الخلطة السحرية للجماعة.. كل شيء عندنا

3698
عدد القراءات

2017-11-16

اقتربت السّاعة المعلّقة على أحد جدران المقهى من الواحدة فجراً، ولم ينتهِ بعد الجدل المصحوب بدخّان النراجيل، ولم يملّ الصّبي من تقديم المشروبات، ولم يسأم رفيقه من تبديل الفحم الملتهب. انخرط الجميع في محاولات إثبات صحّة مقولاته؛ هل انتهت جماعة الإخوان أم يمكن أن تعود مرّة أخرى بلبوس جديد؟ هل انتهت داعش أم يمكن أن تعود بثوب آخر؟ تمادى بعضهم في محاولة شرح نظريّات ما بعد الإسلام السياسيّ، باعتبار أنّ تلك الحالة باتت من مخلّفات زمانٍ غابرٍ.
لم يستطع الحافز أن يتملّكني للدّفع بي في أتون تلك المناقشات، حتّى باغتني صديقٌ بسؤال: ما الذي يدفع بهم إلى الموت فرادى وجماعات دون أن يشكّوا لحظةً في أنّ الصّواب قد يجانبهم؟ فأجبت بتلقائيّة مندفعة: "الحقنة". فسادت حالة من الصّمت المستفهمة.
لا أعرف لماذا طافت بخيالي تلك المشاهد القديمة؛ عندما كان يقترب أحد الأشخاص من جماعة ما في بلدتنا، فيحذّره المقرَّبون منه قائلين: "احذر الجماعة أصحاب الذّقون يعطون لك الحقنة".
كنت أستخفّ بمثل تلك المقولات الريفيّة، وأعدّها "خزعبلات شعبويّة" يرهّب الآباء أبناءهم بها، حتّى لا ينخرطوا في الأعمال التنظيميّة لتلك الجماعات، ما يعرّضهم للخطر، وأنّها لا تعدو أن تكون مقولات أسطوريّة تقترب من مقولة "أمّنا الغولة".

للإخوان خلطة سريّة إن تعاطاها شخص فإنّه يظلّ متأثّراً بتركيبتها حتّى إن ترك تلك الجماعة ومرّت على ذلك السّنون

لكن بدا لي-مع مرور السّنين- مفهوم آخر للحقنة: إنّها جرعة تذوب في اللّحم والدّم، فيستحيل انتزاع مكوّناتها؛ خلطةٌ سريّةٌ إن تعاطاها شخصٌ فإنّه يظلّ متأثّراً بتركيبتها، حتّى إن ترك تلك الجماعة، ومرّت على ذلك السّنين، فالحالة الماضويّة وحدها لها جاذبيّة قادرة على شدّه نحوها بين الحين والآخر.
لن أنسى ذلك اليوم الحارّ الذي ذهبت فيه إلى عادل كمال، وهو من قادة النّظام الخاصّ القديم الذي شكّله حسن البنا في مطلع الأربعينيّات من القرن الماضي على الأرجح، وجدت الرّجل في انتظاري بهندامٍ أنيقٍ، كان مهذّباً للغاية، هادئ الطّباع، خفيض الصّوت.
امتدّ الحوار إلى ما يربو على الــثّلاث ساعات، حتى جاءت لحظةٌ شعرت فيها بأنّ استرجاع الذّكريات قد شحذ وجدانه، فتحدّث عن أنّه كان يحبّ عبد الرحمن السندي، زعيم التنظيم السريّ، وما يزال، وأنّه كان على حقٍّ، ولم يكن على باطل، وأنّه لو قدّر الله لذلك التنظيم أن يستمرّ لما آلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه، ثمّ اغرورقت  عيناه بالدّموع.
تتلاطم الذّكريات في وجدانه وخياله، فكتب يقول: قرأ بعض الإخوان في جريدة يوميّة أنّ طائرات الألمان شنّت غارةً على لندن، وأنّها أصابت البرج الشّهير لساعة "بج بن"، وكان يجلس الشيخ عبداللطيف الشعشاعي، وهو رجلٌ ضريرٌ من كرام الإخوان، فبان عليه الحزن الحقيقيّ والأسى، فعجبنا، ثمّ سأله سائل عمّا به؟ وعمّا يهمّه من أمر ساعة "بج بن"؟ فقال بلهجة الجدّ: "كنت أريد أن أؤذّن من فوق ذلك البرج يوم فتح لندن"، قلنا بمرحٍ ودعابةٍ: "فأذّن من فوق غيره"، فرد في إصرار: "كنت أريد أن أؤذّن من فوق هذا"، ضحكنا غير أنّ أعماقنا كانت تقول: "ربّما.. فمن يدري، لعلّنا في يومٍ نفتح لندن".
إن استحوذت على القلب امتلكت الجسد؛ إنّها سيطرةٌ كاملةٌ على نفسيّة المستهدف، وسبرٌ لأغواره، فإن كان يهوى جمع الطّوابع يصبح من يجنّده خبيراً في جمع الطّوابع، يهديه منها ما يحبّ؛ "فتهادوا تحابّوا".

خلطةٌ سحريةٌ يتوارثها دعاتهم الذين يقتربون من العالم النفسيّ للمستهدفين، فيخرجونهم من دائرة العالم الكبير إلى دائرة الجماعة المغلقة

يتحوّل الإسلام إلى دينٍ مستهدفٍ، خضع لمؤامرات على مسار التّاريخ، وتستحضر كلّ المشاهد التراجيديّة؛ ابتداءً من خبيب بن عدي حتّى سيّد قطب وأكرم زهيري، وكلّ شخصٍ أوذي من "أجل دينه"، وتصبح مسيرة الجماعة هي مسيرة هذا الإسلام المضطّهد؛ حيث إنّ الخطّ الزمنيّ لمسيرة الإسلام تُلحق به الجماعة، لتصبح الامتداد الطبيعيّ لمسيرته  على الأرض، وليس لمسيرة فصيلٍ فهم الإسلام بطريقةٍ معيّنةٍ ومضى في طريقه.
خلطةٌ سحريةٌ يتوارثها دعاة الجماعات الذين يقتربون من العالم النفسيّ لمن يستهدفون، فيخرجونه من دائرة العالم الكبير إلى دائرة الجماعة المغلقة التي يجد فيها الحبّ والسلوان، يتحوّل مَن حوله إلى إخوة وأصدقاء وآباء وأمّهات، فيشعر بمضيّ الوقت بأنّ هذه الجماعة لا بدّ أن تغيّر العالم الغريب الذي يشعر بعزلةٍ شعوريةٍ نحوه.
يحكي القياديّ السّابق  في جماعة الإخوان المسلمين، الدكتور السيد عبدالستار المليجي، عن بداية التحاقه بالجماعة قائلاً: "في العشرين من عمري؛ بدأت أبحث عن الحريّة والعدالة والمساواة، ليس لنفسي، لكن لكلّ الذين أعرفهم، ولكلّ المجتمع الذي أنتمي إليه، ووجدت في سوق الحياة مجموعاتٍ كثيرةً تقول إنّها تقدّم هذه الأشياء النّادرة، الحرية والعدالة والمساواة، تفرّست في الوجوه طويلاً، ثمّ اخترت هذه المجموعة، سألتهم: من أنتم؟ قالوا: نحن الإخوان المسلمون، سألتهم عن ..، وقبل أن أسمّي ما أبحث عنه، قالوا: عندنا كلّ شيء؛ تحبّ العدل؟ عندنا، تحبّ السياسّة؟ عندنا، تحبّ الجهاد؟ عندنا، تحبّ أن تشتغل وفقط؟ عندنا، تحبّ الحريّة؟ عندنا ، تحبّ "الكباب والكفتة والمهلبية"؟ عندنا، و"لو عايز  تستفيد وتفيد  تظلّ عندنا وترفع لافتتنا".
"كلّما استحال على الإنسان أن يدّعي التفوّق لنفسه، سهل عليه أن يدّعي التفوّق لأمّته، أو لدينه، أو لعرقه، أو لقضيّة مقدّسة"، وأنا أردّد مقولة إيريك هوفر هذه، استحضرني نشيدٌ لطالما ألهب نفوس الجماعة: "فمن للأمّة الغرقى إذا كنّا الغريقين .. ومن للغاية الكبرى إذا ضمرت أمانينا".

اقرأ المزيد...

الوسوم: