التحصيل المدرسي: ما شكل المنهاج الذي نريد؟

صورة ذوقان عبيدات
أكاديمي وتربوي أردني
2002
عدد القراءات

2019-05-16

كان الاهتمام بالتحصيل المدرسي يأتي في الدرجة الأولى بالنسبة للمربين، بالرغم من اختلافهم على معنى التحصيل، فهل هو زيادة تعلّم الطلبة وزيادة درجاتهم في الاختبارات؟ أم زيادة مهاراتهم ونضجهم مما لا يقاس عادة في المدارس؟ بعيداً عن هذا الاختلاف، فإنّ تحسين تحصيل الطلبة يعني كل ما سبق، أو ما تتفق عليه أهداف كل مدرسة.

اقرأ أيضاً: منهاج الكبار الأربعة والشراكة الوطنية.. ما الذي نريده من المدرسة؟
وتفاوتت آراء المربين والباحثين في حصر العوامل المؤثرة في التحصيل الدراسي، ولكن مجمل الدراسات يشير إلى 
العوامل الآتية:
- القيادة المهنية

مسألة زيادة الوقت المخصص للتعلم تبدو مستحيلة لأن الطالب حالياً ينفق 30 ساعة أسبوعياً في المدرسة

- التوقعات العالية بين المدرسة ومعلميها وطلابها.
- المناخ المدرسي المحفز والآمن.
- المتابعة المستمرة.
- مشاركة الأهل والمجتمع.
- الثقافة المجتمعية.
- حقوق الطلبة.
- إستراتيجيات التخطيط والتدريس.
- المنهاج المدرسي القابل للتنفيذ.
- الإصدار على تحقيق الإنجاز.
- توافر الوقت الكافي للتعلم.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصبح "السندويشات التربوية" بديلاً للكتاب المدرسي؟
وتفاوتت الدراسات في ترتيب الأولويات أو أكثر
العوامل تأثيراً، ولكن إحدى الدراسات (مارزانو) رتبت هذه العوامل وحصرتها بخمسة هي:
1. منهاج مضمون قابل للتنفيذ.
2. أهداف واضحة، ومتابعة لتحقيقها.
3. شراكة الأهل والمجتمع.
4. البيئة المدرسية المحفزة والآمنة.
5. تآزر العاملين: قيادة، معلمين، أهالي.
وسنتحدث عن هذه العوامل بالتفصيل:
أولاً: المنهاج المطلوب
ويقصد به:

1. المنهاج الذي يوفر فرص تعلم متكافئة لجميع الطلبة.
2. المنهاج الذي يوفر الوقت الكافي لتنفيذه.

اقرأ أيضاً: متطلبات الإصلاح.. ما الذي ساهم بتفوق بعض الأنظمة التعليمية؟

فما هو المنهاج القابل للتنفيذ والذي يحقق هذين الشرطين؟

إنّ المؤسسة الرسمية عادة، ما تضع المنهاج، وفق معايير وأهداف معينة، وهذا المنهاج يحدد أهداف التعلم ومعايير تحقيق الأهداف، وإستراتيجيات تحقيق الأهداف، سواء بالتعاون مع المدرسة أو بالاستقلال عنها، أو حين تكلف المدرسة بوضعه كاملاً ضمن المعايير والأهداف المرسومة.

هل هذا المنهاج المقصود أو الرسمي هو ما ينفذ فعلاً في المدارس؟ وهل نحن متأكدون من أنّ المعلمين ينفذون هذا المنهاج ويحققون معاييره؟

اقرأ أيضاً: جدلية التعليم .. لماذا يتعثر الإصلاح التربوي؟

لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة بنعم؛ لأن هناك معيقات عديدة مثل؛ مؤهلات المعلم ومهاراته، الوقت المتاح للمتعلم، مستوى الطلبة، العقبات الإدارية واللوجستية مثل؛ نقص المختبرات والأدوات والأجهزة.

ولهذا يتحدث المربون عن منهاج آخر غير المنهاج المدرسي، والذي اصطلح على تسميته بالمنهاج المنفذ فعلاً، وهذا المنهاج غالباً ما يكون أقل من المنهاج الرسمي المدرسي؛ فالمعلمون يحذفون بعض الأجزاء من المنهاج الرسمي نتيجة لعوامل متعددة، مثل؛ الصعوبة، وعدم حاجة الطلبة، أو حتى بسبب نقص في مهاراتهم أو تحت ضغط الوقت.....الخ، فما يصل إلى الطلبة هو منهاج يقل بصورة واضحة عن المنهاج الرسمي.

اقرأ أيضاً: المدرسة والبيت: علاقات جدلية.. فكيف نحقق المعادلة الصعبة؟

طبعاً لا أحد ينكر أنّ المعلمين قد يضيفون إلى المنهاج الرسمي، كثيراً من اتجاهاتهم وتحيزاتهم سواء كانت سلبية أو إيجابية، وهذا ما اصطلح على تسميته المنهاج الخفيّ. لذلك يعرف المنهاج المنفذ بأنه: "ما يقوم المعلمون بنقله إلى الطلبة" بما في ذلك المنهاج الرسمي والمنهاج الخفي، لذلك فإننا نعتبر أنّ المنهاج المنفذ هو أكثر أهمية من المنهاج المقصود رسمياً.

هل ما يقدمه المعلمون من محتوى المنهاج وأهدافه يصل إلى الطلبة؟

يحاول المعلمون الإجابة عن السؤال من خلال امتحانات دورية يقدمونها لقياس ما تحقق من المنهاج عبر قياسهم لتحصيل الطلبة، وتتفاوت النتائج بين الطلبة من متفوق وجيد ومتوسط وضعيف، وترتفع نسبة رضى المدرسة والمجتمع عن النتائج بمقدار ارتفاع مستوى الطلبة الذين يحصلون على درجات عليا، وغالباً ما تكون نتائج الطلبة أقل بكثير مما قدمته لهم المدرسة ومعلموها. لذلك، يمكننا التحدث عن نوع ثالث من المنهاج، هو ما يتعلمه الطلبة أو ما يصل إلى الطلبة مما قدمه المعلمون، وقد يسمى بالمنهاج الواقعي أو الحقيقي أو العملي أو المكتسب.

اقرأ أيضاً: أسس بناء المقررات الدراسية.. كيف نصنع منهاجاً؟

ما خصائص هذا المنهاج؟ وما علاقته بكل من المنهاج الرسمي والمنهاج المنفذ من المدرسة؟

يعرف التعلم الحقيقي بأنه ما يبقى مع المتعلم، حين ينسى تفاصيل ما تعلمه وهذا يعني أنّ المنهاج الواقعي هو الأكثر أهمية، وهو ما يتعلمه الطلبة. ولكن الأكثر أهمية هو ما يبقى معهم بعد مغادرة المدرسة، وهو المنهاج المفيد.

إذن المنهاج المنفذ يصطدم بعقبات وتحديات مثل؛ مستوى تقبل الطلبة، ومستوى أداء المعلمين، و ظروف بيئية ونفسية عديدة. لذا فإنّ المنهاج الواقعي أقل بكثير من المنهاج المنفذ، وما يبقى مع الطلبة من المنهاج المفيد هو أقل بكثير مما اكتسبه في المدرسة.

إنّ مثل هذه الأمور تقود إلى استنتاج مفاده أنّ من الضروري تقليص الفجوات بين كل مستوى من مستويات المناهج.

ثانياً: الوقت المخصص للمنهاج

من البديهي القول، بأنّ لا قيمة لمنهاج لا ينفذ ولا يصل إلى الطلبة -كل الطلبة- فالمشكلة الجديدة هي الوقت الكافي و إمكان وصول المنهاج إلى كل الطلبة بحيث تحقق مقولة: الفرص المتكافئة والاهتمام بجميع الطلبة.

فما الوقت المخصص؟ وما كفايته؟

تخصص الأنظمة التربوية عادة 9 أشهر للسنة المدرسية، تتخللها أيام الإجازات. حيث تتراوح السنة الدراسية عالمياً بين 180 يوماً، تقل أو تزيد بأيام قليلة جداً. فإذا كان عدد الحصص الدراسية بمعدل ست حصص أسبوعياً فإنّ الطالب يقضي معدل 5.6 ساعة يومياً في المدرسة فما كفاية هذا الوقت؟ وهل كله وقت تعلم؟

بالتأكيد لا! فهناك وقت موزع بين:

- استراحات وكسل بعض المعلمين
- تنقلات بين الصفوف
- ضبط الصف وإدارته.

هذه العوامل، تقلل من وقت التعلم، بحيث تقدّر الدراسات أنّ وقت التعلم الحقيقي يعادل 70% تقريباً من الوقت المخصص، فهل هذا الوقت كاف لتحقيق أهداف التعلم ونتاجاته؟ إذا كانت الإجابة لا وهي كذلك، إذن نحن أمام "مشكلة الوقت" فما الحل؟

اقرأ أيضاً: منهاج عربي: هل هذا ممكن؟

إنّ مسألة زيادة الوقت المخصص للتعلم، تبدو مستحيلة؛ لأن الطالب حالياً ينفق 30 ساعة أسبوعياً في المدرسة، ومعدل 8 ساعات أسبوعياً لأنشطة مدرسية من واجبات منزلية وغيرها، وساعتين للتنقل إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، ومجموع هذه الساعات 40 ساعة أسبوعياً. وهذا يتناقض مع حقوق الطلبة كبشر في الراحة والمتعة والعلاقات والتواصل.

كما يتناقض مع عدد ساعات العمل الممكنة، حيث لا يعمل الإنسان مدة تزيد عن أربعين ساعة أسبوعياً، ومع ذلك ما نزال نسأل لماذا يكره الطلبة مدارسهم؟

يعرف التعلم الحقيقي بأنّه ما يبقى مع المتعلّم حين ينسى تفاصيل ما تعلّمه فالمنهاج الواقعي هو الأكثر أهمية

إذن لا زيادة ممكنة في وقت التعلم، وهذا يذكر بقصة أحد اليونانيين الكرماء الذي كان يتجول في مدينة للبحث عن زائر أو سائح لا مكان له للنوم، فيدعوه إلى منزله. حيث لديه غرفة ضيافة فيها سرير حديدي، وكان يهتم بأن يكون الضيف بطول السرير، فإذا زاد عنه يقص ساقي الضيف، وإذا نقص طوله يفك مفاصله ليجعله بطول السرير، وفي الحالتين لا يسلم إلاّ من كان صدفة بطول السرير، نصحه أحد أصدقائه: اشترِ سريراً يمكن أن تتحكم بطوله زيادة ونقصاً، فبدلاً من أن تغير الضيف وتكيفه حسب السرير، غير السرير، وكيفه حسب الضيف.

هكذا هو المنهاج: مقاس واحد، نريد أن نلبسه لجميع الطلبة مهما اختلفت مقاساتهم، إذن بدلاً من زيادة الوقت علينا تقديم منهاج رشيق يناسب الوقت. وهذا ما لم يفعله أي نظام تربوي حتى الآن، وذلك بسبب ضغوط من أنصار المادة الدراسية. ففي دراسات واستطلاعات عديدة قدم المعلمون والمربون حلولاً بائسة لمسألة تحسن تحصيل الطلبة، حيث طالب كل مختص بمادة دراسية، بزيادة عدد الحصص المقررة لمادته، فمعلمو التربية الإسلامية واللغات والعلوم وغيرهم يرون الحل في زيادة عدد الحصص، وهذا ما لا يمكن تطبيقه. إذن ما الحل؟

ثالثاً: حلول مقترحة

إذا كان وقت الطالب لا يسمح بزيادة عدد الحصص وأيام الدراسة، فإنني أقترح البحث عن حلول في حجم المنهاج ومحتواه، فمن حيث الحجم يمكن تقليل عدد الموضوعات من خلال:

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

1. تحديد المفاهيم الحياتية الرئيسية ونشرها عبر جميع المواد، بحيث لا تكون موضوعات تنقل المنهاج. فالديمقراطية مثلاً أو التفكير أو الحقوق لا داعي لإبرازها في مادة التربية الوطنية بل يمكن إدماجها مع تمرينات وتدريبات ونصوص لغوية في كتب اللغة العربية والرياضيات والفنون والاجتماعيات، بحيث لا تضيف حجماً ولا موضوعات.

2. اشتراك المعلمين في تحديد النتاجات التي يمكنهم تحقيقها في الوقت المتاح، وعدم الضغط عليهم في إنهاء المنهاج حيث لا يمكن ذلك.

3. تقليل عدد النتاجات المطلوبة، وحذف التفاصيل والمعلومات التي يمكن للطلبة الوصول إليها من مصادر خارج المدرسة.

4. التسامح في اختيار بعض المواد بحيث لا يحتاج الطالب مواد دراسية لا يرغب بها ولا تفيد حياته.

اقرأ المزيد...

الوسوم: