القيادي الإسلامي ناجح إبراهيم يقدم وصفة للإخوان للعلاج من الفكر الإرهابي

24292
عدد القراءات

2017-11-02

قاد الطّبيب ناجح إبراهيم الجماعة الإسلاميّة في مصر إلى صدامٍ مسلّحٍ مع الدّولة المصريّة، بلغ ذروته في اغتيال الرّئيس المصريّ الرّاحل (أنور السّادات)، ثمّ قادها، مرّة أخرى، نحو المراجعة الفكريّة، فنجح في الإفراج عن عشرة آلاف من عناصرها، ابتعد أغلبهم عن العنف المسلّح.
إلّا أنّه بعد سقوط نظام الرّئيس الأسبق (حسني مبارك) رفض الاستمرار في قيادة الجماعة، بعد خشيته من انحراف مسارها الذي كان قد خطّه هو وعددٌ من رفاقه، بعد الإعلان عن المراجعات.
اختار إبراهيم، المولود في مدينة ديروط بصعيد مصر عام 1955، طريق الفكر والكتابة؛ لأنّه رأى أنّ القبضة الأمنيّة "غير كافية" للقضاء على العنف والتطرّف، فمعظم الدّول "تعالج العرَضَ ولا تعالج المرَض"، وكلّها تضع حلولًا تكتيكيّةً "مؤقّتةً"، ولا تحاول "استئصال الدّاء" من جذوره.
في حوار مع "حفريات" يحاول إبراهيم تشخيص المرض، ويكتب "روشتة" للعلاج، يستوحيها من تجربته في قيادة الجماعة التي استمرّت ما يزيد عن ثلاثين عاماً.
هنا نصّ الحوار:

* قد تنهي الضّربات العسكريّة تنظيماً متطرّفاً كداعش، لكن هل يمكن أن تنتهي في القريب أفكار التنظيم وتصوّراته عن الدّنيا والدّين؟
- الضّربات العسكريّة أو الأمنيّة قد تنهي جيلاً من التّنظيمات الإسلاميّة المتطرّفة، لكنّ أجيالاً أخرى تولد مرّات ومرّات، ذلك لأنّ الأفكار نفسها قد تتجدّد مرّة أخرى، وقد تتجدّد بصورة أعنف وأقسى من ذي قبل، خاصّة إذا وجدت البيئة الخاصّة بها، وتوافرت ظروف مشابهة للظّروف التي أوجدت التّنظيم الأوّل، أو أقسى منها.
* ما هي الشّواهد على ذلك؟
- ألم تحتلّ أمريكا أفغانستان؟ واستطاعت القضاء على أسطورة القاعدة في أفغانستان، وهرب قادتها إلى باكستان، واصطادتهم طائرات أمريكيّة بدون طيّار هناك، بمساعدة المخابرات الباكستانيّة، لكنّ تلميذاً للقاعدة في العراق، اسمه (أبو مصعب الزرقاوي)، أنشأ تنظيماً أكثر تطرّفاً وتشدّداً وتفجيراً في الأسواق والمساجد بعد احتلال أمريكا للعراق.
الزرقاوي لم يلتقِ ابن لادن، وشرب فكره سماعاً فقط، وأنشأ تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"؛ الذي يعدّ النّواة الحقيقيّة لتنظيم داعش، فابن لادن لم يفعل الموبقات كلّها التي فعلها الزرقاوي، أو داعش التي تعدّ الوريث الحقيقيّ للقاعدة في دنيا الإرهاب.
لقد تفوّق الوريث على الأب في عالم الإرهاب، وتكرّر ذلك في مصر، فنسخة الإخوان في الأربعينيّات والخمسينيّات كانت أقلّ عنفاً من الورثة الذين خرجوا من عباءة الإخوان، مثل: "المجموعات القطبيّة" التي كانت تكفّر وتتوسّع أكثر بكثير من الإخوان في هذا الباب، وكذلك مجموعة شكري مصطفى "التّكفير والهجرة" التي لم يكن لها مثيل في التّكفير، ومجموعات الجهاد والجماعة الإسلامية التي تبنّت العنف ثمّ رجعت عنه، وعنفها كان أشدّ من عنف الإخوان في الأربعينيّات.
فالأفكار ستظلّ موجودةً، وتحتاج إلى معالجاتٍ فكريّةٍ مستمرّة مع معالجة كلّ الظّروف السياسيّة والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والصراعيّة، التي تحوّل الأفكار إلىمنظومة عنف أو إرهاب كاملة.

الاعتماد على القبضة الأمنيّة وحدها لن يحلّ أساساً، الحل يكمن في الدّمج التدريجيّ للإسلاميّين السلميّين في الدّولة

* إذن، ما هي الإستراتيجيّات الحقيقيّة لمكافحة الإرهاب ومعالجة المرض الأساسيّ دون العرَض؟
- معظم الدّول تعالج العرَض ولا تعالج المرض، وكلّها تضع حلولاً تكتيكيّةً مؤقّتةً، ولا تحاول معالجة الدّاء من أساسه، ونحن لن نخترع العجلة، فهناك عدّة إستراتيجيّات جيّدة نجحت في عدّة دولٍ، ومن أراد وضع إستراتيجيّة لمكافحة الإرهاب والتطرّف، عليه أن يتأمّل هذه التّجارب، ويستفيد منها، ويأخذها مأخَذ الجدّ، ويطوّر عليها، وهي:
أوّلاً: تجربة مبادرة منع العنف مع الجماعة الإسلاميّة، وهي أكثر تجربة رائدة وناجحة، وقد نتج عنها خروج قرابة عشرة آلاف معتقلٍ لم يمارسوا العنف بعدها أبداً، وتمّ فيها تحسين السّجون، وتدشين سلامٍ حقيقيّ بين الجماعة الإسلاميّة والدّولة، وعودة هذه الآلاف من طريق العنف.
ثانياً: تجربة المناصحة السعوديّة: تعني إيجاد بيئة وسيطة غير السّجن، تؤهّل المتطرّف، في فترة تتراوح بين ستّة أشهر إلى عام، ليدرس ويتعلّم ويناقش، ويرى أسرته وتراه، ويلعب الرياضة؛ فهي أشبه بمعسكر إسلاميّ يبثّ الوسطيّة الإسلاميّة مع الوطنيّة الحقّة، مع بعض العلوم التربويّة والإداريّة، وعلوم التنمية البشريّة اللّازمة، وبناء صداقات إيجابيّة جديدة.
ثالثًاً: التّجربة التونسيّة: وتعني دمج الحركة الإسلاميّة التونسيّة في الدّولة تحت سقف معيّن، مع فصلها عن تبعيّتها القديمة للتّنظيم الدوليّ لجماعة الإخوان وغيرها، وأن تكون حزباً سياسيّاً فقط، وترك ازدواجيّة الجماعة والحزب.
رابعاً: التّجربة المغربيّة: تعني إبدال فكر الإسلام السياسيّ، الذي يتوق للسّيطرة على الدّولة، بفكر التصوّف الصّحيح الذي يخلو من البدع والخرافات، وعدّ التصوّف مثل المسيحيّة في الإسلام؛ لأنّ فيه الصّفح والعفو والتّسامح، وهذا كلّه موجود في القرآن، لكنّ نظريّات تنظيمات الإسلام السياسيّ تميل، عادةً، إلى معاني؛ الثّأر، والانتقام، والمظلوميّة، وردّ الصّائل، والعين بالعين، ومعظم الدّول لم تنجح فيما نجحت فيه المغرب من إبدال الفكر المتشدّد بفكرٍ آخر متسامحٍ ورصينٍ وعلميٍّ.
خامساً: التّجربة الأردنيّة، وهي تجربة جيّدة، وقد حمت الأردن وحمت الدّولة من العنف والاغتيالات والتفجيرات، بتغيير القانون حيث يسمح للجناح المعتدل والوسطيّ من الإسلاميين بأن يصعد للقيادة بدلاً من المتشدّد، ويتوافق مع الحكومة، ويكون جزءاً منها، بحيث تكون السّياسة للحكومة، والدّعوة والإصلاح الاجتماعيّ من نصيب الإسلاميين المتسامحين.
 

* في ظلّ المشهد الجاري، هل يمكن أن نرى عودة تيّارات الإسلام السياسيّ بقوّة، وهيمنتها على الفضاء العامّ، خاًصّة، أنّ تلك العودة، لو تحقّقت، ستكون محمولة على مجموعة من الرّوافع المهمّة، التي أوّلها الاستثمار في المظلوميّة التي لحقت بهذه التيّارات؟
- يمكن أن تعود هذه التيّارات بقوّة بعد فترة؛ فالحياة الحزبيّة شبه ميّتة، وليس هناك حزب فاعل، ولو حدث تغيير سياسيّ، وعادت الحركات الإسلاميّة، فإنّ أحزابها تستطيع السّيطرة على الوضع السياسيّ برمّته؛ لذلك يكون موت السّياسة خطأً وخطراً إستراتيجيّاً كبيراً، وحظر حزب "البناء والتنمية"، مثلاً، لخطأٍ أو لعدّة أخطاء صدرت منه، يعدّ سلبيّة إستراتيجيّة أكبر من أخطاء الحزب. ومحاصرة الحياة الحزبية عامّة، أو الأحزاب الإسلاميّة، مثل: حزب "النّور"، أو حزب "أبو الفتوح"، لن يصبّ في الصّالح مستقبلاً.
كما أنّ ركود الحياة الاقتصاديّة وارتفاع الأسعار يضرّ بمصداقيّة الحكومة، ويجعل أسهم الحركات المتشددة ترتفع باستمرار، فضلاً عن ضعف التّنمية بمجالاتها المختلفة.
تنسى الحكومة دائماً أنّ الدّولة تطير بجناحين، هما؛ مؤسّسات الدّولة، وقوى المجتمع المدنيّة المختلفة؛ من أحزاب سياسيّة، ومؤسّسات اجتماعيّة وخيريّة، وقوى ناعمة، ومؤسّسات فكريّة وثقافيّة، ...إلخ.
والخلاصة؛ أنّه لابدّ من قوّة الاثنين معاً.
*هل ترى أنّ هناك منافساً لتلك التيّارات، إن حاولت العودة إلى الفضاء العامّ مرّة أخرى؟
- في مصر، ليس هناك منافس على الإطلاق، إن جاء ظرفٌ سياسيّ أعاد هذه الجماعات المتشددة لحريّتها؛ ففي السّياسة ليس هناك حزبٌ سياسيٌّ في مصر يستطيع عقد مؤتمرٍ شبابيّ يحضره ألف شابّ، أو مؤتمرٍ في قرية أو مركز أو حيّ، ليس هناك حزب سياسيّ له حضور في الشّارع المصريّ. أمّا بالنّسبة إلى الدّعوة الإسلاميّة؛ فهي ميّتة، وتستطيع هذه الجماعات، إن خفّت القبضة الأمنية عليها، أن تهزم الأوقاف في عامٍ واحدٍ، أكبر شيوخ الأوقاف لا يحضر درس العصر له أكثر من عشرة أو عشرين شخصاً، ولولا خطبة الجمعة، المفروضة دينيّاً، لما حضر أحد للأوقاف؛ لأنّ خطابها وحركتها ونشاطاتها في المساجد روتينيّة وعقيمة الجدوى، لا ينجذب الشّباب إليها.
أمّا على المستوى الاجتماعيّ؛ فيجب السّماح بأكبر قدرٍ من المؤسّسات الخيريّة الاجتماعيّة، لسدّ الفجوة بين الأسعار والدّخل المتدنّي للفرد المصريّ، وقد كان ازدياد حالات البطالة عاملاً خطيراً، فهناك مهندسٌ نابغةٌ أعرفه حاصل على أعلى التقديرات طوال عمره، لا يجد عملاً، فماذا عن غيره؟!

أيقنت أنّ الدّاعية والمفكّر لابدّ أن يكون حرّاً من كلّ القيود، فلا يكون تابعاً لحكومة أو تنظيم

*ماذا لو تمّ تفكيك خطاب تلك الجماعات المتطرّفة، وتبيين عجزه وتهافته دون تقديم حلول بديلة، وطرح مشروعات لديها القدرة على الاستفادة من الطّاقات المهدرَة؟
- الاعتماد على القبضة الأمنيّة وحدها لن يحلّ أساساً، لكنّ حلّها الأساسيّ يكمن في الدّمج التدريجيّ للإسلاميّين السلميّين النابذين للعنف في الدّولة، في المجالات الفكريّة أو الثقافيّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة، مع إبعادهم عن المساحات السياديّة التي قد تخشى منها الدّولة، أمّا الإقصاء الكامل للجميع، مع التّلويح بين الحين والآخر بقوانين سيئة السّمعة، مثل؛ الفصل من الوظيفته، أو سحب الجنسيّة منه. كلّ ذلك سيؤدّي إلى باب عظيم وجديد للرّشوة والفساد والظّلم من جهة، وباب آخر للأحقاد والصّراعات والعنف دون مبرّر.
* هل ترى أنّ الدّول قد تنجح في محاولة دفع المتطرّفين إلى مراجعة أفكارهم في سجونهم، أم ستظلّ تلك المراجعات يعتريها العور كونها أُجريت بين طرفين؛ الأوّل سجّان والآخر مسجون؟

- الدّولة فاتت منها سنوات ذهبيّة، من 2014م حتّى 2017م، لم تقم فيها بأيّة مجهودات تُذكر لتشجيع أيّ متطرّف في السّجون نحو الاعتدال والمراجعة والوسطيّة. لقد حوّل اللّواء فؤاد علّام السّجن إلى جامعة في1982م، وجاء بعلماء كثر، وناقش عشرات القضايا الفكريّة مع آلاف المعتقلين دون إكراه أو إجبار، كانت تجربة ناجحة خرج على إثرها قرابة عشرة آلاف معتقلٍ كان بقاؤهم في السّجن قنبلة موقوتة؛ إذ سيتحوّلون فيه من مشروع تطرّف خفيف إلى تكفيريّ، ثمّ إلى تكفيريّ منتظم في تنظيم، ثمّ إلى إرهابيّ أو قياديّ يقود تنظيم، لكنّ خروجه إلى بيته سريعاً، قبل إحباطه ويأسه، جعل هذه الآلاف تخرج، ولم يقم أيّ واحد منهم بعملٍ عنيفٍ بعد ذلك.
واللّواء أحمد رأفت، مسؤول التطرّف الدينيّ الأسبق في جهاز أمن الدّولة المصريّ، طاف مع قادة المبادرة السجون كلّها، وحوّلها من سجون إلى جامعة علميّة وفكريّة، وقد أعطينا في سجون مصر قرابة 500 محاضرةٍ، بداية من سجن الوادي الجديد إلى سجن دمنهور، مسافة ألف كيلو متر تقريباً، وكان الجامع بين التّجربتين؛ تحسين السّجون، وفتح التّعليم للطّلاب، واقتراب ضبّاط الأمن السياسيّ من السّجناء.
أحيانا تصبح السجون مفرخة للإرهاب، يدخل الشّاب السّجن مشاركاً في مظاهرة سياسيّة ويعامَل معاملة سيّئة، ويجد حجج الدّواعش أقوى من حجج دعاة الإخوان، فيدخل داعش. إذاً، تحوّل من متظاهر غير مؤدلَج إلى داعشيّ كبير، وكلّ الذين قاموا بعمليّات عنف كبرى كانوا قد خرجوا من السّجون بعد عام أو أقلّ أو أكثر، وذاقوا معاملة سيّئة، واختلطوا بذوي الأفكار التكفيريّة أو الإرهابيّة أو الداعشيّة.

* كنتَ تشعر، بعد ثورة "25 يناير"، بخطورة ارتداد الأفكار التكفيريّة على الجماعة الإسلاميّة مرّة أخرى، بينما خالفك في ذلك أحد قادة الجماعة، لماذا وكيف استشرفت ذلك؟

- الحمد لله أن وفّقني مرّاتٍ كثيرة لاستشراف المستقبل جيّداً، فقد كتبت بعد عام 2004: "إنّ الحركة الإسلاميّة لن تصل إلى السّلطة، وإذا وصلت إليها أُجبرت على تركها، وإنّ الله لن يجمع لها السّلطة مع الدّعوة، وكلّما حاولت الجمع بينهما ضاع الاثنان"، وكنت مقتنعاً بعد المبادرة بأنّ أفضل مشروع أقدّمه للجماعة الإسلاميّة وبها، هو تحويلها من تنظيم إلى فكرة إصلاحيّة ودعويّة وفكريّة وسطيّة، وقمت بتشجيع أكبر عدد من النّابهين فيها بالكتابة والتّأليف، وأطلقت جميع الملكات فيها دون قيد أو شرط.
كنت مقتنعاً بالمبادرة، وبوجوب تطويرها مع معظم تلاميذي الباقين المقتفين لأثري في الجماعة حتّى الآن، البعض كان يظنّ أنّنا قدّمنا المبادرة، وغيّرنا فكرَنا من أجل الخروج من السّجن، هذا لم يكن صحيحاً، بدليل أنّني قلت كلاماً جريئاً جدّاً بعد ثورة "25 يناير"؛ بل أجرأ ممّا قلته أيام المبادرة، ولم تكن هناك يومها حكومة، أو أمن دولة، أو أجهزة أمنيّة، فقد كان ضميرنا هو الذي يحكمنا، ولم تكن المبادرة صفقة مع الدّولة بقدر ما هي تجارة مع الله وتصويب مسيرة من أجله سبحانه.

إنّ تجربة حكاياتي كلّها، لو حكاها فيلم سينمائيّ لأصبح مشوّقاً، لكثرة تجاربها وتعدّدها وقد ذكرت القليل منها

*وماذا حدث بعد ثورة "25 يناير"؟
حزنتُ بعد الثّورة؛ لأنّ بعض أبناء الجماعة الإسلاميّة أرادوا العودة إلى الميثاق والكتب التي نقدناها وغيّرنا فكرها في المبادرة، قلت لهم: إنّني سأترك، حتماً، هذه الجماعة، وسأرحل عنها، لكن سأنصحكم لوجه الله: هل هناك عاقل وصل لدرجة الماجستير يريد أن يعود إلى كتب الابتدائيّة.
رأيت البعض يحنّ إلى التّنظيم وقوّته وحديديّته، قلت لهم: إنّ الفكر والدّعوة وحبّ الهداية أقوى من التّنظيمات كلّها.
والعجيب أنّ كلّ من أراد شيئاً حصل عليه، فبعضهم هوى المناصب فحصل عليها ثمّ ضاعت منه، وبعضهم رغب في التّنظيم وقدّمه على كلّ شيء فحصل على قيادته، وأنا رغبت في الدّعوة ونشر الفكر الصحيح فحصلت عليهما. ضاعت المناصب، وكذلك التّنظيم، وبقي الفكر، أرادوا كلّهم الخير، من وجهة نظري، وكانوا كلّهم يفكّرون في المصلحة، لكنّ بعضهم نظر تحت قدميه، وبعضهم الآخر نظر إلى الأمام.
*كيف استقلت من الجماعة؟
- كنت محظوظاً في لحظة استقالتي من الجماعة الإسلامية، لقد كانت لحظةً رائعةً وتوقيتاً رائعاً، وهذا من عند الله وحده، وأنا رجلٌ قدريّ، أحبّ أقدار الله، وأتعايش معها مهما كانت صعبة، وصبري طويل.
استقلت في عزّ مجد الجماعة الإسلاميّة وسؤددها، وفي الوقت الذي كان النّاس فيه يتقرّبون إليها، وفي وقت زهوّها وعنفوان قوّتها، لم يهمّني المجد الذي ينتظرني في تلك اللّحظات، ولا وصف الغباء الذي وصفني به بعضهم، وأنا أغادر بستان الجماعة في وقت حصد الثّمار التي تعبت في بذرها وسقيها لسنوات، لكنّني كنت سعيداً جدّاً، وراضياً عن نفسي؛ لأنّني لم أستقل منها في وقت ضعفها وهوانها، وإلّا اتّهمني النّاس بالضّعف والخوف.
لقد تحمّلت أصعب اللّحظات، ولم أقل "آه"، والحمد لله الذي وهبني هذه اللّحظة الفارقة، والحمد لله أنّني لم أتكسّب من الجماعة شيئاً، وأعطيتها جهدي وإخلاصي بلا حدود، ومن يقرأ خطاب استقالتي يجد فيه الكثير من المعاني النّبيلة، فقد سقتُ فيه جملة من المعاني، مثل: إنّني أيقنت أنّ الدّاعية والمفكّر لابدّ أن يكون حرّاً من كلّ القيود، فلا يكون تابعاً لحكومة أو تنظيم أو حزب أو جماعة. إنّني أريد أن أكون كالعصفور، أغرّد كما أشاء وكيف أشاء، أتنقّل من غصن إلى غصن، دون أمرٍ من أحد أو إذنٍ من أحد، ودون أن يلومَني أو يراجعني أحد. إنّني أحمل لأبنائي وزملائي في الجماعة الإسلاميّة كلّ الودّ والحبّ والأخوّة، وهم يحملون الكثير من الصّفات النّبيلة التي طمس عليها العنف لفترة.

تفوّق الوريث على الأب في عالم الإرهاب، فمن خرجوا من عباءة الإخوان أصبحوا أكثر تطرفاً وعنفاً

*كنت تشعر بعد ثورة "25 يناير" بخطورة ارتداد الأفكار التكفيريّة على الجماعة الإسلاميّة مرّة أخرى، بينما خالفك في ذلك أحد قادة الجماعة، لماذا وكيف استشرفت ذلك؟

- إنّني أحبّ كلّ النّاس، ولا أحمل حقداً على أحد، أو حزناً من أحد، وقد ظلّ المرحوم الدّكتور عصام دربالة، لمدّة عامٍ، آملاً في عودتي، معلّقاً استقالتي، منتظراً حضوري إلى مجلس الشّورى لمدّة عام، دون جدوى أو حضور، حتّى اتّفق معي على تعيين غيري، فقلت له: اختاروا مَن تشاؤون، أنتم أحرار، فقد شققت طريقي وحدي.
كان هذا صعباً جدّاً على أيّ شخصٍ، فكلّ النّاس لهم سندٌ، إذا غرّدوا غرّد الآلاف معهم، أمّا أنا فلا سند لي إلّا الله، كما أنّ أطروحاتي التي كانت تدعو إلى السّلم والحلم والعفو، وترك السّلطة إيثاراً لسلامة النّاس من السجون، كانت لا تلقى ترحيباً من معظم الإسلاميّين بعد الثورة مباشرة، خاصّة، أنّ الجميع حينها كانوا في وقتٍ هائجٍ مملوءٍ بصيحات الانتقام والثّأر والغلبة والانتقام، فكان صوتي نشازاً بينهم.
لكنّ فكري الوسطيّ وأطروحاتي انتصرا في النّهاية، وكلّ ما توقّعته حدث بالحرف؛ توقّعت التّكفير والتّفجير، والاغتيالات، وأشياء كثيرة أخرى، وحذّرت الإسلاميّين منها ومن غيرها، لكن دون جدوى.
إنّ تجربة حكاياتي كلّها، لو حكاها فيلم سينمائيّ لأصبح مشوّقاً، لكثرة تجاربها وتعدّدها، وقد كتبت القليل منها فقط.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: