجلس القبائل والعشائر في أورفا، إضافة لإنشاء مكاتب تسمى المجالس المحلية للمناطق التي تعدّ مناطق عشائرية وتسيطر عليها الإدارة الذاتية من أجل رفع مستوى التنسيق بين تركيا والعشائر).

ويشير بلال إلى أنّ الأمر المهم هو أنّ تركيا ونتيجة معرفتها المسبقة بفشل العمل عبر العشائر على زعزعة عمل الإدارة الذاتية، فقد لجأت مؤخراً للتهديد بعمل عسكري في شمال شرق سوريا، لكن، ونتيجة التفاهمات مع الولايات المتحدة، ألغت هذا العمل، على الأقل خلال المستقبل القريب.

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

متابعاً: "لا بدّ من التأكيد على أنّ الورقة العشائرية التي تملكها تركيا هي ورقة ضغط خارجي فقط، تضاف إليها عمليات تجنيد محدودة لا تؤثر بشكل كبير على التوازنات العشائرية في شمال شرق سوريا، وظهر هذا الأمر من خلال الاعتماد على ورقة الضغط الخارجية في القيام بمظاهرات وتحركات شعبية من أجل الضغط على الإدارة الذاتية، وإظهار هذا الأمر في الرأي العام العالمي، وتحديداً الداعم للإدارة الذاتية"، مُلخصاً القضية بالقول: "تركيا استناداً للأوراق التي تستخدمها، لا تستطيع السيطرة على العشائر في شمال شرق سوريا".

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب يعرقل "الإخوان المسلمون" توافق السوريين في إدلب

وهو ما يؤكده أكرم محشوش، الذي قال لـ"حفريات" حول المشروع الإخواني الحامل للمشروع التركي: إنّ "العشائر لم تقتنع بفكر الدولة الإسلامية أو فكر الإخوان المسلمين"، متابعاً: "المشروع الإخواني عند العشائر هو مشروع فاشل، فالعشائر تعتمد على الترابط الاجتماعي وليس الديني، نعم إنّ معظم العشائر مُسلمة، لكنّ العشائر لا تدخل في طريق الإخوان المسلمين، كون العشائر معروفة بعاداتها وتقاليدها وارتباطها، وما ينقصها هو التنظيم وتوحيد الصف والتنازل لبعضها، وأعتقد حالياً بأنّ تنظيم العشائر قد بدأ من خلال المؤتمرات داخل العشائر، وأصبحوا يستطيعون التعبير عن آرائهم بشفافية".

أحد المؤتمرات الخاصة بالعشائر الموالية للمعارضة السورية وتركيا

قدرة الإدارة الذاتية

يرى بلال؛ أنّ أهم الامتيازات التي تعطي الإدارة الذاتية القدرة على السيطرة على جزء من العشائر هي عدة عوامل يمكن وصفها من خلال ما يلي:

1- سيطرة الإدارة الذاتية العسكرية والأمنية في شمال شرق سوريا وتجنيد القوة العسكرية التي تتمثل بالكوادر البشرية في صفوفها، وبالتالي إبعاد خطر أيّ حشد عسكري بشري ضدّ الإدارة الذاتية في تلك المناطق.

2- إنشاء الإدارة الذاتية مجالس عملت فعلياً على أن تضم عناصر عشائرية تعمل في كنف الإدارة الذاتية، وأهمّ هذه المجالس هي مجلس الصلح في الرقة، على أنّ هذه المجالس تسير وفق خطط الإدارة الذاتية، إضافة لوضع بعض الشيوخ في قيادة المجالس المدنية، كقبيلة الماشي التي تم وضع فاروق الماشي فيها كقيادي في المجلس التشريعي في منبج.

تدرك "قسد" حجم التعبئة المضادة التي يحدثها الإعلام المعارض الذي يؤيد تركيا في مساعيها بالسيطرة على شرق الفرات

3- تحييد العشائر المهمّة عن أيّ قرار داخلي، وهذا الأمر أدّى إلى زيادة سيطرة الإدارة الذاتية على العشائر الصغيرة، وهو ما ظهر في مؤتمر عين عيسى الأخير الذي شاركت فيه عشائر صغيرة، يظهر أنّها لم تعد تعطي اهتماماً لقيادات القبائل والعشائر العليا في شمال شرق سوريا، فهناك شيوخ عشائر منعوا من التواجد في الاجتماع، إلا أنّ شيوخ عشائر متفرعة عن القبائل الرئيسة قد حضروا في الاجتماع.

4- إعطاء العشائر أهمية عبر إشراكها في المؤتمرات التي تتم، ولكن بما تراه الإدارة الذاتية مناسباً لا لما تراه هذه العشائر صحيحاً، وهذا ما يجعل الإدارة الذاتية تضع خطوطاً حمراء على تجاوز العشائر لصلاحياتها، وهذا هو أخطر ما يتم ونتيجته ستتحرك بعض العشائر نحو تعاون سرّي مع النظام السوري، أكثر القوى المتغلغلة في شمال شرق سوريا أمنياً.

ويستخلص بلال قدرة الإدارة الذاتية على كسب العشائر بالقول: "سيطرة الإدارة الذاتية على العشائر شمال شرق سوريا ليست سيطرة كاملة؛ بل هي سيطرة تعتمد على عوامل الثقة والقبضة الأمنية وشراكة العشائر بالقرار الرئيس، إضافة لإنشاء مجالس يكون أساسها الرئيس هو العمل ضمن سياسة وخطط الإدارة الذاتية، وهذا الأمر يشكل خطراً كبيراً على الإدارة الذاتية كون هذه العشائر في حال توفر الإمكانيات اللازمة لها، قد تكون أهم نقطة قوة وتحصين داخلية في مناطق الإدارة الذاتية".

قدرة النظام

أما فيما يخص قدرة النظام السوري على السيطرة على عشائر شمال شرق سوريا، فيستنج بلال استناداً لعوامل السيطرة الجيوعسكرية والأمنية في شمال شرق سوريا، والتي لا تتناسب فيها مناطق سيطرة النظام مع مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، إلى كون النظام يبقى القوة الأكبر التي يمكنها أن تسيطر على العشائر شمال شرق سوريا في الوقت الحالي، مُستغلاً في ذلك عدة أمور وهي كل من:

1- رغم التنسيق بين بعض العشائر والإدارة الذاتية، إلا أنّ الخلافات تظهر بشكل واضح بين الطرفين في كافة مناطق الإدارة الذاتية، ولا سيما أنّ هناك خلافات ليست على مستوى تحجيم العشائر العربية؛ بل إنّ هناك صراعاً كردياً عربياً يدعمه النظام قوامه أنّ الأكراد يريدون التخلص من العرب، لذا يظهر بشكل واضح؛ أنّ التعاون بين العشائر العربية والأكراد، إن وجد، فهو تعاون محدود.

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة

2- إنّ القيادات العشائرية الرئيسة تعمل مع النظام السوري، كقبائل طي وشمر، ونسبة كبيرة من البكارة، وجزء من العكيدات، وهذه القبائل تشكل قوة كبيرة يستغلها النظام السوري بشكل كبير، وظهر هذا الأمر في مؤتمر القامشلي؛ حيث إنّه خلال ثلاثة أيام حشد النظام عدداً جيداً من القبائل للرد على قبائل عين عيسى، حيث إنّ اعتماده على قيادات مهمة عشائرية جعلت له القدرة على القيام بهذه الخطوات.

3- النظام السوري يعتمد على النفس الطويل في خطواته مع عشائر شمال شرق سوريا، فهو يعلم مدى الخلاف بين العرب والأكراد، ويعمل على تغذيته بكافة الوسائل، ابتداء بالتحريض الإعلامي، ومن ثم العمل على شقّ صفوف قوات الإدارة الذاتية من خلال خلق انشقاقات في صفوفهم، ولا سيما العناصر المنحدرين من العشائر، ويستخدم النظام في هذا الأمر أعضاء حزب البعث، وأعضاء مجلس الشعب، للتواصل مع العشائر في مناطق قسد لخلق هذه التوترات.

4- النظام السوري في نشاطه مع العشائر مدعوم بشكل كبير من الشخصيات المحسوبة على إيران وروسيا، لذلك فإنّ النظام رفع من قدرته على التغلغل في العشائر، واستناداً لهذا الأمر؛ فالعشائر عبر ملف المصالحات والتفاوض الذي تقوده روسيا نجحت في خلق علاقة مع حميدي دهام الجربا في شمر من جهة، إضافة لنفوذ إيران في كل من قبيلة البكارة من جهة ثانية، وهذا الأمر مهم جداً للنظام السوري.

ويختم بلال بالقول: "بالنتيجة؛ يظهر أنّ النظام السوري هو القوة الأكثر قدرة على الاستفادة من العشائر وتجنيدها والعمل معها في المستقبل، خاصة إن تأخرت الادارة الذاتية في بناء وتوثيق تحالفاتها الداخلية مع العشائر العربية وباقي المجتمع الكُردي والمكونات الأخرى في المنطقة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إسرائيل تستهدف في غزة ودمشق قيادات الجهاد الإسلامي

2019-11-12

بعد أن خلد سكان قطاع غزة إلى نومهم، بعد أدائهم صلاة فجر اليوم، الثلاثاء، باغتتهم الصواريخ الإسرائيلية، فقضّت مضاجعهم، معلنة بدء جريمة جديدة، ومسلسل جديد من العدوان؛ حيث استهدفت منزل القائد في سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، هو وزوجته، في منزله المتواجد في منطقة كثافة سكانية، في حيّ الشجاعية، شرق مدينة غزة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد
وجاءت عملية غزة متزامنة مع عملية في العاصمة السورية دمشق، قُتل فيها، شخصان، بينهما ابن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أكرم العجوري، في قصف استهدف منزله في دمشق الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

توعّدت فصائل المقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالردّ على اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا وبأنّ "الجريمة لن تمرّ دون عقاب"

واتهمت "سانا" إسرائيل بالوقوف وراء هجوم دمشق الذي تم بثلاثة صواريخ أصاب اثنان منها منزل العجوري في منطقة المزة، ما أسفر عن "استشهاد ابنه معاذ إضافة لشخص آخر، وإصابة 10 آخرين بينهم ابنته بتول".
وفي الآونة الأخيرة، ذُكر اسم الشهيد، أبو العطا، مراراً وتكراراً، في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتمّ التحريض عليه بشكل مباشر، فعادوا إلى سياسة الاغتيال، ليقصفوا منزله بشكل مباشر.
وتوعّدت فصائل المقاومة الفلسطينية، الاحتلال الإسرائيلي بالردّ على اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، قائلة: إنّ "الجريمة لن تمرّ دون عقاب".
وقصفت سرايا القدس وفصائل المقاومة، اليوم الثلاثاء، مدينة "تل أبيب" ومستوطنات غلاف غزة، بعشرات الصواريخ، ردّاً على اغتيال أبو العطا؛ كما تمّ إعلان الاستنفار العام في عناصر المقاومة الفلسطينية
بهاء أبو العطا

تصدير الأزمات
وتعليقاً على حادثة الاغتيال، يقول المختص في الشأن الإسرائيلي، عاهد فروانة، لـ "حفريات" إنّ "دولة الاحتلال أكبر عابث في الساحة الفلسطينية، فمع أيّ تقارب فلسطيني لتجاوز حالة الانقسام، نشاهد التدخّل من إسرائيل؛ في عمليات اغتيال واستهداف وتصعيد، فاغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، إلى جانب تصدير الملف الأمني، وتهرّب نتنياهو من أزماته، يأتي للعبث في الحالة الفلسطينية من جديد خاصة مع الأجواء الإيجابية في الموافقة على إجراء الانتخابات".
ويضيف أنّ الاحتلال الإسرائيلي يُحمّل الشهيد أبو العطا منذ فترة طويلة مسؤولية إطلاق القذائف الصاروخية تجاه مستوطنات غلاف غزة، "خاصة استهداف المؤتمر الانتخابي لنتنياهو في مدينة أسدود، قبل الانتخابات الإسرائيلية الماضية".
تصعيد كبير
ما حدث، في نظر فروانة، تصعيد كبير من جانب دولة الاحتلال، "ويدفع مجريات الأحداث إلى سيناريو ربّما يتدحرج لأكثر من مجرد تصعيد، كما شهدنا خلال العامين الماضيَين، وهذا يعتمد على حجم الفعل وردّ الفعل من دولة الاحتلال، وحركة الجهاد الإسلامي، وأيضاً مشاركة فصائل أخرى مع الجهاد، إضافة إلى تدخّل الوسطاء".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
ويشير إلى أنّ "نتنياهو صدّر الملف الأمني حتى يضغط على جانتس، ليكون رئيس الوزراء الأول في تشكيل الحكومة في حالة التناوب"، مبيناً أنّه بذلك يتهرب من ملفات الفساد، إلى جانب اقتراب إعلان توجيه لوائح اتهام ضدّه في قضايا الفساد.
ويبيّن فروانة أنّ هناك تشابهاً كبيراً بين اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، والشهيد أحمد الجعبري، نائب القائد العام لكتائب القسام، عام 2012، في الشهر نفسه، وبعد تسليط الأضواء عليهما بشكل كبير، واتهامهما بالمسؤولية عن الصواريخ والعمليات الفدائية.
ابن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أكرم العجوري

هل ترد الفصائل؟
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي؛ أنّه من الصعب أن تقبل حركة الجهاد الإسلامي بتهدئة سريعة، خاصة أنّها تعرضت لضربة قوية، باغتيال أبو العطا، واستهداف عضو مكتبها السياسي أكرم العجوري، لكنّ كلّ ذلك مرتبط بحجم التدخلات والضغوطات، ومدى مشاركة باقي الفصائل الفلسطينية في الردّ على الاغتيال.

اقرأ أيضاً: هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎
وقبل اغتيال أبو العطا بساعات، قُتل شخصان، بينهما ابن القيادي العجوري، في قصف استهدف منزله في دمشق اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
واستبعد فروانة أن يكون هذا التصعيد أوسع من حرب 2014، خاصة أنّ الاحتلال والفصائل الفلسطينية لا يريدون الانجرار إلى ذلك، وأنّ هذا، بالطبع، مرتبط بتطورات الميدان، وحجم الردّ والوسائل المستخدمة، والميدان قد يخرج عن السيطرة إن لم تنجح الوساطات.
ويؤكّد أنّ الاحتلال الإسرائيلي، ومن خلال اغتيال بهاء أبو العطا، ومحاولة اغتيال أكرم العجوري في دمشق، أراد توجيه رسائل للفصائل الفلسطينية؛ بأنّه سيستهدفهم في كافة أماكن تواجدهم، ويعمل على التدليل بأنّ قادة المقاومة مرتبطون بسوريا وإيران، حتى يخلق أجواء بأنّ قرارهم مرتبط بهاتين الدولتين، وليس مستقلاً، كما يدّعون.
احتمالات مواجهة عسكرية
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي، أكرم عطا الله، في حديثه لـ "حفريات" إنّ "الاحتلال خدع فصائل المقاومة الفلسطينية، وأرسل لها عدة رسائل بأنّه غير معني بالحرب، ولن يذهب باتجاه تصعيد في الفترة الحالية، لكنّه أقدم على اغتيال القيادي في الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وهذا مؤشر طبيعي على حدوث مواجهة عسكرية كبيرة بين الجانبين".

خبير في الشأن الإسرائيلي: من الصعب أن تقبل حركة الجهاد الإسلامي بتهدئة سريعة خاصة أنّها تعرضت لضربة قوية

ويضيف: "عمل الاحتلال الإسرائيلي على تهيئة اغتيال أبو العطا منذ فترة طويلة، بعد اتهامه بأنّه المسؤول الأول عن إطلاق الصواريخ، وأنّه العقل المدبّر لها، وأنّه، كما أشارت التقارير العبرية، أحد أهم الذين يتسببون في عدم الاستقرار في قطاع غزة، وأنّه المسؤول عن كسر التهدئة عدة مرات، فهذا الاغتيال كان مفاجئاً في ظلّ الهدوء السائد على طرفَي الحدود".
وتوقع عطا الله أن تتدحرج الأمور إلى "موجة كبيرة من التصعيد، ليست كالموجات القصيرة؛ فهي قد تشبه الحرب، فـ "إسرائيل" عادت إلى سياسة الاغتيالات، التي كانت تنادي بها، وتلك السياسة هي سبب بعض الحروب التي اندلعت في غزة، كما حدث في حرب عام 2012، عندما تمّ اغتيال القيادي في كتائب القسام، أحمد الجعبري".
عمل الاحتلال الإسرائيلي على تهيئة اغتيال أبو العطا منذ فترة طويلة

تغيير السياسة الإسرائيلية
ويوضح عطا الله: "تلك العملية تمّ التخطيط لها جيداً، وبصلاحيات كاملة من مجلس الوزراء، ومن كافة الأحزاب الإسرائيلية، وتعكس تغيير السياسة الإسرائيلية، وذهاب "إسرائيل" إلى وضع تقرّر فيه إنهاء التهدئة على طرفَي الحدود بين الجانبين".
ويردف: "نتحدّث عن تصعيد كبير هذه الفترة؛ لأنّ الاحتلال الإسرائيلي تجاوز الحدود المفهومة للتصعيد، ففي كلّ مرة يتمّ استهداف مواقع عسكرية أو أراضٍ فارغة، لكن بعد اغتيال قائد مثل أبو العطا، فسيكون من الصعب ضبط عناصر الجهاد الإسلامي، وأيضاً يحرج الفصائل، فهم أمام جولة لا يستطيع الوسطاء التدخّل لإيقافها؛ فالأمر صعب، لأنّ الاحتلال ضرب غزة ودمشق.
وتوقّع عطا الله عدم نجاح أيّة وساطة لاحتواء الموقف؛ لأنّه من الصعب ضبط حركة الجهاد الإسلامي، كما حماس، فالأخيرة أكثر ليونة مع الوسطاء.
وختم حديثه  بأنّ "الاحتلال الإسرائيلي، عندما أقدم على هذه الخطوة، كان يدرك تماماً أنّه لا يمكن إيقاف التصعيد بشكل سريع، كما السابق، فالمناخات مختلفة في هذا التصعيد؛ فطبيعة الاغتيال تحتّم الردّ".

للمشاركة:

كيف تتجلى صورة الدولة في عقل تنظيم داعش؟

2019-11-12

لم يعد لتنظيم داعش أرض يحكم السيطرة عليها، وبذلك، بدا أنّ التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حقّق غرضه، بسحب الأرض من تحت أقدام التنظيم، ليفقد دولته التي أعلن عن وجودها منذ العام 2007.
إلا أنّ التنظيم، وإن عاد للعمل السري المرتكز على الخلايا العنقودية في أدائه، فإنّه يظلّ رافعاً راية تلك الدولة رمزياً، حتى إن محقت فعلياً تحت قصف القنابل.

اقرأ أيضاً: "قوارير داعش" ... المغرب يفتح ذراعيه لضحايا البغدادي
ومع أنّ فقدان الأرض يفقد الدولة أحد أركانها، حتى في السياسة الشرعية، إلا أنّ التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص، بما يلائم واقعها، والتقلبات الطارئة على أحوالها.
فإذا قدرت بأنّه حان لحظة "التمكين" لقيام دولة إسلامية، تتوافر فيها عناصر الدولة المعروفة، المكوّنة من أرض وشعب وحكومة، فإنّها تفعل ذلك بعد توافر تلك العناصر، إلا أنّها إذا فقدت إحداها، فإنّها ستبحث في الروايات والآثار فيما يكفل لها البقاء من الناحية الشرعية، حتى لو كان العنصر المفقود هو الأرض ذاتها.
 التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص

السرّي والمكشوف
بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة، عام 1996، بحجّة عدم القدرة، خرج تنظيم القاعدة بإستراتيجية جديدة، تقضي باستهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارهما رأسَي الأفعى، والبقاء كتنظيم لا مركزي، يرتكز على خلايا عنقودية سرّية ونشطة، تسرح في الجسد العالمي، ويصعب صيدها والقضاء عليها.

التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص بما يلائم واقعها والتقلبات الطارئة على أحوالها

لكنّ الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، وقيام جماعة التوحيد والجهاد، بزعامة أبي مصعب الزرقاوي، قد اضطر القاعدة للتغيير من إستراتيجيتها القاضية بقتال العدو البعيد، تحت إغراء التنظيم الوليد، الذي فوجئ به أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، قياديَّا القاعدة، فاضطرا لقبول بيعة "الزرقاوي" على الاختلاف البيّن بينهما في الإستراتيجية، وأولوية قتال الأعداء.
وبعد مقتل الزرقاوي، اتجه خليفته، أبو حمزة المهاجر، إلى تأسيس دولة إسلامية، على المثلث السنّي في العراق، بعدما اقتربت القوات الأمريكية من الانسحاب، بدعوى عدم السماح للفصائل السنّية الأخرى بقطف ثمرة القتال ضدّ القوات الأمريكية الغازية، والسيطرة على الزمام السنّي، بعد الاستحواذ على حصتهم في المشاركة السياسية.
الإمساك بالأرض
لم يكن هناك بدّ للتنظيم من الإمساك بالأرض، والظهور العلني للكثير من العناصر، بعد انعقاد حلف "المطيبين"، الذي جمع القاعدة مع فصائل سلفية أخرى، وتنصيب أبي عمر البغدادي أميراً للمؤمنين.
وفضلاً عن خروج التنظيم عملياً، من الدائرة الإستراتيجية للقاعدة؛ فإنّ كثيراً من المشتغلين في الحقل الجهادي، انتقد التحول إلى سياسة الاستحواذ على أراض، وظهور التنظيم إلى العلن.
في مقاله المعنون "الحقائق المخفاة حول دولة البغدادي" كتب أبو أحمد، الذي يعرّف نفسه بأنّه من مجاهدي خراسان والعراق والشام: "بعد استلام أبي حمزة المهاجر عمل بغير منهج الشيخ الزرقاوي من الناحية السرية والتشكيلات والمجاميع، وبدأ بالتعامل على أساس القوة والتمكين..".

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
لكنّ المهاجر وقف مدافعاً عن تلك السياسة، باعتبارها ضرورة، معتقداً أنّه قد حان وقت إقامة الدولة، غير مبالٍ بالواقع والحسابات السياسية والمنطقة، وبالاستناد إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تعد بالنصر وخلافة الأرض للمؤمنين!
فعندما سئل المهاجر، في حوار صوتي أجرته معه مؤسسة "الفرقان" الإعلامية، التابعة للتنظيم: "أسلوب مسك الأرض أسلوب عسكري فاشل، فما ردّكم؟"، أجاب: "هذا كلام العاجز قليل الحيلة ضعيف الهمة، عديم الخبرة بعيد عن الساحة، وإلا فليعلم الجميع الأثر العظيم الطيب لأحداث الفلوجة الأولى، وما أعقبها من مسك الأرض، وكيف أنّ معظم الجماعات الجهادية أعلنت عن نفسها بعد هذه الأحداث مستفيدة من الأمن الذي حققه بدمائهم حينهاً رجال التوحيد والجهاد مع بعض المخلصين...".
أبو مصعب الزرقاوي

مآلات متشابهة
لكنّ مآلات التنظيم، في ظلّ هيمنة "البغدادي" الأول و"المهاجر" كانت ردّاً واضحاً على نتاج سياستهما، فقُتل الآلاف من العناصر، وسُجن مثلهم، وقُتل الرجلان في عملية عراقية أمريكية مشتركة، عام 2010.
ومع أنّ الأرض كانت قد سحبت من تحت أقدامهما قبل مقتلهما، إلا أنّ ذلك لم يكن مبرراً لهما لإسقاط الدولة، باعتبار أنّها فقدت عنصراً رئيساً من تعريفها ووجودها حتى الشرعي.
بل ذهب "المهاجر" لشرعنة وجود الدولة الفاقدة للأرض والأمن والمال، فتحدّث عن مفهوم الدولة الإسلامية، في تسجيل صوتي له، فرغه كتابياً الجناح الإعلامي في التنظيم تحت عنوان "الدولة النبوية"، زاعماً أنّها لم تكن تحكم سيطرتها على الأرض، ومع ذلك ظلّت دولة.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟
يقول المهاجر: "انطبع عند كثير منا أنّ مفهوم الدولة الإسلامية هو مفهوم الدولة "الطاغوتية" نفسه، التي رسمها (سايكس- بيكو): وبعضنا يفهم خطأ أنّ مفهوم الدولة التي ينبغي قيامها، وإعلانها هي دولة "الرشيد" يخاطب فيها السحابة في السماء، ويغرف الذهب كالماء، ويرسل الجيوش التي أولها عند عدوّه، وآخرها في بغداد، فهيّا بنا نتجه إلى المدينة النبوية لنرقب ولو شيئاً يسيراً من حركة بناء الدولة النبوية..".
لم تكن آمنة مطمئنة
لا يعجز الرجل في اجترار روايات تظهر أنّ دولة النبي ﷺ، لم تكن بالقوة ولا التمكين المتصوّرَين، ويحاول إسقاط الروايات التي تشي بضعفها في البداية على حال تنظيمه، الذي تعرّض للشتات وخسارة الأرض، بعد تحالف الصحوات الذي نجح إلى حدٍّ كبير في تحطيم إمارته.

بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة عام 1996 خرجت "القاعدة" بإستراتيجية تقضي باستهداف أمريكا وإسرائيل

يبدأ المهاجر سلسلة من التساؤلات الطويلة التي سيجيب عنها فيما بعد، فيقول: "هل كانت المدينة فحسب ملاذاً آمناً يأوي إليها المستضعفون من المؤمنين، أم إنّها عهد جديد من التضحية بالنفس والمال، وفصل آخر من فصول الفقر، والخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس والثمرات؟".
يكمل تساؤلاته: "نريد أن نعرف؛ هل قامت الدولة النبوية، أول ما قامت، قوية راسخة متينة لا تهزها الريح ولا تأخذ فيها الفتن، أم إنّ القلوب بلغت الحناجر وظنّ الناس بربّهم الظنون؟
ويستطرد: "هل صحّت مزارع القوم ونشطت تجارتهم وزاد عدد رجالهم، أم حصد القتل في سبيل الله شبابهم وشيوخهم وتعطلت تجارتهم وبارت مزارعهم؟".
هل كانت تلك الدار عذبة الماء طيبة الهواء، أم إنّها أرض كثيرة الوباء آجلة الماء؟
هل كانت الجيوش النبوية وافرة العدد والعدة، أم كما وصف الله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في قلة العدد ورثاثة العدة وضيق المعاش؟".

توظيف براغماتي
ينفي المهاجر هذه الصفات عن الدولة النبوية، ويسوق عشرات الروايات التي تؤكّد زعمه، ويؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ كانت فاقدة للأمن والاستقرار، كلّ هذا من أجل تثبيت وصف الدولة على إمارته التي لم تعد تسيطر على أرض يعيش فوقها شعب.
يقول: "روى الإمام أحمد والشيخان وابن إسحاق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلاً، يعني ماء آجناً، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقماً، وصرف الله ذلك عن نبيه".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وعن عائشة، رضي الله عنها، كما في الصحيح؛ أنّ بلال لما وعك كان يقول: "اللهم العن شيبة ابن ربيعة، وعتبة ابن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء".
وعن فقدان الأمن في المدينة يقول المهاجر: "كانت حياة الصحابة الكرام في الدولة النبوية حياة خوف ووجل وترقّب، وحذر دائم، خاصة في مرحلة تأسيسها الأولى وأيام المحن؛ ففي الصحيح، عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، قال: ولقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتاً، قال فتلقاهم النبي ﷺ على فرس لأبي طلحة عري، وهو متقلد سيفه فقال: "لم تراعو لم تراعوا"، ثم قال رسول الله ﷺ: "وجدت بحراً يعني الفرس، فدلّ استنفار الناس لأجل الصوت أنّهم كانوا يفزعون ويستنفرون لأدنى خطر، ولو كان احتمالياً، كصوت صخرة وقعت من قمة جبل، وهو ما يشابه اليوم أصوات الانفجارات التي يحدثها العدو، أبعده الله".
فقدان الأمن
ولم يستطع المهاجر، في التنظير لمسألة الدولة بدون أرض، أن يثبت أنّ دولة النبي ﷺ فقدت يوماً سيطرتها على أرض يثرب، أو أنّ أعداءه استطاعوا أن يجتاحوها يوماً، بل نجح في صدّ التحالف العشائري ضدّه في غزوة الأحزاب، وظلّت المدينة ذات سيادة حتى لو تعرضت لمشكلات أمنية في حالة الحرب.
يسترسل المهاجر في سرد الروايات التي تؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ لم تكن آمنة، رغم شذوذ رأيه إذا وضع في سياقات روايات السيرة المعتبرة، فيقول: "كان النبي ﷺ أول قدومه المدينة يرهق نفسه في حراسة نفسه حذراً من الأعداء، وآخذاً بالأسباب، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
يكمل: "ففي الصحيح: عن عائشة، رضي الله عنها، كان النبي ﷺ سَهِراً، فلمّا قدم المدينة قال: "ليت رجلاً من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة"، إذ سمعنا صوت سلاح فقال: "من هذا؟" فقال: "أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك"، ونام النبي ﷺ، وفي رواية حتى سمعنا غطيطه.
دولة فقيرة!
أما عن الحالة الاقتصادية التي تعيشها الدولة النبوية الناشئة، فيقول المهاجر: كانت حالة فقر قاتل، لم يستثنِ أحداً، صغيراً كان أو كبيراً، ففي الصحيح عن أيوب عن محمد، قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فقال: "بخ بخ"، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني، وإنا لآخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع".
يتابع المهاجر: فهؤلاء أضياف كرام في مسجد رسول الله؛ حيث يرى جميع الصحابة يخرون صرعى من الجوع، وقسوته، لا يملك لهم أحد شيئاً.
روى ابن داوود عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ أنّه دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع.
ويضيف: سكن النبي في بقعة من أرض الجزيرة كان يحوطها الكفار واليهود والمنافقون، ووصل جيشه إلى 700 فرد وتعرّض للهزيمة في أحد، وللحصار في الخندق، ومع ذلك فهي كانت دولة.

للمشاركة:

كيف حضرتْ إيران واليمن والاحتجاجات العربية في ملتقى أبوظبي الإستراتيجي؟

2019-11-12

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، إنّ ثمة إمكانية لوجود مسار سياسي للتعامل مع إيران، قد يكون بمقدور جميع أطراف الصراع الاستعداد لإطلاقه قريباً، من دون أن يعني ذلك القبول بالطبيعة العدوانية للسياسة الخارجية الإيرانية. ولفت قرقاش إلى أنّ النزاعات والتحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة وصلت إلى مرحلة حاسمة، الأمر الذي يستوجب ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، وعدم التصعيد في ما يتعلق بإيران.
جاء كلام الوزير الإماراتي خلال ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس، الذي نظمه مركز الإمارات للسياسات، واختتم أعماله أمس في أبوظبي.

قرقاش: لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات

وحذر قرقاش من أنّه لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب من جهة أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات من جهة أخرى؛ في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الكبرى في تموز (يوليو) 2015. ووصف المسؤول الإماراتي هذا الخيار بـ"الخاطئ"، مؤكداً رفضه لثنائية الصراع والاستسلام. وأضاف أنّ "سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة، لكننا لا نسعى إلى المواجهة، والمزيد من التصعيد في هذا الوقت لا يخدم أحداً، ونعتقد بقوة أنّ ثمة متسعاً لنجاح الدبلوماسية الجماعية".

اقرأ أيضاً: الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن
وأشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في كلمته أمام ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس إلى أن هذا النجاح يرتبط بجملة من الشروط والمحددات من أبرزها ما يلي:
1. يتوجب، استناداً إلى هذه العملية، التعاطي مع القضايا الأمنية الرئيسية التي تشكّل مصدر قلق للدول الأخرى في المنطقة، مثل التدخل الإيراني المباشر، ومن خلال الوكلاء، في الدول الأخرى في المنطقة، إضافة إلى برامجها النووية والصاروخية.

سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة
2. أن تكون دول الخليج العربية حاضرة على طاولة أي محادثات حول تلك القضايا المذكورة.
3. وجود توافق في صفوف المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلى جانب دول الخليج العربية.

اقرأ أيضاً: الإمارات تقدّم المساعدات في مدينتَي المخا وشبوة اليمنيتَين
4. إنهاء الهجمات الفظيعة التي تعرضت لها منشآت أرامكو السعودية، وأي هجمات على شاكلتها، بوصفها غير مقبولة وتقوّض أي عملية سياسية أو دبلوماسية محتملة. وإذا أثبتت إيران التزامها الجدي تجاه هذه العملية، فإنّ مساراً سياسياً قد يتكلل بالنجاح. واستدرك الوزير بأنّ هذا المسار سيكون طويلاً ويتطلب الصبر والشجاعة.
وقال قرقاش إن مثل الاتفاق، إن تمّ، سيعمل على تنشيط الاقتصاد الإيراني، وتشكيل خريطة طريق لنظام إقليمي جديد أكثر استقراراً يمكن لجميع الدول أن تحقق الازدهار من خلاله.

الخيار في اليمن
وفي إطار ربط الوزير الإماراتي هذه المسألة بالواقع القائم في اليمن، أوضح بأنّ الخيار في هذا البلد ليس بين صراع دائم أو التخلي عن الشعب اليمني لصالح ميليشيا الحوثيين، أو لمصلحة تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وقال قرقاش إنّ الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي، من أهم خصائصه البراغماتية والسلمية والاستدامة. وتابع قرقاش بأنّ أي اتفاق على الحل في اليمن يتعين عليه أن يأخذ بالاعتبار ما يلي:
1.  الطموحات المشروعة لجميع أطراف المجتمع اليمني، وهذا يشمل الحوثيين؛ فبالرغم من أن ميليشيا الحوثيين ألحقت دماراً واسعاً في اليمن؛ فإنهم جزء من المجتمع اليمني ولهم دور في مستقبله، على حدّ قوله.

قرقاش: الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي

2. يتوجب أن يسعى أي حل سياسي مستدام في اليمن للسماح كذلك بتقديم ضمانات أمنية مناسبة للدول المجاورة، وهذا يشتمل على احتواء التهديدات الإرهابية، وضمان الأمن البحري، ومنع أي هجمات ضد الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي اليمنية.
3. يمكن للمجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن الدولي، أن يقوم بدور فاعل في إخراج هذا الاتفاق إلى النور.
وقال قرقاش إنّ الأزمة اليمنية تشكّل فرصة لجميع الأطراف للبدء في بناء نظام إقليمي جديد، يكون احترام السيادة الوطنية جزءاً أساسياً في صميم هذا النظام، ما يعني إنهاء التدخلات أو التهديد بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
وذكر المسؤول الإماراتي أنّ بلاده ستواصل العمل في هذا الاتجاه، مؤكداً أنّ أولويات بلاده في "التحالف العربي" في أعقاب إعادة انتشار قواتها من عدن هي الاستمرار في مواجهة التهديدات الإرهابية، وحماية الأمن البحري، ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
تطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق

نقاشات نوعية
وكان ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس شهد نقاشاً ثرياً حول توزّع القوة في النظامين الدولي والإقليمي، فاتحاً الجدل العلمي والمنهجي حول عناوين جديدة في المنطقة العربية؛ مثل؛ محور القوة الجيو-مالية، وخريطة العالم الجيو-تقنية، وعسكرة التكنولوجيا، والتنافس حول اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: القوات اليمنية: بهذه الجريمة نسف الحوثيون جهود السلام
وتطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق. وأكّد رئيس الوزراء الليبي السابق، محمود جبريل، أنّ الخلل الهيكلي العميق في الدولة العربية يُعدّ سبباً أساسياً في اندلاع الهبّات الشعبية في العالم العربي. من جانبه، قال الإعلامي العراقي، مشرق عباس، إنّ الاحتجاجات الجارية في العراق تعكس رغبة شعبية قوية بضرورة التغيير، والردّ على محاولة السلطات العراقية تفتيت الهوية الوطنية العراقية الجامعة.
ولفت عباس إلى أنّ الداعين إلى وجود قيادة موحدة لهذه الاحتجاجات يغفلون عن أنّه من المهم في هذه المرحلة استمرار هذه الاحتجاجات بشكلها الحالي: السلمي والعابر للمناطقية والطائفية والقومية، فضلاً عن أنّ خروج قيادات في هذه المرحلة-التي تشهد استخدام القوة المفرطة بحق المحتجين- سيعني تصفيتهم، كما أنّ أهداف الاحتجاج لم تتحقق ليتم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات، والتي تتطلب وقتها وجود وجوه قيادية للتفاوض مع الحكومة، على حد قوله.

للمشاركة:



الحوثيون يقصفون المناطق السكنية في تعز.. والجيش يتقدّم في الجوف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لميليشيات الحوثي، استهدف إحدى القرى في مديرية الصلو جنوب شرق محافظة تعز.

وسقطت قذيفة صاروخية على أحد المنازل في قرية الشرف بمديرية الصلو، أسفرت عن مقتل الطفلة رحمة فارس عبده الشيبة، وإصابة أربعة أطفال آخرين، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية عن مصادر عسكرية.

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لمليشيات الحوثي في إحدى قرى تعز

ولفتت المصادر إلى أنّ الأطفال إصابتهم خطرة للغاية وعدد الوفيات مرشح للزيادة.

وتواصل مليشيات الحوثي قصفها الصاروخي والمدفعي على الأحياء والقرى السكنية في مدينة تعز ومديرياتها الريفية من وقت إلى آخر مخلفة العشرات من الضحايا في صفوف المدنيين وغالبيتهم أطفال.

في الأثناء، تقدمت قوات الجيش الوطني في جبهة صبرين شرق محافظة الجوف، وسط انهيارات واسعة في صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية التي تلوذ بالفرار.

وقال موقع "سبتمبر نت"، نقلاً عن أركان حرب محور الجوف، العميد صادق العكيمي؛ إنّ "قوات الجيش أحكمت سيطرتها بشكل كلي على مواقع؛ أم الحجار، وجبال صبرين، بمديرية خب والشعف، نافياً أن تكون المليشيا قد استعادتها، كما تروّج لذلك في إعلامها".

ولفت إلى أنّ مدفعية الجيش الوطني استهدفت مواقع الميليشيا الحوثية، في جبلَي الطائرة، والأطحال، وكبدتها خسائر كبيرة في العدد والعدة.

صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية تلوذ بالفرار وسط تقدم الجيش في جبهة صبرين شرق الجوف

من جانبه، أكّد العقيد في اللواء 155 مشاة، ربيع القرشي؛ أنّ قوات الجيش تمكنت من التقدم والسيطرة على عدد من المواقع في الجبهة ذاتها، من بينها موقع الطويلات، وكبدت الميليشيا المتمردة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

ولفت إلى أنّ الفرق الهندسية لقوات الجيش الوطني، نزعت أكثر من 500 لغم أرضي، زرعتها الميليشيا الحوثية، في محاولة يائسة منها لإعاقة تقدم قوات الجيش الوطني.

 

للمشاركة:

آخر تطورات الثورة اللبنانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

تتواصل الاحتجاجات والتحركات في لبنان، لليوم السابع والعشرين على التوالي، بالتزامن مع استمرار إقفال المحتجين لمؤسسات تابعة للدولة اللبنانية، ومرافق عامة، في وقت سُجّلت إشكالات بين المعتصمين وعدد من المحامين الذين كانوا يحاولون الدخول إلى مقرّ النقابة من الجهة الخلفية لقصر عدل بيروت.

وبعد يوم حافل بالمواقف السياسية، أمس، يطلّ الرئيس اللبناني، ميشيل عون، عند الثامنة والنصف من مساء اليوم، الثلاثاء، في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة، وفق ما أفادت به صفحة الرئاسة اللبنانية عبر "تويتر".

المتظاهرون في لبنان يواصلون قطع الطرق في كثير من المدن والمؤسسات التابعة للدولة

من جهته، يصرّ رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة، ونقلت صحيفة "النهار" اللبنانية عن بري ما مفاده: "إذا بقي سعد على موقفه ورفض تسلم الحكومة، فسأكون على عداء معه إلى الأبد، المصلحة تقتضي تعاوننا جميعنا للخروج من هذه الأزمة".

بدوره، قال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله: إنّ "هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محل إجماع".

وذكر نصر الله، في كلمة متلفزة أمس بمناسبة احتفاله بيوم الشهيد؛ أنّ من مطالب الحراك التي لا إجماع عليها إلغاء الطائفية والمطالبة بقانون انتخاب جديد.

الرئيس اللبناني يطلّ اليوم في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة ومطالب المتظاهرين

ورأى نصر الله؛ أنّ مقاومة الفساد في لبنان تحتاج إلى قاضٍ نزيه ومستقل، لا يخضع لضغوط السياسيين، مضيفاً أنّ آليات مكافحة الفساد ليست موجودة عند حزب أو حراك في الشارع، مؤكداً أنّ خطوة إنقاذ البلاد بيد الجهاز القضائي.

وأشار إلى أنّ اللقاءات متواصلة والاستشارات قائمة بشأن تشكيل حكومة جديدة، بعد استقالة حكومة سعد الحريري.

وقطع المحتجون، صباح اليوم، السير في محلة العدلية باتجاه سامي الصلح مقابل مبنى قصر العدل في بيروت، وتجمعوا أمام قصر العدل في بيروت مقفلين مداخله "دعماً لاستقلالية القضاء وللضغط على السلطة السياسية للبدء بالاستشارات النيابية".

وأفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" الرسمية اللبنانية بحصول إشكال بين بعض المتظاهرين وأحد المحامين الذي حاول الدخول إلى قصر العدل في بيروت.

نبيه بري يصرّ على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة

إلى ذلك، تجمّع عدد من الطلاب أمام وزارة التربية في الأونيسكو، وسط انتشار للقوى الأمنية، وفي حين قرّر وزير التربية اللبناني، أكرم شهيب، إبقاء المدارس والجامعات مقفلة اليوم، لم تلتزم مدارس وجامعات عدة بالقرار، وفتحت أبوابها أمام التلاميذ والطلاب.

وبدأ موظفو الشركتين المشغلتين لقطاع الهواتف الخليوي "ألفا" و"تاتش" إضراباً مفتوحاً، اليوم، فتوقفوا عن العمل في المراكز الرئيسة للشركتين.

وحضر الموظفون إلى أماكن عملهم، لكنّهم اعتصموا خارجها، رافعين شعارات مطلبية تدافع عن حقوقهم، وطالبوا وزارة الاتصالات بالاستجابة لمطالبهم التي لخصوها بالآتي: "عدم حسم 30% من مدخولهم السنوي، توقيع عقد العمل الجماعي وضمان استمرارية عملهم في العقود، سواء كانت عقود إدارة أو خصخصة، أو أيّ نوع آخر".

حسن نصر الله: هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محلّ إجماع

كما أقفلت المصارف أبوابها، اليوم، وذلك بعد إعلان الموظفين الإضراب؛ بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم، وتهافت المودعين لسحب أموالهم، مع وجود سقوفات على السحوبات.

على الصعيد نفسه؛ أقدم تجمع أصحاب محطات الوقود، صباح اليوم، على إقفال أبواب شركات تسليم المحروقات في لبنان في مراكز الجية، والدورة، والضبية، وعمشيت، وطرابلس، احتجاجاً على تسليمهم المحروقات بالدولار، مطالبين تسليمها بالليرة اللبنانية.

موظفو شركات اتصالات الهواتف النقالة يعلنون إضراباً مفتوحاً عن العمل حتى تحصيل  حقوقهم

إلى ذلك، قطع المحتجون طرقات عدة، منها مفرق قب الياس البقاع بالاتجاهين، بالإضافة إلى العبدة، وحلبا، والبحصاص، والمنية، ودير عمار، وجسر البالما.

وشمل الإقفال كلّ المرافق التربوية والمصرفية في صيدا في جنوب لبنان، فيما أعلنت المدارس والجامعات والمعاهد والمهنيات في طرابلس شمالاً إقفال أبوابها أمام التلاميذ والطلاب، كذلك أقفل المحتجون، في الثامنة صباحاً، مؤسسة كهرباء لبنان في مدينة صيدا، كما عمدوا إلى إقفال مراكز تابعة لشركة "أوجيرو" المشغلة لخطوط الهواتف اللبنانية، في مناطق مختلفة.

موظفو المصارف يضربون عن العمل بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم

إلى ذلك، أدّى إطلاق نار عند دوار مرج الزهور في محلة أبي سمراء في طرابلس شمال لبنان، إلى إصابة 3 أشخاص بطلقات نارية في الرأس وسائر أنحاء الجسم، نقلهم عناصر جهاز الطوارئ والإغاثة في "الجمعية الطبية الإسلامية" بالتعاون مع أبناء المنطقة، إلى مستشفيات المنطقة، وما لبث أحدهم أن فارق الحياة، وفق ما ذكرته "الوكالة الوطنية للإعلام"، ولم يتّضح ما إذا كان إطلاق النار على خلفية الاحتجاجات الأخيرة.

 

 

للمشاركة:

هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:



بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:

نسبة الفقر المدقع تتضاعف في المنطقة العربية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

محمد حماد

أطلق التفاوت الحاد بين الفقراء والأغنياء في العديد من الدول موجة احتجاجات عالمية، كان للمنطقة العربية نصيب الأسد منها، في ظل الافتقار لتحقيق نمو اقتصادي وتداخل القضايا السياسية بالتنموية والاقتصادية، وحيث يتجه الغضب الشعبي نحو النظم السياسية التي تحصن النخبة الحاكمة ضد أي تغيير، وإصلاحاتها المقترحة تكون على حساب الشارع.

وتشير تقارير المنظمات الدولية على غرار البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (أسكوا) إلى أن المنطقة العربية هي الوحيدة في العالم التي ارتفع فيها معدل الفقر المدقع خلال السنوات الست الأخيرة إلى 20 بالمئة من السكان.

ويحذّر محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي، من السياسات العشوائية التي تفاقم أوضاع الفقراء في المنطقة، بعد أن شهدت معدلات الفقر ارتفاعا كبيرا، مقابل انخفاض ملحوظ على مستوى العالم. وقال لـ”العرب” إن نسبة من يعانون من الفقر المُدقِع زادت عربيا إلى الضعف من 2.5 بالمئة تقريبا إلى نحو 5 بالمئة، وفق تقديرات البنك الدولي.

ويعدّ الإقليم الاقتصادي العربي الأسوأ في عدم العدالة في توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى عشرة بالمئة من السكان على نحو ثلثي الدخل القومي، في حين أن العشرة بالمئة الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37 بالمئة وفي الصين 41 بالمئة والهند 55 بالمئة.

الصين بلا فقراء

أرجع محيي الدين، الفضل للصين في خفض معدلات الفقر المُدقِع عالميا، وهذا النموذج جدير بالفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد، حيث نجحت بكين في انتشال أكثر من 850 مليون مواطن من حدة الفقر، ووصفه بأنه “أمر مذهل”.

وتستعد بكين لتعلن العام المقبل أنها خالية تماما من الفقراء، من خلال توفير كساء وغذاء مناسب لكل فرد، ورعاية صحية، وتعليم مجاني في أول تسعة أعوام من المراحل الدراسية.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن التجربة الصينية اعتمدت على المؤسسات القائمة منذ عهد  ماو تسي تونغ الذي رأس الحزب الشيوعي في عام 1935 في مواجهة الفقر، وليس الاتجاه لهدمها وبناء مؤسسات جديدة. وما عزز من نجاح النموذج الصيني الاهتمام بالسياسات الكلية في مواجهة المشكلة، والتركيز على الاقتصاد السياسي وآلياته وردود الفعل، فضلا عن إدراكهم لجانب سبقوا فيه غيرهم وهو التواصل والإعلام كجزء أساسي من السياسات العامة والاقتصادية.

ولفت محيي الدين إلى أن الجانب الإعلامي مهم جدا في التأثير على الرأي العام لتقبل الاتجاهات الجديدة، وليس تطبيق السياسات أولا ثم الترويج لها لاحقا.

واستخدمت الصين طريق التواصل المباشر، وتمتلك هذه المرونة من القاعدة إلى القمة من خلال آليات التواصل في الحزب الشيوعي وتم ذلك بشكل كفء للغاية.

وحول السلطات المطلقة للحكومات الإقليمية قال محيي الدين إن المسؤولين يؤمنون بأنه كلما ثبت محور السيارة تسارعت إطاراتها وزاد انطلاقها، ومن هذا المنطلق يمنحون حكام الأقاليم سلطات مطلقة، الأمر الذي عزز من توطين عمليات التنمية وانتعاش حياة الأفراد.

وأشار نائب رئيس البنك الدولي إلى أن التجربة الصينية من الممكن أن تصبح فرصة تطوعها الدول العربية للاستفادة منها في تعزيز معدلات النمو وتنشيط الاقتصاد والاستفادة من طاقات الشباب، فالعالم العربي لديه نقاط قوة لا بد من الاستفادة منها، حيث تزداد المجتمعات شبابية في هرمها السكاني، فنحو 60 بالمئة من السكان في الدول العربية تحت سن الثلاثين.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع العمر في ذات الوقت، وهي أمور إيجابية إذا أحسن الاستعداد لها بزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية كمكونات رئيسية لرأس المال البشري. ورغم القاعدة الشبابية للعالم العربي، إلا أنه يعاني من أعلى نسبة بطالة في العالم، وصلت إلى 10.6 بالمئة وهي تقترب من ضعف متوسط نسبة البطالة العالمية ومقدارها 5.7 بالمئة، وهي أشد تركزا بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال.

ويحتاج الاقتصاد العربي لخلق 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة البطالة، ومواجهة الفقر، وعلى أن تتاح هذه الفرص وفقا لسياسات نمو شاملة تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل، دعما للتنمية المستدامة التي لا تفتئت على حقوق الناس أو تهدر تصف طاقتهم البشرية عبثا.

عشوائية النموذج

لفت محيي الدين إلى أن عدم اكتمال التجارب في حالات عربية كثيرة سببه العشوائية، ليس عشوائية النموذج المراد تطبيقه لمواجهة التحديات، لكن عندما لا تستقيم عملية تراكم الإصلاح عبر الزمن، بغض النظر عن الاتجاه الذي تتبناه الدول سواء كان اشتراكيا أو رأسماليا.

وأكد أن الدول العربية خالفت في هذا الاتجاه النموذج الصيني القائم على استكمال البناء وتطويره، واتبعت نموذج الهدم والبناء من جديد، وتسببت في التخلف عن ركب التنمية وتفاقم معدلات الفقر.

وللخروج من هذا النفق والقضاء على الفقر، طالب بتعظيم الاستثمار في البشر والرعاية الصحية والحوكمة التي تعني فصل الملكية عن الإدارة والقدرة على إعمال دولة القانون لتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح واستثمار البنية الأساسية والتكنولوجية، ولا تكتمل المنظومة دون إعمال قواعد السوق في توزيع الموارد وأن يكون منظما ومراقبا بما يحقق عدالة المنافسة.

وهذه المبادئ والأطر كانت أهم لبنات نجاح تجارب الصين وفيتنام والهند والبرازيل والمكسيك وكولومبيا، مؤكدا أنه عند الحديث عن الفقر لا بد ألا يجب التوقف عند حدوده فقط، بل لا بد من مراعاة عدالة توزيع الدخل والثروة.

وعن مدى مسؤولية الفقير عن فقره ودور المؤسسات الدولية في مواجهة هذا التحدي، كشف أن هناك 163 دولة عضو في البنك الدولي، استفادت نحو 125 دولة من مساعدته، ونجحت نماذج منها الصين واليابان وكوريا، فكان أول طريق سريع في الصين بتمويل من البنك الدولي وأول مطار أيضا في اليابان وأول قرض لكوريا الجنوبية.

وثمة دول أفريقية نجحت وتسير في الطريق، منها رواندا ولديها برنامج مهم جدا لدى البنك، وبروندي تملك برامج، وإن كانت ليست ناجحة بالشكل الكافي، لكن لديها برامج لمواجهة الفقر، والتباين بين الأمرين يكمن في الإصرار والإرادة السياسية والتوجه الذي تقوم به الدولة التي ترغب في مواجهة تحدي الفقر.

وشدد محيي الدين على أن النجاح والإخفاق مسؤولية الدول في ظل إتاحة البرامج الإنمائية والتمويلية التي تتيحها المؤسسات الدولية، لأن التنمية قضية وطنية محلية العمل داخل نطاق الدول، لكنها لا بد أن تستخدم كل ما يتاح لها من فرص وبرامج تمويلية من المؤسسات الدولية.

وذكر لـ”العرب” أن التقدم التكنولوجي يفتح آفاقا جديدة ويمنح فرصا للتوظيف وتشغيل المشروعات الصغيرة، الأمر الذي يسهم بشكل فاعل في مواجهة الفقر وتوطين التنمية، إذا تم استخدامها بكفاءة، ويعد هذا الاتجاه مصدرا مهمّا يواكب متطلبات الشباب ويعزز نمو مشروعاتهم.

عن "العرب اللندنية"

للمشاركة:

تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

فاروق يوسف

يتحرك شبح راشد الغنوشي بين الحكومة والبرلمان.

خياران كلاهما مر بالنسبة للشعب التونسي.

فالرجل الذي فاز حزبه "حركة النهضة الإسلامية" بأغلبية لا تؤهلها لنيل المنصبين إلا بعد أن تعقد تحالفات صعبة يحلم بأن يحكم تونس.

ذلك هو حلمه الشخصي الأخير. هو ما قد يُحرم منه إذا ما فشلت حركته في اقناع الآخرين بالقبول به.

لربما خُيل إليه أنه رجل تونس القوي بعد وفاة الباجي قائد السبسي. ذلك ليس صحيحا. فالغنوشي هو زعيم حركة تحوم حولها الشبهات.

تلك شبهات يمكن أن لا يلاحقها القضاء إذا ما تمكن الرجل من القبض على إحدى السلطتين. التنفيذية أو التشريعية.

فالغنوشي في حقيقته لا يملك مشروعا للنهوض بتونس وإصلاح الأوضاع الاقتصادية. وإذا ما كان الآخرون يفكرون في حكومة انقاذ اقتصادي وهو ما لا يمكن التراجع عنه خشية انفجار الشارع المتخم بالأزمات، فإن الغنوشي إذا ما أتيحت له فرصة الجلوس على كرسي رئاسة البرلمان على سبيل المثال سيعطل إمكانية الذهاب إلى حكومة انقاذ مصغرة بالاعتماد على العقول الاقتصادية. لا لشيء إلا لأنه يفكر عقائديا، وهو لا يرى في وجود النهضة في رئاسة الحكومة أو البرلمان إلا مناسبة لخدمة المشروع العقائدي الذي ناضل شخصيا أو من خلال حركته من أجل أن يرى النور.

ربما تتخلى حركة النهضة عن السلطة التنفيذية بعد ضمان عدم فتح ملفاتها وتتشبث برئاسة البرلمان من أجل أن يحقق الغنوشي حلمه الشخصي في إدارة الحياة التشريعية. وهو ما قد يحدث. غير أن ذلك حدثا سعيدا بالنسبة لأغلبية الشعب التونسي.

فالغنوشي بالرغم من تجاربه السابقة لم يكن راغبا في الارتقاء بحركته إلى مستوى متطلبات الحفاظ على الدولة المدنية التي يحرص التونسيون على أن يكون وجودها ضمانة لحياتهم مواطنين.

ما تفكر فيه حركة النهضة كونها تنظيما دينيا يقع خارج إطار الدولة المدنية بل هي تعمل على إزاحة تلك الدولة عن طريقها. ذلك لأن وجودها يشكل عقبة في طريق سن القوانين التي تيسر لها السيطرة على مجتمع، يتحول فيه المواطنون إلى رعايا، فيما تفرض الزعامات الدينية أسلوبا في العيش، لن يكون الغفر من خلاله مشكلة تقع على الحكومة والطبقة السياسية مسؤولية حلها.

أما إذا لم تتمكن رئاسة البرلمان مجسدة في شخص الغنوشي من فرض تلك القوانين فإنها ستعمل جاهدة على تعطيل سن القوانين التي سيكون من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية في دولة، ستكون عاجزة عن الالتفات إلى مواطنيها في ظل الأزمات التي ستعصف بالسلطتين التشريعية والتنفيذية.

يمكن للغنوشي إذا ما ترأس البرلمان أن يعطل عمل الحكومة.

ويمكنه أيضا إذا ما ترأس الحكومة أن يميع قوانين البرلمان.

ذلك كله مرتبط بشخصيته وضوابط عمله العقائدي والمشروع الديني الذي تبنته حركته. لذلك يمكنني القول إن الرجل لا يصلح لتبوأ منصب سياسي قيادي.

ربما كان على الغنوشي أن لا يرشح نفسه لمنصب قيادي في الدولة ويكتفي بإدارة ممثليه في الدولة من خلال موقعه في الحركة. غير أنه انجر وراء تحقيق حلمه الشخصي من غير أن يفكر بالمستقبل السياسي للحركة التي يقودها والتي لم يرغب في تحريرها من أهدافها الدينية بالرغم من أنها لم تمارس سوى العمل السياسي.

ما كان على أحد أن يطلب من الغنوشي أن يلتزم بمبادئ العمل السياسي في دولة مدنية مثل تونس لو لم يعمل شخصيا في السياسة ويختبر نفسه وحركته في متاهات الديمقراطية التي لا تمت إلى العمل الديني بصلة.

هو رجل سياسة لكن على طريقته الخاصة التي ليس فيها من السياسة الحديثة شيء يمكن التعويل عليه في انجاز ما ينفع الناس.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية