المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟

6416
عدد القراءات

2019-04-11

احتلّت صورة آلاء صلاح، المرأة السودانية، وهي تُلهِب حماسة جموع المعتصمين أمام مقرّ القيادة العامة للجيش، موقع الصدارة على صفحات التواصل الاجتماعي العربيّة والعالميّة، بثيابها السودانيّة البيضاء، ووِقفتها الشامخة، وسبّابتها المرفوعة بثبات وثقة، لتتحول صلاح إلى أيقونة للحراك السوداني، فأصبحت الصورة والرمز الأبرز والأكثر تداولاً للاحتجاجات منذ انطلاقها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

جاءت صورة آلاء صلاح كتحدٍ مباشر لمنظومة السلطة بجميع تشابكاتها

المدوّنون وصفوها بالـ "كنداكة"، الكلمة النوبية التي تطلق على الملكة الحاكة الشجاعة، في حين ذهب آخرون إلى مقارنتها بصورة تمثال الحرية الشهير في مانهاتن.
صورة صلاح منحت الحراك الثوري دفعة كبيرة إزاء محاولة السلطة تصوير الاحتجاجات بأنّها حركة تنشر الفوضى؛ فجاءت صورتها لتعطي الحراك وجهاً نسائياً شاباً. وفي مجتمع تختلط فيه السلطة مع التقاليد المحافظة والدين المقرّب من السلطان والمعزز لرضوخ الشعب واستكانته، جاءت هذه الصورة كتحدٍ مباشر لكلّ هذه المنظومة بجميع تشابكاتها ولتوجّه الأنظار حصراً صوب مطلب الحرية والكرامة.

آلاء صلاح.. تحوّلت صورتها إلى أيقونة للاحتجاجات في السودان

وبالإضافة إلى تمثال الحرية، استدعت صورة صلاح لوحة الفنان الفرنسي ديلاكروا الشهيرة "الحرية تقود الشعب"، التي رسم فيها امرأة تقود الثوّار في الثورة الفرنسية. بحيث ماهى فيها بين المرأة وقيمة الحريّة، في محاولة للتعبير عن تحقق الثورة على مستوى القيم واستبدال المنظومة السائدة في النظام السابق بأخرى جديدة مواكبة لروح الحراك الثوري.

لوحة ديلاكروا الشهيرة

كما استدعت صورة صلاح صُوَر أخرى لنساء من احتجاجات مختلفة في المنطقة عبر الأعوام الماضية،  وفي مقدمتها صورة المرأة الإيرانية المجهولة التي خلعت غطاء رأسها أبيض اللون ورفعته بعد أن وضعته على عصا، وانتشرت أثناء الاحتجاجات التي عمت إيران مطلع العام الماضي (2018)، وتم تداولها على نطاق واسع حول العالم  لما حملته وعبّرت عنه من معاني التحدي للنظام الحاكم في البلاد، حيث تفرض السلطة قوانين ارتداء الحجاب. فتحوّلت الصورة إلى رمز للتحرر والاحتجاج على حكم نظام ولاية الفقيه الذي يجمع الولاية السياسة والدينية في شخص المرشد الأعلى.

المرأة التي خلعت الحجاب في الاحتجاجات الإيرانية العام الماضي

كما تصدّرت صورة المرأة الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر، فكانت المرأة الجزائرية حاضرة في مقدمة صفوف المتظاهرين، وتميّز حضورها بالتنوّع، فتواجدت المرأة من مختلف الأعمار والفئات والتوجّهات.

المرأة الجزائرية من مختلف الأعمار حضرت في الاحتجاجات الجزائرية الأخيرة

ومن قبل صور الاحتجاجات المواجهة للسلطات وأنظمة الحُكم. كانت صورة المرأة الفلسطينية دائمة الحضور في المواجهة مع الاحتلال، بحيث كان حضورها ممثلاً دائماً لقيم الثورة والتحرّر، في مواجهة الاحتلال بكل ما يمثلّه ويجسدّه من قهر وظلم واضطهاد.

فتيات يتصدرن المواجهات مع الاحتلال في فلسطين في تشرين الأول 2015

ويبدو أنّ هناك تراكماً للتقاليد والقيم المحافظة في المجتمعات العربية والتي لا تتصوّر تواجد المرأة في ساحة المواجهة والثورة، وفي هذا الإطار تذكر عالمة الاجتماع المغربيّة، فاطمة المرنيسي، في كتابها "ما وراء الحجاب" (ص 160) أنّه "خلال الثورة الجزائرية اعتمدت الحركة الوطنيّة على النساء في تمرير الأسلحة والرسائل، ومن القضايا التي كان على هذه الحركة مواجهتها، المضايقات التي كانت تتعرض لها هؤلاء المناضلات من طرف إخوتهم الذين كانوا يعتبرونهم بغايا، ويمنعونهن من القيام بمهامهن النضالية".

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية
وتعلّق المرنيسي: "وكثيراً ما تقع أحداث مماثلة في مجتمع آخر يعيش ثورة تحريرية تساهم فيها النساء مساهمة كبيرة كالمجتمع الفلسطيني"، ثم تنقل حكاية يوردها الناقد الأمريكي شيفاليير - في دراسة له عن "فرانتز فانون" - وتحكي أنه: "في إحدى القواعد في لبنان كانت هناك مناضلة فلسطينية تقوم بدورها في الحراسة، وكانت تحمل رشاشها في مكان خالٍ يبعد عن القاعدة بعدّة أمتار حين لاحظ أحد اللبنانيين وجودها. تقدم نحوها وحاول إغراءها، اغتاظت الفتاة ورفضت بشدّة ودفعته عنها وأمطرته بوابل من الشتائم. غضب الرجل وخاطبها قائلاً: "كيف تريدين إيهامي بأن عليّ احترام فتاة تقضي الليل وحيدة في الشارع؟ حين صوبت سلاحها نحوه وأجابته: إذا كنت في الشارع معرّضة لفقد شرفي فلكي أدافع عنك وعن شرفك أنت ما دمت عاجزاً عن القيام بذلك".

اقرأ أيضاً: قاسم أمين.. تحولات في قراءة واقع المرأة
وتعلّق المرنيسي: "وعلى الرغم من الإطار الثوري الذي يحيط بالحكاية إلا إنها تكشف بأن المناضلة كانت تشاطر المدنيّ قناعته بأن وجودها في الشارع باعث على تلويث شرفها، ولذلك كان ردّ فعلها التلقائيّ هو تبرير وجودها في مكان مخصّص للرجال وليس المطالبة بحقّها في اقتحامه.
وهكذا فإن ظهور المرأة وتصدّرها الحراكات في بلاد لا تزال فاقدة فيها لقسط كبير من حقوقها، يكتسب قيمة مضاعفة، لتمثل صورتها بذلك احتجاجاً على المستويات الأعمق والأبعد من أنظمة الحكم والسياسة،  ويكون لها الآثار الأبعد على مستوى منظومات القيم والمبادئ.

اقرأ المزيد...

الوسوم: