الصراع الهندي الباكستاني: الكل يتحدث عن السلام متأهباً للحرب!

11840
عدد القراءات

2019-03-13

طوال عقود، ودون أي احتكامٍ للمنطق، اعتاد العالم أن تشهد المناطق الحدودية الفاصلة بين باكستان والهند حروباً أو احتكاكات عسكرية محدودة أو إظهاراً للعداء المتبادل في بعض الأحيان، ورغم عبثيّة المشهد في الظاهر إلا أنّه يخفي جذوراً للصراع بين الدولتين تقف وراءه أسباب عديدة، تاريخية وطائفية وسياسية واستعمارية أيضاً.

يعتقد العديد من الباكستانيين والهنود أنّ بريطانيا أصل الداء بخروجها من الهند مخلّفةً صراعات جغرافيةً سياسية وطائفية

مؤخراً، عاد هذا الاحتكاك بين الدولتين، إثر إسقاط متبادل لطائرتين عسكريتين إحداهما هندية وأخرى باكستانية في نهاية شباط (فبراير) الماضي على أنّ كل طائرةٍ منهما اخترقت المجال الجوي لكل من الهند وباكستان. إضافةً إلى حادثةٍ أساسية في الرابع عشر من الشهر ذاته، تمثلت في تفجيرٍ انتحاريٍ ضد قافلةٍ عسكرية هندية داخل إقليم كشمير، تسبب في مقتلٍ 44 جندياً هندياً. لكن التاريخ المحمّل بالعدوان بين الدولتين أبعد من إسقاط طائرتين، أو تفجيرٍ انتحاري واحد، فهو محفوفٌ بخلافاتٍ دموية، تستحق إلقاء الضوء عليها، للاطلاع على صراعٍ ولد الكثيرون وماتوا، وهم يشهدونه، كأنّه صراعٌ أبديٌ قائم، لا يتوقف.

التشكلات والخلافات
يعتقد العديد من الباكستانيين والهنود أنّ "بريطانيا أصل الداء"، فهي التي قررت ذات يومٍ من أيام العام 1947 الخروج من الهند والأقاليم المحيطة بها، بعد عملها على "إيجاد صراعاتٍ بين السيخ والهندوس والمسلمين، حيث تم إنشاء باكستان كدولةٍ ذات أغلبيةٍ مسلمة  في 1947 تحت هذه الظروف من الصراعات مع ترك فتيلٍ مشتعل، يتمثل في إقليم كشمير الذي بقي لسكانه الخيار بالانضمام إلى الهند أو باكستان، مما أشعل الحرب بين البلدين"، وفقاً لدراسةٍ نشرها "المركز  الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية" في العام 2017.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تواجه باكستان الجماعات الإرهابية الناشطة على أراضيها
تلك الحرب، كما تؤكد هذه الدراسة، وكذلك كتاب بعنوان "Punjab and the Making of Pakistan" ونشر في 1988 للباحث والمؤرخ الأمريكي ديفيد مارتن، أدّت إلى تشريد الملايين ومقتل آلاف الأشخاص ممن عانوا بين حدود الدولتين محاولين اتخاذ "قرارتٍ بشأن البقاء في الهند أو باكستان لاعتباراتٍ عائليةٍ ودينية واجتماعية" كان لها أن تظل طبيعية، لولا أنّ الحرب اندلعت مباشرةً وحوّلت خيارات البقاء إلى خياراتٍ سياسيةٍ لا مفر منها.
ويشير مارتن، إلى أنّ مسؤولية كولونيالية تعود إلى بريطانيا؛ لأنّ مسألة تقسيم الحدود بين باكستان والهند كانت معقدةً وغير موضوعيةٍ منذ البداية، فقد تم "تكليف رجلٍ واحدٍ بمهمة تقسيم بلد يضم 400 مليون نسمة، ربع سكانه من المسلمين، على الأقل، وهذا الرجل هو سيريل رادكليف، وليس سوى محامٍ بريطاني، أوكلت إليه مهمة تقسيم أراضي البنغال في الشرق، والبنجاب في الغرب، دون أن يكون دقيقاً أو يستخدم دراساتٍ جغرافية وديموغرافية وثقافية كافية لأجل مهمته التي لم تستغرق سوى أسبوعين على أكثر تقدير".

بالأصفر موقع إقليم كشمير الذي يمثل صراعاً لا ينتهي بين الدولتين

وكما يذكر التاريخ، فإنّ الرجل الملقّب بـ"قائد باكستان الأعظم" وهو محمد علي جناح، اعترض على التقسيم قائلاً إنّه حصل على "باكستان أكلها العث، لأنّها مشطورة إلى شطرين يفصل بينهما مئتا ألف كيلومتر من الأراضي الهندية". وهكذا، بدأ بلدان بالكاد حصلا على استقلالهما صراعاً دموياً متكرراً، ينطلق كل مرةٍ من إقليم كشمير الذي أصبح محل نزاعٍ دائم.

سكان البنجاب والبنغال والهند من مسلمين وهندوس أصبحوا أمام خيارات سياسية بعد التقسيم أودت بحياة الآلاف وشردت كثيرين

الإقليم، بشطريه؛ الهندي والباكستاني، لم يكن ليهدأ أبداً، حيث اندلعت حرب أخرى قصيرة العام 1965 على الإقليم، سرعان ما تدخلت الأمم المتحدة لإنهائها، لكن الفترات اللاحقة، شهدت توتراً داخلياً في باكستان إثر مطالباتٍ من البنغاليين بالانفصال، وهو ما حصل حين اندلعت حرب ثالثة في 1971، بدعمٍ من الهند، انتهت بهزيمة باكستان. ومن ثم ظهور دولة بنغلادش بعد توقيع اتفاقية أنهت الحرب بين الرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو (الذي أُعدم 1977)، ورئيسة الهند أنديرا غاندي (التي شاركته مصيراً مشابهاً عندما اغتيلت العام 1984). وكان مصير القادة السياسيين في البلدين معقداً خلال تلك الحقبة من الزمن، فهم إما ضحايا لنتائج الحرب بين البلدين، يعلو نجمهم أو يسقط وفقاً لانتصارهم أو فشلهم فيها، أو يكونون ضحايا أزمات الهند والباكستان الداخلية.

كان مصير القادة السياسيين في البلدين معقداً

هذا الصراع، تحول إلى حالةٍ دولية، تحكمها مصالح الدول مسلمةً كانت أم غربية، فإيران لعبت على ورقة كشمير؛ إذ بقيت تساند الباكستان ضد الهند حتى العام 1971، حين هزمت باكستان في الحرب، "فوقفت إيران مع الهند، بينما حاولت الصين احتلال أجزاءٍ من الإقليم لمصالح جيوسياسية توسعية ضد الهند، مما جعلها حليفةً لباكستان، خاصةً أنها كانت تعادي أمريكا في ذلك الحين، بينما بقيت أمريكا داعمةً للهند، فيما دعم الاتحاد السوفيياتي الهند لفترة، والدولة الأخيرة الفاعلة في الصراع بعد مرحلة السبعينات، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي رأت في إيران دولةً معادية للعرب، مما حدا بها دعم باكستان لوجستياً وسياسياً وبناء علاقات إيجابيةٍ معها ضد صراعها مع الهند"، وفق الدراسة السابقة.

اقرأ أيضاً: العرب والورقة الباكستانية
ولعلّ أسباب صراع باكستان والهند على إقليم كشمير، تبدو ذات جانبٍ طائفي أو ديني، يتعلق بالهندوس والمسلمين بالدرجة الأولى، غير أنّه توجد أسبابٌ عملية أكثر أهمية ربما، بالنسبة للسياسيين والعسكريين من الطرفين.

عمق الصراع

لماذا كشمير مهمة؟ إنّ إجابة هذا السؤال ليست متعلقة بالجانب الطائفي فقط، بل على العكس، يمثل إقليم كشمير الحالة الأولى للتعايش التي شهدتها الأراضي الشاسعة لأقاليم البنجاب والبنغال، حين كانت أرضاً واحدة، بين مختلف الطوائف من مسلمين وغير مسلمين. غير أنّ الصراع يحتدم اليوم بين دولتين نشأتا ضد تلك الحالة الأصلية. مما جعل أهمية الإقليم بالنسبة للهند، تتركز أولاً في "أهمية استراتيجية أمام الصين خاصة بعد أن تمكنت من السيطرة على التبت، وتطور النزاع الهندي الصيني حينذاك على طول الحدود في جبال الهملايا كما أنّ الهند تعتبره امتداداً جغرافياً وحاجزاً طبيعياً أمام فلسفة الحكم الباكستاني القائم على أسس دينية، الأمر الذي يهدد الأوضاع الداخلية للهند ذات الأقلية المسلمة كبيرة العدد، زد على ذلك خوف الهند من استقلال كشمير على أسس دينية أو عرقية؛ لأن ذلك سيؤدي إلى فتح باب لا تستطيع الهند أن تغلقه أمام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب فيها عرقية معينة أو يكثر فيها معتنقي ديانة معينة ربما تطلب الاستقلال"، بحسب كتاب "تاريخ العالم الإسلامي المعاصر" لمحمود شاكر ياغي.

بين قادة البلدين دعوات كثيرة للصلح انتهت جميعها بالحرب

ويضيف شاكر في كتابه أنّ باكستان تتطلع إلى الإقليم من زاويةٍ أخرى، تتمثل في"وجود الأنهار التي تعد المورد الرئيسي الذي تستفيد منه باكستان في الفلاحة والزراعة، وهي تنبع من الإقليم فيما مصادرها تأتي من أقاليم؛ السند، جليم، جناب. كما تعتبر كشمير بمثابة خط دفاعٍ حيويٍ لباكستان، واحتلالها من قبل الهند سيهدد كيان باكستان، ثم إنّ غالبية السكان مسلمون ويبلغ عددهم حوالي %85 من سكان الإقليم".

مسألة تقسيم بريطانيا للحدود بين باكستان والهند كانت معقدة وغير موضوعية منذ البداية

بالنسبة للدولتين، كل هذه الأسباب تشكل صراعاً لا ينتهي، لكن يبدو أن خروجهما كدولتين مستقلتين إلى العالم، بقي مرتبطاً بالصراع على الإقليم لا على حل الخلافات بشأنه، بل وتعدم الدولتان فكرةً ساخرة، يتم التنويه إليها بفضل تدخل الاستعمار بترسيم حدود البلاد والخرائط التي يمنحها استقلالها، إن صح التعبير، إذ يقال: "إقليم كشمير تم تركه من أجل الحرب لا من أجل السلام"!

في العام 1999، أطلقت الهند سراح أحد من تعتبرهم إرهابيين، وهو "مولانا مسعود أزهر" الذي تم إطلاق سراحه بصفقة تبادل بعد خطف طائرةٍ هنديةٍ إلى أفغانستان وإبدال ركابها بأزهر واثنين من رفاقه تحت إشراف حركة طالبان. وكما يشير موقع "سبوتنيك" في تقريرٍ له بتاريخ 27 شباط (فبراير) الماضي، فإنّ "أزهر أسهم في تأسيس وقيادة حركة (جيش محمد) بالإقليم، وهي حركة تطالب بتحرير الإقليم من أي سيطرةٍ هندية، من خلال القوة والحرب، مما جعل الهند تكيل الاتهامات لباكستان بدعم الحركة، إلا أنّ هذه الحركة زادت كل شيءٍ تعقيداً؛ لأنها استهدفت باكستان كذلك بعمليات انتحارية ومحاولات اغتيال لقادتها وغيرها من أعمال".

اقرأ أيضاً: التصعيد الهندي الباكستاني.. إلى أين يصل؟
وبحلول العام 2003، وافقت الهند وباكستان على وقف إطلاق النار بعد عقودٍ من الصراع الدموي على طول الحدود الفعلية بين البلدين، والمعروفة باسم خط المراقبة. ولكن العام 2014، حمل معه حكومةً هندية جديدة إلى السلطة، أقرت القيام بإجراءات متشددة ضد باكستان، وفي الوقت نفسه أبدت استعدادها للخوض في محادثات سلام. وحضر نواز شريف، رئيس وزراء باكستان آنذاك، مراسم أداء اليمين الدستورية مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في دلهي.
وعادت المناوشات من جديد بين البلدين، والتصريحات العدائية أخذت تتصدر الأنباء بينهما من جديد، إلى أن حل العام 2018، حيث قتل خلاله "أكثر من 500 مدني وعسكري في الصراع بين البلدين" بحسب التقرير ذاته، وعاد العام 2019 حاملاً معه حادثة إسقاط الطائرات بين الدولتين.
خلال تلك السنوات الطويلة من الحروب، ظل زعماء الدولتين يصرون على تحقيق السلام! رغم بقاء الجيش والجنود على حدود البلدين في الجبال الواقعة بينهما في حالة تأهب دائم، وفي فترات الهدوء حيث لا اختراقات حدودية ولا توترات أو قتال، يقاتل أولئك الجنود هناك الأحوال الجوية الصعبة، التي يكاد يستحيل التفوق عليها، ويصمدون في وجهها، متربصين مستقبلاً مجهولاً قد يحمل احتمالات حرب أخرى.

اقرأ المزيد...

الوسوم: