الدروز: غموض ديني وعروبة أصيلة

29886
عدد القراءات

2018-08-08

قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، والمفكر القومي شكيب أرسلان، والمطربان الشقيقان الشهيران فريد الأطرش وأسمهان، والقائد السياسي اللبناني كمال جنبلاط، تعد من الأسماء العامة المؤثرّة في التاريخ العربي الحديث، رغم انتمائهم إلى طائفة لطالما وُصفت بالضبابية والغموض، ألا وهي الطائفة الدرزية.
سرية معتقدات هذه الطائفة، وطبيعتها العرقية المنغلقة على ذاتها، جعلت منها مثاراً للتساؤلات طوال مسيرتها التي تزيد على ألف عام، فمن هم الدروز، وما أسرارهم، وماذا يميزهم عبر تاريخهم الطويل؟

بين الله والعقل
النقاء، هو أحد أهم أركان الطائفة الدرزية، فهم يحافظون على منشأهم العرقي من خلال عدم اختلاطهم بالأنساب أو الزواج من أي فردٍ خارج إطار طائفتهم، وتعود فكرة النقاء إلى تاريخٍ طويل، حين اعتزل الدروز في الجبال العالية، وابتعدوا قدر الممكن عن الصراعات الدينية والعسكرية في المنطقة العربية خلال الفترات المبكرة من ظهور الإسلام وحملات الصليبيين على بلاد الشام، وهو ما أكسبهم كذلك الشكل والبنية المميزين.

حارب الدروز مع المسلمين ضد الصليبيين ومنعوهم من تشكيل قوةٍ أو دولة في لبنان وسواحلها

في كتابه "الدروز"، يقول المؤرخ والرحالة الألماني "ماكس أوبنهايم" إنّه "ربما تكون أصولهم الأولى آرامية نقية، تلاها دخول عرقٍ كردي كآل عماد، وأتراك كآل جنبلاط، كما كان يوجد آل النكد من أصول عراقية"، لكن توجد اليوم عائلات شهيرة كآل أرسلان وآل الأطرش، وآل شهاب تقول إنّها حافظت على نقائها خلال قرون، ويصر الدروز عموماً على أصالتهم العربية، وانتمائهم منذ أكثر من ألف عام، إلى اللخميين التنوخيين، الذين يعود أصلهم إلى قبائل عربية هي لخم، قضاعة، الأزد، وكهلان.

يعود تاريخ الطائفة لأكثر من ألف عام

ويضيف أوبنهايم، أنّ الدروز تمركزوا في لبنان وسوريا، ثم فلسطين لاحقاً والأردن، حيث "بقوا خلال القرون الوسطى منعزلين ويقلّ ذكرهم في الأدبيات الإسلامية والغربية على حد سواء".
ويذكر المؤرّخ الألمانيّ، أنّ أصول الديانة الدرزية غير معروفة بوضوح، حيث تحيطها قصص متناقضة وروايات غير دقيقة بسبب سرّية الديانة، التي وبالرغم من أنها لا تملك كتاباً مقدساً معروفاً، إلا أنّها حافظت على تقاليدها بين أبنائها كما هي طوال قرون؛ حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلى أنّها تأسّست في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي (1021م) على يد محمد بن إسماعيل الدرزي؛ إذ تعود كلمة درزي، إلى "درزة" أو صانع الثياب، إلا أن الدروز عموماً، لا يحبّذون هذه الرواية التي ذكرها "وينتفيلد" العام 1885 في كتابه رحلاته "جولات في بلاد الشام".

النقاء أحد أهم أركان الطائفة الدرزية فهم يحافظون على منشئهم العرقي من خلال عدم اختلاطهم بالأنساب

أما الاسم الأكثر تفضيلاً لديهم، فهو "الموحّدون" الذين "يخلصون إلى عقيدة التوحيد القديمة والصافية، وإلى إله واحد لا يمكن إدراكه إلا بالعقل، كما يحرّمون الوثنية ويؤمنون بالوصايا العشر، وبأنبياء الديانات السماوية الثلاث".
والموحّدون، لا يبشرون بعقيدتهم، ولا يدعون أحداً لاعتناقها، أما تعريف الموحّد لديهم، فهو "كل مَنْ يَعتقدُ بوَحدةِ أديانِ العالَمِ كافّةً، وكائِناً ما كانتْ طقوسُها وشعائرُها"، وذلك وفقاً لما جاء في كتاب "بحث في العقيدة الدرزية"، المنشور عن دار "لأجل المعرفة" العام 1985، ويذهب مؤلّفوه إلى إنّ المغالطات الكثيرة والخرافات حول العقيدة الدرزية يمكن دحضها بالقول "إنّها مذهب اعتنق الإسلام في مرحلةٍ ما من مراحله"، لكنّه يبقى متفرداً بمذهبه وقدسيته الخاصة بروايات متعدّدة يختلف عليها كثيرون.

اقرأ أيضاً: هل ينجح حزب الله في اختراق المجتمع الدرزي بسوريا؟

التسمية الأخرى، التي يفضّل الدروز استخدامها، هي "بنو معروف"، وتأتي بمعنى الخير والإحسان، و"المعرفة العقلية القادمة من لدن الله وحده" بحسب الكتاب السابق، وبدلاً من وجود كتابٍ مقدس معلن، يضم تعاليم الطائفة، فإن مجموعةً كبيرةً من الرسائل التاريخية، وتعرف باسم "رسائل الحكمة" يبدأ تاريخ تدوينها منذ القرن الرابع الهجري، تشكل نوعاً من المرجعية الدينية والأخلاقية لهم. كما إنّها تركّز على حرية الفهم الديني، وأن "الدين لا يفهمه سوى العقلاء" مثلما يؤكد الكتاب ذاته.
وأياً كانت التسمية، دروزاُ أم موحدين أم عارفين، فإنّ عاداتٌ مميزة خاصة، ربما أسهمت في خلق هالةٍ ضبابية من حولهم.

بقي الدروز خلال القرون الوسطى منعزلين ويقل ذكرهم في الأدبيات الإسلامية والغربية على حد سواء

وبالعودة إلى كتاب أوبنهايم، يذكر المؤرّخ أنّهم "ضمّوا في ديانتهم بعض تعاليم الفلسفة اليونانية، وأنّ لهم تقاليد خاصةً من أهمها (محبة الحقيقة) والتركيز على العقل في فهم الأمور وعملها، واحترام الآخر غير الدرزي ومعاملته بكرم وأخلاق في السلم والحرب، إضافة إلى البساطة في المظهر، وعدم كسب المال بغير حق".
ويضيف أوبنهايم "للمرأة عند الدروز مكانة مرتفعة، فتعدد الزوجات مكروه، والطلاق شبه مستحيل، وتكاد المرأة تتساوى مع الرجل عموماً، وتشاركه نصف ثروته أياً كانت، في حال انفصل عنها".
ويصف أوبنهايم مظهرهم الذي لايزال سائداً عند رجال الدين الدروز حتى اليوم، حيث "يرتدون سراويل واسعة، وعباءة سوداء كبيرة، تحتها قميص قصير الأكمام مخطط وملون بالأبيض والأسود والأحمر أحياناً".

يسمى شيخ الدروز بعقل الطائفة

اتهامات وثورات
بقي الدروز عبر التاريخ الإسلامي، يقفون في صف العرب والمسلمين، ويشير الباحث والمؤرخ المصري كامل حسين في كتابه "طائفة الدروز تاريخها وعقائدها" إلى أنّهم "كانوا عبر التاريخ الإسلامي الطويل، أصحاب إقطاعياتٍ كبيرةٍ في أراضي لبنان وجزء من سوريا، فتواجدوا في جبل الدروز (جبل حوران) جنوب سوريا، كما سكنوا جبال لبنان ومحيط السويداء وبسطوا سلطتهم قرب الشقيف والجليل الفلسطيني"، أما مآثرهم مع المسلمين، فيقول فيها حسين "واجه الشهابيون والأرسلانيون والتنوخيون المد الصليبي في بلاد الشام، وحالوا دون قيام أي دولةٍ أو قوةٍ للصليبيين على امتداد الساحل اللبناني، محقّقين انتصاراتٍ مهمة في عامي 1151م و1186م، وحاربوا كذلك متضامنين مع صلاح الدين الأيوبي، وبرز منهم قادة مثل زين الدين الأرسلاني".

لا تملك الطائفة كتاباً مقدساً معروفاً إلا أنها حافظت على تقاليدها بين الدروز كما هي طوال قرون

ويشير المؤرخ في كتابه ذاته، إلى أنّ الدروز لم يكوّنوا دولة، غير أنّهم "بقوا متوحّدين حتى بعد دخول العثمانيين العالم العربي، إلى أن حصل انقسام بينهم العام 1860 بين أسرة الجنبلاطيين وأسرة اليزبكيين".
هذه الانقسامات بين الدروز أنفسهم، والخلافات التي كانت تحصل بينهم وبين المسيحيين الموارنة من سكان لبنان عبر التاريخ، لن تخفي مطلع القرن العشرين وجوه أحفادهم، الذين سيظهرون في الدين والثقافة والسياسة بكل وضوح.
فحدث في العام 1918، أن ظهر ابن عائلة الأطرش، قادماً من السويداء عاصمة جبل الدروز، ليعلن وقوفه إلى جانب الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين.

اقرأ أيضاً: العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة
ولم يتوقف سلطان باشا الأطرش (1891-1982) عند هذا الحد، فبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى، واحتلال فرنسا لسوريا، ثار على كل الاتفاقات التي عقدها الفرنسيون مع حكومة دمشق ومع الدروز أنفسهم، وهاجم الفرنسيين العام 1922 محقّقاً بعض الانتصارات ضدهم، وردّ الفرنسيون بمطاردته وتدمير منزله في السويداء ومحاصرة المدينة، واغتيال بعض القادة الدروز  لاحقاً، مثل سليم باشا الأطرش الذي قتل في دمشق بالسم.
سلطان باشا الأطرش متحدثاً:

 

 

هكذا، أطلق الأطرش شرارة الثورة السورية الكبرى، التي توسّعت العام 1925 "مطالبة بسورية موحدة وحرة ضد الفرنسيين، وشارك فيها قادة وطنيون كصالح العلي وفوزي القاوقجي، ولم تتوقف حتى تحرير سوريا"، كما يرد في كتاب المذكرات الذي كتبه سلطان باشا الأطرش، تحت عنوان "الثورة السورية الكبرى".

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله تنظيم داعش الإرهابي بالرهائن الدروز!
وبخصوص فلسطين؛ حيث ترافق وجود الدروز فيها عبر التاريخ مع وجودهم في سوريا ولبنان، ولو بأعداد أقل، لا تزيد اليوم على 200 ألف، غير أنّهم "تعرضوا لأكاذيب الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948، على يد اللجان الإسرائيلية الدرزية التي تشكلت في فلسطين منذ احتلالها، من أجل إيهام الدروز أنهم أقلية دينية خاصة لها حقوقها المحفوظة، لكن المحاولات لم تنجح عبر عقود بإدماج الدروز تماماً"، كما يرى سلطان باشا الأطرش في كتابه ذاته.

الموحّدون اسم يفضله أتباع الطائفة على تسمية الدروز ويرمز إلى إله واحد في كل الديانات

وشهدت فلسطين خلال عقود، حالات تمرد مختلفة من قبل الدروز ضد التجنيد في الجيش الإسرائيلي، بلغت ذروتها بعد العام 2008، حين أخذ شباب دروز يقبلون السجن ويرفضون التجنيد أو التعاون مع الاحتلال، كما نشر موقع  alaw9at.comمؤخراً، تقريراً يشير إلى وجود "احتجاجات كبيرة من قبل أبناء الطائفة الدرزية ضد قانون القومية الإسرائيلي الجديد"، الذي يحاول إظهار فلسطين المحتلة على أنّها ملك للقومية اليهودية، كما أطلق الدروز في العام 2014 حملة أسموها "ارفض شعبك بيحميك"، لمواجهة تجنيد الشباب في الجيش الإسرائيلي.

يقاوم الكثير من الدروز اليوم فكرة الانضمام لجيش الاحتلال

وبالنسبة إلى منطقة الجولان السوري المحتل منذ العام 1967، التي يتكون معظم سكانها من الدروز، في منطقة فاصلة وحساسة بين فلسطين وسوريا، يصر السكان منذ عقود، على عروبتهم ولغتهم تحت الاحتلال، وأنّهم جزء من فلسطين وسوريا،، وليسوا جزءاً من إسرائيل.
وفي إطار فلسطين، شهدت الحرب الأهلية اللبنانية منذ منتصف السبعينيات، وقوف القائد السياسي الدرزي الشهير "كمال جنبلاط" في صف الفلسطينيين.

تركز الطائفة الدرزية في معتقداتها على معرفة الله بالعقل كما تعلي كثيراً من شأن المرأة

جنبلاط (1917 – 1977)، المولود في قرية المختارة بقضاء الشوف بلبنان، لوالد هو "فؤاد بك" الذي اغتاله الفرنسيون لوطنيته أيضاً، جعل من المعقل الدرزي في المختارة رمزاً للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وضد إرادة بعض الدول الكبرى في نزع سلاح الفلسطينيين خلال السبعينيات، وبعد اغتياله، الذي اتهم فيه النظام السوري آنذاك، وبعض الميليشيات المسيحية اللبنانية خلفه ابنه "وليد جنبلاط" الذي لم يعادِ الفلسطينيين، لكنه بدأ يتخذ مواقف أقل حماسة تجاههم فيما بعد.

دافع كمال جنبلاط عن عروبة فلسطين

واليوم، يقع الدروز في سوريا، وتحديداً في السويداء مدينتهم وعاصمتهم التاريخية، تحت نيران الحرب واعتداءات تنظيماتٍ إرهابية مثل هجوم تنظيم داعش مؤخراً، حيث ومنذ بدء "الربيع العربي"، حصدت الحرب المئات منهم، غير أنّهم بقوا على موقفهم الجريء، المتمثل بإعلانهم أنهم يدافعون عن أنفسهم ضد أي عدوان، لكنهم أكثر حياداً تجاه أطراف الصراع في سوريا عموماً.

القائد الدرزي سلطان باشا الأطرش شارك في الثورة العربية الكبرى وأطلق شرارة الثورة السورية ضد الفرنسيين

الطائفة الدينية، المذهب، أو العقيدة، التي تظل مبهمةً عموماً، ربما لكثرة ما أُلصق بها من روايات؛ فهي حين ثارت على العثمانيين اتهمت بالزندقة والكفر والتَّقية، كما اتّهمت أنّها مسيحية وشيعية حين قاومت الاحتلال الفرنسي، وكانت إشاعة نشرها الفرنسيون من أجل تمزيق وحدة الثورة ضدهم في سوريا، أيضاً، نُسب الدروز إلى الفاطميين تارة، وللإسماعيليين والعلويين تارةً أخرى، غير أنّ مفكريهم وقادتهم كشكيب أرسلان وسلطان باشا الأطرش، ظلوا مخلصين للعروبة، كما أنّ تاريخهم الحديث لم يشهد أي صراعٍ لهم مع الإسلام. ويبقون مع أسرارهم، وخصوصيتهم الدينية والعرقية، ومثلما يرى أوبنهايم وغيره في عقيدتهم "لم يدعوا مع أحد، ولم يدعوا ضد أحد".

اقرأ المزيد...

الوسوم: