التسامح من قيم الإسلام الأصيلة

التسامح من قيم الإسلام الأصيلة
3388
عدد القراءات

2018-11-22

"إنّ البشر ليسوا كالخراف، وحتى الخراف ليست متشابهة، على نحو يستعصي على التمييز، ولا يمكن للمرء أن يحصل على معطف، أو زوج من الأحذية، إلا إذا كان مصنوعاً وفق مقاسه، أو إذا استطاع أن يختار من بين معروضات أحد المتاجر، وهل العثور على حياة مناسبة للمرء أسهل من العثور على معطف ملائم له؟! وهل يتشابه البشر في أوضاعهم الجسدية والروحية أكثر ممّا تتشابه أشكال أقدامهم؟! لكنّ الأشخاص المختلفين يتطلبون ظروفاً مختلفة أيضاً لتطوّرهم الروحي، ولا يمكن لأيّ منهم أن يعيش بشكل سليم في الجوّ الأخلاقي نفسه، مثلما أنّ النباتات المتنوعة لا يمكنها أن تعيش في المناخ نفسه والبيئة المادية نفسها"..

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

بهذه الكلمات، يشير الفيلسوف والاقتصادي البريطاني ذائع الصيت، جون سيتوارت ميل، إلى هذا المعنى الخطير الذى يصونه التسامح؛ وهو قبول التنوّع واحترامه، باعتباره سنّة كونيّة، وواقعاً بشرياً لا يمكن تجاهله، هذا المعنى، أو تلك القيمة؛ أي التسامح، التي شاع اعتبارها قيمة غربية تأتي مع غيرها من ثمرات عصر الأنوار، الذي تحررت فيه أوروبا من التعصّب والرجعية والجهل، هي قيمة إنسانية بالأساس، لا يمكن أن نعزوها إلى دين أو ثقافة واحدة، لكنّنا مضطّرون لذلك، في ظلّ تلك الموجات من التطرف والإرهاب التي ضربت مجتمعاتنا، بما صنع صورة ذهنية سلبية عن الإسلام، كرّست عنه ما ليس فيه، بينما حجبت جلّ حقائقه لحساب تلك الصور المشوّهة، من هذه القيم؛ قيمة التسامح، واحترام التنوّع، وقبول الآخر.

من يفتّش بتجرّد يدهشه حجم النصوص والفتاوى الإسلامية التي تؤكّد كلّ القيم الإنسانية ومنها التسامح

لم يسأل أحد نفسه: كيف بقيت الكنائس والمعابد والتماثيل وشواهد الحضارات المتعاقبة في كلّ الحواضر الإسلامية، شاهدة على رسوخ معنى التسامح، والتأكيد على أنّ مسيرة الإنسان على الأرض، وإن عرفت موجات من الإكراه السياسي والديني في بعض فصولها، فقد بقي الخطّ الناظم لتلك المسيرة مشرقاً، يؤكّد أنّ التاريخ طبقات تكمل بعضها الأخرى، وكذلك الأديان، ولعلّ أفضل ما عبّر عن هذا المعنى؛ ما قاله النبيّ محمد، صلّى الله عليه وسلّم، في الحديث: "إنّ مثَلي ومثَل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وجمّله، إلّا موضع لبنة من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين".

اقرأ أيضاً: متحف مصري للتسامح يسرد التكامل بين الأديان لمحاربة التطرف

المتأمّل في الحديث النبوي الشريف، يجد أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، عبّر عن حجم إسهامه في بناء صرح الرّوح، الذي ستقصده كلّ الخلائق، إلى أن يرث الله، عز وجل، الأرض ومن عليها؛ بأنّه "لبنة" في بناء كبير، وأنا أتصوّر أنّ الأمر لا ينطوي على تواضع منه، صلّى الله عليه وسلّم، في تلك الإشارة، بل تقرير لحجم رسالته ضمن رسالة الله، عز وجل، التي انطلقت مع بدء الخليقة، واستمرت عبر مسيرة كلّ الأنبياء، وصولاً إلى الرسالة الخاتمة.

اقرأ أيضاً: التسامح: كيف تتحرر من الحكم على الآخرين؟

ما لا يفهمه كثير من المتعصبين أو المتطرفين؛ أنّ في هذا الكون خلق غيرهم، تتباين مشاربهم واتجاهاتهم ومواهبهم، وأنّ الله تعالى بعلمه الأزلي بخلقه يعلم هذا، وهو خالق الخلق؛ لذا بقيت قضية هدايتهم ملكاً له، وفضلاً له وحده، الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وهو مؤيَّد بالوحي، أعلمه ربّه بأنّ دوره لا يتجاوز التبليغ، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، حتّى الأنبياء لا تتجاوز سلطتهم على النفوس حدّ البلاغ، بينما يبقى الإيمان محض اختيار من صاحبه، ومشيئة من الخالق، تبارك وتعالى، حيث يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ترك الله تعالى لعباده الحقّ في أن يؤمنوا به أو يكفروا، ولم يضع سلطة لأحد تنظم الأمر أو تقيّده؛ لأنّ الأمر من أعمال الروح والقلب، بالتالي؛ لا تستطيع سلطة أن تراقبه أو تنظّمه، وإن حاولت الكثير من النظم الكهنوتية عبر التاريخ أن تفعل ذلك، قبل أن تهتدى بالتجربة المريرة إلى أنّ تلك المساحة لا يجوز لأحد الاقتراب منها، وإن كان نبياً مرسلاً.

اقرأ أيضاً: التسامح .. ما أحوجنا إليه

جاء الإسلام ليحرّر الأرواح، لتحلّق باختيارها نحو الخالق، وتسبح مع كلّ المخلوقات بطريقتها، وكذلك كانت كلّ الأديان، لكنّ بعض رجال الدين تصوّروا أنّ لهم سلطة على الضمائر والأفئدة، فصادروا مساحات العفو، لحساب مساحة الحرام، التي اتسعت حتى أمسكت بخناق العقل المسلم، فلم يعد قادراً سوى على إنتاج الأزمات، ورفع راية الحرب، لإكراه الآخرين على قبول تصوّره.

بقاء الكنائس والمعابد وشواهد الحضارات المتعاقبة في كلّ الحواضر الإسلامية يشهد على رسوخ معنى التسامح

وخير ردّ على أنّ الإسلام غير ذلك، وبمنطق الأصوليين ذاتهم في عهد النبّي، عليه السلام، والقرون الثلاثة المفضلة لديهم، لم تعرف سوى ألوان من الخلاف السياسي البشريّ، الذي ألبس رداء الدين.

حتى في الحرب؛ كانت وصيّته، صلّى الله عليه وسلّم، التي التزم بها الصحابة والتابعون، رضي الله عنهم، إلا من بعض الاستثناءات التي كانت أمراً بشرياً وتجاوزاً، ولم تكن إخلاصاً لتعاليم الدين، تحضّ على ترك من فرغوا للعبادة في صوامعهم وبيعهم، في احترام لحقّ الآخرين في العبادة على طريقتهم.

القرآن يقرّر تلك الحقيقة، في الآية (62) من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

اقرأ أيضاً: التربية على التسامح: مفتاح الحكمة في موسوعة السلم

لقد عددت الآية كلّ من استقام على أمر الله تعالى، مؤمناً بأنّ خلف تلك الحياة حساب ويوم آخر وعمل صالح، وبأنّ الله لن يخذله، وسيثيبه على تلك الاستقامة، وفق معتقده، لا خوف عليه ولا حزن يأتي، أمناً من عذاب الله تعالى الذي يشهره الآخرون في وجهه.

اقرأ أيضاً: التسامح السلطوي والتسامح التعددي

إنّ الانتقائية التي انطلقت من مزاج سوداوي قدّم الترهيب على حساب الترغيب، حيّدت نصوصاً تنتصر لقيم الإنسانية، حتى في فقه ابن تيمية، الذي يعدّه البعض رائد التشدد، تأمّل في تلك الفتوى من مجموع فتاواه، التي يؤكّد فيها أنّ أحكام الآخرة محجوبة مطلقاً، بالشكل الذي يجب أن يردعنا عن وضع هذا في الجنة وذاك في النار: "ولا تشهد لمعيّن أنه في النار، لأنّنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه؛ لأن لحوق الوعيد بالعين له شروط وانتفاء موانع، ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقّه".

اقرأ أيضاً: التسامح علاقة مع الذات قبل أن تكون علاقة مع الآخر

من يفتّش بتجرّد يدهشه حجم النصوص والفتاوى التي تؤكّد كلّ القيم الإنسانية، ومنها تلك القيمة "التسامح"؛ التي تؤكّد النصوص والتاريخ أنّها من قيم الإسلام؛ لأنّها –ببساطة- قيمة إنسانية تضمن سعادة الإنسان، وهو مراد الشارع الحكيم في كلّ قول وعمل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2020-01-20

لماذا ترتفع الدعوات لأهمية تطوير وتجديد العلوم الإسلامية في وقتنا الراهن؟ وما هي الضرورات التي يفرضها العقل والمصلحة والواقع لتجديد النظر في العلوم الإسلامية؟ وما الحاجة إلى تجديد هذه العلوم؟

الواقع أنّنا لا يمكن أن نسأل مثل هذه الأسئلة إزاء وضعية العلوم الدنيوية الحديثة؛ لأنها في حالة ديمومة مستمرة؛ فالمعرفة في العلوم الإنسانية والطبيعية معرفة تراكمية تطورية، خلافاً للعلوم الدينية؛ حيث تُقدّم الأخيرة شروحات مختلفة في مجالات التفسير، والعقيدة، والتشريع، وفقاً لطبيعة كل علم، ولن تخضع العلوم الإسلامية لمسار التطور إلا إذا قرر الخلف أن يُقدّم رؤية في هذه العلوم، قد تخالف ما أرسى السلف دعائمه فيها، وإلّا فإنّ الخلف يُقرر إقالة عقله عن التفكير والاجتهاد ويمنح السلف الحق في تسيير شؤونهم الدينية.

تفرض مصالح الشعوب المسلمة وواقعهم، في الألفية الثالثة، ضرورة تجديد الفقه الإسلامي وفقاً لطبيعة مشكلات الواقع التاريخية

ويعج واقعنا المعاصر بالأحداث والوقائع والمستجدات التي تطرح نفسها على المجتمعات المسلمة، والتي لم يعشها القدماء، وهو ما يفرض ضرورة تجديد العلوم الدينية بما يوافق طبيعة تطور المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لأنّ هذه العلوم هي التي تصوغ مجموع الفكر الحاكم لحركة الاجتماع في الشأن الديني.
واعتمد علم التفسير، في الماضي، على بيان معاني الألفاظ اللغوية في تفسير القرآن الكريم، أو التفسير الصوفي الإشاري لمعاني القرآن الكريم؛ وهو تفسير كان يناسب عصوراً ماضية، ولكنّ حركة الاجتماع تطورت، وأصبحنا بحاجة إلى ربط الدين بهذا التطور، وتوظيف فاعلية الدين ووجوده في حركة تطور الاجتماع، ومن هنا كان لزاماً علينا أن نُطور ونُجدد تفسير القرآن الكريم بمداخل جديدة ومختلفة تراعي حركة تطوّر المجتمع؛ مثل أهمية التفسير الاجتماعي للدين، أو التفسير الأدبي للقرآن الكريم، كما فعل المجددون من أمثال؛ محمد عبده وأمين الخولي، ولكن ليس لنا أن نتكلم عن الإعجاز أو التفسير العلمي للقرآن الكريم؛ لأنّ القرآن الكريم ليس بكتاب علم ولكنه كتاب هداية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد والأشاعرة الجدد
ولا يصح لنا أن ندرس قضايا علم العقائد أو الكلام الأساسية بناءً على ما خطه العلماء في عصور سابقة، سواء في أعمال التفتازاني أو الإيجي أو الغزالي أو البيجوري.. أو غيرهم من قدامى العلماء؛ لأنّ مدونات هذا العلم منها ما خلق في أتون الصراع السياسي بين الفرق الإسلامية، وهو ما كان له تأثير واضح على الطبيعة الإقصائية لهذا العلم، كما ارتبطت معالجة بعض منها بظروف الشبه والزيغ والبدع القائمة في كل عصر ورد مدونات كل عصر عليها، فضلاً عن تلك التي ارتبطت بمرحلة التدهور التاريخي والاجتماعي والسياسي للعصور المتأخرة، والتي جاءت في معظمها مجرد شروح على الأعمال المهمة في مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد وإشكالية التسمية
وقد تجدّدت الشبهات في مطلع العصر الحديث، ممّا دعا إلى تجدد الحاجة إلى الرد عليها؛ فكتب الأفغاني "الرد على الطبيعيين"، وكتب النورسي "رسالة الطبيعة"، وكتب محمد فريد وجدي "على أطلال المذاهب المادية"، وبعد مرور أكثر من قرن ونحن في مطلع الألفية الثالثة نجد ظاهرة الإلحاد تنتشر من جديد، وشبهات الملحدين تتجدد باسم العلم أحياناً، وباسم تردي الخطاب الديني وباسم التمرد على الأوضاع الاجتماعية أحياناً أخرى، وهنا تجددت مواقف الماديين وتنوعت ما بين موقف فلسفي، وبين حالة تمرد اجتماعي، وبين نزعة ارتيابية تقول لك لا أدري. هنا وجب تجديد علم الكلام؛ لأنّ علم الكلام القديم لم يعد قادراً على الرد، لا من حيث اللغة التقليدية القديمة، ولا من حيث الحجاج الجدلي، كطريقة قديمة للرد على شبهات الملاحدة في مطلع القرن الثالث الميلادي؛ إذ يفرض علينا الواقع الراهن، بكل إشكالاته وشبهاته وزيغه، تجديد بنية العلم من حيث اللغة والطريقة والمحتوى، وعلى الاجتهادات الجديدة في العلوم الدينية أن تستفيد من كل ما وصلت إليه المعرفة في مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية والفلسفية.

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
فهل يجوز ونحن في مطلع الألفية الثالثة أن نترك للقدماء حق التحكم فينا؟ وأن نترك لفقه القرن السادس والسابع أن يحكم واقع القرن الواحد والعشرين؟ حيث يشترط فقه القرن السادس والسابع واقع المجتمع المسلم وظروفه في تلك الفترة، أما وقد تغيرت ظروف الخلف وواقعهم عن واقع السلف، فثمة حاجة لدى الخلف أن يجددوا الفقه وأحكامه بما يوافق ظروفهم ومعاشهم الجديد، فلا يجوز لفقهاء العصر أن يعيدوا إنتاج فتاوى نكاح الميتة والبهيمة، ولا إرضاع الكبير، ولا فقه الإماء والجواري، ولا فقه السبي، ولا يجوز في القرن الواحد والعشرين أن تحكمني فتاوى بعض القدماء في علاقتي بالآخر الكتابي، أو الشيعي أو الخارجي؛ لأنّ الفقه الإسلامي فقه تاريخي مشروط بواقعه الاجتماعي، وقد تغيّر الواقع الاجتماعي للمسلمين الآن، وبتنا بحاجة ملحّة إلى فقه جديد.

جمود العلوم الإسلامية على القديم سيجعلها علوماً ذات قيمة تاريخية؛ لابتعادها عن حاجات الناس ولغتهم الحديثة ومشاكلهم الراهنة

وتفرض مصالح الشعوب المسلمة وواقعهم، في مطلع الألفية الثالثة، ضرورة تجديد الفقه الإسلامي وفقاً لطبيعة مشكلات الواقع التاريخية، وطبيعة العلاقة المعقدة بين المسلمين والأمم الأخرى، وما يفرضه الواقع المعاصر من أهمية التعاون مع الآخر المغاير في الدين والثقافة، وما يفرضه هذا الواقع من أهمية التعايش مع الآخر والتسامح معه، كما أنّ تشابك العلاقات الاقتصادية بين المسلمين ومختلف الأجناس في العالم، يفرض علينا تشريعات وقوانين تبدو معها الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في مسألة البنوك والبورصة وغيرها من الأدوات الاقتصادية الحديثة، وكذلك ما يفرضه تقدم العلوم الحديثة من مكتشفات وتقنيات جديدة تطرح إشكالات عديدة على منظومة الدين والأخلاق الإنسانية.
إنّ حكم العقل والمصلحة وطبيعة تطور واقع الاجتماع في العالم الإسلامي، يفرض علينا إعادة النظر في ضرورة تطوير العلوم الإسلامية؛ لأنّ عدم تطوير هذه العلوم سوف يؤدي بالاجتماع إلى خلق قوانين تطوره من ناحية، وآليات إشباعه الروحية، وهو ما يترتب عليه أيضاً أن تصبح قيمة هذه العلوم تاريخية ويضعف تأثيرها في حركة المجتمع؛ لأنّ جمودها على القديم سوف يجعلها علوماً ذات قيمة تاريخية؛ لابتعادها عن حاجات الناس، ولغتهم الحديثة، ومشاكلهم الراهنة، فهل يعي المتخصصون طبيعة اللحظة التاريخية ومدى تعقد وأهمية الحاجة لتطوير هذه العلوم.

للمشاركة:

لماذا حرمنا ابن قتيبة من نظرية في الشعر العربي؟!

2020-01-20

يتقاسم ابن قتيبة والجاحظ العديد من الملامح المشتركة؛ فالاثنان مثقفان كبيران عابران للتخصّصات، وهما عدوان كبيران للشعوبية المناوئة للعروبة، وهما متسامحان جداً بخصوص حق اللغة في التعبير عن المعنى المراد بمفرداتها المكشوفة ما دامت أكثر وفاء بالدلالة. لكنهما يتقاطعان في ملمحين رئيسين أيضاً؛ فالجاحظ كان مثقفاً شعبوياً خالصاً بكل ما في الكلمة من معنى، وأما ابن قتيبة فقد كان انتقائياً؛ أي إنّه يعمد لتوظيف الشعبوية من باب الإيحاء بسعة الصدر وخفّة الظل، لكنه في الواقع مثقّف نخبوي دون ريب. والجاحظ كان متكلّم أهل الاعتزال فيما كان ابن قتيبة متكلّم أهل السنّة، كما يلاحظ ابن تيمية على نحو يدعو للإعجاب.

اقرأ أيضاً: حمّاد الرّاوية وخلف الأحمر المملوكان اللّذان عاثا في الشعر العربي فساداً
ثمّة ملمح آخر يتقاسمه الاثنان أيضاً، ويتمثّل في أنّ العديد من كتبهما قد نجت من الضياع ووصلت إلينا وحُقِّقت ونُشرت. وعلى كثرة الكتب التي ألّفها ابن قتيبة ووصلت إلينا – في الفقه والحديث واللغة والأدب- فإنّ كتاب (الشعر والشعراء) يكاد يكون أشهر هذه الكتب وأكثرها احتواء على المقولات والنصوص التي يمكن استنطاقها فكرياً، بدءاً من استيعابه المدهش لمفهوم الحداثة وبالمعنى المعاصر - ما جعله يختار الشعر الذي يحقق شروط هذا المفهوم بغض النظر عن زمن أو مدى شهرة قائله- مروراً بانتباهه لضرورة المطابقة بين الشكل والمضمون - رغم أنّ الحظ لم يحالفه أحياناً في التمثيل لهذه المطابقة- وليس انتهاء بذلك النص الفريد الذي أورده بخصوص تفسير أحجية الوقوف على الطلل وقوانين المرور الصارمة والناظمة لعمود الشعر العربي!

الانشداد إلى الماضي بمفرداته المأساوية والجافة ليس ضرباً من ضروب استبداد الذاكرة بل هو استسلام لدكتاتورية الحنين المرضي

ومع ضرورة التذكير بأنّ الوقفة الطّللية وقوانين المرور في القصيدة الجاهلية، لا تمثل إشكالية شعرية فقط، بل هي مرشحة للتمديد والتوسيع بحيث يمكن اعتبارها معادلاً موضوعياً لبنية التفكير العربي التي ظلت تنتج ويُعاد إنتاجها حتى زمننا الراهن، فإنّ النص الفريد الذي يورده ابن قتيبة ينطلق من نقطة مرجعية تتمثّل بأنّ (مقصّد القصيد) الذي تنطبق مواصفاته مبدئياً على امرئ القيس، قد بكى وشكى واستوقف الربع والرفيق حتى يسترعي انتباه المتلقي ثم ثنّى على ذلك باستدعاء ذكر الحبيب الذي رحل حتى يميّل نحوه القلوب ويستأثر تماماً باهتمام المتلقي، نظراً لما أودعه الله من حب النساء في قلوب الرجال – ومن حب الرجال في قلوب النساء بالضرورة- وأتبع ذلك بوصف الرحلة وإنضاء الراحلة وعَنَت الطريق الموحش، حتى إذا استوثق تماماً من أنّ المتلقي/ الممدوح قد أُنضح نفسياً وذهنياً وصار مستعداً لتقديم ثمن هذا الإنضاج، انهال عليه بالثناء وبالغ في ذلك، حتى يضمن الحصول على أكبر مكافأة مادية ممكنة!

اقرأ أيضاً: هل نعلن الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً؟
وإذا كانت الموضوعية التامة تدفعنا للاعتراف بأنّ هذا النص يتفرّد بوصف عمود الشعر العربي من ألفه إلى يائه – بما في ذلك التحذير من مخالفة بعض تفاصيله مثل الوقوف على البيوت العامرة بدلاً من الداثرة أو الارتحال على الحمير والبغال بدلاً من الإبل أو وصف الحدائق والجنان بدلاً من وصف الصحاري والشيح والعرعر!- فإنّ الموضوعية ذاتها تدعونا للاستدراك على مصداقية هذا النص بأنّ الغالبية الغالبة من شعراء الجاهلية لم يتكسبوا بشعرهم خلافاً لمن تلاهم من شعراء الدولة الأموية والعباسية، كما أنّ طائفة منهم لم يولوا الوقفة الطللية العناية المطلوبة كما نلاحظ في قصائد الشعراء الصعاليك بوجه خاص.

الوقفة الطّللية يمكن اعتبارها معادلاً موضوعياً لبنية التفكير العربي التي ظلت تنتج ويُعاد إنتاجها حتى زمننا الراهن

ومع أنّ هذا الاستدراك لا يقلل من أهمية التفسير النفسي اللامع للدور الوظيفي الذي يضطلع به الوقوف على الأطلال واستدعاء ذكر المحبوب الراحل ووصف أهوال الطريق إلى الممدوح، إلا أنّ ابن قتيبة يفجعنا تماماً حين يسبق هذا النص بالقول: (وسمعت بعض أهل الأدب يذكر)!!! أي إنّ ما تضمّنه هذا النص الفريد من تنظير عال ليس له، بل إنّ صيغة الإسناد (وسمعت بعض أهل الأدب) توحي للمتلقّي بأنّ رتبة (أهل الأدب) هؤلاء ليست عالية وليست موثوقة علمياً، ولو كانت كذلك لما تردّد ابن قتيبة في التصريح بأسمائهم. ورغم هذا التهوين المضمر من شأن المعنيين، إلا أنّنا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التساؤل: إذا كان مثل هذا التنظير العالي متداولاً في الأوساط الثقافية العامة، فلماذا لم يستثمره ابن قتيبة على نحو خلاّق ولم يبن عليه نظرية متماسكة في الشعر العربي؟ والأهم من هذا التساؤل: لماذا يصرّ كثير من الباحثين والدارسين العرب والأجانب على مواصلة نسبة هذا النص لابن قتيبة الذي نسبه على نحو لا يحتمل اللبس إلى (بعض أهل الأدب) لغاية في نفسه لا يعلمها إلا الله!

اقرأ أيضاً: المعلّقات بين المقدّس والمدنّس
وبعيداً عن جدل المتخصصين بخصوص ملامح الذوق العربي البدوي الخالص في الشعر وملامح الذوق الفلسفي العقلي الذي أطلقه أبو تمام والمتنبي وأبو العلاء المعري، فإنّ هذا النص الفريد الذي يورده ابن قتيبة، يفصح إلى حد بعيد عن مدى تمسّك المخيال العربي بـ(الثابت) رغم كل التحوّلات، وضيقه الشديد بـ(المتحوّل) رغم كل الوقائع التي يمكن أن تنفيه، فالانشداد إلى الماضي بمفرداته المأساوية والجافة ليس ضرباً من ضروب استبداد الذاكرة، بل هو استسلام تام لدكتاتورية الحنين المرضي، إلى درجة اعتقال المخيال في اللحظة الرثائية وتأبيد انغراسه في قسوة الصحراء، حتى لو كانت اللحظة الراهنة منقوعة في نهري دجلة والفرات ونوافير بغداد وبساتينها وحدائقها!

للمشاركة:

هل يسعى إخوان المغرب فعلاً لفصل الدين عن السياسية؟

2020-01-19

لا زال العقل الإخواني في المنطقة مصراً على التعامل مع أحداث الساحة، بنفس العقلية المؤسسة لهذا المشروع، مع إصرار صريح على أخذ العبرة من دروس الماضي والحاضر، ومنها درس مؤرق للمشروع الإسلامي الحركي بشكل عام، عنوانه الفشل التام في الظفر بثقة شعوب المنطقة؛ فالأحرى الظفر بثقة صناع القرار، وذلك بعد عقود من العمل النظري والميداني من أجل تحقيق حلم المشروع: أسلمة المجتمعات والأنظمة والدول.

اقرأ أيضاً: بقايا الغموض: كيف دمّرت السرية الثقة بالإخوان المسلمين؟
من بين مؤشرات هذا الفشل، نعاين ذلك الإصرار على تكرار نفس الأخطاء الميدانية، لاعتقاد قادة هذا المشروع، هنا وهناك، أنّ تكرار نفس الأخطاء لا يُفيد حصد نفس النتائج، وهذه مغالطة منطقية وميدانية، لا يزال هؤلاء تحت تأثير تخديرها المفاهيمي.

نتوقف هنا عند مثال واحد في هذا السياق، ويهم أطروحة روّجت لها العديد من الحركات الإسلامية الإخوانية بالتحديد، خلال العقدين الأخيرين على الخصوص، وبدرجة أفصح بعد أحداث "الربيع العربي"، وعنوانها "الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة"، وحتى لا نتيه من كثرة الوقائع، نتوقف عند الحالة الإخوانية في نسختها المغربية.

إحدى أزمات تفاعل النخبة الفكرية والإعلامية والسياسية مع المشروع الإخواني الجهل ببعض آليات ومفاهيم اشتغال هذا المشروع

بين الفينة والأخرى، تصدر بلاغات عن قيادة حركة "التوحيد والإصلاح" المغربية، باعتبارها حركة إخوانية أساساً، تفيد أنّ هناك توجهاً نحو تكريس الفصل بين العمل السياسي والعمل الدعوي؛ أي توجه بين إحداث قطيعة نظرية بين ما يصدر عن الحركة من جهة، وبين ما يصدر عن حزب "العدالة والتنمية"، على أساس أنّ هذا الأخير، هو الواجهة السياسية للحركة الإسلامية، أو العكس، بمعنى أنّ الحركة المعنية هنا، هي الواجهة الدعوية للحزب السياسي، على غرار ما نُعاين مع مشروع جماعة "العدل والإحسان" المحظورة، التي تتوزع على "مجلس شورى" و"دائرة سياسية" وهياكل أخرى.
هذه البلاغات تتطلب بعض التدقيق، أقلّه أنّنا إزاء شعار تروّجه حركة "التوحيد والإصلاح" وحزب "العدالة والتنمية"، في سياق مواجهة الانتقادات التي توجّه إلى هذا المشروع حول الجمع بين العمل الدعوي والعمل السياسي، وتأثيره في الساحة، وخاصة الساحة السياسية؛ لأن الخطاب الدعوي في المجتمعات المسلمة بشكل عام، خطاب مؤثر في التأثير، وبالتالي مؤثر في الاستقطاب. وأخذاً بعين الاعتبار حضور أعضاء الحركة في المؤسسات الدينية والمؤسسات التعليمية والمساجد ومنظمات المجتمع المدني، فطبيعي أن يكون خطابهم مؤثراً في سياق استقطاب الناخبين.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟
يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً، أنّ بعض أسباب هذه الدعاوى الموجهة للاستهلاك الإعلامي والسياسي وغيره، مرتبطة ببعض المستجدات المحلية والإقليمية؛ حيث تقتضي هذه المستجدات، اللجوء المؤقت إلى هذا الخطاب، ولكن الأمر لا يتجاوز سقف إعلان نوايا، على غرار ما عاينا في تونس مع حركة "النهضة" التي روّجت نفس شعار الفصل بين العمل السياسي والعمل الدعوي في غضون 2017، والأمر نفسه مع المشروع الإخواني في الحالة الفرنسية، مع تغيير اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (وهو اتحاد محسوب على الحركة الإسلامية، في نسختها الإخوانية)، نحو "اتحاد مسلمي فرنسا"، ولو إنّ هذه المعضلة كرّست أزمة الإسلاموية في فرنسا؛ لأنه لا أحد من مسلمي فرنسا، من غير الإسلاميين بالتحديد، زعم أنّ هذه المنظمة تمثله أمام السلطات الفرنسية.

يساهم الجهل بآليات المشروع الإخواني في تكريس التضليل الذي يمارسه هؤلاء، ومن نتائجه أنّهم يجدون مساحة للاختراق أكثر

لا يتجاوز مقام هذه الدعاوى الإسلامية الحركية، سقف إعلان نوايا، لأن واقع الحال يفيد أنّ عملية الفصل التنظيمي ليست سهلة كما يُرَوّج قادة المشروع، بسبب عدة اعتبارات، أقلها أنّ المتديّن الإسلامي الحركي، ومن ذلك المتديّن الإخواني، تربى على هذا التماهي القائم منذ عقود، ولا يمكن أن نطلب منه الاشتغال على التحرر من التماهي بين ليلة وضحاها؛ أي إنّه طيلة عقود وهو مؤمن برسالة مجتمعية، تنهل من مرجعية إسلامية حركية، تقتضي منه أن يشتغل على جميع الجبهات من أجل تفعيل وتحقيق مشروع الأسلمة؛ أي أسلمة المجتمع والنظام والدولة، كما سطرت ذلك أدبيات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وفتحي يكن واللائحة تطول، دون الحديث عن أدبيات الإسلاميين المغاربة، وفي الأخير، نطلب منه أن ينسى تلك الأدبيات؛ لأنها لم تعد صالحة اليوم، في إطار تفعيل المراجعات، وهي مراجعات قائمة بشكل نسبي عند جزء من أتباع المشروع، وخاصة الشباب الذي لم يطلع على الأدبيات المؤسسة لأغلب المشاريع الحركية الإسلامية، ولكن من الصعب أن ننتظر مراجعات صريحة ومفصلية مع الأعضاء المؤسسين؛ لأن عملية النهل هذه تترك آثاراً نفسية وعقلية على المعني بها، وكلما طالت مدة النهل، كانت عملية المراجعة صعبة، ونحن نفترض سلفاً أنّنا إزاء مراجعة حقيقية، تمهّد لفصل صارم بين العمل الدعوي والعمل السياسي.

أما الزعم بأنّ هذا الخطاب الداعي إلى الفصل بين الدعوة والسياسية، قد يُفضي إلى التقليل من انتشار المشروع في الساحة، كما يدعي بعض المتتبعين أو بعض المتفائلين، فالمسألة نسبية، وبالكاد تهم بعض أتباع الحركة الإسلامية المعنية ــ أي حركة "التوحيد والإصلاح" ــ من الذين أخذوا مسافة، على غرار ما عاينا لدى جماعة "العدل والإحسان"، بعد وفاة الشيخ عبد السلام ياسين، ولكن الحركة اليوم، حاضرة ومتغلغلة في أغلب مؤسسات الدولة وخاصة المؤسسات الدينية والتعليمية، إضافة إلى العمل الجمعوي والأنشطة الثقافية والنقابية، فالأحرى الأنشطة الدعوية والتربوية وغيرها، ولا يمكن الحديث عن تراجع هذا المشروع، إذا كانت باقي المشاريع الإيديولوجية المنافسة متواضعة أو غائبة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
ونفس المعطى مع ترويج الأصوات ذاتها للتأثير السلبي لهذه الدعاوى على مرجعية الحزب الإسلامية، أو المرجعية الإسلامية الحركية بتعبير أدق؛ لأن المساس بمرجعية الحزب تحصيل حاصل، بسبب عدة تحولات منها؛ القضايا الأخلاقية، أو قضايا الفساد المالي والإداري، وهي السائدة لدى باقي الأحزاب، مع فارق أنّ المشروع هنا يدعي النهل من "المرجعية الإسلامية"، ولكن، موازاة مع الجزء الظاهر من جبل الثلج والخاص بالصورة السلبية، هناك الجزء الخفي، والأهم في آن، ويُفيد أنّه على أرض الواقع، هنا عمل ميداني مستمر، سواء مع الحركة أو مع الحزب، وفي جميع المستويات، الرسمية والجمعوية، في السياسة والدين والنقابة والثقافة والإعلام.. إلخ، دون الحديث عن دور الارتباطات الخارجية، من قبيل مشاركة قيادة الحركة في مؤتمر كوالامبور الأخير، رغم عدم المشاركة الرسمية للمغرب.

الفصل بين الدعوي والسياسي عند الحركة الإسلامية وهمي أو صوري وأشبه بدعاوى مجانية موجهة للاستهلاك الإعلامي

ومن نتائج هذا الكد الميداني، أنّه يغذي سباقات ما قبل محطة الاستحقاقات الانتخابية، خاصة أنّ الأمر هنا يهم أداء مشروع أو مَجَرة إسلامية حركية، تتضمن فاعلين يشتغلون في عدة مجالات، منها المجال الدعوي والسياسي والإعلامي والنقابي والنسائي والحقوقي والطلابي.. إلخ. ويمكن التأكد من هذا التماهي القائم بين هذه المجالات أثناء الحملات الانتخابية؛ حيث يصبح الخطاب موحداً، ولا يمكن حينها أن نفرق بين داعية ديني وداعية سياسي؛ لأن الخطاب موحد، بل إنّ الحملة الانتخابية، تعرف مشاركة وتضامن حتى باقي الإسلاميين مع الحركة والحزب، من قبيل بعض أتباع جماعة "العدل والإحسان" والتيار السلفي، فالأحرى أعضاء المَجَرة ذاتها، وبالتالي، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى في معرض الحديث عما يسمى الفصل بين الدعوي والسياسي عند الحركة الإسلامية؛ لأنه فصل وهمي أو فصل صوري، ولا يعدو أن يكون هذا الخطاب موجهاً لمن لا يتابع طبيعة المشروع الإسلامي الحركي بشكل عام، بما في ذلك نسبة كبيرة من النخبة السياسية والفكرية والدينية والإعلامية وغيرها، أما بالنسبة للمتتبعين، وخاصة بالنسبة لأتباع المَجَرة، فهم أدرى بأنّ هذه الدعاوى أشبه بدعاوى مجانية، موجهة للاستهلاك الإعلامي، بشكل أو بآخر، وبعيدة عن معطيات الواقع الإسلامي الحركي.

اقرأ أيضاً: هل تدرج أمريكا الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب؟
إحدى أزمات تفاعل النخبة الفكرية والإعلامية والسياسية مع المشروع الإخواني، أنّ الجهل ببعض آليات ومفاهيم اشتغال هذا المشروع، من قبيل التقية والازدواجية والتمكين.. إلخ، تساهم في تكريس التضليل الذي يمارسه هؤلاء، ومن نتائج ذلك، أنّ المشروع يجد مساحة للاختراق أكثر، في مجتمعات كانت محصنة في مرحلة تاريخية ضد هذه المشاريع الأيديولوجية وغيرها، ولكنها تعرضت لتشوّهات في هويتها الدينية والثقافية.

للمشاركة:



مسلحون يطلقون النار على المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أطلق مسلحون ملثموم  النار على المتظاهرين العراقيين، اليوم، في الناصرية، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، أحدهم في حالة حرجة.

وقال نشطاء عراقيين على موقع تويتر؛ إنّ "الملثمين ركبوا ثلاث سيارات رباعية الدفع، دون لوحات، مرت باتجاه جسر السريع، دون أن تحرّك الأجهزة الأمنية ساكناً".

ونقل الجرحى إلى مستشفى الحسين في المدينة، ولم تكشف بعد تفاصيل عن السيارات أو الملثمين الذين أطلقوا الرصاص الحي على المحتجين.

وكتب مغرد على تويتر؛ أنّ "ثلاث سيارات من نوع "بيك آب" مع دراجة مرت باتجاه جسر السريع، وقامت بإطلاق النار على المتظاهرين"، وذكر بعض الناشطين أنّ قوى الأمن العراقية "لم تحرك ساكناً" أمام المشهد.

الملثمون أطلقوا النار على المتظاهرين العراقيين دون أن تحرك الأجهزة الأمنية ساكناً

وتكررت حالات استهداف مجهولين للمتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات، بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، المطالبة برحيل الطبقة السياسية والتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد.

وأقدم مسلحون مجهولون على إطلاق النار، الأسبوع الماضي، على المتظاهرين في ساحة التربية، معقل الاحتجاجات الشعبية في كربلاء، ما أدّى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجراح أحدھم في حالة حرجة، بحسب الشرطة العراقية.

كما فتح مجهولون النار، في 10كانون الثاني (يناير) الماضي،على السيارة التي كان يستقلها صحفيان في منطقة قريبة من مقر قيادة شرطة البصرة ما أدّى إلى مقتلهما.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

تأتي هذه الاحتجاجات ضمن الموجة الثانية من مظاهرات خرجت للتنديد بالفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وقوبلت المظاهرات السلمية بموجة قمع استبدت بالعراقيين، مارسها ملثمون ومسلحون وقناصة على أسطح المباني، كما تعرّض المتظاهرون لاستهداف بإطلاق النار من على متن مروحيات، واتهمت بارتكاب هذه الاعتداءات ميليشيات تابعة لإيران.

هذا وقد استبقت قوات الأمن العراقية مظاهرات مقررة، اليوم، بهجوم على المركز الرئيس لاعتصام المحتجين في العاصمة بغداد، وقال ناشطون إنّ السلطة تحاول فضّ اعتصام ساحة التحرير بالقوة.

وفجر اليوم، فوجئ المعتصمون في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية، بغداد، بهجوم شنته قوات مكافحة الشغب، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

 

 

للمشاركة:

السلطات الصومالية تتصدى لمسلحي حركة الشباب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أعلنت الحكومة الصومالية، اليوم، مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في بلدة ميركا بإقليم شبيلي، جنوب شرق البلاد.

وقال المتحدث باسم الحكومة، إسماعيل مختار عمر: "الاشتباك الذي وقع أمس نتيجة هجوم الحركة الإرهابية لم يسفر عن وقوع ضحايا بين الجنود أو المدنيين"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

 

 

ويذكر أنَّ سبعة أشخاص قتلوا وأصيب آخرون إثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب من العاصمة مقديشو، الأول من أمس.

وكان الآلاف من المتظاهرين قد خرجوا للشوارع، في الثاني من كانون الثاني (يناير) الجاري، للمطالبة بإنهاء الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات المسلحة، وقد أودى تفجير وقع قبل التظاهر بخمسة أيام بحياة أكثر من 80 شخصاً.

مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في جنوب شرق الصومال

وتعرضت قاعدة عسكرية في كينيا، تستخدمها القوات الأمريكية والكينية، لهجوم مطلع هذا الشهر، حيث لقي ثلاثة أمريكيين حتفهم.

وتدعم أمريكا القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الحرب ضدّ حركة الشباب الإرهابية، وقد شنت عدة هجمات جوية تستهدف الحركة في الصومال.

وحذرت بريطانيا، الأحد الماضي، رعاياها من السفر إلى بعض المناطق في كينيا، بسبب ما عدته تهديداً أمنياً محتملاً في تلك المناطق.

وفي الأسابيع الماضية، فرضت الحكومة الكينية قيوداً على المسافرين وحافلات الركاب في الطريق بين لامو وممباسا، لمنع مسلحي الحركة من التسلل إلى داخل كينيا.

ويستغل إرهابيو حركة الشباب الحدود الهشة الممتدة بين كينيا والصومال وكثافة التداخل القبلي والسكاني بين القبائل والمجموعات، للتسلل إلى داخل كينيا واتخاذ المناطق الحدودية قاعدة لشنّ هجمات إرهابية.

 

للمشاركة:

كم عدد السوريين المطلوبين للقتال في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ عدد المجندين السوريين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية، طرابلس، ارتفع إلى نحو 2400 مسلح.

 

 

وأشار المرصد، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إلى أنّ عمليات التجنيد مستمرة حتى اليوم في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا في شمال سوريا، رغم القرارات التي تمخضت عن مؤتمر برلين، والتي ألزمت الدول الموقّعة بعدم تقديم الدعم العسكري للفرقاء الليبيين، موضحاً أنّ "تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري في ليبيا".

المرصد: تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري للقتال في العاصمة الليبية إلى جانب ميليشيات الوفاق

وجاء نشر هذه الأرقام بالتزامن مع مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، أمس، بمشاركة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

وقال أردوغان، في وقت سابق أمس: "لا يوجد حلّ عسكري في ليبيا، وأيّة محاولات لفرض حلّ عسكري لن تفضي إلى نتائج".

وكان أردوغان قد أعلن مؤخراً إرسال قوات إلى ليبيا، دون أن يحدّد هويتها، وطالب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، خلال مؤتمر برلين حول ليبيا؛ "بالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً لحكومة السراج".

ماكرون يطالب أردوغان بـالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً للسراج

وأعلن ماكرون، خلال المؤتمر: "يجب أن أقول لكم إنّ ما يقلقني بشدة هو وصول مقاتلين سوريين وأجانب إلى مدينة طرابلس، يجب أن يتوقف ذلك".

وأضاف الرئيس الفرنسي: "من يعتقدون أنهم يحققون مكاسب من ذلك لا يدركون المجازفات التي يعرضون أنفسهم ويعرضوننا جميعاً لها".

وشدّد ماكرون على ضرورة وقف غير مشروط لإطلاق النار، فيما يطالب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، بتراجع قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي إلى مواقعها، قبل الهجوم على طرابلس.

 

للمشاركة:



الغنوشي وتحدي الدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

جبريل العبيدي

موجة غضب في البرلمان التونسي على الغنوشي زعيم حركة «النهضة» الإخوانية، طالته بالاتهامات بالتبعية للخارج، وانتهاك السيادة الوطنية، مهددة بسحب الثقة وإسقاط رئاسته للبرلمان التونسي؛ «الحزب الدستوري الحر» جمع 73 توقيعاً لسحب الثقة، وقال الأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» غازي الشواشي، «إن زيارة الغنوشي إلى تركيا بصفته الرسمية رئيس مجلس نواب دون المرور عبر القنوات الرسمية هو ضرب للسيادة الوطنية»، ووصف الزيارة بـ«الدبلوماسية الموازية»، التي من شأنها أن تسلب صلاحيات رئيس البلاد، الأمر الذي يعتبر خرقاً دستورياً فظيعاً قام به راشد الغنوشي.
الغنوشي، الذي لم يستطع التخلص من كونه رئيس جماعة أو حركة ليندمج في منصبه الجديد رئيساً لبرلمان تونسي لكل التونسيين، لم يستفد من أخطاء مرسي العياط، في التخابر مع الخارج، فرئيس برلمان لا يمكن له أن يقابل أي شخصية قيادية أجنبية إلا بعلم البرلمان، ومشفوعاً بوجود بعض أعضاء البرلمان معه، أما أن يتحول إلى رئيس حركة وهو رئيس البرلمان، فالذنب والخطأ أكبر فداحة، فتبرير الغنوشي كان فادحاً حين برر سفرته المفاجئة لمقابلة إردوغان؛ زيارة مفاجأة وعاجلة إلى تركيا بعد ساعات من سقوط حكومة الحبيب الجملي، رغم تبرير الغنوشي لها بالقول إنه قابله بصفته الحزبية، لا كرئيس للبرلمان، يجعل منه في مأزق آخر، هو أنه ليس رئيساً لبرلمان كل التونسيين، بل هو رئيس جماعته، كما كان مرسي العياط في قصر الاتحادية رئيساً لجماعته، لا رئيساً لجميع المصريين.
سقطة الغنوشي كارثية بجميع المقاييس، ولا يضاهيها ويتفوق عليها سوى مقابلات وسفريات خالد المشري، رئيس ما يسمى «مجلس الدولة» في ليبيا، الذي أقام جسراً جوياً بينه وبين إردوغان والغنوشي وقطر، ممثلاً لجماعته جماعة «الإخوان المسلمين»، دون أن يستشير أحداً سوى جماعته.
التجارب المحدودة لجماعات الإسلام السياسي في السلطة تؤكد أن الولاء لديهم للجماعة، وأنهم لن يستطيعوا تمثيل أمة أو شعب، لأنهم اعتادوا على تمثيل جماعة وتنظيم يجمعهم، وأفقدهم الإحساس بالسيادة الوطنية والانتماء الجغرافي للوطن ضمن حدود جغرافية محددة، وذلك مرده لكونهم ينتمون لتنظيم وجماعة عابرة للحدود وللقارات، ولا تمثل الجغرافيا والحدود لها أي معنى، ما ينسحب بذلك على انتهاك للسيادة الوطنية.
الأزمات تحاصر الغنوشي وحركة «النهضة»، منذ استقالة أمينها العام زياد العذاري؛ تصدع وانشقاق وانقسامات في بيتها الداخلي بين جيل شيوخ «النهضة» وشبانها الجدد. صراع أجيال داخل حركة «النهضة»، التي تواجه أزمة ثقة داخلياً وخارجياً، بسبب أزمات كثيرة، ليس آخرها الاتهام بجود جهاز سري مسؤول عن الاغتيالات، رغم نفي الحركة المتكرر لوجود هذا الجهاز.
تمجيد الغنوشي للحقبة العثمانية، سنان باشا، الذي وصفه بمحرر تونس، وتناسي أن العثمانيين كانوا مستعمرين لبلاد العرب في ثوب إسلامي، جعله في مأزق آخر أمام الشارع والبرلمان التونسي، الذي يرفض خطاب الغنوشي المشبع بالغرام التركي الذي لا يمكن تفسيره بمعزل عن التقاء حركة «النهضة» بحزب «العدالة والتنمية» التركي، وكلاهما «إخواني» الهوى والمعتقد والفكر.
اجتماع الغنوشي بإردوغان كان سقطة كبيرة للغنوشي، جعلته في ورطة، وفتح الملف أمام حجم التدخل التركي في الشأن التونسي، خصوصاً في ظل الزيارة المفاجئة التي قام بها إردوغان لتونس، التي لم يعلن عنها إلا قبيل ساعات من حدوثها، والتي رتب لها الغنوشي، وكانت لأجل طلب إردوغان موطئ قدم أو قاعدة أو تسهيل عبور قواته وجنوده، وحتى مرتزقته إلى ليبيا، بعد أن كان إردوغان جاهراً بالتدخل العسكري واحتلال ليبيا.
رغم نفي الرئاسة التونسية لوجود أي اتفاق، ولو سري، مع تركيا إردوغان بشأن منح موطأ قدم لجنود إردوغان للتمركز في طريقهم نحو غزو ليبيا، إلا أن ملف الزيارة كان من بين الملفات التي قد تتسبب في سحب الثقة من الغنوشي بسبب لعنة إردوغان.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

منطق الفرس والعثمانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

نورا المطيري
تعلمنا في الرياضيات أن "الأشكال الهندسية المتطابقة تكون فيها الأضلاع المتناظرة متطابقة والزوايا متناظرة متطابقة أيضاً"، وخلال الفترة الماضية، توالت إجراءات وتصريحات كثيرة من إيران وتركيا، بعد تصعيد الأولى حول مقتل قاسم سليماني، وتصعيد الثانية تجاه المشير خليفة حفتر شخصياً، فاستندت الأولى على الإرث الفارسي، والثانية على العثماني، حول تاريخ غزوهما للأرض العربية، وبدا أن هذين النظامين، يتطابقان في "الأضلع والزوايا السياسية" التي تعكس أهداف ومطامع كل منهما في المنطقة العربية.

بعد أقل من شهرين على "مبادرة هرمز للسلام" أو خطة إيران المزعومة لإرساء الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي أعلن عنها الرئيس الإيراني حسن روحاني في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلقت إيران صواريخها البالستية، فجر الثامن من يناير/كانون الثاني 2020، على قاعدة عين الأسد في العراق رداً على مقتل قاسم سليماني، فأصابت الطائرة الأوكرانية وقتلت 176 بريئاً، بدم بارد، ثم أطلق الرئيس الإيراني دعوة إلى أوروبا وأمريكا بعدم التدخل في شؤون المنطقة! ثم قال إن "إسرائيل دفعت ترامب للخروج من الاتفاق النووي"، ثم طالب الأمريكان بالخروج من المنطقة وسألهم: "لماذا زعزعتم أمن المنطقة؟"، وعقبها قال حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإسلامي، ولدى استقباله وفداً سورياً في طهران، لتقديم العزاء في سليماني إن "إيران تقف مع سوريا حتى خروج جميع الأعداء منها، وإن وحدة الأراضي السورية مثل وحدة أراضي إيران".

وتقرأ في أن التصعيد والإجراءات والتصريحات الصادرة عن النظام الإيراني، من رأس الهرم حتى أسفله، والمتناقضة بين دعوات الحرب والسلام، فيه تركيز عميق على "ثيمة" واحدة؛ وهي خروج الجميع من المنطقة، وعودة الفرس، على متن الصواريخ المضطربة الجاهلة للهيمنة عليها.

الشكل الثاني يجمع فيه أردوغان عصابات الإرهاب في سوريا منذ عام 2013 ويشن حرباً ضروساً تقتل وتذبح الأبرياء، ويستعد ويصرح لغزو ليبيا العربية، وخلال خطابه الذي ألقاه مؤخراً في المجمع الرئاسي في أنقرة، يقول: "ستواصل تركيا الدفاع عن حقوقها ومصالحها في العراق وسوريا والأبيض المتوسط حتى النهاية". وأضاف أردوغان: "إن وجود القوات التركية في ليبيا يهدف لإنهاء الظلم فقط، وإنه ومن خلال العمليات العسكرية استطاع تدمير الممر الإرهابي، وأفشل سيناريو حبس تركيا في سواحلها بالمتوسط". وانتقد أردوغان المعارضة التركية بالقول: «هؤلاء لا يدركون أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه».

ثم قال، بعد فشل محادثات موسكو بين الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق "الإخوانية" إنه سيلقن المشير حفتر، درساً لن ينساه.

وتقرأ أيضاً، في التصعيد والحروب والتصريحات التركية، الكثيرة وغير المترابطة والمجنونة أحياناً، أن هناك هدفاً أساسياً يجول في عقل الرئيس التركي، وهو حلمه الواهن بعودة الهيمنة العثمانية على الأرض العربية والسعي لإعادة احتلالها بالقوة العسكرية الهمجية.

في تحليل الخطابين، الفارسي والعثماني، تجاه المنطقة العربية، وبنظرة فاحصة على الأوضاع الداخلية في كلا البلدين، سنلاحظ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وضعف وهشاشة العلاقة بين هذين النظامين وشعبيهما، فالأول الذي يتصف بالشمولية، يحتج شعبه على تلك الأوضاع، بشكل شبه يومي، ويكاد يسقط شعبياً بسبب أحلامه الواهمة، أما الثاني الذي يتصف بالدكتاتورية، فقد تراجعت شعبيته، وراح يقتات على نبش التاريخ والدفاع عن هويته وقوميته، بسبب تناقضاته وأحلامه المارقة.

في الرياضيات، يفشل المنطق المتناقض وغير المترابط ويسقط تزوير الإحداثيات ولا تنجح سوى المعادلات الرياضية الصحيحة، وأن من أراد السلام، فليمدد يده بخط مستقيم.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

ليبيا.. نفط وغاز وشعب فقير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

ميلاد عمر المزوغي

على مدى عقد من الزمن التهم متصدري المشهد كافة مقدرات الشعب (بالداخل والخارج) التي امتدت اليها ايديهم، وما لم يستطيعوا الاستفادة منه قاموا بتدميره. مليارات الدولارات المهدورة التي لو وظف جزءا منها في خدمة المواطن لتغيرت حياته نحو الافضل ولشعر بشيء من صدقية اولئك الذي خرجوا عليه ابان الثورة وقد وضعوا في مخيلته احلاما ليست صعبة التحقيق. ولكن اتضح منذ الايام الاولى لتوليهم السلطة انها كانت مجرد اوهام، وان الفتات الذي منح للمواطن ما هو إلا تغطية على الكم الهائل من الاموال التي نهبها هؤلاء، لتستمر حياة البوس والشقاء واللهث خلف السيولة النقدية لأجل العيش، بينما سالت دماءه بدون وجه حق، فغرست في نفوس عامة شعورا لا يقبل الشك بان الساسة قد اكلوا الجمل وما حمل.

ذات يوم اوقف الجضران تدفق النفط فلم يحركوا (العملاء في السلطة وأسيادهم الذين نصّبوهم) ساكنا، لأنه حينها كانت هناك بعض المدخرات التي يمكن اللجوء اليها، بعدها فاوضوه لأجل اعادة تصدير النفط والغاز، وقدمت له ملايين الدنانير وفرشت له البسط الحمر، استقبل بطلا بدهاليز السياسة، وذهب اليه المندوب السامي الاممي في عقر داره مثمنا تجاوبه.

قد يحدث خلاف بين ابناء الوطن ويتقاتلون بسبب التدخلات الخارجية في الشأن المحلي، ولكن ان تجلب الحكومة الفاقدة للشرعية المحلية، اناس مصنفون ارهابيين من قبل الامم المتحدة لمقاتلة افراد الجيش الوطني الذي يعمل لأجل تحرير الوطن ممن تسرب اليه من الارهابيين، وان تمعن الحكومة العميلة في الاستهانة بكافة شرائح المجتمع الليبي وتضحياته، بإغداق المنح على المرتزقة من جبهة النصرة وأخواتها ببلاد الشام، من ايرادات النفط والغاز الذي يؤمنه الجيش الوطني، فذاك ما لا يمكن السكوت عنه، فالأفضل ان يظل بالأرض على ان يتحول الى اداة لتدمير البلد وجعله مرتهنا لسلطان يحلم بإعادة امجاد دولته التي عاثت في البلاد التي احتلتها فسادا وقهرا وظلما وتخلفا على مدى اربعة عقود.

لا نستغرب الاصوات الناعقة بشان وقف تصدير النفط، فهي المستفيدة من بيعه، ولا يهمها إلا اطالة مدة بقائها في السلطة، بينما الشعب يعيش تحت خط الفقر وتفتقر مؤسساته الخدمية الى ابسط الاشياء الضرورية للمواطن.

استخدام سلاح النفط والغاز في وجه الفئة الحاكمة الباغية ومن ورائها الدول الداعمة للإرهاب يعتبر حقا مشروعا، ولتعلم كافة دول العالم ان مصالحها رهن بمدى احترامها لإرادة الشعب الليبي في التصرف بموارده الطبيعية، وان الحكومة العميلة التي فرضت عليه منذ اربعة سنوات لم تقدم له سوى الاوهام، وإهدار الاموال وبث الفرقة بين مكونات المجتمع، والدفع بالشباب الى اتون حرب من خلال اغرائهم بالمال، فصلاة الجنازة على ابناء المؤسسة العسكرية والأمنية والمغرر بهم وضحايا القتل العمد على الهوية اصبحت احد معالم البلد.

هناك عديد الدول تدعم الارهاب في البلد ولكن العالم الذي يدعي انه متحضر يغض الطرف عن ذلك لمصالح شخصية، عديد المؤتمرات بشان ليبيا ولكن لم تكن هناك النية الصادقة لإحلال الامن والاستقرار.

تحية لأبناء الوطن المصرّين على خوض المعركة، ايا تكن التضحيات، ولن يهنا شذاذ الافاق ومن ورائهم الحالمين بتكوين ممالك وإمبراطوريات، خيرات البلد من بترول وغاز وسواهما يجب ان تكون للشعب، وان يعيش معتزا بوطنه، لا فقيرا متسولا ينعم الاخرين بخيراته.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية