القيادي الإسلامي ناجح إبراهيم يقدم وصفة للإخوان للعلاج من الفكر الإرهابي

24740
عدد القراءات

2017-11-02

قاد الطّبيب ناجح إبراهيم الجماعة الإسلاميّة في مصر إلى صدامٍ مسلّحٍ مع الدّولة المصريّة، بلغ ذروته في اغتيال الرّئيس المصريّ الرّاحل (أنور السّادات)، ثمّ قادها، مرّة أخرى، نحو المراجعة الفكريّة، فنجح في الإفراج عن عشرة آلاف من عناصرها، ابتعد أغلبهم عن العنف المسلّح.
إلّا أنّه بعد سقوط نظام الرّئيس الأسبق (حسني مبارك) رفض الاستمرار في قيادة الجماعة، بعد خشيته من انحراف مسارها الذي كان قد خطّه هو وعددٌ من رفاقه، بعد الإعلان عن المراجعات.
اختار إبراهيم، المولود في مدينة ديروط بصعيد مصر عام 1955، طريق الفكر والكتابة؛ لأنّه رأى أنّ القبضة الأمنيّة "غير كافية" للقضاء على العنف والتطرّف، فمعظم الدّول "تعالج العرَضَ ولا تعالج المرَض"، وكلّها تضع حلولًا تكتيكيّةً "مؤقّتةً"، ولا تحاول "استئصال الدّاء" من جذوره.
في حوار مع "حفريات" يحاول إبراهيم تشخيص المرض، ويكتب "روشتة" للعلاج، يستوحيها من تجربته في قيادة الجماعة التي استمرّت ما يزيد عن ثلاثين عاماً.
هنا نصّ الحوار:

* قد تنهي الضّربات العسكريّة تنظيماً متطرّفاً كداعش، لكن هل يمكن أن تنتهي في القريب أفكار التنظيم وتصوّراته عن الدّنيا والدّين؟
- الضّربات العسكريّة أو الأمنيّة قد تنهي جيلاً من التّنظيمات الإسلاميّة المتطرّفة، لكنّ أجيالاً أخرى تولد مرّات ومرّات، ذلك لأنّ الأفكار نفسها قد تتجدّد مرّة أخرى، وقد تتجدّد بصورة أعنف وأقسى من ذي قبل، خاصّة إذا وجدت البيئة الخاصّة بها، وتوافرت ظروف مشابهة للظّروف التي أوجدت التّنظيم الأوّل، أو أقسى منها.
* ما هي الشّواهد على ذلك؟
- ألم تحتلّ أمريكا أفغانستان؟ واستطاعت القضاء على أسطورة القاعدة في أفغانستان، وهرب قادتها إلى باكستان، واصطادتهم طائرات أمريكيّة بدون طيّار هناك، بمساعدة المخابرات الباكستانيّة، لكنّ تلميذاً للقاعدة في العراق، اسمه (أبو مصعب الزرقاوي)، أنشأ تنظيماً أكثر تطرّفاً وتشدّداً وتفجيراً في الأسواق والمساجد بعد احتلال أمريكا للعراق.
الزرقاوي لم يلتقِ ابن لادن، وشرب فكره سماعاً فقط، وأنشأ تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"؛ الذي يعدّ النّواة الحقيقيّة لتنظيم داعش، فابن لادن لم يفعل الموبقات كلّها التي فعلها الزرقاوي، أو داعش التي تعدّ الوريث الحقيقيّ للقاعدة في دنيا الإرهاب.
لقد تفوّق الوريث على الأب في عالم الإرهاب، وتكرّر ذلك في مصر، فنسخة الإخوان في الأربعينيّات والخمسينيّات كانت أقلّ عنفاً من الورثة الذين خرجوا من عباءة الإخوان، مثل: "المجموعات القطبيّة" التي كانت تكفّر وتتوسّع أكثر بكثير من الإخوان في هذا الباب، وكذلك مجموعة شكري مصطفى "التّكفير والهجرة" التي لم يكن لها مثيل في التّكفير، ومجموعات الجهاد والجماعة الإسلامية التي تبنّت العنف ثمّ رجعت عنه، وعنفها كان أشدّ من عنف الإخوان في الأربعينيّات.
فالأفكار ستظلّ موجودةً، وتحتاج إلى معالجاتٍ فكريّةٍ مستمرّة مع معالجة كلّ الظّروف السياسيّة والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والصراعيّة، التي تحوّل الأفكار إلىمنظومة عنف أو إرهاب كاملة.

الاعتماد على القبضة الأمنيّة وحدها لن يحلّ أساساً، الحل يكمن في الدّمج التدريجيّ للإسلاميّين السلميّين في الدّولة

* إذن، ما هي الإستراتيجيّات الحقيقيّة لمكافحة الإرهاب ومعالجة المرض الأساسيّ دون العرَض؟
- معظم الدّول تعالج العرَض ولا تعالج المرض، وكلّها تضع حلولاً تكتيكيّةً مؤقّتةً، ولا تحاول معالجة الدّاء من أساسه، ونحن لن نخترع العجلة، فهناك عدّة إستراتيجيّات جيّدة نجحت في عدّة دولٍ، ومن أراد وضع إستراتيجيّة لمكافحة الإرهاب والتطرّف، عليه أن يتأمّل هذه التّجارب، ويستفيد منها، ويأخذها مأخَذ الجدّ، ويطوّر عليها، وهي:
أوّلاً: تجربة مبادرة منع العنف مع الجماعة الإسلاميّة، وهي أكثر تجربة رائدة وناجحة، وقد نتج عنها خروج قرابة عشرة آلاف معتقلٍ لم يمارسوا العنف بعدها أبداً، وتمّ فيها تحسين السّجون، وتدشين سلامٍ حقيقيّ بين الجماعة الإسلاميّة والدّولة، وعودة هذه الآلاف من طريق العنف.
ثانياً: تجربة المناصحة السعوديّة: تعني إيجاد بيئة وسيطة غير السّجن، تؤهّل المتطرّف، في فترة تتراوح بين ستّة أشهر إلى عام، ليدرس ويتعلّم ويناقش، ويرى أسرته وتراه، ويلعب الرياضة؛ فهي أشبه بمعسكر إسلاميّ يبثّ الوسطيّة الإسلاميّة مع الوطنيّة الحقّة، مع بعض العلوم التربويّة والإداريّة، وعلوم التنمية البشريّة اللّازمة، وبناء صداقات إيجابيّة جديدة.
ثالثًاً: التّجربة التونسيّة: وتعني دمج الحركة الإسلاميّة التونسيّة في الدّولة تحت سقف معيّن، مع فصلها عن تبعيّتها القديمة للتّنظيم الدوليّ لجماعة الإخوان وغيرها، وأن تكون حزباً سياسيّاً فقط، وترك ازدواجيّة الجماعة والحزب.
رابعاً: التّجربة المغربيّة: تعني إبدال فكر الإسلام السياسيّ، الذي يتوق للسّيطرة على الدّولة، بفكر التصوّف الصّحيح الذي يخلو من البدع والخرافات، وعدّ التصوّف مثل المسيحيّة في الإسلام؛ لأنّ فيه الصّفح والعفو والتّسامح، وهذا كلّه موجود في القرآن، لكنّ نظريّات تنظيمات الإسلام السياسيّ تميل، عادةً، إلى معاني؛ الثّأر، والانتقام، والمظلوميّة، وردّ الصّائل، والعين بالعين، ومعظم الدّول لم تنجح فيما نجحت فيه المغرب من إبدال الفكر المتشدّد بفكرٍ آخر متسامحٍ ورصينٍ وعلميٍّ.
خامساً: التّجربة الأردنيّة، وهي تجربة جيّدة، وقد حمت الأردن وحمت الدّولة من العنف والاغتيالات والتفجيرات، بتغيير القانون حيث يسمح للجناح المعتدل والوسطيّ من الإسلاميين بأن يصعد للقيادة بدلاً من المتشدّد، ويتوافق مع الحكومة، ويكون جزءاً منها، بحيث تكون السّياسة للحكومة، والدّعوة والإصلاح الاجتماعيّ من نصيب الإسلاميين المتسامحين.
 

* في ظلّ المشهد الجاري، هل يمكن أن نرى عودة تيّارات الإسلام السياسيّ بقوّة، وهيمنتها على الفضاء العامّ، خاًصّة، أنّ تلك العودة، لو تحقّقت، ستكون محمولة على مجموعة من الرّوافع المهمّة، التي أوّلها الاستثمار في المظلوميّة التي لحقت بهذه التيّارات؟
- يمكن أن تعود هذه التيّارات بقوّة بعد فترة؛ فالحياة الحزبيّة شبه ميّتة، وليس هناك حزب فاعل، ولو حدث تغيير سياسيّ، وعادت الحركات الإسلاميّة، فإنّ أحزابها تستطيع السّيطرة على الوضع السياسيّ برمّته؛ لذلك يكون موت السّياسة خطأً وخطراً إستراتيجيّاً كبيراً، وحظر حزب "البناء والتنمية"، مثلاً، لخطأٍ أو لعدّة أخطاء صدرت منه، يعدّ سلبيّة إستراتيجيّة أكبر من أخطاء الحزب. ومحاصرة الحياة الحزبية عامّة، أو الأحزاب الإسلاميّة، مثل: حزب "النّور"، أو حزب "أبو الفتوح"، لن يصبّ في الصّالح مستقبلاً.
كما أنّ ركود الحياة الاقتصاديّة وارتفاع الأسعار يضرّ بمصداقيّة الحكومة، ويجعل أسهم الحركات المتشددة ترتفع باستمرار، فضلاً عن ضعف التّنمية بمجالاتها المختلفة.
تنسى الحكومة دائماً أنّ الدّولة تطير بجناحين، هما؛ مؤسّسات الدّولة، وقوى المجتمع المدنيّة المختلفة؛ من أحزاب سياسيّة، ومؤسّسات اجتماعيّة وخيريّة، وقوى ناعمة، ومؤسّسات فكريّة وثقافيّة، ...إلخ.
والخلاصة؛ أنّه لابدّ من قوّة الاثنين معاً.
*هل ترى أنّ هناك منافساً لتلك التيّارات، إن حاولت العودة إلى الفضاء العامّ مرّة أخرى؟
- في مصر، ليس هناك منافس على الإطلاق، إن جاء ظرفٌ سياسيّ أعاد هذه الجماعات المتشددة لحريّتها؛ ففي السّياسة ليس هناك حزبٌ سياسيٌّ في مصر يستطيع عقد مؤتمرٍ شبابيّ يحضره ألف شابّ، أو مؤتمرٍ في قرية أو مركز أو حيّ، ليس هناك حزب سياسيّ له حضور في الشّارع المصريّ. أمّا بالنّسبة إلى الدّعوة الإسلاميّة؛ فهي ميّتة، وتستطيع هذه الجماعات، إن خفّت القبضة الأمنية عليها، أن تهزم الأوقاف في عامٍ واحدٍ، أكبر شيوخ الأوقاف لا يحضر درس العصر له أكثر من عشرة أو عشرين شخصاً، ولولا خطبة الجمعة، المفروضة دينيّاً، لما حضر أحد للأوقاف؛ لأنّ خطابها وحركتها ونشاطاتها في المساجد روتينيّة وعقيمة الجدوى، لا ينجذب الشّباب إليها.
أمّا على المستوى الاجتماعيّ؛ فيجب السّماح بأكبر قدرٍ من المؤسّسات الخيريّة الاجتماعيّة، لسدّ الفجوة بين الأسعار والدّخل المتدنّي للفرد المصريّ، وقد كان ازدياد حالات البطالة عاملاً خطيراً، فهناك مهندسٌ نابغةٌ أعرفه حاصل على أعلى التقديرات طوال عمره، لا يجد عملاً، فماذا عن غيره؟!

أيقنت أنّ الدّاعية والمفكّر لابدّ أن يكون حرّاً من كلّ القيود، فلا يكون تابعاً لحكومة أو تنظيم

*ماذا لو تمّ تفكيك خطاب تلك الجماعات المتطرّفة، وتبيين عجزه وتهافته دون تقديم حلول بديلة، وطرح مشروعات لديها القدرة على الاستفادة من الطّاقات المهدرَة؟
- الاعتماد على القبضة الأمنيّة وحدها لن يحلّ أساساً، لكنّ حلّها الأساسيّ يكمن في الدّمج التدريجيّ للإسلاميّين السلميّين النابذين للعنف في الدّولة، في المجالات الفكريّة أو الثقافيّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة، مع إبعادهم عن المساحات السياديّة التي قد تخشى منها الدّولة، أمّا الإقصاء الكامل للجميع، مع التّلويح بين الحين والآخر بقوانين سيئة السّمعة، مثل؛ الفصل من الوظيفته، أو سحب الجنسيّة منه. كلّ ذلك سيؤدّي إلى باب عظيم وجديد للرّشوة والفساد والظّلم من جهة، وباب آخر للأحقاد والصّراعات والعنف دون مبرّر.
* هل ترى أنّ الدّول قد تنجح في محاولة دفع المتطرّفين إلى مراجعة أفكارهم في سجونهم، أم ستظلّ تلك المراجعات يعتريها العور كونها أُجريت بين طرفين؛ الأوّل سجّان والآخر مسجون؟

- الدّولة فاتت منها سنوات ذهبيّة، من 2014م حتّى 2017م، لم تقم فيها بأيّة مجهودات تُذكر لتشجيع أيّ متطرّف في السّجون نحو الاعتدال والمراجعة والوسطيّة. لقد حوّل اللّواء فؤاد علّام السّجن إلى جامعة في1982م، وجاء بعلماء كثر، وناقش عشرات القضايا الفكريّة مع آلاف المعتقلين دون إكراه أو إجبار، كانت تجربة ناجحة خرج على إثرها قرابة عشرة آلاف معتقلٍ كان بقاؤهم في السّجن قنبلة موقوتة؛ إذ سيتحوّلون فيه من مشروع تطرّف خفيف إلى تكفيريّ، ثمّ إلى تكفيريّ منتظم في تنظيم، ثمّ إلى إرهابيّ أو قياديّ يقود تنظيم، لكنّ خروجه إلى بيته سريعاً، قبل إحباطه ويأسه، جعل هذه الآلاف تخرج، ولم يقم أيّ واحد منهم بعملٍ عنيفٍ بعد ذلك.
واللّواء أحمد رأفت، مسؤول التطرّف الدينيّ الأسبق في جهاز أمن الدّولة المصريّ، طاف مع قادة المبادرة السجون كلّها، وحوّلها من سجون إلى جامعة علميّة وفكريّة، وقد أعطينا في سجون مصر قرابة 500 محاضرةٍ، بداية من سجن الوادي الجديد إلى سجن دمنهور، مسافة ألف كيلو متر تقريباً، وكان الجامع بين التّجربتين؛ تحسين السّجون، وفتح التّعليم للطّلاب، واقتراب ضبّاط الأمن السياسيّ من السّجناء.
أحيانا تصبح السجون مفرخة للإرهاب، يدخل الشّاب السّجن مشاركاً في مظاهرة سياسيّة ويعامَل معاملة سيّئة، ويجد حجج الدّواعش أقوى من حجج دعاة الإخوان، فيدخل داعش. إذاً، تحوّل من متظاهر غير مؤدلَج إلى داعشيّ كبير، وكلّ الذين قاموا بعمليّات عنف كبرى كانوا قد خرجوا من السّجون بعد عام أو أقلّ أو أكثر، وذاقوا معاملة سيّئة، واختلطوا بذوي الأفكار التكفيريّة أو الإرهابيّة أو الداعشيّة.

* كنتَ تشعر، بعد ثورة "25 يناير"، بخطورة ارتداد الأفكار التكفيريّة على الجماعة الإسلاميّة مرّة أخرى، بينما خالفك في ذلك أحد قادة الجماعة، لماذا وكيف استشرفت ذلك؟

- الحمد لله أن وفّقني مرّاتٍ كثيرة لاستشراف المستقبل جيّداً، فقد كتبت بعد عام 2004: "إنّ الحركة الإسلاميّة لن تصل إلى السّلطة، وإذا وصلت إليها أُجبرت على تركها، وإنّ الله لن يجمع لها السّلطة مع الدّعوة، وكلّما حاولت الجمع بينهما ضاع الاثنان"، وكنت مقتنعاً بعد المبادرة بأنّ أفضل مشروع أقدّمه للجماعة الإسلاميّة وبها، هو تحويلها من تنظيم إلى فكرة إصلاحيّة ودعويّة وفكريّة وسطيّة، وقمت بتشجيع أكبر عدد من النّابهين فيها بالكتابة والتّأليف، وأطلقت جميع الملكات فيها دون قيد أو شرط.
كنت مقتنعاً بالمبادرة، وبوجوب تطويرها مع معظم تلاميذي الباقين المقتفين لأثري في الجماعة حتّى الآن، البعض كان يظنّ أنّنا قدّمنا المبادرة، وغيّرنا فكرَنا من أجل الخروج من السّجن، هذا لم يكن صحيحاً، بدليل أنّني قلت كلاماً جريئاً جدّاً بعد ثورة "25 يناير"؛ بل أجرأ ممّا قلته أيام المبادرة، ولم تكن هناك يومها حكومة، أو أمن دولة، أو أجهزة أمنيّة، فقد كان ضميرنا هو الذي يحكمنا، ولم تكن المبادرة صفقة مع الدّولة بقدر ما هي تجارة مع الله وتصويب مسيرة من أجله سبحانه.

إنّ تجربة حكاياتي كلّها، لو حكاها فيلم سينمائيّ لأصبح مشوّقاً، لكثرة تجاربها وتعدّدها وقد ذكرت القليل منها

*وماذا حدث بعد ثورة "25 يناير"؟
حزنتُ بعد الثّورة؛ لأنّ بعض أبناء الجماعة الإسلاميّة أرادوا العودة إلى الميثاق والكتب التي نقدناها وغيّرنا فكرها في المبادرة، قلت لهم: إنّني سأترك، حتماً، هذه الجماعة، وسأرحل عنها، لكن سأنصحكم لوجه الله: هل هناك عاقل وصل لدرجة الماجستير يريد أن يعود إلى كتب الابتدائيّة.
رأيت البعض يحنّ إلى التّنظيم وقوّته وحديديّته، قلت لهم: إنّ الفكر والدّعوة وحبّ الهداية أقوى من التّنظيمات كلّها.
والعجيب أنّ كلّ من أراد شيئاً حصل عليه، فبعضهم هوى المناصب فحصل عليها ثمّ ضاعت منه، وبعضهم رغب في التّنظيم وقدّمه على كلّ شيء فحصل على قيادته، وأنا رغبت في الدّعوة ونشر الفكر الصحيح فحصلت عليهما. ضاعت المناصب، وكذلك التّنظيم، وبقي الفكر، أرادوا كلّهم الخير، من وجهة نظري، وكانوا كلّهم يفكّرون في المصلحة، لكنّ بعضهم نظر تحت قدميه، وبعضهم الآخر نظر إلى الأمام.
*كيف استقلت من الجماعة؟
- كنت محظوظاً في لحظة استقالتي من الجماعة الإسلامية، لقد كانت لحظةً رائعةً وتوقيتاً رائعاً، وهذا من عند الله وحده، وأنا رجلٌ قدريّ، أحبّ أقدار الله، وأتعايش معها مهما كانت صعبة، وصبري طويل.
استقلت في عزّ مجد الجماعة الإسلاميّة وسؤددها، وفي الوقت الذي كان النّاس فيه يتقرّبون إليها، وفي وقت زهوّها وعنفوان قوّتها، لم يهمّني المجد الذي ينتظرني في تلك اللّحظات، ولا وصف الغباء الذي وصفني به بعضهم، وأنا أغادر بستان الجماعة في وقت حصد الثّمار التي تعبت في بذرها وسقيها لسنوات، لكنّني كنت سعيداً جدّاً، وراضياً عن نفسي؛ لأنّني لم أستقل منها في وقت ضعفها وهوانها، وإلّا اتّهمني النّاس بالضّعف والخوف.
لقد تحمّلت أصعب اللّحظات، ولم أقل "آه"، والحمد لله الذي وهبني هذه اللّحظة الفارقة، والحمد لله أنّني لم أتكسّب من الجماعة شيئاً، وأعطيتها جهدي وإخلاصي بلا حدود، ومن يقرأ خطاب استقالتي يجد فيه الكثير من المعاني النّبيلة، فقد سقتُ فيه جملة من المعاني، مثل: إنّني أيقنت أنّ الدّاعية والمفكّر لابدّ أن يكون حرّاً من كلّ القيود، فلا يكون تابعاً لحكومة أو تنظيم أو حزب أو جماعة. إنّني أريد أن أكون كالعصفور، أغرّد كما أشاء وكيف أشاء، أتنقّل من غصن إلى غصن، دون أمرٍ من أحد أو إذنٍ من أحد، ودون أن يلومَني أو يراجعني أحد. إنّني أحمل لأبنائي وزملائي في الجماعة الإسلاميّة كلّ الودّ والحبّ والأخوّة، وهم يحملون الكثير من الصّفات النّبيلة التي طمس عليها العنف لفترة.

تفوّق الوريث على الأب في عالم الإرهاب، فمن خرجوا من عباءة الإخوان أصبحوا أكثر تطرفاً وعنفاً

*كنت تشعر بعد ثورة "25 يناير" بخطورة ارتداد الأفكار التكفيريّة على الجماعة الإسلاميّة مرّة أخرى، بينما خالفك في ذلك أحد قادة الجماعة، لماذا وكيف استشرفت ذلك؟

- إنّني أحبّ كلّ النّاس، ولا أحمل حقداً على أحد، أو حزناً من أحد، وقد ظلّ المرحوم الدّكتور عصام دربالة، لمدّة عامٍ، آملاً في عودتي، معلّقاً استقالتي، منتظراً حضوري إلى مجلس الشّورى لمدّة عام، دون جدوى أو حضور، حتّى اتّفق معي على تعيين غيري، فقلت له: اختاروا مَن تشاؤون، أنتم أحرار، فقد شققت طريقي وحدي.
كان هذا صعباً جدّاً على أيّ شخصٍ، فكلّ النّاس لهم سندٌ، إذا غرّدوا غرّد الآلاف معهم، أمّا أنا فلا سند لي إلّا الله، كما أنّ أطروحاتي التي كانت تدعو إلى السّلم والحلم والعفو، وترك السّلطة إيثاراً لسلامة النّاس من السجون، كانت لا تلقى ترحيباً من معظم الإسلاميّين بعد الثورة مباشرة، خاصّة، أنّ الجميع حينها كانوا في وقتٍ هائجٍ مملوءٍ بصيحات الانتقام والثّأر والغلبة والانتقام، فكان صوتي نشازاً بينهم.
لكنّ فكري الوسطيّ وأطروحاتي انتصرا في النّهاية، وكلّ ما توقّعته حدث بالحرف؛ توقّعت التّكفير والتّفجير، والاغتيالات، وأشياء كثيرة أخرى، وحذّرت الإسلاميّين منها ومن غيرها، لكن دون جدوى.
إنّ تجربة حكاياتي كلّها، لو حكاها فيلم سينمائيّ لأصبح مشوّقاً، لكثرة تجاربها وتعدّدها، وقد كتبت القليل منها فقط.

 

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مختار نوح: مرسي كان يرغب في إجراء مراجعات قبل وفاته والشاطر رفض

2019-07-15

أجرى الحوار: سامح فايز


قال المحامي والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، مختار نوح: إنّ الرئيس المعزول، الراحل محمد مرسي، كان يرغب في إجراء مراجعات للموقف السياسي للجماعة قبل وفاته، غير أنّ خيرت الشاطر رفض تلك المسألة، وطلبت الجماعة من مرسي عدم الخوض في مسألة المراجعات.

الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة لا علاقة لها بظروف إلهية وذلك يكون استثماراً فالجماعة قابلة للاستثمار

وأضاف نوح: "لا يوجد أمل لعودة الجماعة مرة أخرى للمشهد العام، بعد أن كشفت عن وجهها المتطرف، وسيطرة التنظيم الخاص، ومقاتلة الشعب"، لافتاً إلى أنّ الإخوان عادت في مرات سابقة للحياة بعد حظرها من الأنظمة الحاكمة؛ بسبب رغبة الحكام في استثمار الجماعة، إلا أنّ تلك المسألة غير قابلة للحدوث الآن.
وأشار نوح، في حوار مع "حـفريات"، إلى أنّ النظام الخاص يسيطر على الجماعة بالكامل، منذ عام 1995، بعد تولّي مصطفى مشهور مكتب الإرشاد، منوهاً إلى أنّ أوّل ما فعله النظام الخاص؛ إقصاء غير المنتمين له من الجماعة بالكامل.
هنا نصّ الحوار:

خيرت الشاطر
على مدار تاريخ جماعة الإخوان تمّ حلّها وحظرها أكثر من مرة، وكانت تعود في كلّ مرة أقوى من السابق، تلك المسألة تطرح سؤالاً عن هل هناك إمكانية لعودة الجماعة للمشهد من جديد؟

جماعة الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة، لا علاقة لها بظروف إلهية، وذلك يكون استثماراً، فالجماعة قابلة للاستثمار، أنا أذكر مرتين لرجوعها، الأولى، كانت أيام السادات، وكان المفترض عقلاً بعد أن قتل السادات، وانتماء خالد الإسلامبولي لجماعة الإخوان مسبقاً، أن يكون هناك حذر في الاستثمار؛ أي أن يكون استثماراً محسوباً، لكن حسني مبارك أجرى الصفقة بطريقة أخرى، طريقة خدعنا فيها جميعاً، حتى أنا خدعت فيها في بداية الأمر، فقد أعلن أنه لن يقابل عمر التلمساني، لكنه سار في أربع خطوات، الخطوة الأولى: ترك ملف التفاوض مع الإخوان للأمن، الخطوة الثانية: التفاوض بالطريق العملي، بمعنى، إذا تعدى الإخوان الحدود المتفق عليها يقاومهم بالقبض الرمزي؛ أي القبض المعلومة نهايته.

اقرأ أيضاً: تهديدات بالقتل لقيادي بحماس بعد قطع راتبه لانتقاده الإخوان
الخطوة الثالثة: أن يكون الحوار سياسياً في الدرجة الأولى، لا يشمل الدعوة، ولا سلامة غاية الإخوان، ولا غيرها، فقط سياسي بالدرجة الأولى.
الخطوة الرابعة: أن يقدم الإخوان له ما يريد.
وبالتالي؛ عادت جماعة الإخوان، مرة أخرى، بقبلة الحياة، لكن في تلك المرة، السلطة لا تستطيع إعطاء الإخوان قبلة الحياة، فالتنظيم السرّي كشف عن وجهه، وأنّه المسيطر على الجماعة، وقاتل، وقَتل، وأعلن الجهاد المسلح، وأصبحت المسألة مستحيلة على عودة الإخوان، ومستحيل على أيّ حاكم أن يتحمّل مسؤولية عودتهم.
استخدام العنف

 

في جميع المرات التي تمّ فيها حظر الجماعة كان التنظيم السرّي موجوداً، ورغم ذلك عادت الجماعة، فالتنظيم لم يكن غائباً في الحقبة الملكية، ولم يكن غائباً فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
استخدام العنف في مواجهة الشعب غير استخدامه في مواجهة اليهود، غير استخدامه في مواجهة أشخاص، مثلاً في حادثة قتل الخازندار نجد الكاتب الصحفي والروائي، إحسان عبد القدوس، في روايته "في بيتنا رجل"، يصوّر الإرهابي على أنّه بطل، فيمحي من ذاكرة الناس أنّ الإرهابي قام بفعل القتل، لكن يجعلهم يعيشون قصة حبّ خالدة مع زبيدة ثروت، فتنسيهم زبيدة قصة رئيس الوزراء الذي قُتل، وعمر الشريف له سحره، هنا نرى كيف تستخدم القصص والأدب والسينما، أنا أعتقد أنه خطأ كبير لإحسان عبد القدوس، وقد أبلغته برأيي هذا، وأبلغت محمد عبد القدوس.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
الآن أيضاً: هناك بعض الأعمال في السينما تناولت جماعة الإخوان باعتبارها فصيلاً سياسياً، وأننا جميعاً نعيش في مركب واحد، ونواجه عدوّاً واحداً؛ هل معنى ذلك أنّ خطأ فيلم "في بيتنا رجل" تكرّر؟
الأفكار المرتبطة بزمن سياسي وواضح، وفيها عنصر المجاملة، لا نعتبرها في الفنّ علامة، مثل: فيلم "الهجامة"، للفنانة ليلى علوي، وهشام سليم، وهو فيلم يظهر الثورة ضدّ السادات بصورة سلبية، فانتفاضة الخبز، عام 77، أظهروها بأنّها ثورة حرامية وغير شريفة، علماً بأنّها كانت ثورة حقيقية ومنظمة.
حوار الجماعة مع الغرب
جماعة الإخوان كانت تجري تفاهمات مع جهات أجنبية وسفارات أوروبية، وهي مسألة ساهمت كثيراً في عودتها للمشهد العام أكثر من مرة بدعم من تلك الجهات؛ ما تعقيبك على هذه المسألة؟

وأنا في السجن، عرّفني أحد الصحفيين، البارزين الآن، على سعد الدين إبراهيم، وكنت أنا بالذات محظوراً من الحديث مع أيّ شخص داخل السجن، وكنت أتعرّض للحبس الانفرادي إذا تحدّثت مع أيّ سجين، لكنّ سعد الدين إبراهيم تواصل معي رغم ذلك، وبعد قليل من الحوار طلب تحديد لقاءات مع الإخوان، وعندما علم الإخوان بذلك اكتفوا بأنني أوصلتهم به، ثم استبعدوني من جلسات الحوار، لكن بعد خروجنا من السجن علمت أنّ سعد الدين إبراهيم ينظّم حفلاً كبيراً للحوار بين الإخوان والسفراء الأوروبيين، وتمّت دعوتي للحوار، لكنّني رفضت المشاركة.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
المرة الثانية التي عرفت فيها بشكل مباشر أنّ الجماعة تجري لقاءات مع جهات أجنبية؛ كانت عندما قابلت زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد حسني مبارك، وأخبرني بأنّ الإخوان تخطّوا الحدود، ويجرون اتصالات بالخارج، وعندما أوصلت الرسالة لخيرت الشاطر استهتر بها، فقد كان لا يحب أن يتفاهم أحد غيره مع النظام، فرفض الرسالة تماماً، فتمّ القبض بعدها على 23 شخصاً من قيادات الإخوان.
لكن في عهد المرشد محمد حامد أبو النصر جاء في وثائق ويكليكس؛ أنّ السفارة الأمريكية حاولت مقابلته والحوار معه، لكنّه طلب منهم بشكل مباشر استئذان وزارة الداخلية المصرية والحصول على موافقتها لإجراء أيّ حوار؛ ما سبب تغيّر شكل الحوار في عهد أبو النصر عن عهد مشهور؟
في ظلّ غياب التنظيم الخاص أيام التلمساني وأبو النصر، كان من الممكن طلب استئذان الداخلية، لكن في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب، وذلك عن طريق حماس، وغياب التنظيم الخاص في تلك الفترة كان بسبب استبعاد المرشد عمر التلمساني لرجالات التنظيم، لذلك يكره أعضاء التنظيم الخاص عمر التلمساني جداً، حتى أنّهم لم يكتبوا عنه نهائياً ضمن أدبياتهم عن القيادات الإخوانية؛ فالتنظيم الخاص بدأ يتحكم في التنظيم بعد ولاية محمد حامد أبو النصر؛ بسبب صعود نفوذ مصطفى مشهور، الذي بدأ في الاستعانة برجال التنظيم الخاص، مثل: محمود عزت، وخيرت الشاطر، اللذين استبعدهما عمر التلمساني سابقاً من أي دور داخل الجماعة، خاصة بوجود قضية رقم 122 لسنة 1983 حينها، اسمها "قضية التنظيم الخاص"، وعندها اجتمع عمر التلمساني بمجموعة من القانونيين وكنت أحدهم، وعندما اجتمعنا طلب الاطلاع على أوراق القضية دون أن يعرف أحد، واستطعت عام 1990 الحصول على نسخة من القضية، واكتشفت أنه تمّ حفظها، رغم أنّ نيابة أمن الدولة لم تكن تحفظ أيّة قضايا للإخوان، وتلك القضية كان المتهم الأول فيها خيرت الشاطر، والثاني محمود عزت، ورغم ذلك لم يقبض عليهما!

سيطرة التنظيم الخاص

مختار نوح مع المرشد مصطفى مشهور
لماذا تغيرت سياسة الجماعة في إجراء حوارات مع جهات أجنبية، بعد سيطرة التنظيم الخاص على مجريات الجماعة؟

التنظيم السري يؤمن بالميكافيلية، أو الغاية تبرر الوسيلة، أما الإخوان العاديّون فيرفضون ذلك، هؤلاء الذين انضموا وقت عمر التلمساني، وشكلوا معه مكتب الإرشاد، وكانوا يرفضون التنظيم الخاص، والعمل المسلّح؛ فالصراع كان دائراً بين الجناحَين، حتى استقرت جماعة الإخوان على العنف المسلّح والتنظيم الخاص، عام 1995، التفاهمات قبل ذلك كانت ضدّ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكانت علنيّة؛ فنجد أنّ عمر التلمساني يتحدث مع السادات في العلن، وأنّ السادات يحذّره من التنظيم الخاص في العلن أيضاً، فيخبره التلمساني بأنّه لن يضمّ للجماعة أيّ فرد من التنظيم الخاص في العلن، فلا توجد سرّية؛ لذلك هو مكروه من رجال التنظيم الخاص، لكن مع تولّي مصطفى مشهور لمكتب الإرشاد، ظهرت على السطح من جديد مبادئ سيد قطب، ومبادئ سرية التنظيم وعلنية الدعوة، ومسألة أننا نعيش في مجتمع جاهلي تحوّلت لسلوك عملي، فلا نخرج المال لشخص جاهلي؛ بل نعطيها لشخص مسلم، ورغم ذلك، كانت تأتيني، وأنا في الجماعة، بعض القضايا للتحقيق فيها، وجدتها تتضمن سرقات وانحرافات كثيرة داخل الإخوان، وشكاوى أخلاقية كثيرة، لكن لا أستطيع نشر تلك التحقيقات الآن لأنني تكتّمت عليها، مسألة واحدة فقط نشرتها، كانت لها علاقة بالتحقيق مع محامٍ شابّ يعمل في مكتبي للمحاماة.

اقرأ أيضاً: لماذا تحاصر ألمانيا جماعة الإخوان؟!
كان حكم الجماعة في المطلق للتنظيم الخاص، وهم الذين ذهبوا بالجماعة إلى التسليح؛ إذا كانت توجد رغبة في تجميع السلميين حول محمود عزت؛ فهو نوع من الاختفاء مرة أخرى حول الشعارات المضللة، إنما يحيى موسى، المسؤول عن الخلية النوعية التي قتلت النائب العام هشام بركات، ما كان له أن يخرج عن طوع محمود عزت قيد أنملة.

 

سيطر التنظيم الخاص على مجريات الجماعة، عام 1995، مع تولّي مصطفى مشهور، وفي تلك الفترة تقريباً ظهرت على السطح الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكيين، التي أصبحت تنظيم القاعدة بعد ذلك؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة بين سيطرة النظام الخاص ونشأة تنظيم القاعدة؟
كان ملاحظاً أنّ الإخوان في مصر لم يتعاطفوا مع الإخوان الذين ضربوا في أفغانستان، لم يتعاطفوا معهم التعاطف المطلوب، ولم يكن هناك إمداد بالمال أو السلاح، وأعتقد أنّهم عندما وجدوا كفّة نظام القاعدة وأسامة بن لادن هي الراجحة، لم يرغبوا بمعاداتها، فالقضية لم تكن قضية سوفييت، أو دفاع عن الإسلام، لكنّها كانت قضية رجاء أمريكي ويجب تحقيقه، فكان السمع والطاعة الكاملان من مبارك لأمريكا، وبدء تسفير المجاهدين لأفغانستان بشكل منظم.
العمل تحت الأرض
أقصد؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة مباشرة بين صعود النظام الخاص وظهور القاعدة على سطح المشهد العام؟
طبعاً، فالأفكار هي هي، والكتب هي هي، على العكس؛ تنظيم القاعدة الآن أكثر اعتدالاً، على عكس داعش، أيمن الظواهري في الماضي أصدر كتاب "الحصاد المرّ"، هاجم من خلاله جماعة الإخوان لدخولهم البرلمان، لكن تفكيره في تلك الفترة كان قاصراً، فالعمل تحت الأرض يختلف تماماً عن العمل فوق الأرض، وذلك تمّ بالطبع بعد سيطرة التنظيم الخاص، الذي كان من ضمن أهدافه طرد غير المنتمين له داخل الجماعة، فتجد أنّه بعد سيطرة التنظيم الخاص خرج عبد المنعم أبو الفتوح، وعبد الستار المليجي، ومحمد عبد اللطيف، وأبو العلا ماضي، ومختار نوح، وأكثر من 80 قيادة، وكان أجرأ من خرج في تلك الفترة عبد الستار المليجي؛ الذي كتب كتاباً عن التنظيم الخاص، وقرأناه ونحن ما نزال أعضاء داخل الجماعة، ووصل الرقم لأكثر من 600 إخواني، ولا أتحدث هنا عن الآلاف الذين خرجوا من الجماعة بعد أحداث "الربيع العربي"، كانون الثاني (يناير) 2011.
هناك وثائق مسربة من مخابرات أوروبية تشير إلى وجود دعم غير مباشر لجماعة الإخوان في المنطقة العربية؛ ما تعليقك على ذلك؟
إذا دخلت إسرائيل على حماس الآن، ودكّتها تماماً؛ هل سيعقّب أحد على ذلك؟ لن يعقّب أحد، ولا حماس نفسها، ذلك يطرح سؤالاً مهماً؛ لماذا لا تدكّ إسرائيل حماس وتنهي تلك الأزمة نهائياً؟ تلك هي نظرية مبارك والإخوان، فأنا مستفيد منها، حماس هي التي قلبت نظام القوى في فلسطين، وأصبحت هناك دولتان، فيصل الأمر؛ أنني أموّل حماس حتى تعيش، وأضربها من الجانب الآخر عند اللزوم، وأدعم التعاطف مع قضية فلسطين، وذلك يثبتها أكثر على حدود مصر، ويسبب ذلك قلقاً شديداً لمصر، فحماس تبني أنفاقاً تسهّل دخول السلاح إلى مصر.

 

في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب وذلك عن طريق حركة حماس

ثالثاً: ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية.
رابعاً: تعلي من راية عدم النصر؛ فهي سلمية أكثر من السلطة الفلسطينية، وهي التي تقاوم تنظيمات السلفية الجهادية والمتطرفين في غزة، وهي التي توجه بنادقها ناحية مصر لا إسرائيل.
هكذا كانت خطة مبارك في تعامله مع الإخوان؛ فهو يدعم وجود الإخوان؛ لأنّهم مسألة مهمة جداً لتحقيق رغبة أمريكا، أو لمواجهة إيران عند اللزوم، أو مواجهة العراق عند اللزوم الآخر؛ لذلك تلاحظ أنّ إخوان الكويت انفصلوا عن إخوان مصر تماماً، بعد حرب العراق؛ لأنّ إخوان مصر لم ينبسوا ببنت شفة عن حرب الكويت، بينما مبارك تحدّث، فارتفعت أسهمه وانخفضت أسهم الإخوان.
لذلك؛ أريد التأكيد على مسألة الدعم غير المباشر لجماعة الإخوان من قبل بعض الجهات، التي تجد في وجود الإخوان وبقاء الجماعة مصلحة لها.
انتفاضة مرسي

 ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية
وفاة محمد مرسي ربما أعطت الأمل للبعض في أنّه ستكون هناك إمكانية للتفاهم مع النظام، على اعتبار أنّ الجماعة كانت ترفض التفاهم إلا إذا عاد مرسي للحكم؛ هل تتفق مع تلك الرؤية؟

على العكس؛ مرسي هو من أراد عمل مراجعات في الموقف السياسي قبل وفاته، لكنّ خيرت الشاطر رفض، مرسي في النهاية بدأ مراجعة نفسه بصوت عالٍ، على غير عادته، وبدأ بطرح السؤال حول أسباب الصدام، وقال: لماذا لم نقف عند حدّ معيّن بعد أن تمّ القبض عليّ؟ هنا نكون نحن الأبطال، ونحن المظلومين، ونحن من في السجون، وبدأ في قول إنّ المسألة السياسية لم تحسَب بشكل صحيح، وطلب الإخوان من مرسي أن يتوقف عن قول ذلك، وعرفت من مصادري داخل الجماعة تفاصيل تلك الأزمة، وكان واضحاً أنّ الخلاف في تلك المسألة وصل إلى قمته.

للمشاركة:

علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

2019-07-09

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، علاء النادي، إنّ الإرث التاريخي والشعور بأنّ الجماعة الأم للإخوان المسلمين في مصر تعني الجذر والأساس، لعبا دوراً مهماً في تغذية مسارات جمودها وتحجرها، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي، وأنّ تكوين الجماعة لن يسعفها في المراجعة، ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك.

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
ولفت النادي إلى أنّ ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة، نافياً بعض الفرضيات الغربية بأنّ وجود الإخوان يمتص التوجهات العنفية لداعش وأخواتها، بدليل أنّ "تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة".

وهنا نصّ الحوار:

جمود الجماعة الأم

رسم الإخوان بأدائهم صورة باهتة في الوعي الجمعي ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك
لماذا تبدو جماعة الإخوان الأم في مصر أكثر جموداً عند مقارنتها بأفرع الجماعة الأخرى في دول مثل تونس والمغرب؟

لعب الإرث التاريخي، والشعور بأنّ الجماعة في مصر تعني الجذر والأساس، دوراً مهماً في تغذية مسارات الجمود والتحجر في مصر.
لقد ظلّ الإخوان في مصر مسكونين بوعي دفين، مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية التي مرت بها الجماعة، رغم أنّ الجماعة لم تدرس موضوعياً؛ هل نجحت فعلاً في التعاطي الناجع مع تلك التحديات، أم أنّها تجاوزتها بتأثيرات سلبية عميقة في مسارات الوعي والأفكار؟

ظلّ إخوان مصر مسكونين بوعي دفين مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية

تملّك إخوان مصر شعور بأنّهم المسؤولون عن حماية الجماعة ونقاء صورتها، وإثبات صوابية وصدقية خياراتها، وأنّ أيّ اجتهاد يحمل في طياته احتمالية دفع تكلفة من صورة الجماعة الرمزية، قد ينسحب على كلّ الإخوان في مختلف أماكن تواجدهم، عكس التنظيمات القُطرية التي يمكن للإخوان دوماً نسب نجاحاتهم للحركة، إذا كانت إيجابية، والتهوين من تأثيراتها بداعي الخصوصية والنزعة القُطرية في الحالات السلبية.
بعض التنظيمات القُطرية للإخوان تمتعت برحابة في تناول الأفكار الأكثر مرونة، وتداولها داخل محاضن التربية والتكوين لديها، عكس إخوان مصر الذين ظلوا على تشبث بقوالب نمطية متحجرة في التثقيف والتنشئة.
هذا الأمر يكون مع الوقت حالة جمعية مواتية لإمكانية التطور والقدرة على المرونة أو حالة ارتدادية متصلبة تنحاز دوماً للحدية والتقليد والقوالب النمطية المألوفة.
ما سرّ عدم إدراك هذه الجماعة لأخطائها، ومن ثم عدم الاعتراف بها، ومحاولة مراجعاتها وتصحيحها؟
امتلك إخوان مصر قيادات، وصفت دائماً بالتاريخية، اتّسمت في الغالب بالتقدم في العمر، ورسم صورة ذهنية حولها أقرب إلى الصورة الأبوية، التي تعطي لمواقفها وقراراتها وأفكارها ما يشبه الحصانة، ضدّ النقد وعدم المسّ بها في إطار التقييم؛ تلك الحالة لم تكن موجودة في بعض حالات التكوينات الأخرى، مما جعل السياسات والمواقف والأفكار خاضعة بصورة أكبر لإمكانيات التعاطي والنقد والتجاوز، دونما شعور بالعبء في ذلك، وهو عبء أخلاقي ثقيل لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان واستهداف أجيال بالتعليم الموجّه
إنّ أساسيات الجماعة في الجذر التكويني ضمّت عناصر تكبح التطور والتهيئة لأجواء الانفتاح، وقد ظلّت تلك العناصر، وإلى الآن، المكون الأساس في التنشئة؛ عبر مراحل الجماعة المختلفة، من اللافت أن تجد ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة.
أخطاء جديدة قديمة

عوض تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم اجترّ الإخوان ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية
هل ترى أنّ الجماعة ضمن الظروف الحالية ماتزال قادرة على التجنيد والاستقطاب؟

جماعة الإخوان، بشكلها التاريخي، لا يمكن أن تعود، لقد أثبتت كل التجارب والمحكات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء، والسير عكس خطى التطور التاريخي، وافتقاد كلّ مقومات التطور والتجديد، والحديث عن كونها جماعة ربانية كلام بلاغي، وليس شرعياً بالمناسبة، فلا توجد هناك عصمة أو قدسية لجماعة أو تنظيم؛ فهي بالأخير اجتهاد بشري تجري عليه أحكام السنن الكونية.

اقرأ أيضاً: "قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
وبالمناسبة؛ إنّ رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات، فلم يفز الإخوان في الاستحقاقات بنسب كاسحة، كما أنّ قطاعات ممن أيدوهم انطلقوا من رهانات حياتية، وليس كما يتوهم الإخوان؛ قناعات قيمية ثابتة بهم، لقد رسم الإخوان، بأدائهم، صورة باهتة في الوعي الجمعي، ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك.
عدم الاعتراف بالفشل

رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات فلم يفوزوا يوماً باستحقاقات انتخابية بنسب كاسحة
بعد أحداث 30 يونيو؛ ظهر خطاب أشبه بالجماعات الجهادية داخل أجنحة إخوانية، هل تعتقد أنّ مثل هذه الخطابات كان مفاجئاً؟

الأكثر تأكيداً لفرضية أنّ جماعة الإخوان لا يمكنها العودة لمسارها التاريخي بلا قطيعة، أنّ الجماعة ما تزال تطرح أفكاراً حول صوابية مواقفها، وأنّها لم تفشل في مجال رسم الخطط والأفكار والقدرة على إثبات أنّها كيان سياسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فعوضاً عن أن تصدر عن الإخوان تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم، اجترّوا ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية، واتهام الواقع المحيط والتذرع بمقولات إطلاقية قدرية ليس مجالها الواقع الحياتي ودنيا الناس.

أثبتت كل التجارب والمحكّات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء والسير عكس خطى التطور التاريخي

هذا يعود بالأساس إلى أنّ تكوينات التأسيس المعرفي لم تكن تحسم بإطلاق حول نبذ العنف والتطرف، بغضّ النظر عن السياق التاريخي، وظرف الجماعة السياسي، والغريب أنّ الإخوان لطالما انتقدوا الجماعة الإسلامية في العقود السابقة حول أفكارهم عن العنف، والمعروف أنّ تلك الأفكار نشأت جراء صراع سياسي احتدم بين الجماعة والنظام في ذلك الوقت.
إنّ إدانة العنف والتطرف قيمياً لا يمكن أن يرتبط بالظرفية التاريخية، وبالمناسبة لقد كتبت دراسة، منذ أكثر من 15 عاماً، حول الإخوان والتعددية، وطالبت ساعتها الإخوان بأن يحسموا مواقفهم الفكرية حول القبول بالأبعاد القيمية بأفكار التعددية والديمقراطية، والتخلي عن الكلمة السالبة لكلّ ذلك؛ عندما كان يذيل الإخوان موقفهم من تلك القضايا بكلمة ولكن، والتي كانت تنسف عملياً كل ما كان يسبقها من كلام عام ظاهره الإيجابية والقبول.

 

 

هل ترى أنّه، مع الوقت، يمكن لجماعة الإخوان أن تراجع نفسها مراجعات تاريخية علنية أمام مجتمعها وأعضائها؟
تاريخياً؛ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي وتكوين الجماعة لن يسعفها في ذلك ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك، لا توجد داخل الجماعة قيادة أو كتلة تاريخية تمتلك تلك المؤهلات، ومن يتصدر المشهد في الجماعة قيادات تاريخية عتيقة لا تمتلك من الشرعية سوى ما يرسم حول صلابتها في المحن وثباتها، وما إلى ذلك من مقولات، دون أي رصيد من قدرات في مجال الأفكار وإدارة الشأن العام.

اقرأ أيضاً: منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان
أيّ تطور تاريخي يعني أنّ الإخوان سيكتبون في السطر الأول أنّ الجماعة، بشكلها التاريخي وأفكارها، قد انتهت وهذا ما لا يستطيع الإخوان قوله أو تصوره.
ما رأيك ببعض الطروحات الغربية عن أنّ الإخوان يمكنهم امتصاص الحالة العنفوية الإسلامية؛ وأنّ اختفاءهم من المشهد السياسي سيتبعه تغوّل "داعش" وأخواتها؟
هذه المقولة غير صحيحة؛ لأنّها من زاوية تربط أيّ انسداد سياسي محتمل بغياب الإخوان فقط، دون غيرهم، وهذا ليس صائباً، كما أنّ تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة، وفي بعض الأحيان؛ وهم في ظلّ تمتع بحالة من مشروعية التواجد، كما أنّ الكتل التصويتية التي حصل عليها الإخوان لا تؤشر إلى حصولهم على أغلبية كبيرة تهدّد تماسك الكيانية الاجتماعية، كما أنّ ربط العنف السياسي المحتمل بالحالة الإسلامية فقط غير صحيح، وهو ما يقلل عملياً من مقولة حصر العنف في الأفكار الإسلامية، وأهمية تواجد الإخوان ككابح يقلل من فرص ظهوره.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟
العنف والتطرف سياقان معقدان أكبر من حصرهما في تلك المقولات البسيطة، وتجاوزهما يحتاج إلى نظرة أكثر وعياً من هذا، كما أنّ ذلك يفترض ضمناً أنّ خطاب الإخوان متأسس بشكل مركزي حول قضايا الديمقراطية والتعددية والحريات، ومركزية تلك المقولات وحاكميتها للنسق الفكري للإخوان، وهذا غير موجود بالطبع.
كما أنّ التجارب أثبتت أنّ ما يحرك قناعات قطاعات عريضة ويحدد سلوكها واختياراتها وقناعاتها السياسية؛ هو ما يمسّ الشأن الحياتي ومعاش الناس، وليست مقولات قيمية، على أهميتها وجاذبيتها، وعدم الجدال حول شرعيتها الأخلاقية، حتى تلك المرتبطة بالشريعة الإسلامية وأحكامها.

للمشاركة:

إبراهيم عبدالمجيد: حتى نشعر بوجودنا يجب أن نكون مختلفين

2019-06-30

أجرى الحوار: سامح فايز


قال الكاتب والروائي المصري، إبراهيم عبدالمجيد، إنّه ليس صاحب مشروع معين، وإنّه يكتب ما يخطر على باله من حكايات، مشيراً في حواره مع "حفريات" إلى أنّ مَن ألهموه أناس سعداء بالخيال لا الحقيقة، "فالحقيقة أنهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن لم يمتلكوا المكان إلا روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً".

عبدالمجيد: لستُ صاحب مشروع فما أتذكره أكتبه سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله

وأضاف عبدالمجيد أنّ معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، "فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية".
وأوضح صاحب رواية "البلدة الأخرى" أنّ ثيمة الاغتراب أساسية في معظم أعماله أو في أحد شخصياته، على الأقل، وقد تلبستها تلك الحالة، "نحن زائلون والمكان الذي نعيش فيه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا".
وهنا نصّ الحوار:
الخروج من عالم الواقع

"ما وراء الكتابة"

أغلب أبطالك يعيشون حالة من الاغتراب النفسي.. لماذا تعدّ هذه الفكرة محورية في أعمالك؟

في السبعينيات؛ كنت مع الماركسيين، وكنت مجنداً في أحد الأحزاب الشيوعية، إلى جانب أنّ دراستي للفلسفة حبّبت إليّ الفلسفة الوجودية، وذلك الحبّ لم يأتِ لمجرد أنني قرأت في الفلسفة، ولكن لأنني بالفعل كنت أعيش تلك الحياة، في حيّ كرموز.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ورغم أنّ ذلك الحي هو أصل الإسكندرية، لكنه كان يضمّ غرباء كثيرين، والعديد من الشركات، والتي أغلق أغلبها في عصر الانفتاح، مثل: النسيج، والزيت الصابون، والملح والصودا، وكانت هناك ترعة المحمودية أيضاً، وكانت تسير في تلك الترعة سفن من أسوان والإسكندرية، تحمل بضائع إلى البلاد التي تمرّ بها، وكانت آخر تلك البلاد الإسكندرية، ثم يتم شحن السفن مرة أخرى في عودتها إلى أسوان، كما جاء في فيلمَي: "صراع في النيل"، و"دماء على النيل".

عبدالمجيد: المكان هو البطل في جميع رواياتي ربما في رواية أو روايتين كان الزمان هو الأساس

كنا نلعب بـ "الكرة الشراب" أمام ترعة المحمودية في المساء، وأحياناً نجالس المراكبية، ونستمع إلى حكاياتهم، التي في أغلبها أساطير، جميعها عن عروسة البحر، والثأر، عن ذلك الشخص الذي قتل ثم ظهر مرة أخرى في الصعيد، جميعها حكايات أسطورية.
عندما كبرت بعض الشيء، أدركت أنّها حكايات تهوّن عليهم طريق السفر الطويل، فأدخلوني إلى عالم الغرابة باكراً.
أيضاً، كانت هناك قطارات السكة الحديد، التي تروح وتغدو وجميعها حكايات، وكانت هناك الاحتفالات بالموالد التي يشارك فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وكان داخل تلك الاحتفالات جو أسطوري وخرافي.
ذلك الجو دفعني للحياة في عالم غير الواقع الذي أعيشه، وأصبح هو الواقع، ووضعني في منطقة بين السماء والأرض، إلى جانب دراستي للوجودية، وأدركت كيف أنّ هؤلاء الناس، رغم سعادتهم، فإنهم سعداء بالخيال، وليس الحقيقة، فالحقيقة أنّهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن امتلكوا المكان، فهم يمتلكون المكان روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
أضع إلى جانب ذلك قراءتي المبكرة للأساطير اليونانية، والتي جاءت نتيجة دخول السينمات، فكنا ونحن أطفال عندما نشاهد تلك الأفلام نخرج للبحث عن الإلياذة والأوديسة لقراءتها، إضافة إلى التطورات السياسية التي حدثت في مصر والتي كانت عكس ما هو منتظر.
ماذا تقصد بالتطورات السياسية التي حدثت وفي أيّ العقود تحديداً؟
جيلنا التحق بالتعليم الأساسي بعد ثورة يوليو 1952، مدارسنا كانت تعيش على النظام الملكي؛ لأنّ المدرسين تعلموا أيضاً في هذا النظام، وكانت مدارسنا تنظّم رحلة كل يوم جمعة للسينما، وكانت هناك جماعة للرحلات، وجماعة للشعر، وأخرى للموسيقى، وجماعة للتمثيل، وكان عدد الطلاب في الفصل لا يتجاوز 20 طالباً، وهناك حصص قراءة حرة كل أسبوع، وتلك كانت بداية محبتي للأدب، فالمدارس كانت جميلة جداً، وكنا سعداء، وفي الوقت نفسه كنّا نسمع عن مشروعات عبدالناصر، الذي يبني مدرسة كل ستة أيام، ثم جاءت النكسة، عام 1967، عكس كل الخيال، فأحبطت، وزادت من الاغتراب، وكانت ليلة كئيبة جداً.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
في ليلة أخرى عندما كنا في منظمة الشباب في الجمرك، اجتمعنا للاستماع لخطاب تنحي عبدالناصر، وبمجرد أن انتهى طلب منا أمين منظمة حي الجمرك ألّا نغضب من هذا القرار، فسببناه وهرولنا إلى الشارع، فوجدنا الشوارع قد امتلأت جنباتها بالناس، يطالبون بعدم تنحي ناصر.
وكنت أسير بينهم أبكي، وقررت أن أعود إلى عملي في الترسانة البحرية، وقابلني الناس جماعات، وأنا ذاهب وحدي إلى العمل، وهناك لم أجد أحداً، فالجميع كان في المنشية، فجلست وحدي حتى الصباح، والدنيا ظلام، وكان أسود ظلام رأيته في حياتي، كأنّه لم يكن هناك قبله أرض ولا بشر، برزخ من الظلام، وأحسست أنه غُرِّر بنا، وجاء الاغتراب من هنا.

سطوة الاغتراب

"طيور العنبر"
الاغتراب حضر بقوة في عملك "البلدة الأخرى" العام 1991، و"هنا القاهرة" المنشور العام 2014، لماذا يستمر معك هذا الشعور طوال تلك الأعوام؟

المسألة أصبحت في روحي، حتى لو لم تجد عالم الرواية بالكامل وقد امتلأ بذلك، فسوف تجد شخصية من الشخصيات وقد تلبستها تلك الحالة، مثل رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، هناك ذلك الشخص في القطار الذي كان يحمل أمانات الناس ويقوم بتوصيلها بين المحطات، وكان يطلق عليه (أبونيه)، ثم وجدوه يوماً ما جالساً في القطار الذاهب للصحراء، فسألوه: هل هناك من يرسل أمانات إلى الصحراء، فيقول لهم: لا، فيكرّرون السؤال: فهل يرسل أحدهم شيئاً من الصحراء، فقال: لا، فسألوه: إذاً، لماذا تجلس في القطار؟ فقال لهم: وأين أذهب؟!

عبدالمجيد: معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين فنحن غير موجودين في الأصل

هذا هو الاغتراب، فالعادة أهلكت الروح واستولت على الشخص، أيضاً ذلك الشخص في الرواية نفسها، الجالس في مكتب بريد العلمين، لإرسال واستقبال "التليغرافات"، فعندما وجد أنّه ما من أحد يرسل شيئاً، بدأ في إرسال التليغرافات لنفسه، فالاغتراب هنا، وإن لم يكن موجوداً في الرواية كعمل متكامل، لكنه ظهر في بعض شخصيات العمل، لأنني أدركت أنّ الإنسان زائل، وأنّ ذلك المكتب الذي نجلس عليه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا، إلى جانب أن معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية.
وعندما سافرت إلى السعودية ظهرت حالة الاغتراب تلك بشكل أكبر، فالمكان متّسع جداً، والأفراد قليلون جداً، والجميع يفكر في النقود، لكن الروح غائبة!
المكان في رواية إبراهيم عبدالمجيد له دور حيوي وكأنه أحد أبطال العمل، لماذا؟
المكان هو البطل في جميع رواياتي، ربما في رواية أو في روايتين كان الزمان هو الأساس، مثل "أداجيو"، والسبب في ذلك أنني عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت قد أدركت أنني أهوى الكتابة، وكنت كلما قرأت رواية قلّدتها في عوالمها.
حتى حدث أن حضرت ندوة للأستاذ محمد مندور في الإسكندرية، وكانت عن المذاهب الأدبية، وظلّ يتحدث عن الكلاسيكية، والسريالية، والرومانسية، والمذاهب الفنية والأدبية، والتي لم أكن أعرفها، فقلت لنفسي: "ما الذي أفعله؟!"، مجرد تقليد لروايات موجودة بالفعل!
وحدث أن توقفت عن الكتابة نتيجة لذلك لثلاثة أعوام، وبدأت القراءة في تاريخ الفنون، والنقد الأدبي، وتاريخ الأداب، وتاريخ المذاهب الأدبية، وهي المسألة التي فادتني جداً؛ فوجدت أنّ مسألة المكان موضوع رئيس في النقاش.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
فمثلاً: في الرواية الواقعية المكان مستقل، فنجد نجيب محفوظ في الثلاثية كمثال يصف المكان بدقة حتى نراه، لكن بعيداً عن مشاعر الناس، أما في الرواية الرومانتيكية؛ المكان بحسب مشاعر الناس، فإذا كانوا مبتهجين فالمكان حلو، وإذا كانوا تعيسين فالمكان تبعاً لذلك سيئ، أما الواقعية الجديدة في أوروبا، في الستينيات، قالت: إنّ المكان مستقل، الإنسان ثانوي فيه، فالرواية كلها تجدها عن الأشياء، وعندما فكرت في تلك المسألة ارتأيت أنّ المكان في منطقة بين بين؛ بمعنى أنّ المكان صانع الشخصية.
"قطط العام الفائت"

كيف جاءتك تلك الفكرة؟
جاءني ذلك التفكير من هؤلاء الذين قابلتهم وذكرتهم في حديثي معك؛ فالذي يغني في الصحراء يدفعه إلى ذلك اتساع المكان، أما إذا كان في مكان ضيّق فلن يغني، ولكن سيحتاج إلى كسر الأبواب والنوافذ التي تقيده، وعامل القطار الذي تدور حكاياته حول الجنيات، دفعه لذلك المكان، فالمكان هنا أصبح صانع الشخصيات.
من يقرأ أعمالك الأدبية يشعر كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً، ويتخيل المشهد ويتفاعل معه، كأنّ السينما تنافس الأدب داخلك؟
حدث ذلك بالتربية، ولم تكن إرادة؛ ففي بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس، أما القراءة فقد عرفتها وأنا في الصف الرابع الابتدائي، لكن قبل ذلك كانت السينما، مثلاً: عندما كنت في الرابعة من عمري وجدت باب الحضانة التي ألحقتني بها العائلة مفتوحاً، وكانت تسمى قديماً الروضة، فخرجت من المكان ومشيت، فوجدت أمامي سينما، اسمها "سينما النيل"، فدخل الناس فدخلت معهم، وشاهدت أول أفلامي، وأحببت السينما بشدة.

عبدالمجيد: في بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس أما القراءة فقد عرفتها وأنا في مرحلة لاحقة

كانت أمي تصحبني إلى الروضة في الصباح الباكر، وتأتي لاصطحابي في الواحدة ظهراً، وعندما تتركني وترحل أخرج متجهاً إلى السينما، حتى حدث في يوم أن حضرت أمي لاصطحابي مبكراً عن موعدها فلم تجدني، فذهبوا إلى قسم شرطة كرموز لتحرير محضر بفقداني، وكان القسم بجوار سينما النيل، وعندموا خرجوا من القسم شاهدوني أمام السينما، وعندما قصصت عليهم الحكاية قال أبي إنّه سوف يجعلني أشاهد السينما مرة كل أسبوع، شريطة ألا أترك الروضة مرة أخرى.
في مراحل عمرية أكبر كنت عندما أشاهد الفيلم أبحث عن اسم الرواية المقتبس عنها؛ ثم أقتنيها لأقرأها، هنا كنت أقرأ الروايات التي أشاهد فيلمها، فأصبحت السينما شيئاً ملتحماً بجسدي، وأدركت أنّ الصورة أهم مسألة في الأدب، وأنك ككاتب بدلاً من الإكثار من الكتابة لوصف صورة معينة فمن الأفضل أن تكتبها في جملة واحدة، فالمهم الصورة، لا الحكي.
إلهامات الإسكندرية

 "الإسكندرية في غيمة"

هل ثلاثيتك عن الإسكندرية رغبة في إعادة رسم ملامح إسكندرية الكوزموبوليتان (متعددة الثقافات) بعد مسخها؟
كان هدفاً، لكنه جاء متأخراً؛ فأنا لا أكتب مذكرات يومية كمثال، لكن أعتمد على النسيان، كما كتبت في البلدة الأخرى عن ذلك قائلاً: "ما يضيع منك، ليس لديك رغبة فيه"، فإن نسيت لا أهتم بها، وإذا ألحّت أكتبها في رواية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إلى جانب ذلك؛ أنا لست صاحب مشروع، فما أتذكره أكتبه، سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله؛ الحرب العالمية الثانية عاشها أبي وأمي، وكانت حكاياتهما دائماً عنها، أذكر مرة أنّ أبي أحضر شيئاً حادّاً قطع به شيئاً في إصبعه ليخرجه من تحت الجلد، وعندما سألته قال إنها شظايا حرب، ثم وضعها في كوب كذكرى، ثم قال إنّ جرح إصبعه سوف يلتئم، ثم أخذ يحكي كيف أنّ لغماً انفجر بجواره، وأنّ العرب عالجوه من الإصابة، ثم استمر الحكي عن تفاصيل معركة العلمين التي عاشها، وبدأت أمي هي الأخرى في الحكي، هنا تمّ شحني بالحرب العالمية الثانية، ورغبت في الكتابة عنها.
ومتى بدأت في سرد ثلاثيتك على صفحات كتاب؟
في العام 1990؛ كنت مسافراً للإسكندرية، أنا وأبنائي، وفي طريق العلمين وقفنا، وبدأت في سرد ما قصّه عليّ أبي على أبنائي، وهنا بدأت فكرة الرواية تراودني عن نفسي، ثم حدث بعد أن كتبتها، ومن قراءتي للصحف في تلك الفترة، أن اكتشفت أننا كنا نعيش في عالم آخر غير الذي نعيشه الآن.

عبدالمجيد: العادة أهلكت الروح واستولت على الشخص حتى أصبح يعيش حالة اغتراب مستمرة

كنت تجد خبراً عن مسابقة ملكة جمال البلاد، أو عن اجتماع ملاك اتحادات العمارات لانتخاب رئيس الحي، فهو ليس معيناً كما الآن، لذلك لم تكن لتجد قديماً بناءً مخالفاً، تجد مثلاً تنازل مواطن إسكندري عن قضية رفعها على المحافظ الذي صدمته سيارته، وعندما تتمّ إقالة المسؤول من منصبه يتنازل المواطن عن القضية، لأنّه رفعها على المحافظ لصفته، وليس لشخصه؛ وتجد الخبر الذي يخصّ ذلك المواطن العادي في الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام"، وبدأت أسأل نفسي: أين ذلك المجتمع؟ هنا قررت أن أسجله مكتوباً.
وبعد أن أنهيت رواية "لا أحد ينام"، قررت أن أكتب رواية أخرى، عن أول مرحلة تخلصت فيها مصر من ذلك المعنى العالمي الذي كانت تتسم به، فمصر دائماً كانت ملجأ لكلّ الناس من كلّ العالم.
أول مرحلة كانت في الخمسينيات، خصوصاً مع العدوان الثلاثي، وخروج اليهود من مصر بشكل كبير، والفرنسيين والإنجليز، هنا كتبت رواية "طيور العنبر"، ثم حدث التحوّل في السبعينيات صوب الوهابية، فأصبحت لا عالمية ولا مصرية، فكتبت رواية "الإسكندرية في غيمة".

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

محسن أمين

قدم القيادي في حركة "النهضة" الإخوانية التونسية علي الشرطاني استقالته من الحزب، الجمعة، في أحدث انشقاق يضرب صفوف الحركة في ظل خلافات كبرى تعصف بها في الفترة الأخيرة.

وتأتي الاستقالة لتكون الثالثة لقيادي في الحركة خلال نحو شهرين، بعد تقديم لطفي زيتون استقالته من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي في 8 يوليو/تموز، ومحمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية في 17 يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على سياسات الغنوشي.

ونشر الشرطاني تدوينة على صفحته بالفيسبوك، انتقد خلالها سياسة النهضة "الاستئصالية والإقصائية واللاديمقراطية التي تمارسها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ضد الأحرار في صفوفها".

وأضاف: "كل ذنبي أيها الأخوة الكرامة أني لست متزلفا وصاحب رأي وموقف من أجل الحركة، ويجب أن تكون ومن أجل الوطن وجهة قفصة.. ديمقراطية قيادة النهضة هي إقصاء كل صاحب صوت حر، وصاحب موقف قيادة لا تريد استمرار وجود الأحرار في صفوف الحركة".

وتابع:" لا مكان لعلي شرطاني الذي أمضى في الحركة 40 عاما بالقائمة الانتخابية وهو الحائز على 107 أصوات وكان فيها مكان لمن له 50 و60 صوتا"، في إشارة إلى الانتخابات الداخلية التي قامت بها الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

ويرى متابعون أن استقالة الشرطاني مؤشر على تصاعد التوتر داخل الحركة الإخوانية التونسية بسبب نتائج الانتخابات الداخلية التي أسفرت عن سقوط عدد من القيادات.

وكان المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة الإخوانية لطفي زيتون كتب تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أعلن فيها استقالته من منصبه دون توضيح أسباب.

وقالت مصادر مقربة من الحركة الإخوانية التونسية: "إن علاقة زيتون بالحركة تصدعت منذ نحو عام بسبب معارضته سياسة راشد الغنوشي الذي ينفرد برأيه واحتجاجا على الأطروحات الفكرية التي يراها إخوانية".

وخلال الفترة الأخيرة، كان زيتون من أشد الرافضين لمواصلة توافق حركة النهضة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وطالب بالإطاحة به في أكثر مرة.

وقبله بأيام قدم محمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية لحركة النهضة الإخوانية استقالته بعد ضغوط مارسها رفيق عبدالسلام صهر الغنوشي لرغبته في الاستحواذ على الملف الخارجي للحركة.

وصهر الغنوشي معروف بقربه من النظام القطري باعتباره الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية لقناة "الجزيرة"، ويواجه اتهامات قضائية بالاستحواذ على هبة صينية تقدر بـ500 ألف دولار عندما كان وزيرا للخارجية عام 2012.

وتولى غراد العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية منذ عام 2017 خلفا لنائب رئيس مجلس النواب عبدالفتاح مورو المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسة الحركة وخلافاته مع رئيسها راشد الغنوشي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

وزارة العمل اللبنانية وحرمان اللاجئ الفلسطيني من الحق في الحياة !

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

هاني حبيب

وقف الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية واحتضن كفاحه المسلح في فترة عصيبة من نضاله الوطني، وشكل موقف الحكومة اللبنانية مؤخراً من صفقة القرن وعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، رغم كل الضغوط، دعماً للحقوق الفلسطينية ومواجهة مؤامرة التوطين التي سعى إليها مؤتمر ورشة البحرين في سياق ما يسمى بصفقة القرن. وبالنظر إلى هذا الموقف، خاصة بعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، ذات الأبعاد الاقتصادية، فإنه لا يمكن غض النظر عن قرارات وزارة العمل اللبنانية الهادفة إلى وضع عدة إجراءات من شأنها المساهمة في تجويع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف إلحاقهم بالحل الاقتصادي في سياق صفقة القرن. ولعلّ تزامن إطلاق هذه التشريعات والإجراءات ما يكشف ارتباطها بورشة البحرين ومراميها وأهدافها.
ورغم أن وزارة العمل اللبنانية، حاولت أن تشرح أسباب هذه التشريعات، إلاّ أنها في الواقع أكدت من خلال هذا الشرح على إصرارها على المضي قدماً في هذا المخطط، خاصة وأن اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون إلاّ بتطبيق القانون اللبناني والالتزام بقاعدة الحقوق والواجبات، إذ إن البرلمان اللبناني كان قد أصدر عام 2010 تعديلات قانونية على قانون العمل اللبناني لامس جزئياً وضع العمالة الفلسطينية في لبنان.
إن قرارات وزارة العمل الأخيرة، تخلط بين اللاجئ الفلسطيني، والعمال الوافدين أو المهاجرين غير الشرعيين، بينما نصت التعديلات البرلمانية على خصوصية العامل الفلسطيني، وبالتالي فإن "مرسوم تنظيم عمل الأجانب" لا شأن له بالعامل الفلسطيني وفقاً للقانون اللبناني وتعديلات قانون العمل التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، علماً أنه تم تجاهل هذه التعديلات، التي لم توضع موضع التنفيذ منذ إصدارها، خاصة فيما يتعلق بصندوق الضمان الاجتماعي، وبينما تتحدث الوزارة عن امتيازات للعمالة الفلسطينية، إلاّ أنها لم تلحظ بشكل متعمد، أن التعديلات المشار إليها لم تطبق، وبالتالي ظل القانون بدون تطبيق في وقت تشير فيه وزارة العمل اللبنانية أنها تعمل على تنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، وواقع الأمر أن هذه الإجراءات تترافق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في سياق تصفية الحقوق الوطنية، خاصة في سياق تنظيم ضغوط ممنهجة على اللاجئ الفلسطيني بهدف دفعه للهجرة في سياق مؤامرة التوطين، بالتوازي مع ما دعت إليه إدارة ترامب حول "الأونروا" وضرورة تصفيتها نهائياً.
في تقريرها الأخير لعام 2019 أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن حوالى 36% من الشباب الفلسطيني يعاني من أزمة بطالة، بينما بلغت هذه النسبة الـ57%  بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن شأن إجراءات وزارة العمل اللبنانية الأخيرة، أن تعمل على قتل بطيء ممنهج للاجئين الفلسطينيين، بينما لا يطالب هؤلاء إلاّ بتنفيذ التعديلات التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، وبالتالي، فإن وزارة العمل اللبنانية هي ذاتها التي تخرق القانون اللبناني، والتحرك الشعبي الفلسطيني في لبنان بإسناد من القوى الوطنية اللبنانية لمناهضة هذه الإجراءات، لتؤكد على الدعم الشعبي اللبناني للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة، وحق اللاجئ الفلسطيني في التظاهر السلمي من أجل نيل حقوقه التي كفلها له القانون اللبناني!

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية