العقلانية بما هي أزمة الإسلام السياسي.. وكثير من العلمانيين أيضاً

4800
عدد القراءات

2018-04-23

في توالي علاقة الإسلام السياسي مع الفضاء العام تتشكل أزمات أخرى كثيرة لا تقل أذى وخطورة؛ بدءاً بإقحام المقدس في الدنيوي واللبس بين ما هو دين وما ليس ديناً، ثم تحويل الاجتهاد الإنساني إلى دين مقدس، والفعل العقلاني لإثبات ما ليس عقلانياً أو للقبول به، أو محاربة العقلانية والأنسنة لإخضاع الأفراد والمجتمعات إلى مقولات تخالف الفطرة والطبيعة الإنسانية، وفي المقابل أيضاً تحدث متوالية أخرى من الأزمات في الردّ العلماني على الإسلام السياسي، فيتحول التنافس السياسي إلى صراع ديني واجتماعي، وبدلاً من أن ننشئ حالة من التداول السلمي للسلطة فإننا نقود مجتمعاتنا إلى حروب أهلية ودينية، ثم تسلك المجتمعات في علاقتها بالإسلام السياسي سلوكاً اجتماعياً وعشائرياً، ولا يقتصر أنصار الإسلام السياسي ومؤيدوه على فئة أيديولوجية تؤمن بأفكاره وبرامجه، لكن الأمر يمتد إلى فئات اجتماعية وإثنية وقبلية، ففي تطور الصراع تستدعي الأطراف المتصارعة كل أدوات ومصادر الحشد والتأييد، كثير من السنّة العراقيين، على سبيل المثال، انحازوا إلى داعش ليس لأسباب فكرية أو أيديولوجية.

تحدث متوالية أخرى من الأزمات في الردّ العلماني على الإسلام السياسي، فيتحول التنافس السياسي إلى صراع ديني واجتماعي

قضية العلمانية الجوهرية هي أنّ الإنسان قادر على فهم حياته وتنظيمها، وأنّ المؤسسات التشريعية المنتخبة وما ينبثق منها هي الأداة المرجعية والقياسية للعمل وإدارة الخلاف بين الناس، وليست معنية بمحتوى وطبيعة الخطاب الديني، في ذلك هي متعلقة تحديداً بعلاقة الدين بالدولة، ومن ثم فإنّ خلاف العلمانيين الأساسي مع السلطة التنفيذية وليس مع الدين أو الدعاة والجماعات الدينية. وفي اللحظة التي يتوقف نضال العلمانيين ضد الوصاية الدينية والثقافية للدولة، ولو كان هذا الدور تنويرياً، فإنّهم يخونون العلمانية ويعملون ضد الحريات واستقلال المجتمعات، ويساهمون في تكريس الاحتكار والاستبداد.

والحال أنّ الجدل الديني العلماني يحتاج إلى تحرير؛ ذلك أنّه يمضي في اتجاهات بعيدة من أهداف الدين والعلمانية معاً؛ إذ يظن كثيرون جداً من دعاة العلمانية أنّ الحكومة (المؤسسة والطبقة) حليفتهم، ويتوهمون أنّ معركتهم مع الدعاة الدينيين السياسيين هي التأثير على الحكومة لاستبعادهم من الفضاء العام. ويلجأ كثيرون جداً أيضاً من الدعاة الدينيين إلى السلطة لتحريضها على خصومهم. وفي ظل هذا الوهم، يظل النضال الديموقراطي والعقلاني يدور حول نفسه، ويظل مناضلو الحريات يهربون/ يتهربون من مواجهة الحقائق الأساسية: من هم وماذا يريدون؟ وأين تقف النخبة السياسية والاقتصادية بالنسبة إلى رؤيتهم أنفسهم ومجتمعاتهم؟

قضية العلمانية الجوهرية هي أنّ الإنسان قادر على فهم حياته وتنظيمها والمؤسسات المنتخبة هي الأداة المرجعية والقياسية للعمل

أسوأ ما يقع فيه دعاة الاعتدال والتنوير (من متدينين أو علمانيين أو علمانيين متدينين)، أن يراهنوا على الحكومات في رسالتهم، ليس فقط لأنّ الحكومات (المؤسسة والطبقة) لا مصلحة لها مع الاعتدال والتنوير، وليس فقط لأنها المسؤولة عن الحالة السائدة وأنّها أنتجتها بوعي مسبق وأنفقت عليها المليارات من الضرائب والموارد العامة والتبرعات والمنح، ولكن أيضاً لأن السلطة السياسية لا يمكنها حتى لو أرادت بصدق وجدية، أن تقوم بدور تنويري. يكفي الحكومة أن تحرر المناهج التعليمية من الضعف والخواء، وأن تضعها على نحو عام في اتجاه الإبداع والتفكير الحر والنقدي والمهارات الحياتية والعلمية والإبداعية، ثم يمضي المواطنون في الاتجاهات والأفكار التي يختارونها، ولا بأس بذلك في ظل الالتزام بالقانون.

ما يجتهد فيه اليوم علمانيون ومتدينون من أجل التوفيق بين الدين والديموقراطية، ودرء التناقض والاختلاف بين الدولة المدنية والإسلام لا يفيد في شيء، بل يلحق ضرراً بالدين والعلمانية والسياسة، ويحرف النضال الاجتماعي والسياسي عن غاياته وأهدافه، بما هي الحريات والازدهار في ظل ولاية الناس على السلطة والموارد، وأن الإنسان قادر وحده على إدراك وتمييز، لا يضيف بعد ذلك التوفيق شيئاً (سواء كان صحيحاً أو متوهماً) إلى الحياة العامة والعقد الاجتماعي سوى أنه يزين الوصاية الدينية والسياسية على المواطنين ويسلبهم الولاية على شؤونهم.

يكفي الحكومة أن تحرر المناهج التعليمية من الضعف والخواء، وأن تضعها على نحو عام في اتجاه الإبداع

وأفضل ما تفعله الحكومة هو الحياد تجاه الدين والثقافة، وأن يتحول الجدل الديني والثقافي إلى حالة مجتمعية وخلاف وجدل اجتماعي، وأن تكون الحكومة ضامناً لسلمية هذا الجدل والتزامه بالقانون، وأن تساعد المجتمعات على تنظيم نفسها واستقلالها. وهذا ما يجب أن تناضل لأجله تيارات العقلانية الاجتماعية والأخلاقية، أن تظل متمسكة بخيار العمل لأجل اتجاهات وقواعد اجتماعية لهذه التيارات، والأهم دائماً أن توجه نضالها وتأثيرها باتجاه السلطة السياسية والمؤسسات الرسمية لتلتزم الحياد في دورها الديني وفي موقفها المؤسسي والقانوني والإنفاق العام، بمعنى وقف الدور الرسمي في إدارة وتولّي الشأن الثقافي والديني والتعليم الديني، وردّ التشريعات والقوانين المنظمة لحياة الناس وعلاقاتهم إلى الدستور والمواطنة بما هي قائمة على العدل وولاية الشعب على السلطة. فليس ثمة فرق في الهيمنة والوصاية الدينية والثقافية التي تمارسها السلطة التنفيذية، سواء كانت هذه الوصاية لأجل التنوير والاعتدال، أو لأجل التعصب والجمود.

الاجتهاد الإسلامي السياسي في التوفيق بين المدنية والإسلامية يضر بكليهما، والاجتهاد العلماني في التناقض بين الدين والعلمانية لا يفيد العلمانية ولا يضر الإسلام السياسي، ليس ثمة مخرج سوى الفردية الدينية ووقف كل محاولات فرض تعاليم وأفكار دينية على الناس، وفي المقابل أيضاً وقف كل محاولات منع الناس من الاعتقاد أو التفكير أو الممارسة المتصلة بالدين طالما أنّها أفكار وممارسات فردية وشخصية مستقلة عن السلطة أو المشاركة السياسية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما قصة الإسلاميين مع الفيلسوف هابرماس؟

صورة جهاد حسين
كاتب وباحث سوداني
2019-09-23

يحوز الفيلسوف الألماني هابرماس أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية شهرةً كبيرةً في العالم العربي، خصوصاً في أوساط الإسلاميين، وذلك لا بسبب مواقفه التقويمية للحداثة والعلمانية فحسب؛ فالذين شرعوا في تقويم الحداثة من فلاسفة الغرب كُثر؛ بل بسبب فهم مغلوط لفكر الرجل يعتبره منتصراً للدين على حساب العلمانية.
نقد الحداثة
لطالما انطلق العقل الأيديولوجي الإسلامي من منصة عدائية للحداثة، لذلك هو في رحلة بحث دائم عما يغذي هذا العداء، وفي هذا البحث انتقل هذا العقل الى مستوى جديد وهو الاتكاء على الحداثة نفسها في نقدها الطبيعي لنفسها.
كان هابرماس أحد أشهر نقّاد الحداثة في جوانب كثيرة، لذلك كان اتكاء العقل الإسلامي على هذا النوع من النقد، وهو اتكاء فيه هشاشة كبيرة تكمن في ثلاثية الانتقاء والتعميم والتناقض؛ إذ يتم انتقاء الجوانب النقدية لهابرماس ومن ثم تعميمها على النسق الكلي المسمّى (الحداثة)، ليظهر التناقض المعرفي من خلال هدم الحداثة بالاتكاء على أحد جوانبها، وهو النقد.

الإسلاميون يتجاهلون أنّ إحدى مسلّمات الحداثة نفسها استمرارية النقد وإزاحة القداسة عن المعرفة

فالإسلاميون لا ينتبهون إلى أنّ إحدى مسلّمات الحداثة نفسها استمرارية النقد وإزاحة القداسة عن المعرفة.
لقد انتقد هابرماس الحداثة في جوانبها التي يعتبرها هشّة وخطيرة على الاجتماع الإنساني، وهي الوضعية العلمية وتداخلها مع ما هو اجتماعي، والبراغماتية المفرطة في العقل الأداتي.
وفي كل ذلك، على غير ما يفهم الإسلاميون، لا يقترح هبرماس سوى ما أسماه بالترشيد عبر نقده للوضعية، مبيناً آثارها السلبية، والعقل الأداتي موضحاً آثاره السيئة على التواصل البشري؛ فابتدع ما أسماه بـ (العقل التواصلي) لتجاوز محنة التمركز حول الذات التي أنتجها العقل الأداتي.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون واليسار.. حب من طرف واحد
ولا يمكن أن يفهم من ذلك إلا توجه الفكر الغربي مع هابرماس نحو الانفتاح من جهة، وتحرير علاقة البشر في ما بينهم من سطوة البراغماتية المفرطة من جهة أخرى.

ما بعد العلمانية والفهم التضليلي
يروج الكثير من الإسلاميين، خصوصاً الجيل الذي انفتح على قراءة المنتوج الغربي، لفهم تضليلي لأطروحة ما بعد العلمانية لهابرماس؛ إذ يصوّرونها على أنّها تجاوز غربي للعلمانية وعمليات العلمنة، وعودة إلى هاجسهم المعروف وهو فرض الدين في الفضاء العام عبر الوصول إلى السلطة، خصوصاً في الجانب السياسي من هذا الفضاء.

اقرأ أيضاً: هابرماس والمجتمع ما بعد العلماني.. ما هي أزمة المجتمعات الحديثة؟
بل إنّ ترويجهم لهابرماس ينطلق من هذا التصور حول ما بعد العلمانية كونها في الحقيقة انفتاحاً غربياً على ما هو ديني، ويصوّرون الأمر على أنّه حتمية إعجازية لذلك الديني، انطلاقاً من لاشعور إعجازي للفكر الديني كونه ثابتاً وخالداً.
لذلك نجدهم لا يتجاوزون تصوراتهم الدينية المغلقة؛ إذ لا يتحرك فكرهم نحو الانفتاح بينما يحتفون ويطالبون الآخرين بالحركة نحوهم، فيمارسون نوعاً من التمركز حول الذات الذي ينكرونه على الفكر الغربي. لذلك نجد أنّ رؤيتهم لما بعد العلمانية فيها تضليل متعمد مفاده هو نهاية العلمانية وعودة الفكر الديني.

الإسلاميون لا يتجاوزون تصوراتهم الدينية المغلقة ويمارسون نوعاً من التمركز حول الذات الذي ينكرونه على الفكر الغربي

وهذا ما لا يتصوره عاقل يفهم كيف تشكلت العلمانية في الغرب، فهي ضرورة أملاها التاريخ الأوروبي نفسه؛ حيث تستحيل العودة إلى ما قبلها كما يفهم الإسلاميون؛ فنقيض العلمانية في أوروبا هو الكهنوت والصراع الديني الطائفي وسلطة الكنيسة.
بحسب هابرماس ثمة حاجة ملحّة لمجتمع ما بعد علماني، ولكن دون التراجع عن العلمانية نفسها، وإنما عبر النقد وتجاوز بعض مسلماتها. بل إنّ نقد بعض مسلماتها لم يكن بالنسبة لهابرماس ممكناً ما لم تكن هناك تغيرات في الدين نفسه، وهي تغيرات أتت بفضل العلمانية كونها حرّرت الفضاء الدراسي للدين من السلطة الاحتكارية للتفسير الكنسي له.

اقرأ أيضاً: الظاهرة الإسلامية الحركيّة على سرير التحليل النفسي
وبفضل هذه التغيرات وجب الانتقال إلى شكل جديد من أشكال التسامح، وهو التسامح العلماني وغير الديني مع ما هو ديني، والذي هو معكوس في الحالة الإسلامية على غير ما يفهمه الإسلاميون من الحالة الغربية وإسقاطها بمشكلاتها على الحالة الإسلامية؛ حيث يتوجب هنا تسامح من نوع مختلف، ألا وهو تسامح الديني مع العلماني وغير الديني، وذلك إذا فهم الإسلاميون هابرماس كما يجب لا كما يريدون.
فما بعد العلمانية هو توسيع لشروط العلمنة لتسع الديني وتحوله عبر عمليات الأنسنة إلى ما يمكن اعتباره منفعة عامة.
عودة الدين
يشير هابرماس إلى عودة الديني إلى الفضاء العام باعتباره إحدى ثمرات الانفتاح والتسامح، ولما يمكن أن يضيفه الدافع الديني لدى المتدين من قوة للقيم العلمانية نفسها؛ فعودة الديني ليست، كما يتخيل الكثير من الإسلاميين، عودة الدين كسلطة حاكمة عبر أشخاص متدينين كما يريدون في العالم الإسلامي. فلا يمكن في الغرب فرض التصورات الدينية عبر سلطة الدولة لتصبح مبادئ ما قبل الدستورية، فهي لا تتجاوز كونها نقاشات في الفضاء العام يمكن الأخذ ببعضها إذا كان يعطي دافعاً أكثر للالتزام بالقيم الإنسانية والقيم التي تبلورت وفق المنهج الحداثي الغربي، فحينها يصبح المتدين يطرح رؤاه في مجتمع تحكمه مبادئ علمانية.
ببساطة، لا يمكن المطابقة بين نقد هابرماس للعلمانية الذي ينطلق من مبادئ وأسس التنوير الأوروبي نفسه القائم على حرية النقد وحرية عمل العقل في كافة مجالات الحياة، وبين النقد ذي المنطلقات الإسلامية الأيديولوجية الذي تتبنّاه الحركات الإسلامية بالمنطقة؛ فالنقد الأول تقدمي والآخر نكوصي.

للمشاركة:

لا داعي للتفلسف!

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-09-22

يمكن للقراءة المتأنية في تعريف "أرسطو": "التفلسف هو الدهشة" أن تجنّبنا سوء الفهم الناتج عن علاقتنا مع الفلسفة، كما بإمكانها هدم الكثير من التصورات الجاهزة عنها؛ فالدهشة التي تُطلق التفلسف، كما يراها أرسطو، تنتج بالضرورة عن غياب الأحكام القبلية وتعليقها، وبمعنى ما إنّها تنتج عن البراءة، عن السؤال الحرّ الذي يتقصّى الماهيّات، إنّه السؤال الذي يحاول أن يتعرّف الوجود من داخله، في هذه اللحظة تنفصل المعرفة عن الحقيقة، وتتصل بالحياة، لتصبح أيّ مرحلة عمرية مناسبة للتفلسف.

الأنماط الثقافية التي ينتجها المجتمع تتحمّل المسؤولية كاملةً عن  قمع السؤال

فإذا كان أبيقور يرى أنّ الأطفال ينضجون بالتفلسف، فذلك باعتقادي يعود إلى البراءة التي تتولد عنها الدهشة، الوجود الطازج الذي لم تلوثه المسبقات والأحكام؛ حيث تضع الطفل وجهاً لوجه أمام العالم، ولكن عندما نقول في مجتمعاتنا: بريءٌ كالأطفال، قد لا تشير هذه الصفة إلى فهمنا للبراءة، إنّها تحيل إلى تصورٍ عام يغذي مركزه الالتباس، فما يظهر كمديحٍ يخفي في أعماقه الذمَّ، وبينما نحن نتغنى بها نعمل في الحقيقة على تجفيفها داخل أطفالنا وخنقها.
في كتاب "الدولة في الفلسفة السياسية" " يشير علي صبيح التميمي إلى أنّه "في مرحلة الطفولة يكون الإنسان أشدَّ رغبة في المعرفة، وأكثر قدرة على الاندهاش، بيد أنّ هذه القدرات تتلاشى بفعل التعود والعادة"، بالطبع هذا التعود تمليه ثقافة الإجابة الجاهزة، والتي تقف حجرَ عثرةً أمام إطلاق التساؤل، أو بالأحرى أمام تفلسف أطفالنا ونضجهم، لذلك فإنّ الأنماط الثقافية التي ينتجها المجتمع، تتحمّل المسؤولية كاملةً عن  قمع السؤال؛ فالتفلسف الذي يأخذ صفة سلبيةً في الذاكرة العامة، هو مؤشر على الاستخفاف بالعقل واحتقار للتفكير؛ فجملة:(لا داعي للتفلسف)، تحتل حضوراً مميزاً في جدالاتنا التي تفضي إلى النفي والتعصّب.   

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
فما يمنع تعليم الفلسفة قبل المرحلة الثانوية في مجتمعاتنا، ليس في الحقيقة مبنياً على استعداد أو عدم استعداد أطفالنا لها، فلن يحدث أي فارق إن كنا نؤيد نظرية "جان بياجيه" التي تقول إنّ الأطفال لا يمكنهم امتلاك ملكة التفكير الفلسفي (التفكير داخل التفكير), إلا بعد سن12، أو نؤيد نقيضها كما جاء عند "جاريث ماثيوز" الفيلسوف المتخصص في تدريس الفلسفة للأطفال: "إنّ الطفل في سنٍّ صغيرة قادر على بناء حجج جديدة، وصياغة تساؤلات مهمة عن القيم واللغة والميتافيزيقا وحتى نظرية المعرفة"؛ لأنّ هذا الخلاف برمّته يغدو ثانوياً وهامشياً أمام القمع الذي يتعرض له السؤال في مجتمعاتنا.

التفلسف الذي يأخذ صفة سلبيةً في الذاكرة العامة مؤشر على الاستخفاف بالعقل واحتقار للتفكير

وحتى لو سلّمنا مع جان بياجيه بعدم إمكانية تعلّم الفلسفة في عمرٍ مبكر، فوصول أطفالنا إلى عتبات المرحلة الثانوية ليس إشارة كافية لجاهزيتهم لولوج عالم الفلسفة، فلا يمكننا أن نغفل المقدمات التي رافقت نموهم وأغلقت عقولهم؛ فالأيديولوجيات التي مارست على الفرد الإقصاء والتهميش، أنتجت الفرد المُذعِن، الذي لن يجد في كتاب الفلسفة سوى كتاب مبهم لا يمكن فك شيفرته، فيلجأ للحفظ عن "ظهر قلب" من أجل درجة ستنقله إلى مرحلةٍ أخرى لا أكثر، كما بقية المواد الدراسية، أليس هذا جلّ ما تريده سلطةٌ تعتبر أنّ الأفكار الحرة التي يخلقها التفلسف هي أفكارٌ مضادة وهدّامة؟
تتوقف الأسئلة دائماً عند حدود المطلق؛ فالمطلقات التي يتربى عليها الفكر تصبح حدوداً عليه، كما أنّه لحظةَ يعتاد عليها لن يستطيع رؤية العالم خارجها، ومن ثم ستكون هناك إجابات نهائية لكل شيء، إجابات مهمّتها إعفاء التساؤل من دوره الحيوي في إيقاظ الوعي، هذه العملية التي تنتهجها السلطة تلمّع الشكل بينما تهمل الجوهر؛ فالمنظومة القمعية التي تَخرّج منها المعلم، جعلته ناقلاً للمعرفة بدل أن يكون محرضاً لها، والطفل بدل أن يصبح صانعاً للمعرفة، أصبح وعاءً أجوف يُفرغ كلما امتلأ.

جملة "لا داعي للتفلسف" تحتل حضوراً مميزاً في جدالاتنا التي تفضي إلى النفي والتعصّب

عندما كان أوشو طالباً في المرحلة الثانوية طلب من أستاذه أن يعلّمه كيف يصنع التاريخ، لا أن يلقنه ماذا فعل جنكيز خان وتيمورلنك "لقد جئت إلى المدرسة لأتعلم كيف أكون أنا وليس ببغاء أردد ما تمليه علي"، ربما هذه القصة توضّح لنا ما يعنيه إدخال الفلسفة على المناهج المدرسية في عمرٍ مبكر فالفيلسوف الأمريكي، ماتيو ليبمان، وضع برنامجاً لتدريس الفلسفة للأطفال في عمرٍ مبكر، حين لاحظ أنّه "من الصعوبة تعديل أو تطوير فكر الطلبة بعد وصولهم إلى المرحلة الجامعية"، ومن يطّلع على برنامجه سيجد أنّ الأمر لا يتعلق بتدريس تاريخ الفلسفة أو الأنساق الفلسفية، إنما من خلال قصص ذات مضامين فلسفية تساعد الطفل على تشكيل ذاته وإنضاجها.
فالنضج من خلال التفلسف، بحسب ليبمان، يؤدي إلى "وعي الذات وتقديرها، وبلوغ الفكر النقدي الإبداعي المستقل، وحرية التفكير واحترام الغير"، والذي سيفضي إلى عقولٍ حرة تمتلك الروح النقدية للتفكير الفلسفي، هذه الروح، بتعبير التميمي، "ستنأى بالفرد عن الامتثالية والخضوع للوصاية والدوغماتية"، فإذا كانت الدوغمائية بتعبيره "طريقاً معبداً إلى التعصب وإقصاء الآخر وإلغاء الاختلاف، فإنّ عقلانية ونقدية التفكير الفلسفي دعوة دائمة للحوار والإنصات والاعتراف بالآخر المختلف.

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز سمات العقل الفلسفي في الإسلام؟
إذا سلّمنا جدلاً أنّ الظلال تدلّ على وجود الضوء، وليس على غيابه، هذا يعني أنّ الضوء موجودٌ في الاتجاه المعاكس للظلال، ولكن البداهة المفترضة لهذا الحكم، تصبح غير ذلك لمن قرأ قصة "الكهف" لدى "أفلاطون"؛ فسلطة البديهيات التي تمكنت من إغماض عيون الأسئلة، جعلت من المعرفة عمياء وفقيرة، ورغم أنّ أغلبنا تخرّج من جملة (العلم نور)، لكنّ الأفق الذي يلوح فوق رؤوسنا ينذر بالظلمة.

للمشاركة:

لماذا يبحث المهمَّشون عن بطل شعبي؟ وكيف يصنعونه؟

2019-09-22

دائما ما شغلني سؤال وجوديّ وأرّقني كثيراً، هل البطل الشعبي حقيقة أم وهم؟ ولماذا يحتاج المهمشون إلى أبطال يلوذون بهم؟ وكيف تتم صناعة هذا البطل؟
ظلّ الجواب حائراً؛ فالأبطال الشعبيون المعروفون، يفصل بيننا وبينهم زمن بعيد، ولا أملك إجابات شافية بشأنهم، وكنت في حاجة إلى التعرف إلى تجربة البطل الشعبي وجهاً لوجه، وأن أراه وأن أسأله كيف صار بطلاً؟ ولماذا اختاره الناس دون غيره؟ ولمّا كانت حياتنا الاجتماعية اليوم تفتقد لوجود أبطال شعبيين حقيقيين، ظلت أسئلتي مخبّأة داخل تلافيف عقلي.

الناس وخصوصاً المهمّشين يحتاجون دائماً إلى بطل شعبي يشبههم ويمتلك القوة والقدرة والشجاعة

الى أن جمعني لقاء في مقهي شعبي بأحد أقطاب الأولتراس السابقين، أو حسب مصطلحاتهم (كابو)، واسمه الحركي في الأولتراس (رامبو)، هو شاب جامعي في العشرينيات من عمره، درس الفلسفة وأحبها، لكن حبه الحقيقي لكرة القدم ولجماعة المشجعين لفريقه، يتحدث (رامبو) بشغف حقيقي عن الكرة والمباريات والمدرجات، يعشق التشجيع حدّ الهوس، يمتاز بثقافة مقبولة لمن هم في مثل سنّه، تحدث عن حكايات الأولتراس ومغامراتهم وشغبهم في المدرجات، وعن احترامهم لقياداتهم، وبعض من أسرارهم التنظيمية.
استمعت إليه بانتباه شجّعه على المضيّ في كشف المزيد من كنوز أسراره، وفي أثناء حديثه مرّ علينا أحد أفراد الأولتراس فحيّاه باحترام وردّ الشاب التحية باحترام أكثر، ثم قام من مجلسه إليه  وتجاذبا الحديث لدقائق معدودة، عاد إلينا (رامبو) مبتسماً قائلاً إنّ هذا الشاب أحد أساطير الأولتراس، (العشري) -وهو اسم الشاب الذي مر بنا- هو أحد أهم الأبطال الشعبيين عند المشجعين، على حد تعبيره، ثم غمز بعينه "وهو أيضاً أهم إنجازاتي في الخداع الاستراتيجي"!
حفزتني طريقته في الحوار وقلت له كيف؟ قال: كما تعلمون جميعاً أنّ هناك صراعاً بيننا وبين أولتراس الفريق المنافس، وتعلمون كذلك أنّهم كانوا دائماً ما يضايقوننا، وكثيراً ما أفسدوا رسوماتنا على جدران المدينة، وسرقوا راياتنا، ونصبوا الكمائن لنا، وأوسعونا ضرباً وشتماً حتى سرنا منكّسي الرؤوس في المدينة، ثم أردف قائلاً: لم ينتصروا علينا لأنّهم أشجع أو أقوى بل لأنهم أكثر عدداً، لهذا كان لا بد من مخرج من حالة الانكسار والهزيمة، فكّرت كثيراً لأيام وليالٍ، إلى أن وصلت أنّ الحل في وجود بطل شعبي، فقرّرت أن يكون لدينا بطل شعبي، يخشاه الجميع ونحتمي به، ويخرج بنا من الهزيمة والانكسار إلى الفوز والانتصار!

الخطوة التالية بعد اختيار "البطل" هي رسم الشخصية العنيفة النبيلة القادرة على القتال من أجل المبادئ

بطبيعة الحال سألته كيف جعلت من هذا الشاب بطلاً شعبياً؟ هل كان له إنجاز ما؟ قال ضاحكاً لم يكن (العشري) يملك من مقومات البطولة سوى شكلة وطريقة كلامه، ثم قال وكأنه يتذوق الكلمات، (العشري) طويل القامة وله وقوام رياضي، وجهه خشبي متجهم، وله لكنة تدل على أنّه من منطقة شعبية تشتهر بأعمال الشغب، عيب (العشري) الوحيد أنّه طيب فعلاً، وأنّه لم يدخل معركة في حياته ولا يحب المشاغبات، فهو إنسان مسالم جداً لا يعرف سوى الأولتراس.
فقلت له وكيف حوّلته إلى بطل؟ قال: من السهل صناعة بطل تاريخي، فيكفي أن تستحضر شخصية ما، لها موقف تاريخي مهم، ويتم التركيز على هذا الموقف وتكراره وتضخيمه، وبعدها يصبح بطلاً من التاريخ، مثل صلاح الدين الايوبي، أو قطز، أو حتى من الأبطال الشعبيين مثل أبي زيد الهلالي سلامة، أو عنترة بن شداد،  كل ما تحتاجه هو كتابة تاريخهم من منظور بطولي، لكن المعجزة الحقيقية أن تصنع بطلاً من لحم ودم يعيش وسط الناس، ويرونه بطلاً فعلاً ويحكون بطولاته الوهمية بأنفسهم!

اقرأ أيضاً: هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟
فقلت له وكيف صنعت كل ذلك؟ أخذ نَفَساً من لفافة التبغ الرخيص التي يدخنها، وقال: البطل يحتاج إلى الهيبة لهذا كانت أول خطوة هي صناعة الهيبة لـ (العشري)، لهذا استغللت أول اجتماع مع الأولتراس المنافس لتصفية بعض المواقف الصدامية التي سبقت مبارة القمة، لتقديم هذه الهيبة المصنوعة للناس، فقلت له إنّ هذا الاجتماع هام جداً وليس مطلوباً منك أي تدخل في الحوار أو أن تدلي برأيك في أي شيء، كل ما عليك هو أن تدخن بشراهة، وأن تنظر إليهم بتحدٍّ وتظل صامتاً، وألا يظهر على وجهك أي تعابير كأنّك خشبة، وفعلاً أثار شكله وصمته وظهوره المفاجئ مخاوف الجميع! وتعاملوا معه بكثير من الاحترام والريبة والخوف، نظراً للهالة التي أحاطت به، والحقيقة لقد أجاد العشري أداء الشخصية كما هو مرسوم له.

اقرأ أيضاً: الحياة الشعبية في العريش: البساطة والسحر إذ يعانقان الخرافة
وتابع مُحدّثي: ثم كانت الخطوة التالية.. وهي رسم الشخصية العنيفة النبيلة، القادرة على القتال من أجل المبادئ، فأشعت قبيل الاجتماع الأسبوعي للمشجعين، أنّ (العشري) في قسم الشرطة، لأنّه ضرب شاباً كان يعاكس فتاة من منطقته، وأنّه تعامل معه بكل قسوة وتركه مليئاً بالجروح والإصابات، ثم أردفت "أصل العشري غبي وأحمق عندما يغضب، خصوصاً مع الشباب الذين لا يراعون الأصول والجدعنة".
يقول (رامبو) بالفعل انتشرت إشاعة العشري البطل الشعبي المتجهم، الذي ينتصر للمبادئ، وكنت أتعمد أن أحكي عنه البطولات الوهمية مثل انتصاره لسيدة مسكينة أم لأطفال تعرضت للسخرية في المترو وهو لا يعرفها، أو أن أحضر الاجتماع الأسبوعي وأنا أدعي الغضب طالباً من أعضاء الأولتراس عدم استقبال (العشري) مجدداً؛ لأنّه سيورّطنا جميعاً، فيسألون لماذا؟ فأجيبهم بضيق مفتعل: أمس كاد أن يقتل شاباً في معركة بالأيدي بينهم؛ لأنه لا يريد أن يدفع ثمن مشروباته في المقهي المجاور، وطبعاً يزداد انبهار الشباب بالبطل (العشري) مع كل حكاية من هذا النوع.

اقرأ أيضاً: التدين الشعبي وأهازيج البحث عن الخلاص
ثم نظر إليّ ساخراً، وقال: تعرف أنّ كل تلك الحكايات لم تصنع منه بطلاً، إنّ الذي صنع منه بطلاً شعبياً فعلاً، كانت تلك الحكايات التي حكاها الآخرون عنه، فكثيراً ما كنت أنسج الحكاية وأطلقها في الشارع، ثم تعود إليّ محمّلة بكمّ أكبر من البطولات.. لقد تكفل مجتمع المشجعين باستكمال حالة البطل، فكلّ من وصلته الحكاية زاد عليها فقرة أو فقرتين، حتى أنّ بعضهم كان يتطوع فيقسم أنّه رأى (العشري) يفعل كذا، أو أنه شاهده وهو ينقذ طفلاً سقط على قضبان القطار قبل قدومه بثوانٍ.

وجود الأبطال الشعبيين حتى لو كانوا وهميين يمنح المهمّشين الإحساس بالأمان والدفء الاجتماعي والانتصار الذي يفتقدونه

ثم زادت حكايات (العشري) الوهمية والتي جعلت منه (روبين هود) الجديد، وأصبح بين عشية وضحاها نصير الغلابى والمساكين، مع ملاحظة أنّ هذا البطل كان على نطاق ضيق وهو مجتمع الأولتراس، ساعدني العشري كثيراً في رسم صورة البطل الشعبي بطريقته المتجهمة، طبعاً كنت أهدّد به الخصوم، مما أوقف الاعتداء علينا بل أحياناً كثيرة كانوا يتوسلون إلينا أن نسوي الخلافات بيننا بعيداً عن (العشري)، حكايات كثيرة تلك التي يملكها (رامبو) عن قائد المشاغبين (العشري) أو بطله الشعبي المصنوع.
أجابت تلك الحكاية الحقيقية التي من لحم ودم، على أسئلتي القديمة، فعلى الرغم من أنّ شخصية البطل الوهمي الشعبي التي صنعها (رامبو) كانت على نطاق ضيق لا يتجاوز المئات من الشباب، إلا أنّ التجربة ذاتها تملك دلالة اجتماعية مهمة ويمكن اعتبارهم عينة من المجتمع، وبالتالي يمكن تكرارها على نطاق أكبر، إنّ صناعة البطل تزداد طردياً مع مستوى الصانع والمجتمع المصنوع له، على أي حال اكتشفت أنّ الناس، وخصوصاً المهمّشين، يحتاجون دائماً إلى بطل شعبي، يشبههم، ويمتلك القوة والقدرة والشجاعة التي تجعلهم يحتمون به، لا يشغلهم هل هو حقيقي أم لا، طالما لا يطالبهم بشيء، ولا يكلّفهم ما لا يطيقون، لا يشغلهم إذا كانت بطولاته حقيقة أم قصصاً وهمية؟  طالما انتصر الخير فيها على الشر؛ فالبطل الشعبي يصبح ملكاً لهم وإرثاً للأجيال التالية وإذا مات عمدوا إلى خلق آخر بمعايير جديدة.
يبدو لي أنّ وجود الأبطال الشعبيين حتى لو كانوا وهميين، يمنح المهمّشين الإحساس بالأمان والدفء الاجتماعي والانتصار الذي يفتقدونه، وعلى قدر ما يمنحهم من البطولات على قدر ما يمنحونه التقديس والاحترام والمبالغة في تحويله إلى أسطورة  أو إلى شخصية خارقة، بحجة أنّه مثال للانتصار والعدل والخير والحق والحرية.

للمشاركة:



صاروخ "سويوز إف جي" يتزيّن بعلم الإمارات وشعار مركز محمد بن راشد للفضاء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

تزيّن صاروخ "سويوز إف جي" بعلم الإمارات، وشعار مركز محمد بن راشد للفضاء، إلى جانب علمَي روسيا وأمريكا، استعداداً للمهمة التاريخية، في 25 أيلول (سبتمبر) الحالي .

وسيحمل صاروخ "سويوز إف جي" مركبة "سويوز إم إس 15"، وعلى متنها هزاع المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي، إلى محطة الفضاء الدولية، وفق ما أوردت "وام".

يجري الآن تجميع المراحل الثلاثة للصاروخ "سويوز إف جي" قبيل رحلة الانطلاق الذي سيشارك أول رائد فضاء إماراتي

والتقطت صورة صاروخ "سويوز إف جي" من مرافق محطة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان؛ حيث يجري تجميع المراحل الثلاثة للصاروخ قبيل رحلة الانطلاق.

وبذلك يوشك الإماراتي هزاع المنصوري على أن يحقق إنجازاً تاريخياً باسم بلاده؛ حيث سيصبح أول إماراتي يصل إلى الفضاء.

ويشارك الشاب الإماراتي، والطيار السابق، البالغ من العمر 35 عاماً، في مهمة هذا الأسبوع في محطة الفضاء الدولية، بعد انتقائه من بين آلاف المتقدمين، وقد قال عن هذه التجربة: إنّها "أشبه بأن تعيش ما هو مستحيل"، وفيما نشرت "بي بي سي".

وسيكون المنصوري العربي الثالث الذي يذهب للفضاء؛ إذ سبقه الأمير السعودي، سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والسوري محمد فارس، في ثمانينيات القرن العشرين.

ويُشار إلى الرحلة على أنّها علامة إيجابية على نمو قطاع الفضاء الإماراتي، وتتضمن الخطط الإماراتية إرسال رحلة غير مأهولة إلى المريخ؛ حيث ستكون في عام 2021، لتتزامن مع الذكرى الخمسين لقيام الدولة.

هزاع المنصوري

للمشاركة:

تقرير حقوقي يكشف أبشع انتهاكات الحوثيين الحقوقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعتقلت ميليشيا الحوثي حوالي 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي، أثناء تنقلهم بين المحافظات، وأخفتهم في سجون بمدينتي ذمار والحوبان بتعز.

وكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان؛ أنّ معظم عمليات الاعتقال كانت خلال مرور المدنيين العائدين من عدن إلى صنعاء، على نقاط أمنية يسيطر عليها مسلحون من جماعة الحوثي.

وأعرب المرصد الحقوقي الدولي، ومقره جنيف، في بيان نشره على موقعه الرسمي، عن بالغ قلقه إزاء توقيف المدنيين اليمنيين بشكل غير قانوني، أو إخفائهم قسراً، على يد جماعة الحوثي، واصفاً هذه الانتهاكات بأنّها "الأبشع في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن".

ميليشيا الحوثي الإرهابية تعتقل 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي بشكل غير قانوني

وبحسب البيان؛ فإنّ عمليات التوقيف والاختطاف في الطريق بين صنعاء وعدن تجري على الهوية، ما يزيد من معاناة المدنيين وأسرهم، مع تزايد الأنباء حول طلب القوات المحتجزة فدية مالية من أجل إطلاق سراحهم.

ووفق معلومات وثّقها المرصد الأورومتوسطي؛ فقد نزح نحو 3163 شخصاً من عدن، إضافة إلى 1034 أسرة من المحافظات الشمالية المختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، موضحاً أنّ الأطراف الدولية والأمم المتحدة لم توفّر مراكز إيواء للفارين أو أيّة مستلزمات تمكّنهم من بدء حياة جديدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي جماعة الحوثي بكشف مصير 455 مدنياً اعتُقلوا خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) 2014 وكانون الأول (ديسمبر) 2018.

كما طالب بالتوقف فوراً عن توقيف واحتجاز المدنيين الفارين من جنوبي البلاد، والتصريح بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، والسماح لذويهم بزيارتهم والاطمئنان عليهم، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي للعمل الجاد من أجل إنهاء عمليات الاحتجاز التي تنتهك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

وأفاد بأنّ ذوي المعتقلين يخشون على مصير أبنائهم مع انتشار أنباء عن تعرضهم لعمليات تعذيب، إضافة إلى استمرار منع الزيارات الدورية التي كفلها القانون الدولي للشهر الثالث على التوالي.

وكانت مؤسسات حقوقية محلية قد أفادت، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ 42 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية، بأنّ "170 مدنياً يمنياً قضوا تحت التعذيب في سجون تابعة لجماعة الحوثي، بينهم 9 أطفال وامرأتان و6 مسنين، خلال الأعوام الخمسة الماضية".

بدورهم، كشف ناشطون يمنيون في صنعاء، في وقت سابق، اشتراط مسؤولين من جماعة الحوثي دفع 700 ألف ريال يمني (1300 دولار أمريكي) كفدية للإفراج عنهم.

وفرّ آلاف اليمنيّين من مدينة عدن مع احتدام المعارك بين قوات الحكومة الشرعية وأخرى تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، للسيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

 

 

 

للمشاركة:

شاهد.. "الجزيرة" تعترف بفبركة فيديوهات عن مصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعترفت قناة "الجزيرة" القطرية ببثّ فيديوهات مفبركة وإذاعة مقاطع مصوَّرة قديمة على أنّها مظاهرات من مصر قبل أيام.

واعترفت مذيعة "الجزيرة" بفبركة مقاطع الفيديو والصور، التي نقلتها القناة القطرية عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنّها مظاهرات من مصر، وفق ما أوردت قناة "إيكسترا نيوز".

وقالت المذيعة: إنّ الفيديوهات التي تمّ تناول بعضها في نشرات الأخبار والتغطيات والتي نشرها نشطاء هي تجمّعات لمشجعي المنتخب المصري في بعض الفعاليات الكروية، وبعضها فيديوهات مفبركة، تمّ دمج صوت متظاهرين فيها مع صور مظاهرات سابقة.

بدوره، عرض الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامجه "الحكاية"، المذاع عبر فضائية "MBC مصر" فيديو يظهر زيف ادّعاءات قناة "الجزيرة" القطرية.

وعرض أديب فيديو عرضته القناة وادّعت أنّه من مظاهرات بمدينة المنصورة، ثم عرضته مرة أخرى مدّعية أنّه من ميدان التحرير في القاهرة.

ووصف أديب ما حدث بأنّه "تأليف"، مشدداً على أن ّتلك المظاهرات التي بثّتها الجزيرة ليست إلّا تجمعات لمشجعي النادي الأهلي.

وفي دليل آخر؛ نشر الفنان المصري محمد رمضان عبر "فيسبوك"  فيديو يظهر كيف استغلت "الجزيرة" فيديو لمحبيه، وأخذت مقاطع منه، وفبركتها على أساس أنّها مظاهرة في مصر ضدّ النظام المصري.

وتجمّع في وسط القاهرة وعدة مدن أخرى في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الماضي مئات المحتجين مرددين شعارات مناهضة للحكومة في استجابة لدعوة على الإنترنت للتظاهر ضد فساد بالحكومة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" عن شهود وسكان، لكن سرعان ما عادت الأجواء هادئة وإلى حركتها المعتادة وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي".

 

 

للمشاركة:



الكاتبة السويدية جولبارج باشي تحتفي بـ "الأبجدية الفلسطينية" فتتهم بمعاداة السامية

2019-09-23

حوار: تغريد علي


قالت الأكاديمية والكاتبة السويدية جولبارج باشي: إنّ القضية الفلسطينية هي من أكثر القضايا عدالة حول العالم، وهو الأمر الذي دفع إلى تعرّض عدد من النشطاء والأكاديميين المؤيدين للقضية الفلسطينية، في الولايات المتحدة وخارجها، لحملات ممنهجة لتشويه سمعتهم وفقدان وظائفهم؛ بسبب عدم ولائهم لإسرائيل، حتى وصل الأمر إلى قتل عدد منهم، وجرى اتّهام بعضهم بمعاداة السامية، كما حصل مع كتابي"P for Palestine: A Palestine" Alphabet Book"، رغم أنّ معاداة السامية موجودة منذ آلاف السنين، وما تزال موجودة إلى اليوم، من قبل الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، الذين يدافعون عن الصهيونية كوسيلة لإبعاد اليهود عن أوروبا، ولإبقائهم في فلسطين.

المشروع الصهيوني بأكمله يرتكز على فرضية خاطئة بأنّ فلسطين "غير موجودة" وأنّ هذه الأرض المقدسة هي ملكية عقارية

وأضافت باشي، في حوارها مع "حفريات": بأنّ "كتاب "الأبجدية الفلسطينية" للأطفال، جوبه بمعارضة كبيرة من قبل الصهاينة، وكان ذنب الكتاب الوحيد أنّه حمل كلمة "فلسطين"، مع أنّه لم يشتمل على أيّة ألفاظ معادية للسامية، أو تعني الكراهية المتأصلة لليهود، والكتاب لا علاقة له بهذه الكراهية، وهدفه الدفاع عن القضية الفلسطينية وهويتها الثقافية والتاريخية، والتعريج على الكوفية الفلسطينية ومفتاح العودة والتراث الفلسطيني وغيرها؛ لربط الأطفال في الولايات المتحدة وحول العالم بالقضية الفلسطينية؛ كوطن مستقلّ للفلسطينيين الذين هم أصحاب الأرض الأصليين.

كتاب "الأبجدية الفلسطينية" للأطفال جوبه بمعارضة كبيرة من قبل الصهاينة

يذكر أنّ جولبارج باشي ولدت في إيران، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ونشأت في السويد، وتلقت تعليمها في جامعة مانشستر، ثم جامعة برستول، قبل أن تحصل على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط، من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وهي مؤلفة لأدب الأطفال، ولها عدة إصدارات باللغات؛ الفارسية والإنجليزية والسويدية، وكان لتجربتها كلاجئة، إبّان طفولتها خلال الحرب العراقية الإيرانية والحياة في السويد، تأثير كبير للاهتمام بأدب الأطفال، إلى أن تمّ إصدار كتابها الأول باللغة الإنجليزية، الذي يتحدّث عن الأبجدية الفلسطينية، وتمّ بيعه في غضون أيام، وهو الآن في طبعته السابعة خلال العام الحالي 2019.

اقرأ أيضاً: روائي فلسطيني يقيم حفلاً لتوقيع روايته على بسطته لبيع القهوة
وباشي؛ هي عضو في حزب الخضر السويدي، وسبق أن تمّ اختيارها كمرشحة عن الحزب في الانتخابات البلدية السويدية لمدينة كرامفورس، عام 2002، وكانت تشغل منصب المدير التنفيذي للجنة المرأة في الحزب، واشتهرت بإصدار عشرات الكتب التي تتحدث عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط ووضع المرأة في إيران.

هنا نصّ الحوار:

متى تمّ إصدار كتاب الأبجدية الفلسطينية "P for Palestine: A Palestine Alphabet Book"؟ وعن ماذا يتحدث؟

تمّ إطلاق الكتاب في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وأُطلقت حملة تبرعات لنشر وطبع الكتاب، خلال العام 2016؛ حيث قدمت الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة دعماً مالياً كبيراً، والذي كان له الدور الأساسي في نشر هذا الكتاب وصدوره، ويتحدّث الكتاب عن فلسطين، وتمّ جعل كلّ حرف من حروف الأبجدية الإنجليزية يدلّ على الثقافة والتاريخ الفلسطيني؛ فعلى سبيل المثال: تمّ اختيار الحرف (P) لكلمة فلسطين، وحرف (Q) لكلمة القدس، وحرف (A) لكلمة أريحا، والحرف (G) للتعبير عن مدينة غزة، وحرف (B) للدلالة على مدينة بيت لحم، والحرف (D) للدلالة على الدبكة الفلسطينية، و(I) للتعبير عن كلمة انتفاضة، كما أُقيمت عدة لقاءات للأطفال في مناطق مختلفة من مانهاتن في نيويورك لقراءة هذا الكتاب.

التحريض على العنف

تمّ إطلاق الكتاب في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2017
ما هو دافعك وراء إصدار هذا الكتاب؟ ولماذا اتُّهمتِ بالتحريض على العنف ومعاداة السامية؟

دافعي لتأليف ونشر هذا الكتاب؛ كان بسبب قلة وندرة كتب الأطفال المتخصصة باللغة الإنجليزية، التي تتحدث عن فلسطين بشكل خاص، مع وجود قصص للأطفال أودّ أن أرويها في هذه المرحلة من حياتي، كأم وأكاديمية، ولطالما تمنيت أن تكون هذه الكتب والمؤلفات متاحة منذ طفولتي، حتى اخترت لنفسي أن أكتب للأطفال وأجعلهم يقرؤون، وذلك بهدف أن يكون لهذه القصص تأثير إيجابي وتعليمي، على الأطفال وعائلاتهم؛ فبعض الناس قد يكتب مقتطفات موسيقية أو أغاني أو أفلاماً، وقد يستخدمون أساليب أخرى للتعبير عن فنّهم، لكنني اخترت لنفسي أن أكون كاتبة.

اقرأ أيضاً: وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني
ولم يثر كتابي غضب الإسرائيليين؛ بل أثار غضب كلّ الصهاينة؛ لأنّه تحدّث عن فلسطين وثقافتها وتاريخها، وبدأت التعبيرات عن الغضب في شكل مضايقات على الإنترنت، وتهديدات بالقتل ومحاولات لحظر كتابي، والتسبّب في أضرار نفسية ومالية لي، حتى قبل الاطّلاع على كتابي من قبل الصهاينة، الذين يدّعون أنّني أقوم بمعاداة السامية والتحريض على العنف فيه.

ما الهدف الذي يسعى إليه الرافضون لنشر هذا الكتاب؟ ومَن وراء ذلك؟

هي محاولات يائسة من طرف أقلية عنصرية، تهدف إلى عدم ذكر اسم فلسطين أو قضيتها المركزية العادلة، ومنع أيّ طفل حول العالم، حتى إن لم يكن ذا أصول فلسطينية، من أن يعرف تاريخ هذه الأرض وثقافتها وحقيقتها، ومن هم أصحابها الأصليون؛ وذلك بهدف الاستمرار في حجب أيّة وسيلة نزيهة من شأنها توضيح القضية الفلسطينية بأيّة طريقة كانت، حتى جرى وصفي من قبلهم بأنني عنصرية؛ في محاولة لنزع الشرعية عني كمؤلفة وكاتبة.
الانتفاضة هي كلمة عربية وترتبط بالمقاومة الفلسطينية

لماذا أثار الكتاب غضب عدد من الإسرائيليين، خاصة عند ذكر كلمة "الانتفاضة"؟
بالنسبة إلى الانتفاضة؛ هي كلمة عربية وترتبط بالمقاومة الفلسطينية، التي استمرت لعقود في الكفاح من أجل الحصول على الاستقلال عن الاحتلال، وأصبحت هذه الكلمة مرتبطة بصور "العنف" من خلال الإصرار الصهيوني المطلق على إنكار وجود الفلسطينيين، وربط أيّ شيء يتعلق بهم بأنّه يدعو للعنف، حتّى الرسوم التوضيحية التي شملها الكتاب لأطفال صغار وهم يطلقون الطائرات الورقية ذات الألوان الجميلة على شاطئ بحر غزة، تمّ اتّهامي بأنّها رسومات تهدف إلى الترويج للإرهاب، وأرى أنّ الدفاع عن الفلسطينيين وحقوقهم لا علاقة له بالكراهية أو العنف ولا يتعارض مع ثقافات الشعوب الأخرى.

ما هي الأسباب الرئيسة وراء إلغاء احتفالية لعرض وإعلان الكتاب في مكتبة "هايلاند بارك"  بنيوجيرسي؟
بداية؛ قبلت دعوة وجهتها لي منظمة يهودية أمريكية، تُطلق على نفسها "صوت اليهود من أجل السلام"، في كانون الأول (ديسمبر) 2018، لقراءة كتاب "P for Palestine" في المكتبة العامة في هايلاند بارك في نيوجيرسي، وقد وافقت المكتبة، المموَّلة من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، على طلب من المنظمة لعرض وقراءة الكتاب، في أيار (مايو) الماضي؛ حيث اعترض بعض الصهاينة المتواجدين في المكتبة على عرض الكتاب، وبدؤوا بطرح الأكاذيب، في محاولة لتشويه صورة الكتاب، والحديث عن أنّه لا حقيقة لوجود الفلسطينيين على هذه الأرض، وأنّني كاذبة وأعمل على تزييف الحقائق، ما دفع المكتبة إلى إلغاء الفعالية المقررة.
ضغط من أجل إلغاء توقيع الكتاب

تمّ جعل كلّ حرف من حروف الأبجدية الإنجليزية يدلّ على الثقافة والتاريخ الفلسطيني
هل تعتقدين أنّ إلغاء مكتبة هايلاند بارك الفعالية كان يهدف إلى إحداث خلافات مذهبية بين اليهود والمسلمين في الولايات المتحدة؟

لا أظن ذلك؛ لأنّ الحدث جرى تنظيمه من قبل منظمة يهودية معادية للصهيونية، وكما تعلمون جيداً، بعد الفلسطينيين أنفسهم، فإنّ بعض المدافعين الأكثر نشاطاً وشجاعة عن القضية الفلسطينية هم يهود معادون للصهيونية، وهم يدفعون ثمناً باهظاً بسبب أنشطتهم حول العالم؛ لذا فإنّ فلسطين مسألة عالمية ومقياس لإنسانية الفرد، وليس كلّ من يدعم القضية الفلسطينية هم من المسلمين؛ لذلك فإنّ محاولة تحويل الخطاب حول القضية الفلسطينية إلى صراع بين المسلمين مقابل اليهود، هي طريقة كلاسيكية لتحويل الانتباه عن جذور القضية الفلسطينية السياسية والأيديولوجية.

كيف استطاع الكتاب نقل الصورة الحقيقية عن القضية الفلسطينية ومحاربة الأفكار الزائفة التي تحاك ضدّها؟
منذ ما يقرب من 7 عقود، كانت فلسطين مفقودة في وسائل الإعلام الأمريكية السائدة، أو مرتبطة فقط بصور العنف؛ لذلك عندما كتبت أول كتاب أبجدي للأطفال في العالم عن فلسطين، باللغة الإنجليزية، وأظهرت بشكل طبيعي فلسطين بطريقة واقعية، كان يُنظر إلى كتابي على أنّه هجوم على إسرائيل، وأنّه يحرّض على العنف ضدّ الآخرين، بالتالي، معاداة السامية، هذه الاتهامات البغيضة والكاذبة أثارت في الحقيقة عنفاً تجاهي؛ لأنني عطلت الصورة السلبية المعادية للفلسطينيين في وسائل الإعلام الأمريكية الناطقة باللغة الإنجليزية، في الولايات المتحدة بشكل عام، ولا سيما مدينة نيويورك، بعد أن دأبت إسرائيل على محو فلسطين بشكل متعمَّد من هذه الوسائل، وتحريف القضية الفلسطينية بشكل صارخ، مع إظهار صور سلبية انتقائية تصاحبها تقارير إخبارية ساخرة عنها، لذلك بات كلّ عمل يهدف لذكر فلسطين وقضيتها هو عمل تحريضي ويشكّل هجوماً على إسرائيل.

لماذا يتَّهم أيّ شخص يعمل لصالح القضية الفلسطينية في أمريكا بأنّه معادٍ للسامية، كما حصل مع كتابك؟
اعتقد أنّ المشروع الصهيوني بأكمله يرتكز على فرضية خاطئة، مفادها؛ أنّ فلسطين "غير موجودة"، وأنّ هذه الأرض المقدسة هي ملكية عقارية، منحت من الله لمجموعة عرقية ودينية معينة؛ أي اليهود الصهاينة فقط، وبالتالي؛ فإنّ اتهام المدافعين عن القضية الفلسطينية، أو منتقدي الجرائم الإسرائيلية، بأنّهم ضدّ الإنسانية ومعادين للسامية، هو تكتيك لإثارة الخوف والصمت وإخفاء الحقيقة حول واحدة من أكثر القضايا مركزية حول العالم؛ ألا وهي القضية الفلسطينية؛ لذلك تصاعدت الاتهامات على بعض الكتّاب والأكاديميين، الذين كانوا يعملون لصالح حرية الفلسطينيين، وجرى اغتيال اثنين منهم بدم بارد، هما من أكثر أدباء وكتّاب الأطفال والفنانين بلاغة في فلسطين؛ غسان كنفاني وناجي العلي.

للمشاركة:

ازدواجية الخطاب تُدخل النهضة في أزمة هوية تهدد مستقبلها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

دفعت الهزيمة التي تلقتها حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية إلى بروز مؤشرات سياسية تؤكّد غضب الكثير من القيادات والقواعد من تفرّد زعيم الحركة راشد الغنوشي بكل القرارات المتخذة داخل هياكل الحزب.

وخرجت النهضة من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية بهزيمة، نتيجة ما وصفه مراقبون بوقوع الحركة في “أزمة هوية” نظرا إلى إخفاقها في الفصل بين إسلاميتها وسياستها وعجزها عن تقديم حلول للأزمة الاجتماعية والمعيشية.

وأفضت الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية إلى مرور المرشحين أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ورجل الإعلام نبيل القروي إلى الدور الثاني.

ونال مرشح حركة النهضة عبدالفتاح مورو 434 ألفا و530 صوتا وحلّ ثالثا من مجموع ناخبين تجاوز ثلاثة ملايين.

ويرى المحلّل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن النهضة لا تزال “تتأرجح بين الإسلامية والمدنية وهذا يضعفها”، معتبرا أن هذا “أحد أسباب تراجعها”.

وأعلنت النهضة في مؤتمرها العاشر عام 2016 عن تغيير توجهها من الإسلامي إلى المدني، لكنها “لم تتخذ موقفا واضحا مثلا في مسألة المساواة في الميراث التي حسم فيها قيس سعيّد وكان واضحا”، بحسب الجورشي.

وكان سعيّد واضحا في مواقفه بقوله إن “القرآن واضح” في مسألة تقسيم الميراث وينص على أن المرأة ترث ثلث نصيب الرجل.

ويرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب أن “هناك أزمة هوية داخل الحزب، حيث لم يستطع المرور إلى المدنية بتقديم حلول اقتصادية واجتماعية” للتونسيين الذين يعانون من مشاكل البطالة وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم.

ويعتبر زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب رئيس الحزب راشد الغنوشي من جهته، أن “لا فرق بين مورو وقيس سعيّد، ولكن سعيّد انتخب لأنه خارج دائرة الحكم”.

ويضيف “على الغنوشي أن يرحل. هناك رغبة في أن يرحل جيل الغنوشي والباجي” قائد السبسي، الرئيس الراحل الذي حتمت وفاته إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

ويتابع “النهضة تطبعت مع النظام وميكانيزمات الدولة وأصبحت غير قادرة على إيجاد الحلول المتعلقة أساسا بالبعد الاجتماعي والاقتصادي”.

ورغم أن النهضة حاولت منذ 2011  حاولت تقديم نفسها على أنها تمارس أداء سياسيا مترفعا عن المصالح والحزبية، فإنها لم تنجح في اقتراح حلول للوضع الاقتصادي ولسياسات الحكومة التي خيبت آمال التونسيين.

في المقابل، عللّ الغنوشي الهزيمة في تصريح إعلامي بالقول إن الحركة لم تستعد جيدا للانتخابات. وقال “دخلنا متأخرين إلى الانتخابات الرئاسية”، مشيرا إلى أن “ما بين 15 وعشرين في المئة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو”.

إلا أنه عبر عن أمله في أن القواعد “ستعود للنهضة في الانتخابات التشريعية” المقررة في السادس من أكتوبر، حيث يسعى الحزب إلى الحفاظ على عدد المقاعد نفسه في البرلمان (69 من أصل 217) في الانتخابات التشريعية.

وتوجد الكثير من التخوفات في تونس من أن تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية على التشريعية، ومن أن يتواصل ما وصف بـ”تصويت العقاب” ضد منظومة الحكم لصالح قوى جديدة.

ويقول الجورشي “ربما ستخسر النهضة الكثير” في الانتخابات التشريعية، لأن “البرلمان سيتأثر بالرئاسية وسيفرز فسيفساء وقد تفقد الحركة مكانتها في الحكم”.

ويؤكد الشهودي “النهضة مدعوة إلى إعادة بناء نفسها في العمق عبر رسم حدود رئيس النهضة وحوكمة الحزب”.

وسارعت النهضة إلى إعلان تأييدها لقيس سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بهدف تدعيم قاعدتها. ويرجح المدب أن من أسباب تراجع النهضة أيضا “صراعات وتمزقا داخل الحركة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

أسئلة عن إيران ومن خلفها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

عبد الرحمن الراشد

المنطقة في حالة تشكل منذ سنوات، وكل ما فيها يصارع من أجل البقاء أو التغيير، ونظام إيران أحد عوامل هذا التغيير أو بالأصح معاول الهدم. وجاء هجومه على شرق السعودية كتصعيد رفع النزاع إلى مستوى أخطر. ولهذا نحتاج إلى أن نقرأه قراءة واعية، ونرى الصورة الكاملة. مقالي وجبة من نقاشنا اليومي.
هل يمكن أن نعتبر الهجوم على المنشآت النفطية جبهة حرب جديدة؟
الهجوم إعلان حرب من إيران، لكنه ليس بالضرورة جبهة مفتوحة جديدة في حال تم تأمين توازن الردع المطلوب، من ذلك تعهد واشنطن بإرسال قوات دفاعية، لمنع الهجمات الإيرانية أو جعلها مكلفة عليها. السؤال تقني عسكري إن كان يمكن رصد وردع الهجمات ذات التقنية الجديدة.
إيران الآن تبدل جبهاتها. في السابق كانت تحارب من بعيد، عبر الحوثي في اليمن. فشلت في إجبار السعودية، بالصواريخ والدورنز استهدفت الرياض وجدة والطائف وجيزان ونجران وغيرها، ومعظمها تم اعتراضه. أما هجمات بقيق وخريص فهو مستوى جديد من العدوان الإيراني على السعودية وكل المنطقة، ومغامرة دولية خطيرة. لهذا التوازن المنشود إن نجح سيفشل استراتيجية طهران التي تقوم على حرمان خصومها من النفط، بتدميرها المنشآت وخطفها الناقلات.
هل تأخر الرد العسكري السعودي على الهجوم الإيراني؟
نستذكر كيف تم التعامل مع الأزمات السابقة، عندما غزا صدام الكويت في أول أغسطس (آب) عام 1990 لم يأتِ الرد إلا في يناير (كانون الثاني) من العام التالي. مضت خمسة أشهر في سبيل تأمين غطاء قانوني دولي، وبناء تحالف عسكري. رغم الضغوط، صانع القرار لا يريد اتخاذ قرارات متعجلة دون أن يضع في الحسبان كل الاحتمالات، ومحاولة تأمين رد قوي وبأقل قدر من الخسائر. إيران لديها القليل لتخسره، فهي كدولة نفطية سخرت كل مدخراتها لبناء دولة للحروب، أما دول الخليج الست فتخشى على ما أسسته من بُنى صناعية وخدمية ومدن حديثة، وهي تنفر من المواجهات العسكرية، إلا إذا عندما يُفرض عليها، دفاعاً عن نفسها.
هناك من يشير إلى روسيا وأنها طرف مساعد لإيران في الهجوم، من منطلق «فتش عن المستفيد»، هل يعقل؟
لو لم يكن لإيران تاريخ حافل بالعدوان لجاز البحث عن محرض نلومه. الحقيقة لم تستفد روسيا من الهجوم الإيراني، فالسعودية تمكنت من تعويض النقص خلال بضعة أيّام مما أفشل هدف إيران، بحرمان أسواق العالم من المصدر الأول للنفط ورفع أسعاره. أما مغانم روسيا وبقية الدول المنتجة فقد جاءت صغيرة من وراء توقف الإمدادات لنحو ثلاثة أيّام.
قد يرى المتشككون بأن موسكو تريد محاصرة أميركا في مناطق نفوذها التقليدية، مثل الخليج، وهذا يبدو دافعاً منطقياً في صراع القوتين، لكن عند التمعن يمكن أن نرى خلاف ذلك، فالهجوم الإيراني قرّب المسافة بين الرياض وواشنطن وليس العكس، حتى إن زعيماً جمهورياً على خلاف مع الرياض، مثل السيناتور ليندسي غراهام، اصطف مع السعودية ودعا لإعلان الحرب على إيران. موسكو ليست مستفيدة من هجوم إيران، على الأقل في هذه المرحلة، بل قلَّص الهجوم الإيراني هامش المناورة عند الروس.
ماذا عن واشنطن؟ هل يمكن أن تكون متورطة، لتوسيع دائرة الخوف في الخليج وزيادة مبيعاتها من السلاح؟
نظرية المؤامرة عادة تدغدغ المنطق البسيط. لا توجد لواشنطن مصلحة في دعم هجوم يشل نصف إنتاج السعودية، لأنه يرفع الأسعار مما يضعف الاقتصاد الأميركي، ويهدد حظوظ الرئيس ترمب في الانتخاب. والحقيقة عكس ذلك، إيران هي التي تريد رفع السعر وإخراج غريمتها من السوق، والضغط على ترمب لرفع الحظر عنها. كما أن مبيعات السلاح الأميركي حتى هذا اليوم للسعودية أقل بكثير مما تم الاتفاق عليه بسبب معارضة الكونغرس لإدارة ترمب المحاولات في واشنطن لتقليص تسليح المملكة وليس مضاعفته.
ماذا عن تكاليف المواجهة الجديدة التي ستتكبدها الرياض، وتحدث عنها ترمب؟
ليست هناك حروب مجانية، ومعظم التحالفات القديمة والحديثة كانت بثمن، حتى الشركاء العرب يتوقعون أن يعوضوا مالياً، ومع هذا يبقى المال أرخص أكلاف الحروب.
للحوار بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية