العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً

العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً
5596
عدد القراءات

2018-04-23

في توالي علاقة الإسلام السياسي مع الفضاء العام تتشكل أزمات أخرى كثيرة لا تقل أذى وخطورة؛ بدءاً بإقحام المقدس في الدنيوي واللبس بين ما هو دين وما ليس ديناً، ثم تحويل الاجتهاد الإنساني إلى دين مقدس، والفعل العقلاني لإثبات ما ليس عقلانياً أو للقبول به، أو محاربة العقلانية والأنسنة لإخضاع الأفراد والمجتمعات إلى مقولات تخالف الفطرة والطبيعة الإنسانية، وفي المقابل أيضاً تحدث متوالية أخرى من الأزمات في الردّ العلماني على الإسلام السياسي، فيتحول التنافس السياسي إلى صراع ديني واجتماعي، وبدلاً من أن ننشئ حالة من التداول السلمي للسلطة فإننا نقود مجتمعاتنا إلى حروب أهلية ودينية، ثم تسلك المجتمعات في علاقتها بالإسلام السياسي سلوكاً اجتماعياً وعشائرياً، ولا يقتصر أنصار الإسلام السياسي ومؤيدوه على فئة أيديولوجية تؤمن بأفكاره وبرامجه، لكن الأمر يمتد إلى فئات اجتماعية وإثنية وقبلية، ففي تطور الصراع تستدعي الأطراف المتصارعة كل أدوات ومصادر الحشد والتأييد، كثير من السنّة العراقيين، على سبيل المثال، انحازوا إلى داعش ليس لأسباب فكرية أو أيديولوجية.

تحدث متوالية أخرى من الأزمات في الردّ العلماني على الإسلام السياسي، فيتحول التنافس السياسي إلى صراع ديني واجتماعي

قضية العلمانية الجوهرية هي أنّ الإنسان قادر على فهم حياته وتنظيمها، وأنّ المؤسسات التشريعية المنتخبة وما ينبثق منها هي الأداة المرجعية والقياسية للعمل وإدارة الخلاف بين الناس، وليست معنية بمحتوى وطبيعة الخطاب الديني، في ذلك هي متعلقة تحديداً بعلاقة الدين بالدولة، ومن ثم فإنّ خلاف العلمانيين الأساسي مع السلطة التنفيذية وليس مع الدين أو الدعاة والجماعات الدينية. وفي اللحظة التي يتوقف نضال العلمانيين ضد الوصاية الدينية والثقافية للدولة، ولو كان هذا الدور تنويرياً، فإنّهم يخونون العلمانية ويعملون ضد الحريات واستقلال المجتمعات، ويساهمون في تكريس الاحتكار والاستبداد.

والحال أنّ الجدل الديني العلماني يحتاج إلى تحرير؛ ذلك أنّه يمضي في اتجاهات بعيدة من أهداف الدين والعلمانية معاً؛ إذ يظن كثيرون جداً من دعاة العلمانية أنّ الحكومة (المؤسسة والطبقة) حليفتهم، ويتوهمون أنّ معركتهم مع الدعاة الدينيين السياسيين هي التأثير على الحكومة لاستبعادهم من الفضاء العام. ويلجأ كثيرون جداً أيضاً من الدعاة الدينيين إلى السلطة لتحريضها على خصومهم. وفي ظل هذا الوهم، يظل النضال الديموقراطي والعقلاني يدور حول نفسه، ويظل مناضلو الحريات يهربون/ يتهربون من مواجهة الحقائق الأساسية: من هم وماذا يريدون؟ وأين تقف النخبة السياسية والاقتصادية بالنسبة إلى رؤيتهم أنفسهم ومجتمعاتهم؟

قضية العلمانية الجوهرية هي أنّ الإنسان قادر على فهم حياته وتنظيمها والمؤسسات المنتخبة هي الأداة المرجعية والقياسية للعمل

أسوأ ما يقع فيه دعاة الاعتدال والتنوير (من متدينين أو علمانيين أو علمانيين متدينين)، أن يراهنوا على الحكومات في رسالتهم، ليس فقط لأنّ الحكومات (المؤسسة والطبقة) لا مصلحة لها مع الاعتدال والتنوير، وليس فقط لأنها المسؤولة عن الحالة السائدة وأنّها أنتجتها بوعي مسبق وأنفقت عليها المليارات من الضرائب والموارد العامة والتبرعات والمنح، ولكن أيضاً لأن السلطة السياسية لا يمكنها حتى لو أرادت بصدق وجدية، أن تقوم بدور تنويري. يكفي الحكومة أن تحرر المناهج التعليمية من الضعف والخواء، وأن تضعها على نحو عام في اتجاه الإبداع والتفكير الحر والنقدي والمهارات الحياتية والعلمية والإبداعية، ثم يمضي المواطنون في الاتجاهات والأفكار التي يختارونها، ولا بأس بذلك في ظل الالتزام بالقانون.

ما يجتهد فيه اليوم علمانيون ومتدينون من أجل التوفيق بين الدين والديموقراطية، ودرء التناقض والاختلاف بين الدولة المدنية والإسلام لا يفيد في شيء، بل يلحق ضرراً بالدين والعلمانية والسياسة، ويحرف النضال الاجتماعي والسياسي عن غاياته وأهدافه، بما هي الحريات والازدهار في ظل ولاية الناس على السلطة والموارد، وأن الإنسان قادر وحده على إدراك وتمييز، لا يضيف بعد ذلك التوفيق شيئاً (سواء كان صحيحاً أو متوهماً) إلى الحياة العامة والعقد الاجتماعي سوى أنه يزين الوصاية الدينية والسياسية على المواطنين ويسلبهم الولاية على شؤونهم.

يكفي الحكومة أن تحرر المناهج التعليمية من الضعف والخواء، وأن تضعها على نحو عام في اتجاه الإبداع

وأفضل ما تفعله الحكومة هو الحياد تجاه الدين والثقافة، وأن يتحول الجدل الديني والثقافي إلى حالة مجتمعية وخلاف وجدل اجتماعي، وأن تكون الحكومة ضامناً لسلمية هذا الجدل والتزامه بالقانون، وأن تساعد المجتمعات على تنظيم نفسها واستقلالها. وهذا ما يجب أن تناضل لأجله تيارات العقلانية الاجتماعية والأخلاقية، أن تظل متمسكة بخيار العمل لأجل اتجاهات وقواعد اجتماعية لهذه التيارات، والأهم دائماً أن توجه نضالها وتأثيرها باتجاه السلطة السياسية والمؤسسات الرسمية لتلتزم الحياد في دورها الديني وفي موقفها المؤسسي والقانوني والإنفاق العام، بمعنى وقف الدور الرسمي في إدارة وتولّي الشأن الثقافي والديني والتعليم الديني، وردّ التشريعات والقوانين المنظمة لحياة الناس وعلاقاتهم إلى الدستور والمواطنة بما هي قائمة على العدل وولاية الشعب على السلطة. فليس ثمة فرق في الهيمنة والوصاية الدينية والثقافية التي تمارسها السلطة التنفيذية، سواء كانت هذه الوصاية لأجل التنوير والاعتدال، أو لأجل التعصب والجمود.

الاجتهاد الإسلامي السياسي في التوفيق بين المدنية والإسلامية يضر بكليهما، والاجتهاد العلماني في التناقض بين الدين والعلمانية لا يفيد العلمانية ولا يضر الإسلام السياسي، ليس ثمة مخرج سوى الفردية الدينية ووقف كل محاولات فرض تعاليم وأفكار دينية على الناس، وفي المقابل أيضاً وقف كل محاولات منع الناس من الاعتقاد أو التفكير أو الممارسة المتصلة بالدين طالما أنّها أفكار وممارسات فردية وشخصية مستقلة عن السلطة أو المشاركة السياسية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-24

انتخابات بطعم الهزيمة للثورة الإسلامية وللمشروع الإيراني برمّته، عكستها نسبة المشاركة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية منذ انطلاق الثورة قبل أربعين عاماً، والمشكوك أصلاً أنّها وصلت "42%"، حسب إعلان وزير الداخلية الإيراني، والذي بررها بأسباب مرتبطة بـ "الأحوال الجوية التي شهدتها إيران يوم الانتخابات، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، فيما قال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر وكثفته مع اقتراب موعد الانتخابات ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحججوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

يواجه مشروع الثورة الإسلامية في إيران مأزقاً حقيقياً إذ يطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية وتساؤلات حول مستقبله

ما سبق ذرائع لكنها تجانب الحقائق التي تقول مخرجاتها إنّ مشروع الثورة الإسلامية في إيران يواجه مأزقاً حقيقياً، وصل ذروته، ويطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، ويطرح تساؤلات جادة وعميقه حول مستقبله.
لا يمكن اليوم للمحللين والمعنيين بالشأن الإيراني أن يتعاملوا مع رواية وزير الداخلية الإيراني ولا حتى تصريحات المرشد إلا بوصفها منفصلة عن الواقع؛ فانخفاض نسبة الاقتراع كانت تحدياً معروفاً يدركه المرشد الأعلى للثورة ومعه رئيس الجمهورية، اللذان نزلا بثقلهما لمخاطبة الشارع باستعطاف غير مسبوق، وبخطاب يخلط بين الديني والوطني لدفع الغالبية من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، فيما كان تمديد الاقتراع لساعتين إضافيتين يؤكد أنّ التمديد جاء لتجاوز عتبة الـ "40%" للاقتراع، في الوقت الذي لم يكن قرار التمديد بسبب طوابير الناخبين الطويلة أمام مراكز الاقتراع.
تدرك القيادة الإيرانية بشقيها؛ الإصلاحي والمتشدد، أنّ العقوبات الاقتصادية وتداعياتها فعلت فعلها لدى الناخب الإيراني في ظل عجز عن مواجهة آثار العقوبات المعروفة، وخاصة الانتفاضة التي أعقبت قرار زيادة أسعار البنزين، وربما أخطأت في الاعتقاد بأنّ شعبية القيادة الايرانية ما زالت عالية بعد رد الفعل الشعبي "المبرمج" في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، تلك الشعبية التي ذهبت أدراج الرياح بعد يومين من دفن سليماني، إثر حادثة الطائرة الأوكرانية التي أعقبتها بمظاهرات عارمة نفّذها طلبة الجامعات الإيرانية، كما تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة، يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأنّ دلالات هذا الترنح ورسائله "غير المشفرة" ترد من بغداد، أقرب العواصم لطهران، رافضة مقولات المظلومية من قواعد محسوبة على المرشد الأعلى مذهبياً.

اقرأ أيضاً: المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

نسبة الاقتراع المتدنية تشكل ضربة موجعة للقيادة الإيرانية، التي أرادت أن ترسل رسالة للعالم بأنّ هناك ثقة وقبولاً شعبياً للنظام الإيراني بالداخل، وفوز المتشددين بأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان "190 مقعداً من أصل 290" فيما فاز الإصلاحيون بـ "16" مقعداً، وهو ما  يعني أنّ الانتخابات كانت بدائرة مغلقة بين المتشددين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة تمثيل النظام الإيراني للشعب الإيراني.

تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء

لقد طرحت الانتخابات الإيرانية وبصورة واضحة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، الذي لم يتعرض لامتحان حقيقي كما هو اليوم، في الوقت الذي تعرض فيه الإسلام السياسي بنسخته السنّية لامتحانات صعبة في؛ السودان ومصر والمغرب العربي، فيما امتحانه الأصعب تعيشه تركيا، تثبت اليوم أن لا فرق بين الإسلام السياسي بنسختيه؛ شيعية كانت أم سنّية، وأنّ الإسلام السياسي غير قادر على استيعاب المكونات السياسية الوطنية ومنحها فرصاً في إطار تعددية واسعة، وأنّه لا يستطيع أن يعمل إلا في إطار الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء الآخر حتى لو كان قريباً منه، وهو ما تم مع التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فرغم خلافاته مع المرشد إلا أنّه الأقرب له، رغم المرونة المزعومة التي كان يبديها في محطات مفصلية، فقد قدم غطاءات للحرس الثوري الإيراني أمام العالم، وللتذكير فإنّ روحاني هو صاحب مقولة: "إن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية وليس المرشد الأعلى للثورة".

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وإذا كانت إيران قادرة ولو بصورة محدودة أن تتواصل مع العالم الخارجي من خلال صيغة "حسن روحاني وجواد ظريف" وإرسال رسالة بأنّ هناك تياراً في إيران يمكن التفاهم معه، وتقدم من خلال وزراء إصلاحيين خطاب تهدئة للشارع الإيراني المنتفض، بوعود تخفف من حدة احتقانه، فكيف سيكون الحال اليوم بخطاب منفرد يقوده المرشد الأعلى وأعوانه، خطاب لطالما قدم الإيرانيون إجابات عليه منذ أواخر عام 2017، وكيف سيتعاطى العالم مع خطاب إيراني متشدد، مع مزيد من العقوبات الأمريكية والمزيد من العزلة الدولية لإيران؟ الإجابات واسعة ومتعددة على تلك التساؤلات وغيرها، إلا أنّ المؤكد أنّنا على أبواب إيران جديدة عنوانها التكيف مع التحولات الدولية العميقة، وليس مواجهتها والتصدي لها.

للمشاركة:

كيف نجعل من متلازمة داون متلازمة محبة؟

2020-02-24

متلازمة داون، التي تصيب نسبة قليلة من الأفراد وهم أجنة، وتسمى أيضاً "التثالث الصبغي"؛ وهي متلازمة صبغوية أو جينية المنشأ، تنتج عن تغيّر في الكروموسومات؛ حيث يتسبب وجود نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، بتغيّر في المورثات، حسب ما جاء في الموسوعة الحرة؛ ويكيبيديا. وتتسم الحالة بوجود تغيّرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، وكثيراً ما تترافق مع ضعف في القدرات الذهنية.

اقرأ أيضاً: "هدف".. مطعم مغربي يدعم ذوي الاحتياجات الخاصة
ولا يمتلك أفراد هذه الفئة المهمشة في بعض المجتمعات، كالمجتمع السوري، على سبيل المثال، إلاّ بعض الخصائص الفطرية، التي تظهر على سلوكهم مع الأفراد الأصحاء، ومع الأفراد المصابين مثلهم؛ مثل "الحب" والنقاء والصفاء.
وقبل أن أتجه إلى جمعية "أنا أستطيع"، التي تضم مجموعة متفاوتة الأعمار من أطفال وشبان مصابين بمتلازمة داون، في محافظة السويداء السورية؛ كنت أحسب أنّ "الحب" يحتاج إلى ذكاء ليصبح "فناً"، حسب رأي إريك فروم، لكنني أيقنت أنّه يحتاج إلى رعاية واهتمام، كما لاحظت في تلك الجمعية.

كنت أحسب أنّ الحب يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً لكنني أيقنت أنه يحتاج إلى رعاية واهتمام

تعدّدت أنواع الحب، وتعددت الأحاديث عنه واختلفت مقاربات الفلاسفة والمفكرين لـ "الحب اللاهوتي" و"الحب العذري" و"الحب الحسي"، الذي أصبح عيد الحب موسوماً به عند بعض المجتمعات، أما تلك الفئة فإنّ أفرادها لا ينشدون عيداً للحب؛ بل ينشدون عالماً يسوده الحب النقي، المجرد من كل ما يوصف به وكل ما ينسب إليه من أنواع وأنماط، إنهم ينشدون أن يقابلوا بابتسامة تشبه ابتسامتهم، ونظرة مهتمة، بريئة من أمراض التمييز والتباهي والتعالي والتعصب التي يتصف بها كثير من الأفراد العاديين.
لعلّ مبعث الحب الذي يغمر أرواحهم البريئة ويفيض عنها ابتسامات عذبة، أنّهم لا يعرفون الكذب، ولا يستطيع أحدنا أن يكذب عليهم؛ لأنهم يفهمون العالم والناس بحواسهم وفطرتهم، لذلك يمكن أن نتعلم منهم أنّ الحب لا يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً، بل يحتاج إلى صدق، ولا بأس بالذكاء.

اقرأ أيضاً: بمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون.. شاهد كيف تحتفل أمهات بأطفالهن المصابين
تبعث السيدة "حياة"، التي أسست جمعية "أنا أستطيع"، في كل لحظة، الحياة والحب في قلوب أفراد يعتبرهم المجتمع مرضى "غير عاديين"، وينظر إليهم بازدراء وقسوة، علّمتهم الأعمال اليدوية؛ كصناعة الإكسسوارات النسائية بالخرز والإبرة والخيط، رغم أنّ جميع من في الجمعية ذكور تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاماً، وعلمتهم صناعة ذوات حرة ومستقلة عن التبعية الاقتصادية، كي لا يكونوا عالة على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعتبرهم كذلك.
وتساعد الجمعية هذه الفئة، التي تعاني من أشد أنواع الإقصاء؛ ابتداءً من المجتمع وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية؛ كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتأهيل الذهني والنفسي، في تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية على أدنى تقدير؛ فالجمعية قائمة على التبرعات من المجتمع الأهلي والأقارب والأصدقاء.    
تلك الفئة، صاحبة الكروموسوم الزائد في جيناتها، الذي يبدو أنّه يمنحها الابتسامة الدائمة والحب الفطري، الذي لا يعرف التفريق بين إنسان أبيض وآخر أسود، ولا يعرف التفريق بين مسلم أو مسيحي، ولا يعرف التعصب السياسي أو الديني أو الاجتماعي، مع هذا كله فهي فئة تعاني من الإقصاء وأقصى درجات التهميش من قبل المجتمع والدولة.

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف والصراعات

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف، والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، وتعاني أيضاً من نزاعات مسلحة تتآكل خلالها البنى الاجتماعية والبنى التحتية للدولة. هذه العوامل تتسبب في تهميش الأفراد الفاعلين والفاعلات، والمتفاعلين والمتفاعلات، في المجتمع، وتقضي على كل أشكال الحب والتواصل الإنساني؛ ليحل محلها الدفاع البدائي عن النفس من أجل البقاء، فكيف لا تُهمش فئة ساكنة لا تجيد الفعل أو التفاعل في المجتمع.
لكنّ السيدة "حياة"، تجاوزت كل هذا التهميش وعملت على بناء القدرات الذهنية لتلك الفئة وإدماجها في المجتمع والمؤسسة التربوية والتعليمية، لتصبح فئة فاعلة، تجيد العمل والرقص والآداب العامة؛ كإلقاء التحية وآداب الطريق وآداب الطعام واللعب، وتجيد التواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك أنّها أصبحت فئة مُنتِجة تستطيع أن تعتمد على ذاتها في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الإعاقة الحركية لا تمنع ممارسة الكاراتيه في غزة
قبل 6 أعوام، صادقت اليابان على اتفاقية "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة"، بعد أن أصدرت قانوناً يحمي هؤلاء الأشخاص، ويعاقب كل من ينظر إليهم نظرة ساخرة أو يعنّفهم جسدياً ونفسياً، كما جهزت لهم تسهيلات في الأماكن العامة، والطرقات ووسائل النقل، وأحدثت مراكز للتنمية الذهنية والتأهيل النفسي، ممّا جعلهم يندمجون في المجتمع بشكل طبيعي، ويشعرون بذواتهم وعدم اختلافهم عن بقية أفراد المجتمع، مع أنّ تلك الخطوة أتت متأخرة بالنسبة لبلدٍ مثل اليابان.

من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد والتفاوت في الإنسانية والمواطنة غير المتساوية

إذن، الدولة هي المسؤول الأول عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب، بحسب تعبير "ماركس"، من ثمّ المجتمع، الذي هو جسم الدولة وروحها الديناميكية، فإذا اعتنت الدولة بجسمها وروحها ستكون بعيدة عن الأمراض الاجتماعية، ومن أخطر هذه الأمراض؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد، والتفاوت في الإنسانية، والمواطنة غير المتساوية، كما هي الحال في سوريا، التي تعاني من حرب أنتجت ضعفاً وترهلاً في الحياة الاجتماعية (الإنسانية) وأزمات اقتصادية تسببت في عدم القدرة على احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن وغيرهم من القوى غير الفاعلة في المجتمع، والعاجزة عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيها الحق بالفعل والتفاعل.
فعندما تنعدم خيارات الأفراد، يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، لينتج هدراً لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي؛ "هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها"، فإذا كان الفرد هو المحور الأساسي في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة، فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة؟ هل سترتقي إنسانيتنا يوماً فننظر إلى المصابين بمتلازمة داون وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، نظرة إنسانية بعيدة عن التمييز العقلي؟

للمشاركة:

لماذا جعلوا منك وحشاً؟!

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2020-02-23

في المقال السابق "ضروريات أم كماليات" أشرتُ إلى أنّ المجتمعات التي تُنتِج أنظمتها الفقرَ والجوعَ أو الوفرة المزيّفة، تنغلقُ الكماليات فيها على مضامين مخادعة، تُشتت الانتباه عن معناها الحقيقي، فتبتعد عن كونها ما يجب أن يكمل الوجود الإنساني ويرتقي به، إلى صياغةٍ عارضة، تنحصر في جملة الأشياء الماديّة، والتي لا يشكّل غيابها نقصاً في الحياة، وإنما نقص في كينونة الفرد. إنّ تعميم الفهم الضيّق للكماليات، هو الطريق المختصر للكسب أمام أيّة سلطة، ومهما كان نوعها، فحيث يمكن تحويل الإنسان إلى مستهلكٍ ومستهلكٍ فقط، يصبح بالإمكان بيعه حتى الأوهام والشعارات والكلام الفارغ، وعندما تتمكن القيم الاستهلاكيّة منّا، لن يسفر الوجود سوى عن الوجه العدائي، وهناك سيرافقنا شعورٌ دائمٌ بالخوف والاغتراب.

وهم التملّك يضع الجميع بحلبة صراع داخل فضاء استهلاكيّ كتعويض مجوّف لفراغ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات

كيف يصبح الوجود عدائياً عندما تطغى القيم الاستهلاكيّة على الفرد؟ قد تسعفنا اللغة في توضيح ذلك، فليس من قبيل المصادفة أنّ الاستهلاك الذي يسم وجودنا، يصبّ جذره الثلاثي (هلك) في الهلاك، وهنا تتضح الصورة؛ إذ إنّ هناك علاقة مع الوجود ولكنها تقوم على الموت، وهذا ما بيّنه "إريك فروم" في كتابه "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، "ففي نمط الملكية لا توجد علاقة حيّة بيني وبين ما أملك، فأنا وما أملك أصبحنا جميعاً أشياء، أنا أملكها لأن لديّ القوّة على امتلاكها، ولكن ثمة علاقة عكسيّة أيضاً، فهي تملكني أيضاً لأن إحساسي بهويتي يتوقف على ملكيتي لها، إنّ نمط الملكيّة لا يقوم على صيرورة حيّة ومثمرة بين الذات والموضوع، وإنما هي علاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء، والعلاقة بينهما علاقة موات وليست علاقة حياة".

اقرأ أيضاً: مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟
فنمط الملكيّة كما يذهب إليه "فروم" يتجه إلى تشجيع الجوانب الاستهلاكية والأنانية في الفرد، ويجعل من العلاقات التنافسيّة العلاقات الوحيدة التي تربط الأفراد ببعضهم، وهذا ما يتيح للجشع والغيرة والضغينة أن تطفو على وجه العلاقات كافةً، ليُفرد المجال كاملاً للعنف كي يصبح العملة الوحيدة المتداولة بين الجميع، لهذا لا يرى "فروم" فرقاً في تطور الشخصيّة التملكيّة من نمط الاكتناز في الماضي، إلى نمط الاستهلاك الواقع الذي يقوم على شراء الأشياء ليتخلّص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، فليس التناقض بين هذين النمطين، في رأي "فروم"، سوى تناقض سطحيّ، فإذا ما نظرنا إلى الأشياء في كلا النمطين، سنجدها تفتقر إلى الطابع الشخصي في علاقة المالك بما يمتلك، الطابع الذي يمنح الأشياء قابليّة الاستعمال ويحررها من الاستهلاك والنفاد، أو بعبارة أخرى: يعيد الوعي إلى العلاقة بين الذات والموضوع.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟
إنّ وهم التملّك يضع الجميع في حلبة صراعٍ داخل فضاءٍ استهلاكيّ عام، لا يتعدّى كونه تعويضاً مجوّفاً لفراغٍ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات، كما يمكن أن يكون مؤشراً على إفلاسٍ روحيٍّ حاد، عندما لا تتحقق ذات الفرد إلّا من خلاله وبه؛ وهنا قد ندرك "لماذا  يعمل الأفراد لساعاتٍ إضافية، ثم  يشترون أشياء ليسوا بحاجتها وقد لا يحتاجونها"، هذا اللهاث المسعور خلف المادة سيضفي على الوجود سمة (الإنهاك)، فالكل يلهث خلف الشيء طالما رغبة التملّك تهرشهم، وبالطبع كلّما ازداد منسوب التملّك، سيزداد منسوب الفقر الإنساني والتوحش، وبهذا تشرّع الملكيةُ الأبواب على العنف، وكل الحروب منذ اللحظة تصبح مبرّرة وشرعيّة طالما أنّ أوهام السيطرة والتملّك تدغدغها وتغلّفها بنكهة العدالة.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟
فتَرافق نمط التملّك، مع بدايات التاريخ الذي دُوّن بأسماء ملوكه، أسس لتراتبيات اجتماعيّة، استندت إلى تقسيماتٍ طبقيّة، حدّدت هويّة الفرد بحجم ملكيته، وبهذا  أخذ التاريخ شكل صيغٍ نهائية قررت بحزمٍ شكل العالم، لقد أصبح العالم عالمين؛ عالم الأغنياء وعالم الفقراء، عالماً مسوّراً بكماليات مزيّفة، وعالماً يرزح تحت وقع الضرورة، وبينما تصبح الملكية مفتاحاً لكل الأبواب لدى الأغنياء، تفقد الكماليات طابعها الجوهري في إكمال الوجود، وتُمسَخ إلى مجرّد صيغة محددة تنحصر في تملّك الأشياء والاستحواذ عليها، وهذا قد يوضح لماذا تحاول أي سلطة على الإطلاق تشييء أفرادها، فليس أسهل من السيطرة على من نُزعت عنه حريته وكرامته الإنسانية، الفرد الذي يمكن وضعه في أي علبة. 

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
في عالم الفقراء يأخذ الفرد صورة متسولٍ للحياة، وتصبح الضرورة  عالمه الوحيد، ففي هذا العالم لا يعني الفرد سوى البقاء على قيد الحياة؛ فالاحتياجات التي لا يميت غيابها وإنما تجعل الحياة أكثر مشقّة تتنحى جانباً، ولا ضير أن يتحمل الفقراء المشقات طالما مُنَّ عليهم بنعمة الحياة، بينما لا مشكلة بتاتاً في هكذا عالم، العيش من دون الكماليات التي تصبح من المنسيات، ويقتصر وجودها على حلمٍ يشطح به النوم. حقاً الحياة صعبةً هنا، ولكن هناك من يريدها كذلك، إنهم المستثمرون الكبار في عالم الخوف والجوع، الذين يعلمون أنّه لا يمكن ترويض الإنسان إلّا إذا أصبح وحشاً، وما الذي يمكن أن يحوّله إلى وحشٍ، أفضل  من صراعه على لقمة العيش؟

يوماً ما سيتفتح أطفالنا على ما قاله تشيخوف: في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه وروحه وأفكاره

قد تأخذ هذه القصة منحىً عدمياً إذا سلّمنا بأنّ هذه التقسيمات تقسسيمات نهائية ومطلقة، ستصبح كذلك فقط إذا صدقنا واستسلمنا لذلك، وهو ما أراده التاريخ لنا دائماً، ولكن التجربة الإنسانية تحمل إمكانات مفتوحة على احتمالات شتى، وقد يدعم حدوث الاحتمالات الجيدة وعيٌ جديد ومختلف، وهذا ما بدأ يتشكّل في مساحات واسعة من مجتمعاتنا، فقد تمكّن هذا الوعي من كشفٍ واقعيّ للتناقض الذي مارسته العقائد بفخرٍ وتبجح وغباء، وأنّ القيم الكاذبة التي تحرسها، هي المسؤول الأول عن انحطاط الإنسان وكرامته، لذلك فإنّ الصرخات التي دوّت في معظم ساحات مجتمعاتنا، جاءت لتأكيد هذا الوعي الذي بدأ يدرك ما قصده "فروم"، فما كان يتبنّاه من إرادة، ليست إرادته، ومن رغبات ومشاعر، ليست رغباته ومشاعره، وإنما فرضتها الأنماط الاجتماعية التي جعلت من رغباته رغبات مصنوعة ومكيّفة.
ما دامت رحلة الألف ميل  تبدأ بخطوة ، يوماً ما ستختفي مفاهيم كالضرورة والحاجة والكمالية من معاجم اللغة، هذه التقسيمات التي ترهق كاهل الفقراء ستزول وسيزول معها صيغ التفضيل، ليصبح كل ما يحافظ على الوجود وما يدعمه وما يكمله بنفس ذات الأهمية، فلن يكون هناك ما هو مهم وما هو أهم، الجميع سيحظى بفرحه الإنساني، فقلم حمرة لامرأة وزجاجة عطر لرجل ولعبة بين يدي طفل، ليست بأقل أهمية من لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة، وجميعها ليست بأقل أهمية من رغيف الخبز، يوماً ما سيتفتح أطفالنا على أغصان ما قاله "تشيخوف" "في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه، وروحه، وأفكاره"، وإلى ذلك الحين ستولد كل صرخاتنا من الجملة الشهيرة  "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".

للمشاركة:



آخر تطورات المعارك في إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إنّ قوات النظام تواصل تقدمها جنوب مدينة إدلب بغطاء جوي روسي، وتمكّنت من السيطرة على المزيد من المناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها خلال الساعات الماضية إلى 7 مناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في محافظة إدلب منذ بدء العملية العسكرية، في الـ 24 من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، إلى 109.

إلى ذلك، تواصل الطائرات الحربية الروسية قصفها المكثف على حماه وإدلب؛ حيث ذكر المرصد استهداف تلك الطائرات بعد منتصف ليل الأحد – الإثنين وصباح اليوم، لأماكن متعدّدة بريف إدلب، وريف حماه، بالتزامن مع قصف صاروخي تنفذه قوات النظام بشكل متجدّد على المناطق ذاتها.

ووقعت اشتباكات وقصف برّي متبادل بين فصائل مسلحة مدعومة من تركيا من جهة، وقوات النظام من جهة أخرى، على المحاور شرق مدينة إدلب، بالقرب من طريق."m4"

قوات النظام تتقدم جنوب إدلب بغطاء جوي روسي وتسيطر على 7 بلدات بعد الاشتباك مع الفصائل الموالية لتركيا

ووثّق المرصد مقتل 11 عنصراً من الفصائل، بينهم 7 من المتشددين، وذلك خلال الاشتباكات والقصف على محورَي الشيخ دامس وحنتوتين، فيما قتل 8 من قوات النظام خلال الاشتباكات ذاتها.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قد دعا، الجمعة، لوقف إطلاق النار فوراً في إدلب "لإنهاء الكارثة الإنسانية، وتجنّب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه"، مضيفاً: "ليس هناك حلّ عسكري للأزمة السورية، الحلّ الوحيد ما يزال سياسياً"، مؤكداً أنّه "من المهم كسر الحلقة المفرغة للعنف والمعاناة"، ومعرباً عن قلقه مع اقتراب المعارك من مناطق ذات كثافة سكانية.

يذكَر أنّ هجوم قوات النظام في إدلب، منذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، دفع بنحو مليون شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى ترك منازلهم، منهم 170 ألفاً يقيمون في العراء، كما أسفر عن مقتل أكثر من 400 مدني، بحسب المرصد.

 

للمشاركة:

اليمن: كيف وظّف حزب الإصلاح التنظيمات الإرهابية في تحقيق أهدافه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

يواصل حزب الإصلاح الإخواني في اليمن دعم التنظيمات الإرهابية، كداعش والقاعدة، وتمويلها؛ حيث حوّل مدينة مأرب، وهي قاعدة الإخوان الرئيسة باليمن، إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية، وكذلك الأمر بوادي محافظة حضرموت.

 

 

ويستخدم حزب الإصلاح تلك التنظيمات المتطرفة كورقة ووسيلة ضدّ المعارضين له، كالمجلس الانتقالي وقيادات الحزام الأمني والنخبة، في شنّ هجمات إرهابية بتوجيه منه، دون أن يتحمّل مسؤوليتها، فيما يبقي الباب موارباً للاتفاقات السياسية في حال تغيرت الظروف الراهنة، وهو نهج قام عليه حزب الإصلاح الإخواني طوال الفترة الماضية؛ فمن جهة كان يعلن أنّه يقف إلى جانب الحكومة الشرعية في مواجهة الإرهاب ومن جهة أخرى؛ كان يعقد اتفاقيات مع الحوثيين، ويسلمهم مناطق تقبع تحت سيطرته، ويقدّم للقادة الإرهابيين المأوى والسلاح والعتاد، وهو ما تمّ كشفه بعد مقتل زعيم القاعدة، قاسم الريمي، في منزل أحد قيادات حزب الإصلاح، وفق ما نقل موقع "عدن تايم".

حزب الإصلاح حوّل مدينة مأرب وهي قاعدة الرئيسة باليمن إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية

وفي سياق متصل بإرهاب حزب الإصلاح الإخواني؛ اتخذ فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز، أمس، أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح الذراع السياسية لجماعة الإخوان.

وقرر الحزب تعليق عضويته بالتحالف الوطني للأحزاب السياسية، بسبب عدم التزام حزب الإصلاح بتنفيذ ما تضمنته وثيقة المبادئ الموقعة من قبل فروع الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمحافظة.

ونوّه الحزب، في بيان له، كما أورد موقع "اليمن العربي"، إلى أنّ أسباب تعليق العضوية تشمل الإقصاء والتهميش الممنهج بحق كوادر المؤتمر الشعبي العام في الوظيفة العامة.

حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز يتخذ أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح

ودعا المؤتمر محافظ تعز إلى سرعة العودة لممارسة عمله في ظل الأحداث التي تشهدها المحافظة على كافة الأصعدة، وكذلك تحمل مسئولياته في متابعة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين فروع الأحزاب السياسية بالمحافظة.

وكان فرع حزب المؤتمر الشعبي العام في تعز قد أقرّ، في اجتماعه الأخير، الأربعاء الماضي، عدداً من الخطوات التصعيدية رفضاً للإقصاءات التي تتعرض لها كوادره من قبل حزب الإصلاح الإخواني.

اجتماع حزب المؤتمر الشعبي في تعز

 

للمشاركة:

الجيش الليبي يكشف عدد القتلى الأتراك في محاور طرابلس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

كشف الجيش الليبي، أمس، أنّ عدد القتلى الأتراك وصل إلى 16 قتيلاً، من أصل 35 قال أردوغان إنّه أرسلهم كمستشارين لحكومة فايز السراج.

وأكّد مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي، العميد خالد المحجوب، مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن يشاركون بالعمليات في ليبيا، إضافة إلى 105 من المرتزقة الذين جاءت بهم تركيا، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

وقال المحجوب: "المستشارون والضباط الأتراك، الذين كانوا يقودون طائرات مسيرة، يتواجدون في مصراتة وسرت وغيرها"، مشيراً إلى أنّ "الجيش الليبي استهدفهم في أكثر من موقع"، خصوصاً عندما استهدف غرف عمليات الطائرات المسيرة ودمّرها.

وأوضح المحجوب أن "تأخر الأتراك في الإعلان عن مقتل ضباطهم وجنودهم، يؤكد أن الضربات التي وجهت لهم، تتعلق بمواقع العمليات العسكرية".

المحجوب: مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن شاركوا في العمليات في ليبيا إضافة إلى 105 من المرتزقة

كما أشار إلى أنّ القوات التركية في طرابلس تقود العمليات ضمن محاور المعارك، موضحاً أنّ الجيش الليبي استهدف مجموعة منهم عند دخولهم إلى العاصمة نحو معسكر الفلاح، وأكّد أنّ المجموعة تضمّنت مستشارين مهمّين ممّن يقودون غرف عمليات في سرت ومصراتة.

ومع تنامي الخسائر البشرية لم يعد الرئيس التركي قادراً على الإنكار، فاعترف بوقوع قتلى في ليبيا دون تحديد العدد، ربما خوفاً من الحرج، لكنّه لم ينسَ تذكير الأتراك بالإرث العثماني الذي ذهب إلى طرابلس ليحييه، لعلّ ذلك ينسيهم مجزرة طائراتهم المسيرة التي يفتخر الجيش التركي بها، وهي تتساقط بنيران الليبيين.

هذا فضلاً عن السفن والمدرعات التي لا تلبث أن تطأ الأرض حتى تحترق، أما المرتزقة الذين كان أردوغان يعول عليهم، فإنّه بالتأكيد لن يهتم بـ 105 قتلوا منهم حتى اليوم، إلا عندما يطالب بفواتير تعويض الوفاة لكلّ منهم، التي تصل بحسب الاتفاق مع ميليشيات طرابلس إلى 35 ألف دولار أمريكي لقاء كلّ مرتزق قتيل.

وما يزيد الأمر سوءاً؛ بما يتعلّق بالسياسة التركية في ليبيا، التسريبات الواردة عن فرار أعداد كبيرة من المرتزقة نحو أوروبا بقوارب المهربين، خاصة أنّهم أدركوا زجّهم في مستنقع لا مفرّ منه؛ فإما الموت أو الأسر.

في سياق متصل  نقلت وسائل إعلام تركية؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

ونشر رئيس تحرير صحيفة "يني شاغ"، باتوهان شولاك، عبر تويتر، تغريدات ذكر خلالها أنّ "العقيد أوكان آلتيناي قتل خلال هجوم شنته قوات الجيش الليبي على ميناء طرابلس".

وأضاف: "تمّ إرسال جثمان آلتيناي إلى مسقط رأسه في مدينة أيضن؛ حيث دفن بدون مراسم وسط تعتيم إعلامي".

وزعم أيضاً أنّ رفقاء آلتيناي في الخدمة من المدرسة الحربية البرية، هم من أجروا مراسم دفنه؛ حيث دُفن في مقبرة الشهداء في منطقة تالي دادا بمدينة أيضن.

 

للمشاركة:



برلمان المواجهة مع روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

حسن فحص

اما وقد وضعت معركة الانتخابات البرلمانية في ايران أوزارها، ولم تفرز جديدا في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة التي هندسها مجلس صيانة الدستور بآليات ديمقراطية ودستورية، ورسم الصورة التي ستكون عليها موازين القوى المسيطرة على المقاعد النيابية، فمن غير المجدي التوقف الآن عند توزيع المقاعد وحجم تمثيل القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة ومدى تأثيرها على مواقف وسياسات البرلمان المقبل. باستثناء ما يمكن رصده من صراعات داخل البيت الواحد، أي التيار المحافظ والصراعات الداخلية بين اجنحته على نصاب اي منهما يكون صاحب المواقف الاكثر تشددا، من دون أن يكون له القدرة على التأثير في المسارات الاساسية والاستراتيجية للنظام والسلطة والاهداف التي يسعى لتحقيقها او تطبيقها.

وبناء على المؤشر الذي تقدمه نتائج انتخابات العاصمة طهران، والتي تؤكد اكتساح القائمة الائتلافية لأجنحة التيار المحافظ للمقاعد الثلاثين، فالتقديرات الاولية تشير الى سيطرة واضحة واكثر من مريحة للتيار المحافظ بواقع يتعدى 230 مقعدا وقد تتعدى عدد 240 مقعدا من اصل 290 المجموع العام للمقاعد، ما يعني ان التيار المحافظ بات يمتلك اكثر من الثلثين، وبالتالي لن يكون امام السلطة اي مسببات قلق او مخاوف في تمرير اي قانون او موقف تريده يتعلق بالسياسات العامة للدولة والسلطة التنفيذية.

النصر الذي حققه التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان باكثرية اكبر من مطمئنة، لا يمكن اعتبارها حصرا بقدرته على حشد الشارع الايراني واقناعه بصوابية مواقفه وسياساته واستراتيجياته، بل ان العامل الاول في هذا الانتصار يعود الى حالة العزوف الواسعة والكبيرة التي سادت المعسكر الشعبي المعارض او المؤيد للتيار الاصلاحي والمستقلين والمعتدلين وحتى تلك الشرائح التي تقف في المنطقة الرمادية بين هذه القوى الا انها ترجح خيار التصويت لصالح المعارضة اذا ما وضعت امام خيار امكانية التغيير، فضلا عن ان القوى الاصلاحية والتغييرية بجميع اطيافها، وجدت ان العمق الاجتماعي لها غير مقتنع بامكانية احداث هذا التغيير وصعوبة تكرار التجربة التي خاضتها قبل اربع سنوات في الانتخابات السابقة، خصوصا بعد ان شاهدت صعوبة اقناع هذه الشرائح بقدرة الاشخاص الذين نجوا من مقصلة مجلس صيانة الدستور على لعب دور مؤثر في الحياة البرلمانية والسياسية.

بناء على هذه الحقائق، فان ما يمكن ان تشهده المرحلة المقبلة من تطورات سياسية في ظل هذا المجلس المرتقب، سيكون محورها التعامل وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اي بين البرلمان المحافظ برئاسة الجنرال محمد باقر قاليباف على الارجح من جهة، والحكومة برئاسة حسن روحاني من جهة اخرى، والامور ستتجه الى مزيد من التصعيد والسلبية على العكس من التعايش النسبي الذي كان سائدا مع البرلمان المنتهية صلاحيته وامتلاك القوى الاصلاحية بمختلف اطيافها كتلة برلمانية مريحة ساهمت في تخفيف الضغط والعبء على الحكومة في السنوات الثلاث الماضية.

المجلس الجديد بتركيبته المحافظة لن يتأخر في اشهار سيف المواجهة مع الحكومة وروحاني، مستفيدا من الدور الرقابي الذي يقع في صلب مهمات العملية التشريعية والبرلمانية، ما يعني ان روحاني سيواجه مرحلة صعبة في عمله التنفيذي والحكومي، ان كان في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، الاقتصادية والمالية والادارية، وان كان في السياسات الخارجية خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الاقليمي الذي يستهدف النفوذ الايراني في المنطقة.

المحافظون الذين رفعوا شعار الهجوم ومعارضة كل السياسات الداخلية والخارجية لروحاني وحكومته، ستكون الفرصة سانحة امامهم لممارسة المزيد من هذه السياسات من دون معارضة جدية، وهذه المواجهة لن تبقى من خارج مؤسسات النظام وتعتمد على المنابر الاعلامية وغير الرسمية، بل ستنتقل وبشكل فاعل الى داخل المؤسسات الرسمية من بوابة البرلمان، وبالتالي لم يعد الاعلام والخطابات والمواقف المتفرقة ساحة الانتقادات للسياسات الاقتصادية وتحميل الحكومة مسؤولية الازمات والاخفاقات التي عانت منها ايران في المرحلة السابقة، ما يعني امكانية ان يعمد هذا المجلس للعودة الى تفعيل الهجوم على الحكومة وآلية استجواب الوزراء وطرح الثقة بهم، خصوصا الوزراء الذين يمثلون القوى الاصلاحية بوضوح والذين حققوا انجازات حقيقية خلال توليهم مواقعهم التنفيذية، وذلك في اطار ما يمكن اعتباره سياسة استباقية يعتمدها المحافظون باستبعاد اي مصدر قد يشكل تهديدا لمسار وجهود تقديم انفسهم المنقذ والقادر على تقديم الحلول في حال توليه السلطة والادارة.

البرلمان الجديد وهويته المحافظة الطاغية ستسمح للتيار الذي يمثله بان يتملص من كل الاتهامات الشعبية والرسمية التي تعتبره العائق والمعرقل الاساس امام السلطة التنفيذية في تطبيق سياساتها الاقتصادية والمالية والخارجية، وبالتالي فان هذا البرلمان سيكون امام مهمة إلقاء المسؤولية على روحاني وفريقه في كل الاخفاقات والتردي الاقتصادي والتضخم والبطالة والفساد، والتأكيد على أنه يشكل "باب النجاة" للشعب الايراني، خصوصا وان هذه الحكومة لن يكون لها خطوط دفاع عن سياساتها داخل البرلمان الذي يمثل "ارادة الشعب والطبقات الفقيرة"، وان رئيس البرلمان الجديد لن يدخل في دائرة دعم سياسات الحكومة كما كان الامر في عهد الرئيس السابق علي لاريجاني.

من المفترض ان يؤسس هذا البرلمان ان كان في اليات العمل التشريعي او في التعامل مع السلطة التنفيذية، لتعزيز الجهود التي تبذلها السلطة والنظام من اجل العودة الى السيطرة على كل مراكز القرار الدستورية، وان يشكل عمل البرلمان الجديد المنصة التي تسمح لهذا التيار في تمهيد الطريق للمنافسة على رئاسة الجمهورية بعد نحو سنة ونصف السنة وايصال مرشح هذا التيار الى هذا الموقع، وبالتالي استكمال عقد السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية في يده، من اجل خلق حالة من الانسجام وعدم احداث اي قلق لدوائره اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصيرية المتعلق بمستقبل النظام وسلطته.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا لا يمكن الوثوق بالحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خيرالله خيرالله

يخطئ من يعتقد أن الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تغيّروا. يخطئ أكثر من يتخيّل أن في استطاعتهم أن يتغيّروا أو أنّه يمكن أن يتغيّروا في غياب تبدّل حقيقي وجذري في موازين القوى العسكرية على الأرض. تؤكد ذلك المحاولات الأخيرة التي قاموا بها من أجل إطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع مدنية على وجه الخصوص. كشفت هذه الصواريخ مدى عدوانية الحوثيين من جهة، وصدق الذين أكّدوا منذ البداية أنّ ليس في الإمكان الوثوق بهم من جهة أخرى.

المسألة، في نهاية المطاف، في غاية البساطة. المسألة أن القرار الحوثي قرار إيراني ولا شيء آخر غير ذلك، تماما مثل قرار “حزب الله” في لبنان. توجّب على الحزب في مرحلة معيّنة المشاركة المباشرة في الحرب المستمرّة على الشعب السوري منذ العام 2011. لبّى الطلب الإيراني من دون تردّد. ليس “حزب الله” سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره لبنانية. وليس “أنصار الله”، الذين يمتلكون علاقة قويّة إلى أبعد حدود بـ”حزب الله”، سوى لواء آخر في “الحرس الثوري”، عناصره يمنية.

هذه حال “أنصار الله” الذين تظاهروا في مرحلة معيّنة بأنّهم مستاؤون من القرار الإيراني بضرب منشآت “أرامكو” السعودية في أيلول – سبتمبر الماضي عن طريق صواريخ انطلقت من الأراضي الإيرانية. لم يكن الاستياء، الظاهري، من ضرب إيران لمنشآت سعودية، بل من إلباس طهران الحوثيين عملية إطلاق الصواريخ وجعلهم يتبنونها.

تبيّن مع مرور الوقت أن لا استياء من أيّ نوع. هناك فقط سيناريو متفق عليه بين الحوثيين والإيرانيين من أجل تمكين “أنصار الله” من التفاوض مع السعودية بهدف الحصول على مساعدات، هم في حاجة شديدة إليها، في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية.

ليس صدفة أنّ تأتي المحاولات الحوثية الأخيرة لإطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه المملكة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للرياض.

في تلك الزيارة التي قابل فيها بومبيو الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أجرى محادثات مع وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حصلت نقلة نوعية على صعيد التقارب السعودي – الأميركي في اتجاه موقف مشترك أكثر عمقا وثباتا في مواجهة الخطر الإيراني بكلّ أبعاده.

كشفت الزيارة مدى استيعاب الإدارة الأميركية الحالية لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني من جهة، ومدى استعدادها للتصدّي له. جاءت تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني لتظهر أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تعرف تماما أنّ لدى الولايات المتّحدة حسابات قديمة في حاجة إلى تصفية مع “الجمهورية الإسلامية”. حسابات تعود إلى العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانية 52 دبلوماسيا أميركيا، كانوا يعملون في سفارة طهران، لمدّة 444 يوما. هناك تذكير أميركي دائم باحتجاز الدبلوماسيين هذه الأيام. هذا ما فعله ترامب لدى تهديده بالرد على أيّ عدوان إيراني يستهدف الأميركيين عن طريق ضرب 52 هدفا في الداخل الإيراني. يرمز كلّ هدف من هذه الأهداف إلى أحد الدبلوماسيين الأميركيين الذين احتجزتهم إيران…

جاء إطلاق الصواريخ من صنعاء بمثابة ردّ إيراني على زيارة بومبيو، والنتائج التي يبدو أنّها أسفرت عنها. أرادت إيران توجيه رسالة فحواها أنّ لديها قاعدة في اليمن، وأنّ الحوثيين ليسوا سوى أداة من أدواتها.

تكفي مراجعة سريعة لكلّ الاتفاقات التي توصّل إليها الحوثيون مع خصومهم في السنوات الست الأخيرة، أي منذ وضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، كي لا تعود هناك أي أوهام في شأن كيفية التعاطي معهم واللغة التي يفهمونها.

تخلّل المرحلة التي سبقت السيطرة الحوثية على صنعاء تمدّد حوثي في اتجاه محافظة عمران انطلاقا من صعدة. في سياق هذا التمدّد، استطاع “أنصار الله” تصفية وجود آل الأحمر، أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (توفي في العام 2007)، زعماء قبيلة حاشد. كان ذلك تطهيرا لعمران من نفوذ حزب التجمّع اليمني للإصلاح الذي تحوّل بعد وفاة الشيخ عبدالله حزبا يسيطر عليه الإخوان المسلمون كلّيا.

طمأنت خطوات الحوثيين الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي لم يتردّد في التوصّل إلى تفاهمات مع “أنصار الله” في وقت كانوا في طريقهم إلى صنعاء. أخذوا بدربهم مواقع مهمّة كان يسيطر عليها اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، المحسوب بدوره على الإخوان المسلمين وعلى اللواء علي محسن صالح الأحمر نائب رئيس الجمهورية حاليا، وهو من أقرباء علي عبدالله صالح وأحد الذين انقلبوا عليه في العام 2011.

فتح التخلّص من اللواء 310 أبواب صنعاء أمام الحوثيين الذين نسوا، فجأة، كل التفاهمات مع عبدربّه منصور هادي الذي أراد ممارسة لعبة التوازنات مع الإخوان المسلمين. ما إنْ وقّع الحوثيون في صنعاء “اتفاق السلم والشراكة” برعاية الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، حتّى انقلبوا على الرئيس الانتقالي وأجبروه على الاستقالة بعد وضعه في الإقامة الجبرية. ما لبث عبدربّه أن استطاع الفرار من صنعاء إلى عدن في شباط – فبراير 2015.

يمكن الحديث طويلا عن الأخذ والردّ بين الحوثيين في مرحلة ما بعد “اتفاق السلم والشراكة” الذي لم تكن له علاقة لا بالسلم ولا بالشراكة من جهة، وعلي عبدالله صالح الذي ائتمنهم من دون أن يأتمنهم من جهة أخرى. لكن الثابت في كلّ مرحلة من المراحل التي تلت يوم 21 أيلول – سبتمبر 2014 أنّ الحوثيين طرف يمتلك حساباته الإيرانية. كلّ ما عدا ذلك مضيعة للوقت لا أكثر وتفاصيل يمكن التوقف عندها للتأكد فقط من أمر واحد. هذا الأمر هو أن لا فائدة من أي حوار مع الحوثيين على الرغم من أنّه لا يمكن تجاهل أنّهم جزء من المعادلة اليمنية، وأن لا مجال لتجاهلهم متى باتت الأجواء جاهزة لتسوية ما على صعيد البلد ككلّ.

لم يوقّع الحوثيون يوما اتفاقا والتزموا به. كان اتفاق ستوكهولم في أواخر السنة 2018 من أجل كسب الوقت ليس إلا. نجحوا وقتذاك، مستخدمين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في وقف المحاولة الجدية الوحيدة من أجل إبعادهم عن ميناء الحديدة الاستراتيجي.

لا جديد على الأرض في اليمن حاليا. المأساة اليمنية مستمرّة. ضحيتها كلّ يمني، بما في ذلك أهل صنعاء الذين عليهم العيش في ظلّ نظام متخلّف لا يمتلك أي مشروع حضاري من أيّ نوع.

كلّ الأبواب تبدو مغلقة أمام أيّ تغيير حقيقي في صنعاء… ما دامت إيران موجودة فيها أكثر من أيّ وقت.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فصول أردوغانية مآلها الاندثار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خالد رستم

التصريحات المتلونة التي أطلقها أردوغان حيال موسكو بشأن إدلب تثير كثيراً من التساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه المدينة بالنسبة لتركيا وما يحشد لها من عمليات التدعيم العسكري لجبهة النصرة والفصائل المسلحة.

وثمة تساؤلات أيضاً مبعثها الدور المريب الذي يتلاعب به رئيس النظام التركي بمخاطرته إذا أصر على الدخول في مواجهة مباشرة ضد الحليف الروسي بغية الحفاظ على مرتزقته ونقاط المراقبة التابعة لأنقرة وأن لا تراجع أو انسحاب عن مواقع انتشار قواته، حينها قد تغدو المدينة مسرحاً لعمليات عسكرية بين حليف الأمس وعدو اليوم وملامح التفكك بمؤشراتها واضحة للعيان بتقويض أنقرة كل بنود الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة السورية على أراضيها.

أردوغان يتشبث بنقاط المراقبة في إدلب ويعلم تماماً أن الطريق إليها مع مرتزقته لن يكون سهلاً بدليل اندحار التنظيمات المسلحة المتمردة التي جمعتها تركيا بتشكيلة واحدة تحت راية الجبهة الوطنية للتحرير وضمت في صفوفها فصائل مسلحة عديدة أبرزها "أحرار الشام" و"نورالدين الزنكي" و"فيلق دمشق" و"حماية الدين" و"فصائل جيش الأحرار"، فضلاً عن الخلايا المسلحة النائمة والمدعومة من أنقرة والقريبة من مناطق الحدود الشمالية، وهذه الفصائل على تنسيق دائم مع جبهة النصرة الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد هزائم متلاحقة للتنظيمات المسلحة المدعومة أردوغانياً في الميدان، كانت دعوة وزير الحرب التركي خلوصي أكار وبشكل رسمي وعلى هامش اجتماعات الناتو في بروكسل كلاً من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو إلى تعزيز دعمها لتركيا في ظل تصعيد التوتر في إدلب.

مطالب خلوصي كانت من نظيره الأمريكي مارك إسبر للمساعدة الملموسة لوقف التحولات التي طرأت لصالح الجيش السوري في الشمال السوري وسيطرتها على عشرات المدن والبلدات التي كانت فصائل جبهة النصرة مهيمنة عليها.

وتنطوي دعوة خلوصي على نزعة عدوانية، إلا أن دول الناتو لن تقدم دعماً استناداً لتفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب الشهر الماضي، والناتو لا ينظر إطلاقاً لتقديم مساعدة عسكرية لأنقرة في حال قيامها بعملية عسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في مؤتمر صحفي، أنه لم تتمخض مباحثات موسكو عن أي نتيجة مُرضية، واعتبر أن موقف الناتو والحلفاء من الأوضاع في إدلب لا يكفي وهم يكتفون بالثناء على الموقف التركي وتشجيعه، وإذا استمر الأمر فإن إدلب ستذهب غداً.

وبالمقابل، فإن إنذار الكرملين يأتي رداً على كلمة أردوغان أمام البرلمان وفي أعقاب انفضاض المباحثات بين الجانبين في موسكو دون التوصل إلى جوانب مقنعة بينهما، وإن تحذيراته النهائية للحكومة السورية حول تشدقه بعملية عسكرية مرتقبة مسألة وقت وتفضي بشكل أو بآخر إلى انهيار مجموعاته المسلحة وستكون إدلب وبالاً عليه وطامة كبرى ضد سياسته الحمقاء.

وبالمحصلة، فإن المباحثات التركية مع موسكو لم تستجب لطموحات أردوغان في الشمال السوري ولم تحقق النتائج المرجوة لصالحه، فالخريطة الجديدة التي قدمها الجانب الروسي لتوزع مناطق السيطرة تظهر فيها المناطق الحدودية تحت سيطرة فصائل المعارضة.

وفي مجلس الأمن، رفضت موسكو إعلاناً يطالب بوقف إطلاق النار شمال سوريا، مؤكدة دعمها لدمشق في حربها ضد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً، ويتمسك الروس بدعم الدولة السورية عسكرياً إلى أن تتحقق السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية.

فهل يدرك أردوغان مغبة ما يذهب إليه في معترك الاندحارات التي تشهدها فصائله المتطرفة؟ وهل يعي ما يطرحه من مواقف عنصرية ستلقي باندفاعاته في جحيم لا ينطفئ والويل والثبور لأهوائه؟

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية