هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
5160
عدد القراءات

2019-04-09

"إنّ دمشق وحلب كانتا لتركيا"، عبارة قالها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، وذلك في كلمة أمام تجمع لأنصار حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الحاكم، بداية آذار (مارس) الماضي، مضيفاً أنّ الأتراك والسوريين ينتمون لأمة واحدة، كما كانوا يعيشون تحت راية واحدة لنحو 400 عام.

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية

ورغم ما قد تظهره تلك التصريحات للوهلة الأولى من حرص تركي على السوريين، تعترض المُتلقي وقائع الأعوام الثمانية من الحراك الشعبي السوري المنطلق في العام 2011، حيث تتبادر إلى الأذهان الأدوار التي لعبتها الحكومة التركية في دعم الجماعات المسلحة بالمال والسلاح وتحويلها الحراك إلى "حرب أهلية"، مزقت الجغرافيا السورية إلى مناطق نفوذ مُتناحرة، غذّت فكرتها الأساس، مساعي "أنقرة" المحمومة لاستصدار قرار دولي يسمح لها بالسيطرة على المناطق السورية، تحت ذريعة إقامة "منطقة آمنة" للسوريين من هجمات النظام، بما فيها حلب ذاتها.
هذا الادعاء بالحرص على السوريين يخفي أطماعاً توسعية تركية، بدأت قوى محلية سورية وإقليمية عربية وأخرى دولية تتنبه لها تباعاً، مما ساهم بتوقف التمدد التركي شمال سوريا، والذي بدأ بشكل مباشر في آب (أغسطس) لعام 2016، عبر عملية عسكرية سميت بـ "درع الفرات"، تحت حجة محاربة داعش، وتمكنت فيها تركيا من السيطرة على مجموعات بلدات سورية تمتد من (جرابلس والباب إلى اعزاز)، لتُعززها أكثر في آذار (مارس) عام 2018، عبر عملية جديدة سميت بـ"غصن الزيتون"، استهدفت السيطرة على منطقة (عفرين) الكُردية السورية.

العلم التركي فوق مشفى جرابلس الخاضع لمسلحي درع الفرات

وعقب عام، بدأت محاولات تركية حثيثة للتمدد، وكانت هذه المرة في مدينة (منبج) شمال سوريا، الخاضعة لسيطرة مجلس منبج العسكري، وهو أحد تشكيلات قوات سوريا الديمقراطية؛ حيث حضّرت أنقرة آلاف المسلحين من مجموعات المعارضة السورية المعروفة بـ(الجيش الحر والجيش الوطني)، بغية اقتحام المنطقة وضمها بالتالي إلى سلسلة المناطق السورية شبه المُقتطعة سابقاً، لتبعث الجهود التركية في (منبج ومناطق درع الفرات وعفرين) المزيد من المخاوف على مستقبل شمال غرب سوريا، خشية ضمها لتركيا تحت حجج واهية مشابهة لسيناريو سلب لواء الإسكندرون، الذي تم سلخه عن الوطن السوري بحجة الاستفتاء في العام 1939.

لواء الإسكندرون سوري

وحول الحديث التركي عن ملكية حلب ودمشق بحجة أن الشعبين كانا يعيشان معاً في ظل الدولة العثمانية، قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبدالرحمن، في حديثه لـ"حفريات": "سوريا ملك لأبناء الشعب السوري، ونحن نعتبر تركيا قوة احتلال في سوريا، فدمشق وحلب تتبعان للشعب السوري وكل الحدود السورية تابعة للشعب السوري".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"
وتابع "الكثير من أبناء الشعب السوري يعتبرون لواء الإسكندرون جزءاً لا يتجزأ من الأراضي السورية، لكن هناك بعض المرتزقة الذين يحلمون بأن تحتل تركيا شمال سوريا ومنها حلب، وكثير منهم كان يستخدم العملة التركية داخل الأراضي السورية بطلب من الحكومة التركية والجماعات الإسلامية الموالية لها".

الأعلام واللغة التركية تنتشر في مناطق درع الفرات

وأردف عبدالرحمن: "كل التصريحات التركية لا قيمة لها، لأن أردوغان لا يستطيع ضم هذه الأراضي السورية، على الرغم من العملاء الكثر الذين يتعاونون معه، ونحن نقول إن تركيا احتلال كبقية القوى المحتلة الموجودة داخل سوريا، سواء في الجولان، أو الاحتلال الروسي والإيراني، والتحالف الدولي الذي إن لم ينسحب من سوريا فسوف يعتبر قوة احتلال؛ لأن من دخل للقضاء على تنظيم داعش، يجب عليه الانسحاب بعد تقديم الدعم للقوى الموجودة في تلك المنطقة".

الدور العربي في مواجهة تركيا

ولمواجهة المطامح التركية، يؤكد عبدالرحمن على ضرورة قيام الدول العربية بالممكن للوقوف في وجه الأطماع التوسعية للدول الإقليمية على حساب السوريين، فيقول: "نحن مع انتشار قوات عربية في شمال شرق سوريا، كي نمنع الإجرام التركي الذي يطمح لاحتلال أراضٍ سورية، فتركيا تريد ضم الأراضي السورية كما ضمت سابقاً لواء الإسكندرون، هي تمتلك أطماعاً وفق الحلم التركي لاتفاقية عام 1925، والتي كانت تركيا تحلم بموجبها بضم كامل الشمال السوري، إضافة للموصل إلى الأراضي التركية".

يرى الساسة في مناطق سيطرة "قسد" أنّ التواجد التركي شمال غرب سوريا احتلال ويؤكدون على وجوب اعتراف النظام السوري بالإدارة الذاتية

كما تطرق عبدالرحمن للدور المصري تحديداً في الأزمة السورية، فقال: "نحن ندعم الدور المصري بشكل كبير جداً، فمصر لم تكن يوماً مع قتل أبناء الشعب السوري، وكل ما روج من قبل جماعة الإخوان المسلمين حول دورها في الصراع السوري هو كذب وافتراء، حيث كان لمصر أدوار كبيرة سواء في التهدئة بريف حمص الشمالي أو في الغوطة الشرقية"، مستدركاً "لولا التدخل القطري التركي ومقايضة الغوطة مقابل عفرين، لكانت الجهود المصرية أثمرت بعدم تهجير أبناء الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري، ولما سمح لآلة القتل الروسية وآلة النظام بتدمير الغوطة الشرقية العام الماضي".

قوى رافضة للوجود التركي

وفي سياق آخر، يرى الساسة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على شرق الفرات ومدينتي منبج والطبقة غربها، أنّ التواجد التركي في شمال غرب سوريا "احتلال"، ويعتقد هؤلاء بوجوب اعتراف النظام السوري بـ"الإدارة الذاتية" القائمة هناك، ما قد يفتح بوابة التوافق والتعاون بين الجانبين لإعادة المدن السورية التي تسيطر عليها تركيا، حيث قال عضو مكتب العلاقات الدبلوماسية في مجلس سوريا الديمقراطية، سيهانوك ديبو، في تصريحات صحافية، بأنّ تحرير عفرين يبدأ من تحرير إدلب، والاستعادة الفعلية للمناطق التي تم سلخها إلى تركيا، وأن كل يوم يتأخر فيه تحرير عفرين لا يعني فقط دوام الأزمة، بقدر ما هو تثبيت حالة تفتيت سوريا.

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

فعفرين المدينة الكُردية السورية التي سيطرت عليها تركيا وجماعات سورية تابعة للائتلاف السوري المعارض في آذار (مارس) عام 2018، ما تزال تؤرق بال "قسد"، وتعتبر أولوية وفق ما يؤكده رئيس مجلس سوريا الديمقراطية، رياض درار، لـ "حفريات"، خاصة بعد أن تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير آخر معاقل تنظيم داعش الإرهابي في الباغوز شرق سوريا في الثالث والعشرين من آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

وفي هذا السياق، يقول درار في حديثه لـ "حفريات": "عفرين من الأولويات، وقد عقد مؤتمر خاص حولها بعيد احتلالها، لنقرر حينها المقاومة، وأعتقد أن بعض العمليات العسكرية تجري للضغط على الأطراف التي تحتلها"، مضيفاً: "كنا في معارك مع داعش وحالياً في إطار تنظيف بقايا داعش، ويمكن أن يتفرغ جزء من القوات لمعالجة موضوع عفرين، بالتأكيد إننا ندافع عن حق لنا في هذه المنطقة، فأبناء عفرين موجودون الآن في المخيمات، ومن حقهم أن يطالبوا بعودتهم، كما أنّ هناك مساعي دبلوماسية لمتابعة القضية، وهناك حقوق يجب أن تؤخذ بالوسائل المشروعة".

أطفال في إدلب يرفعون العلم التركي إلى جانب شعار المعارضة السورية

تضامن دولي

يبدو أنّ نزاع السوريين فيما بينهم واستمرار تناحرهم هو مطلب أساسي لتبرر القوى الدولية والإقليمية تواجدها على الأراضي السورية، ويبدو أنّ حالة الانقسام بين السوريين ما تزال مستمرة، في ظل هيمنة قوى إقليمية ودولية على قراراتهم.

وفي هذا السياق، قال درار "النظام كان شريكاً في احتلال عفرين؛ لأنه لم يتجاوب مع أبنائها في الدفاع عن المنطقة رغم التصريحات التي صدرت منه، والتي قال فيها إنّه سيتكفل بحماية الأجواء، والدفاع عن الحدود"، مضيفاً: "أظن أنّ هناك ضغطاً روسياً في تلك اللحظة؛ فالروس قايضوا الأتراك على عفرين مقابل مناطق أخرى، هناك تواطؤ في هذه المسألة".

درار: أبدى الأمريكيون رفضهم تعاطي قوات "قسد" مع النظام السوري حيث هددوا بوقف الدعم المقدم لهم في حال إيجاد علاقة بينهما

أما الأمريكان، فأبدوا سابقاً، وفق درار، رفضهم تعاطي قوات سوريا الديمقراطية مع النظام السوري، حيث هددوا بوقف الدعم المقدم لهم في حال إيجاد علاقة مع النظام السوري، وحول ذلك يقول درار: "الأمريكان أوفوا بتعاونهم ضد داعش في المناطق التي تم مواجهة التنظيم فيها، أما في المناطق الأخرى فهناك حسابات دولية متنوعة، الأمريكان ليسوا بعيدين عنها، وكذلك الروس والأتراك".

وبالنسبة للحل السياسي، يقول درار: "نحن مثل باقي الفاعلين السياسيين، نريد حلاً سياسياً شاملاً، ونريد أن نكون جزءاً من العملية السياسية، فالأمريكان عندما يكون لديهم اعتراض على التفاوض المباشر مع النظام، لأن لديهم حسابات في مسألة الحل السياسي الشامل، سنكون نحن من ضمن هذا الحل، وسوف نساهم بالمشاركة في الفعاليات القادمة، لأن بعد التخلص من داعش يجب أن تبدأ العملية السياسية".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم

وأضاف: "هناك قراءة للمتغيرات التي سوف تجري بعد الانتخابات في تركيا، وعلى ضوئها سنقرأ الخريطة السياسية وكيفية التعامل معها، حيث إن هناك أفكاراً حول المنطقة الآمنة، وقد أبدينا رأينا حولها، وطالبنا بأن تكون بمعزل عن مشاركة الجيش التركي، ويقوم السوريون بحمايتها مع وجود نقاط مراقبة للتحالف الدولي أو قوات دولية".

ويؤكد درار أنّ إنهاء التواجد التركي في مناطق شمال غرب سوريا، مشروع بحاجة إلى تضامن دولي، من أجل التفاهم حول ذلك، وبدء الطرح السياسي، وقد يكون النظام السوري جزءاً منها، قائلاً: "بالنسبة لنا، فقد أصبح هناك مرتزقة كثر يدينون بالولاء لتركيا، وسيكونون عنصر شغب في أي محاولة لإخراج تركيا من هذه المناطق".

تضافر الجهود

ومما لا شك فيه، أنّ رفض قوات سوريا الديمقراطية للتهديدات التركية وتدخل حلفائها الغربيين، إضافة للدور العربي المُناوئ للتمدد التركي، ساهم في وقف الطموحات التركية بالسيطرة على مدينة منبج، وهو ما كان سيمثل مكسباً كبيراً لأنقرة فيما لو وقع، ولربما دفعها للمزيد من العجرفة في التعاطي مع القوى المحلية السورية، من منطق القوة والاستعلاء، بحجة حماية المدنيين كما هو الحال في إدلب، أو مناطق درع الفرات.

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة

وعليه، فإنّ سياسة الأمر الواقع التي تحاول أنقرة فرضها، تحتم على القوى المحلية السورية (الرافضة للوجود التركي) وداعميهم الدوليين والإقليميين، المزيد من التعاون والحرص، إن كانت تملك رغبة حقيقة في منع اقتطاع أراضٍ سورية جديدة، فبقاء تلك المدن لفترات طولية بيد الأتراك، يحمل عواقب وخيمة تتجلى صورها حالياً من خلال رفع الأعلام والرايات ونشر الثقافة واللغة التركية، في شمال غرب سوريا، وهو ما يمكن اعتباره رغبة دامغة في احتلال تلك الأراضي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: