التسامح من قيم الإسلام الأصيلة

التسامح من قيم الإسلام الأصيلة

مشاهدة

30/01/2021

"إنّ البشر ليسوا كالخراف، وحتى الخراف ليست متشابهة، على نحو يستعصي على التمييز، ولا يمكن للمرء أن يحصل على معطف، أو زوج من الأحذية، إلا إذا كان مصنوعاً وفق مقاسه، أو إذا استطاع أن يختار من بين معروضات أحد المتاجر، وهل العثور على حياة مناسبة للمرء أسهل من العثور على معطف ملائم له؟! وهل يتشابه البشر في أوضاعهم الجسدية والروحية أكثر ممّا تتشابه أشكال أقدامهم؟! لكنّ الأشخاص المختلفين يتطلبون ظروفاً مختلفة أيضاً لتطوّرهم الروحي، ولا يمكن لأيّ منهم أن يعيش بشكل سليم في الجوّ الأخلاقي نفسه، مثلما أنّ النباتات المتنوعة لا يمكنها أن تعيش في المناخ نفسه والبيئة المادية نفسها"..

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

بهذه الكلمات، يشير الفيلسوف والاقتصادي البريطاني ذائع الصيت، جون سيتوارت ميل، إلى هذا المعنى الخطير الذى يصونه التسامح؛ وهو قبول التنوّع واحترامه، باعتباره سنّة كونيّة، وواقعاً بشرياً لا يمكن تجاهله، هذا المعنى، أو تلك القيمة؛ أي التسامح، التي شاع اعتبارها قيمة غربية تأتي مع غيرها من ثمرات عصر الأنوار، الذي تحررت فيه أوروبا من التعصّب والرجعية والجهل، هي قيمة إنسانية بالأساس، لا يمكن أن نعزوها إلى دين أو ثقافة واحدة، لكنّنا مضطّرون لذلك، في ظلّ تلك الموجات من التطرف والإرهاب التي ضربت مجتمعاتنا، بما صنع صورة ذهنية سلبية عن الإسلام، كرّست عنه ما ليس فيه، بينما حجبت جلّ حقائقه لحساب تلك الصور المشوّهة، من هذه القيم؛ قيمة التسامح، واحترام التنوّع، وقبول الآخر.

من يفتّش بتجرّد يدهشه حجم النصوص والفتاوى الإسلامية التي تؤكّد كلّ القيم الإنسانية ومنها التسامح

لم يسأل أحد نفسه: كيف بقيت الكنائس والمعابد والتماثيل وشواهد الحضارات المتعاقبة في كلّ الحواضر الإسلامية، شاهدة على رسوخ معنى التسامح، والتأكيد على أنّ مسيرة الإنسان على الأرض، وإن عرفت موجات من الإكراه السياسي والديني في بعض فصولها، فقد بقي الخطّ الناظم لتلك المسيرة مشرقاً، يؤكّد أنّ التاريخ طبقات تكمل بعضها الأخرى، وكذلك الأديان، ولعلّ أفضل ما عبّر عن هذا المعنى؛ ما قاله النبيّ محمد، صلّى الله عليه وسلّم، في الحديث: "إنّ مثَلي ومثَل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وجمّله، إلّا موضع لبنة من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين".

اقرأ أيضاً: متحف مصري للتسامح يسرد التكامل بين الأديان لمحاربة التطرف

المتأمّل في الحديث النبوي الشريف، يجد أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، عبّر عن حجم إسهامه في بناء صرح الرّوح، الذي ستقصده كلّ الخلائق، إلى أن يرث الله، عز وجل، الأرض ومن عليها؛ بأنّه "لبنة" في بناء كبير، وأنا أتصوّر أنّ الأمر لا ينطوي على تواضع منه، صلّى الله عليه وسلّم، في تلك الإشارة، بل تقرير لحجم رسالته ضمن رسالة الله، عز وجل، التي انطلقت مع بدء الخليقة، واستمرت عبر مسيرة كلّ الأنبياء، وصولاً إلى الرسالة الخاتمة.

اقرأ أيضاً: التسامح: كيف تتحرر من الحكم على الآخرين؟

ما لا يفهمه كثير من المتعصبين أو المتطرفين؛ أنّ في هذا الكون خلق غيرهم، تتباين مشاربهم واتجاهاتهم ومواهبهم، وأنّ الله تعالى بعلمه الأزلي بخلقه يعلم هذا، وهو خالق الخلق؛ لذا بقيت قضية هدايتهم ملكاً له، وفضلاً له وحده، الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وهو مؤيَّد بالوحي، أعلمه ربّه بأنّ دوره لا يتجاوز التبليغ، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، حتّى الأنبياء لا تتجاوز سلطتهم على النفوس حدّ البلاغ، بينما يبقى الإيمان محض اختيار من صاحبه، ومشيئة من الخالق، تبارك وتعالى، حيث يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ترك الله تعالى لعباده الحقّ في أن يؤمنوا به أو يكفروا، ولم يضع سلطة لأحد تنظم الأمر أو تقيّده؛ لأنّ الأمر من أعمال الروح والقلب، بالتالي؛ لا تستطيع سلطة أن تراقبه أو تنظّمه، وإن حاولت الكثير من النظم الكهنوتية عبر التاريخ أن تفعل ذلك، قبل أن تهتدى بالتجربة المريرة إلى أنّ تلك المساحة لا يجوز لأحد الاقتراب منها، وإن كان نبياً مرسلاً.

اقرأ أيضاً: التسامح .. ما أحوجنا إليه

جاء الإسلام ليحرّر الأرواح، لتحلّق باختيارها نحو الخالق، وتسبح مع كلّ المخلوقات بطريقتها، وكذلك كانت كلّ الأديان، لكنّ بعض رجال الدين تصوّروا أنّ لهم سلطة على الضمائر والأفئدة، فصادروا مساحات العفو، لحساب مساحة الحرام، التي اتسعت حتى أمسكت بخناق العقل المسلم، فلم يعد قادراً سوى على إنتاج الأزمات، ورفع راية الحرب، لإكراه الآخرين على قبول تصوّره.

بقاء الكنائس والمعابد وشواهد الحضارات المتعاقبة في كلّ الحواضر الإسلامية يشهد على رسوخ معنى التسامح

وخير ردّ على أنّ الإسلام غير ذلك، وبمنطق الأصوليين ذاتهم في عهد النبّي، عليه السلام، والقرون الثلاثة المفضلة لديهم، لم تعرف سوى ألوان من الخلاف السياسي البشريّ، الذي ألبس رداء الدين.

حتى في الحرب؛ كانت وصيّته، صلّى الله عليه وسلّم، التي التزم بها الصحابة والتابعون، رضي الله عنهم، إلا من بعض الاستثناءات التي كانت أمراً بشرياً وتجاوزاً، ولم تكن إخلاصاً لتعاليم الدين، تحضّ على ترك من فرغوا للعبادة في صوامعهم وبيعهم، في احترام لحقّ الآخرين في العبادة على طريقتهم.

القرآن يقرّر تلك الحقيقة، في الآية (62) من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

اقرأ أيضاً: التربية على التسامح: مفتاح الحكمة في موسوعة السلم

لقد عددت الآية كلّ من استقام على أمر الله تعالى، مؤمناً بأنّ خلف تلك الحياة حساب ويوم آخر وعمل صالح، وبأنّ الله لن يخذله، وسيثيبه على تلك الاستقامة، وفق معتقده، لا خوف عليه ولا حزن يأتي، أمناً من عذاب الله تعالى الذي يشهره الآخرون في وجهه.

اقرأ أيضاً: التسامح السلطوي والتسامح التعددي

إنّ الانتقائية التي انطلقت من مزاج سوداوي قدّم الترهيب على حساب الترغيب، حيّدت نصوصاً تنتصر لقيم الإنسانية، حتى في فقه ابن تيمية، الذي يعدّه البعض رائد التشدد، تأمّل في تلك الفتوى من مجموع فتاواه، التي يؤكّد فيها أنّ أحكام الآخرة محجوبة مطلقاً، بالشكل الذي يجب أن يردعنا عن وضع هذا في الجنة وذاك في النار: "ولا تشهد لمعيّن أنه في النار، لأنّنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه؛ لأن لحوق الوعيد بالعين له شروط وانتفاء موانع، ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقّه".

اقرأ أيضاً: التسامح علاقة مع الذات قبل أن تكون علاقة مع الآخر

من يفتّش بتجرّد يدهشه حجم النصوص والفتاوى التي تؤكّد كلّ القيم الإنسانية، ومنها تلك القيمة "التسامح"؛ التي تؤكّد النصوص والتاريخ أنّها من قيم الإسلام؛ لأنّها –ببساطة- قيمة إنسانية تضمن سعادة الإنسان، وهو مراد الشارع الحكيم في كلّ قول وعمل.

الصفحة الرئيسية