بعد انكسار أجنحته الإعلامية في معاقله الرئيسة.. داعش ينقل ثقله الإعلامي لأفغانستان

36314
عدد القراءات

2018-07-17

"فرسان الاستشهاد" فيلم جديد لتنظيم داعش

مع تراجع القوة العسكرية لتنظيم داعش في مناطقه الرئيسة، في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، خفتت القوة الإعلامية له تبعاً لذلك، فبعد أن وصل الحد لإصدار التنظيم لفيديو يومياً، يظهر فيه عملياته ويوجه رسائله في اتجاهات عديدة، لم يعد يصدر سوى القليل من تلك الإصدارات المرئية كل عدة شهور عبر مؤسساته الإعلامية.

إلا أنّ التنظيم اختار أن يبثّ مقطع فيديو جديداً معنوناً بـ"فرسان الاستشهاد"، مدته 23 دقيقة تقريباً، هذه المرة من الأراضي الأفغانية، التي تشهد صراعاً دموياً ومحتدماً بينه وبين حركة طالبان وتنظيم القاعدة من جهة، وبين الحكومة الأفغانية والقوات الدولية المتحالفة معها من جهة أخرى.

يتشابه إخراج الفيديو مع الفيديوهات التي تنتجها داعش من بقية أفرعها الأخرى

تبدو الإشارة المبدئية في إصدار التنظيم، في أنّه فتح دائرة صراع جديدة وبعيدة عن معاقله الرئيسة؛ حيث الحدود مع روسيا وإيران والصين وباكستان، بعد أن دعا عناصره والراغبين في الالتحاق به، إلى الهجرة إلى أفغانستان، باعتبارها أرضاً مباركة، وهو ما كشف عنه التنظيم في أعداد سابقة لجريدة "النبأ الإلكترونية" الصادرة عنه.

يتشابه إخراج الفيديو مع الفيديوهات التي تنتجها داعش من بقية أفرعها الأخرى، كما تتشابه مضامين محتواه مع أمثاله؛ فالمشاهد الأولى تظهر طائرات أمريكية حديثة، وهي تنطلق في السماء لتضرب أهداف للتنظيم لينطلق صوت المعلق قائلاً: "لقد طغت ملّة الكفر في استخدام ترسانتها العسكرية المعاصرة".

لا يشير صناع الفيلم إلى أنّ اللقطات الأولى هي أرشيفية بثها البنتاغون

يحاول الفيلم الادعاء، بأنّ أسباب تراجعه هي استخدام تلك الترسانة من خلال إظهار مشهد لتلك الطائرات، وهي تلقي بقنابل كيميائية وفسفورية سامة، ثم ينتقل من السماء إلى مشاهد سريعة على الأرض تظهر أعداداً من قتلاه، يحاول أقرانهم إسعافهم ولملمة أشلائهم، دون أن يكون هناك إثبات بأن تلك الطائرات التي يصعب على التنظيم التقاط صور لها وهي في الجو، هي من قصفت عناصره بتلك المواد السامة، كما لا يشير صناع الفيلم إلى أنّ اللقطات الأولى هي أرشيفية بثها البنتاغون في تاريخ قديم لإظهار قدرات تلك الطائرات أثناء التدريب.

الإشارة المبدئية في إصدار التنظيم هي فتحه دائرة صراع جديدة وبعيدة عن معاقله الرئيسة

في المشهد التالي مباشرة، ينتقل المعلق للقول إنّ أسباب تلك الهجمات هي محاربة الإسلام، والترويج لمشروعات الديمقراطية والعلمانية "الشركية"، لتحلّ محل الشريعة الإسلامية، وفي سبيل ذلك أنفق هؤلاء أموالاً طائلة حتى يردوا المسلمين عن دينهم، وهناك من استجاب.

لا يختلف الخطاب الداعشي عن سابقه، فهو يجهز للبدء في التبرير لهجومه على طوائف مجتمعية أو مختلفين معه في الاتجاهات الفكرية والسياسية، باعتبار هؤلاء حلفاء من يحاربون الإسلام، ومن يقفون معه في خندق واحد، لذا فقتالهم واجب.

يقدم الفيلم عدداً من صور عناصره الذين دفع بهم للانتحار في صفوف أعدائه، فيأتي صوت المعلق "لم تبال طائفة من المسلمين بكل هذه المشروعات، فأبهروا العالم بصنيعهم، إذ جعلوا أنفسهم فداء لهذا الدين".

يقدم الفيلم عدداً من صور عناصره الذين دفع بهم للانتحار في صفوف أعدائه

يبدو هؤلاء الشباب كقرابين يقدمها التنظيم لتخليص الأمة من الكفار الذين يقصفون بالأسلحة الكيماوية من يريد تطبيق الشريعة في المشاهد الأولى للفيلم، الذي يأتي مرتباً ومتسلسلاً، كلّ مشهد فيه يؤدي للذي يليه.

إلا أنّ فرع التنظيم في أفغانستان، للمرة الأولى، يقدم نموذجاً مصوراً للأب الذي يدفع بابنه لتنفيذ عملية انتحارية، حتى يتحقق مفهوم القربان بشكل مثالي، بحسب اعتقاد التنظيم!

اقرأ أيضاً: فيلم "فتح واشنطن 2" .. داعش يبحث عن وهم الانتصار

يظهر الأب الفرح المبتسم، وهو يمسك بيد ابنه ليدفع به في اتجاه السيارة المفخخة، وتظهر الكاميرا معالم الابن وهو يلقي ابتسامة مقابلة في وجوه المشاهدين، تحاول التأكيد على أنّ هذا الغلام يؤمن أنّه سينتقل بعد لحظات إلى جنان الخلد، ثم يتداخل صوت المعلق: "أبهروا العالم بصنيعهم، إذ جعلوا أبناءهم فداء لهذا الدين وأعانوهم في ربط الأحزمة والسترات".

يظهر أبو عثمان الخراساني وهو يتحدث عن فرحه بتقديم ابنه قرباناً لله

"عثمان"؛ طفل لا يبدو من ملامحه أنّه تجاوز الــ 14 عاماً من عمره، وهو أكبر أولاد أبيه، الذي يحتاج من يخدمه، بحسب المعلق، إلا أنّ أباه أعدّه لــ "الاستشهاد"، وترك ملذات الدنيا، والتعلق بالآخرة.

ومع أنّ الأحاديث التي وردت عن النبي، صلى الله عليه وسلّم، تعفي من لديه والدين يحتاجان لرعايته من النفير وقت القتال، إلا أنّ التنظيم يدشن لصورة معاكسة مأساوية، وهي الأب الذي يدفع بابنه للموت رغم احتياجه إليه.

اقرأ أيضاً: مقطع فيديو يحثّ الداعشيات على حمل السلاح والقتال ضد الأكراد

يظهر الوالد، أبو عثمان الخراساني، وهو يتحدث عن فرحه بتقديم ابنه قرباناً لله، معبراً عن شعور السعادة والرضا، لالتحاقه بــ "دولة الخلافة"، ثم يذهب الفتى لتفجير نفسه في تجمع شيعي أثناء أدائه لطقوس دينية، في ذكرى زعيم الشيعة «الهزارة» عبد العلي المزاري، فتسبب عثمان بمقتل 200 من المواطنين الأفغان، وجرح مئات آخرين، قرب حسينية "الزهراء"، الواقعة في منطقة "دشت برجي" في كابل.

تسبب عثمان بمقتل 200 من المواطنين الأفغان وجرح مئات آخرين

وينتقل الفيلم إلى نموذج مقابل، وهو الأب الشاب الذي يحتضن أطفاله في مشهد وداعي مؤثر، قبل أن يذهب لتفجير نفسه، فيعلو صوت المعلق: "ومنهم من فارق أبناءه تاركاً لهم معية الله، عزّ وجلّ، لتنفيذ العمليات".

ويذهب الفيلم إلى تقديم نموذج الشيخ الطاعن في السنّ، صاحب اللحية البيضاء، والوجه المجعد، وهو يحشو بندقيته بالرصاص، ثم يذهب متكئاً على شاب في الثلاثينيات من العمر، ليواجه الأعداء على خطوط القتال، ثم تظهر الكاميرا ذاك الشيخ بعد أن لقي حتفه ولحيته مخضبة بالدماء.

بعد كل هذه النماذج، يتحدث المعلق عن أنّ هؤلاء "يسيرون على منهاج النبوة، ويطبقون الشريعة، فتحالف الصليبيون ضدهم"، وتظهر صور طائرات التحالف وهي تحلق في السماء لتلقي بالحمم على أهداف للتنظيم.

يقدم الفيلم نموذج الشيخ الطاعن في السنّ الذي يتكئ على شاب ليذهب للقتال

إلا أنّ ردّ فعل التنظيم في الفيلم لم يوجه إلى أولئك الصليبيين؛ بل إلى من تحالف معهم من الأفغان، بدعوى أنهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية، في محاولة من التنظيم لتبرير الهجمات اللاحقة على تجمعات الشيعة المدنيين في أفغانستان، فضلاً عن قوات الحكومة الأفغانية.

اقرأ أيضاً: فيلم "داعش سيناء" يكذّب "الإخوان" ويهدد بنسف المقرات الانتخابية

يظهر بعد ذلك، أنّ كلّ الانتحاريين الذين قدم لهم التنظيم في مشاهد دراماتيكية مصنوعة بعناية، فجروا أنفسهم في تجمعات الطائفة الشيعية في كابول، أثناء ممارسة شعائرهم، فذهب ضحية ذلك المئات منهم، فضلاً عن آلاف الجرحى.

الانتحاري المكنى بـ"أبي عبد الرحمن الإيراني"، يظهر ملثماً ليقول: إنّ "حكومة طهران تحارب التوحيد وأهله وتنشر الشرك"، لكنّ الرسالة الأهم من كلمة "الإيراني"، في سياقه لتبرير هجومه على طهران؛ هي أنها تحالفت مع روسيا وأمريكا لشنّ هجمات على التنظيم المبايع له في سوريا والعراق، وقاتلوا "أهل السنّة"، وارتكبوا المجازر ضدّهم.

الانتحاري المكنى بـ"أبي عبد الرحمن الإيراني"

"الإيراني"، المنتمي لداعش، الذي يكشف علاقة النظام الإيراني بحركة طالبان، ويصفها بــ "المرتدة"، يظهر لحظات الهجوم على البرلمان الإيراني وضريح الخميني، من قبل مجموعة منتمية للتنظيم، وهو الهجوم الذي نفذه التنظيم في منتصف عام 2017م، وهي العملية الأولى والأخيرة التي شنّها تنظيم داعش في قلب إيران.

يذكر أنّ تنظيم القاعدة لم يسجل عمليات ضدّ نظام الملالي في طهران، نتيجة اتفاقات تمت بين الطرفين، كشف عنها المتحدث الإعلامي السابق لـداعش، أبو محمد العدناني، خلال سجال دار بينه وبين أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، إثر الخلاف الذي شبّ بينهما عام 2014م.

بيد أنّ الرسالة الأهم في الفيلم الذي ينتجه داعش في أفغانستان؛ هي تهديده للنظام الإيراني بقدرته على شنّ الهجوم عليه مجدداً، وعلى الجماعات الموالية له في أفغانستان.

انقر على الصورة للوصول إلى رابط "الفيديو"

اقرأ المزيد...

الوسوم: