"الهوية والعنف": هل ديانتك هي هويتك؟

5528
عدد القراءات

2018-08-28

يقدّم أمارتيا سن؛ الحائز على جائزة نوبل، وأستاذ الفلسفة والاقتصاد بجامعة هارفارد، في كتابه "الهوية والعنف"، مقاربة عميقة لفهم ومواجهة العنف والتطرف وعلاقتهما بالهوية وتشكلاتها، ويلاحظ أنّه يجري إفهام قسريّ لربط العنف والهويات بالدين، ويشير إلى التقسيم العالمي السائد، الذي عبّر عنه كأمر واقع صمويل هنتنغتون، في كتابه المشهور صراع الحضارات إلى مجموعة من الأديان والحضارات، مع تجاهل الهويات الأخرى التي يتمتع بها الناس ويقدرونها، مثل: النوع، والطبقة، والمهنة، واللغات، والعلم، والأخلاق، والسياسات.

وهم الهوية المتفردة

يقول "سن" في كتابه، الذي صدر مترجماً للعربية ضمن سلسلة عالم المعرفة العام 2008: إنّه يمكن أن يتحول وعي معمَّق منذ النشأة بهوية مشتركة مع جماعة من الناس إلى سلاح قوي، يوجه بوحشية ضد جماعة أخرى. والواقع أنّ كثيراً من النزاعات تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها، ويمكن أن يهزم الشعور المفرط بالهوية مشاعر التعاطف الفطري، ويدفع إلى العنف والإرهاب، ويمكن أن يكون الشعور بالهوية مصدراً ليس فقط للفخر والبهجة؛ بل أيضاً للقوة والثقة، وليس من المدهش أن فكرة الهوية تلقى مثل هذا الإعجاب المنتشر.

اقرأ أيضاً: الخرافة الدينية والآخر في التصور الشعبي.. جهل أم عنف؟

أمارتيا سن؛ الحائز على  نوبل، وأستاذ الفلسفة والاقتصاد بجامعة هارفارد

وبالطبع؛ فإنه لا تمكن، ولا تصلح، مواجهة العنف والتطرف بكبح الهويات؛ لأنّ الهوية يمكن أن تكون مصدر الدفء والثراء، كما يمكن أن تكون مصدر العنف.

يقدّم الكتاب مقاربة عميقة لفهم ومواجهة العنف والتطرف وعلاقتهما بالهوية وتشكلاتها

هل الهوية مسألة اختيار أم إدراك للذات؟ يتساءل "سن"، ويذكر حادثة طريفة في هذا السياق؛ جرى نقاش في العشرينيات في إيطاليا، بين أحد نشطاء الحزب الفاشي الذي يدعو ناشطاً اشتراكياً للانضمام إلى الحزب الفاشي، فقال له: لكنّني اشتراكي، وأبي كان اشتراكياً، وجدي كان اشتراكياً، قال له الفاشي: افرض أنّ أباك كان قاتلاً، وجدك كان قاتلاً، ماذا تفعل؟ قال الاشتراكي: في هذه الحالة انضم إلى الحزب الفاشي. والشاهد ببساطة أنّ في مقدرونا بناء هوياتنا حول تحسين الحياة والعمل المشترك، بدلاً من التقسيم والتعصب؛ فإذا كنّا جميعاً نتألم ونجوع، ونتعب، ونحب ونكره، ونخاف ونقلق، ونشعر بالحر والبرد، فلماذا نكون مختلفين في طبقاتنا أو أدياننا؟!

خطورة دعوة الإسلام إلى التسامح

ويشير أمارتيا سن إلى عمليات مواجهة التطرف المستمدة من محاولات التقريب والتسامح، بناء على قراءة معتدلة للإسلام، وبتوظيف رجال الدين المسلمين، ويقول إنّها مشكلة أكثر خطورة من التحريض على الإسلام، ففي دعوة المسلمين إلى التسامح؛ لأنّ الإسلام دين سلام، وأنّ المسلم الحق متسامح بالضرورة، نقحم الإسلام في الصراع بدلاً من تجنيبه هذا الصراع.

اقرأ أيضاً: عنف الإرهاب وتركة التراث الفقهي

صدر الكتاب مترجماً للعربية ضمن سلسلة عالم المعرفة عام 2008

يؤكد "سن" أنّ رفض فكرة صدامية عن الإسلام والمسلمين فكرة مهمة، لكننا أيضاً يجب أن نسأل ما إذا كان ضرورياً، أو حتى ممكناً، استخدام مصطلحات سياسية في تعريف ما يجب أن يكون عليه المسلم الحق، فلا ضرورة لأن تكون ديانة المرء هي كل هويته على وجه الحصر، والإسلام لا يلغي الاختيار المسؤول في كثير من مجالات الحياة، ويمكن أن يتخذ مسلم خياراً صدامياً، ومسلم آخر يتخذ خياراً متسامحاً، ويظلان مسلمين.

نزاعات كثيرة تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها يمكن أن يهزم مشاعر التعاطف الفطري

ويبدو أنّ تزايد الاعتماد على التصنيف القائم على الدين لأهل هذا العالم، يميل إلى جعل ردّ الفعل الأوروبي على الصراع والإرهاب الكوكبي، يحدث بطريقة تخلو من أيّة براعة، فاحترام الناس الآخرين يتم التعبير عنه بالثناء على كتبهم الدينية، بدل ملاحظة الأنشطة والإنجازات المتعددة الأوجه في مختلف المجالات، الدينية وغير الدينية، لأناس مختلفين في عالم متفاعل على مستوى كوكبي؛ ففي مواجهة ما يطلق عليه "الإرهاب الإسلامي" في التعبيرات المشوشة لسياسات العولمة المعاصرة، فإنّ القوة الفكرية للسياسة الغربية موجهة بشكل أساسي لمحاولة تعريف أو إعادة تعريف الإسلام.

تعدد الهويات

التركيز على التصنيف الديني الضخم وحده لا يعني فقط أن يفوّت علينا الاهتمامات والأفكار الأخرى التي تحرك الناس، بل إنّ ذلك يؤدي إلى التضخم بشكل عام من صوت السلطة الدينية، وعلى سبيل المثال؛ يعامل رجال الدين المسلمون في هذه الحالة، باعتبارهم -بحكم منصبهم- المتحدث الرسمي لما يسمى "العالم الإسلامي"، رغم أنّ عدداً كبيراً جداً ممن يدينون بالإسلام، لديهم خلافات عميقة مع ما يقدمه رجال الدين، لكن يمكن أن يكون الإنسان متسامحاً ومعتدلاً، ويؤمن -في الوقت نفسه- إيماناً قوياً وعميقاً بمعتقدات دينية.

الإسلام دين سلام ودعوة المسلمين للتسامح تقحم الإسلام في الصراع بدلاً من تجنيبه إياه

إنّ الإنسان، كلّ إنسان، متعدد الهويات، وهذه الهويات ليست ثابتة، كما أن أهميتها لا تكتسب الأهمية نفسها دائماً؛ إذ تزيد هذه الأهمية حسب الأحداث والمناسبات والظروف، فيمكن أن يكون أحدنا مسلماً، ونباتياً، ومشتغلاً بحماية البيئة والحفاظ على نوع من الطيور المهددة بالانقراض، ومشاركاً في هوايات وألعاب رياضية وثقافية، ومشجعاً لأحد الأندية العالمية أو الوطنية، وينتمي أيضاً إلى فلسفة ليبرالية أو يسارية في الاقتصاد والسياسة والتنمية، وقد يكون متديناً أو غير متدين، وفي تدينه يسلك خيارات واتجاهات عدة، من المذاهب والسلوك والفكر والاعتقاد، وفي الصراعات الدولية والإقليمية يتخذ رؤية ومواقفَ تبدو متفقة مع خصومه السياسيين أو الدينيين، وفي اهتماماته التخصصية والثقافية؛ يسلك اتجاهات علمية وثقافية تتفق أو تختلف مع آخرين، وكذا في أسلوب حياته وطعامه ولباسه، ..إلخ. كيف يمكن تصنيف أو محاسبة مثل هذا الشخص؟ وهذا ليس مثالاً نادراً؛ إذ إنّ معظم الناس، إن لم يكن جميعهم، ينطبق عليهم هذا الوصف.

اقرأ أيضاً: هل يرغب الإنسان حقاً في الحد من انتشار العنف بأشكاله؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

2019-07-18

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً كبيراً وعلى كافة المستويات، خاصة بعد بروز ظاهرة حضورهم الكبير في تنظيم داعش، واعتماد التنظيم الإرهابي على تجنيدهم وتدريبهم واستخدامهم في الدعاية وبشكل مبالغ فيه على مستوى عالمي.

اقرأ أيضاً: المخيمات الصيفية.. وسيلة جديدة للحوثيين لتجنيد الأطفال

واليوم؛ يحظى هذا الملف باهتمام العالم سواء على المستوى المحلي أو العالمي، خاصة في ظل المعلومات والتقارير التي تتحدث عن آلاف الأطفال والنساء المحتجزين في مراكز احتجاز غير إنسانية في العراق وسوريا، وذلك بعد هزيمة تنظيم داعش، وتردد المجتمع الدولي، والدول المصدرة للإرهابيين، عن استقبال وإعادة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم.

الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد

لقد استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل، وأحياناً مقاتلين ومفجرين انتحاريين. وأظهرت أشرطة الفيديو الدعائية للتنظيم أطفالاً صغاراً يقطعون الرؤوس ويطلقون النار على السجناء. بعض هؤلاء الأطفال لقّنهم تنظيم داعش أفكاره طوال أعوام، والأكبر سنّاً تلقوا تدريبات عسكرية.

وكمثال على ذلك؛ أطفال الإيزيديين في العراق أواخر آب (أغسطس) 2014، عندما اجتاح التنظيم المنطقة؛ حيث تشير تقارير إعلامية بناء على شهادات أطفال من الإيزيديين أنّه تم إرسال 200 طفل إيزيدي لمخيم تدريب في تلعفر؛ حيث كان يبدأ يومهم في الصباح الباكر بالتدريبات العسكرية. وكان التدريب العسكري للأطفال يتضمن تجاوز حواجز من الإطارات المحترقة بالزحف أو القفز من أماكن عالية.

اقرأ أيضاً: هل توقف بريطانيا تجنيد الأطفال؟

وقد درّب داعش الأطفال على استخدام الكلاشينكوف وأرغموهم على مشاهدة تسجيلات مصورة لكيفية استخدام الأحزمة الناسفة والقنابل أو قطع الرؤوس. وكان مسلحو داعش يكررون على مسامع الأطفال أنّهم أصبحوا مسلمين ولم يعودوا إيزيديين بعد الآن.

استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل

الأطفال ضحايا التنظيم الإرهابي
إنّ مشاركة الأطفال في النزاعات معروفة تاريخياً، على الأقل، في العصر الحديث، منذ الحرب في فيتنام والصراعات المسلحة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وهناك معاهدة دولية موقعة من 170 دولة تحرّم مشاركة الأطفال في الحروب وأماكن الصراع في العالم تحت مسمى "البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة" وتنص المعاهدة على:

1- حظر تجنيد الأطفال تحت سن 18 عاماً في الجيش.
2- ضمان إعفاء المتطوعين العسكريين تحت سن 18 عاماً من المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية.

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً بعد بروز ظاهرة حضورهم في تنظيم داعش

ولقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على المعاهدة على أنّه بروتوكول إضافي لاتفاقية حقوق الطفل التي كتبها القرار 54/263 في 25 أيار (مايو) 2000. ودخل البروتوكول حيز النفاذ في 12 شباط (فبراير) 2002.

إلا أنّ الظاهرة التي جلبت الاهتمام لموضوع الأطفال هي الدعاية التي قام بها تنظيم داعش منذ عام 2014، والتي فاقت حقيقة استخدام هؤلاء الأطفال في المعارك الحقيقية، وهو ما يدفع باتجاه ترجيح أن يكون هؤلاء الأطفال ضحايا للإرهاب وتنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟

خاصة أنّ الأعداد الكبيرة من الأطفال المحتجزين اليوم في مراكز الاحتجاز المكتظة في سوريا، مخيم الهول، أو في العراق، في نينوى، لا سيما بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق، وهو الأمر الذي أثار اهتمام وانتقادات منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس واتش".

 

 

وقال المجلس القضائي الأعلى في العراق إنّ 185 طفلاً أجنبياً، على الأقل، قد أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب، وحُكم عليهم بالسجن بحلول نهاية عام 2018، ويتفاوض العراق أيضاً مع الميليشيات التي يقودها الأكراد الذين يشرفون على المخيمات في سوريا من أجل إعادة 13000 من النساء والأطفال العراقيين.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وذكر بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة "كينجز كوليدج" في لندن، أنّه "يوجد ما لا يقل عن 13000 من أتباع داعش الأجانب محتجزين في سوريا، من ضمنهم 12000 امرأة وطفل. إضافة إلى 1400 آخرين محتجزين في العراق. لكن دولاً عدة، من ضمنها روسيا وكوسوفو وكازاخستان وإندونيسيا وفرنسا، تدخلت لإعادة بعض مواطنيها.

لقد بدت بعض الحكومات مستعدة لإعادة الأطفال أكثر من إعادة آبائهم، على الرغم من أنّ القليل منهم على استعداد لإرسال أشخاص إلى سوريا والعراق لجمعهم، كما تطلب عدة بلدان من الأطفال المولودين في "دولة الخلافة" الخضوع لاختبار الحمض النووي لإثبات نسبهم، وبالتالي جنسيتهم، قبل العودة إلى الوطن مثل؛ الأردن، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

وتُعد كوسوفو وروسيا وكازاخستان من الدول القليلة التي استعادت الأطفال؛ حيث نظم الحاكم الشيشاني، رمضان قديروف، عودة عشرات الأطفال الناطقين بالروسية، وفي بعض الحالات، أمهاتهم، في أكبر عملية عودة لمرة واحدة إلى أوروبا حتى الآن، أعادت كوسوفو 110 من مواطنيها من سوريا في نيسان (أبريل) 2019، من بينهم 32 امرأة و74 طفلاً.

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎

وللمساعدة في إعادة إدماجهم في المجتمع، فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين، ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبنّي، وإنّ هذا النهج قد يكون أسرع طريقة لإنقاذ الأطفال الأبرياء، إلا أنّه يعني أيضاً فصلهم عن أمهاتهم؛ حيث ترفض الكثير منهن الانفصال عنهم.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الحوثية وتجنيد الأطفال!

تونس، التي تعد، من أكثر الدول المصدرة للمتشددين في العالم، رفضت إعادة مواطنيها، تاركة ما لا يقل عن 200 طفل تونسي و100 امرأة في سوريا وليبيا، وفقاً لـ "هيومن رايتس ووتش".

مسارات التجنيد

ويأتي كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب" لكل من البرفسورة مايا بلوم وجون هوريغان، ضمن سلسلة الأدبيات الحديثة التي جذبتها ظاهرة مشاركة الأطفال في تنظيم داعش. وهي أول مراجعة باللغة العربية للكتاب الصادر باللغة الإنجليزية في 15 أيار (مايو) 2019 عن منشورات جامعة كورنيل-أتيكا-نيويورك.

 كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب"

ويتألف الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة، من ثمانية فصول تناولت:  تقييماً عن المقصود بالأطفال، الأطفال الجنود ضد الأطفال في الجماعات الإرهابية، تعلم الكراهية، التأثيرات الاجتماعية والثقافية، مسارات التجنيد والتورط مع الجماعات الإرهابية من خلال القسر والإكراه، أو من خلال الثقافة الجمعية حول مفهوم الشهادة.

اقرأ أيضاً: معسكرات إيرانية لتجنيد الأطفال في سوريا

في الفصل الأول يؤكد الكتاب على أنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين، بل يتم تعليمهم وصناعتهم ليكونوا كذلك، سواء بمعرفة ودراية عائلاتهم أم لا.

الجماعات الإرهابية ربما تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك

وكثير من أطفال تنظيم داعش كانوا في سن المدرسة، حينما أخذهم آباؤهم إلى أرض "الخلافة" المزعومة للدولة الإسلامية في العراق والشام. حيث وُلد آلاف آخرون هناك. ويشير الكتاب الى ظهور الأطفال في فيديوهات مرعبة مع بداية الصراع في سوريا 2015. ثم انتشرت صور الأطفال عبر وسائل إعلام داعش.

أما في الفصل الثاني، فيشير الكتاب إلى أنّ الجماعات الإرهابية تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين، وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك. ثم الإشارة إلى الخلافات الموجودة بين استخدام الأطفال في الجماعات الإرهابية، والجماعات المسلحة في الحروب، وأنّ هناك بعض أوجه الشبه بين الرأيين لكنهما مختلفين في النهاية من حيث: المحتوى، ودور العائلة والتعليم، واستخدام المخدرات وهل يتم استخدام الفتيات في المعارك أم لا؟ ودرجة تشجيع العائلات لكل مجموعة.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال.. كيف تغسل جماعات إيران أدمغة النشء؟

وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصراعات والمآسي الناتجة عن الحروب والصراعات التي تترك العائلات والأطفال نهباً للتشريد والهجرة القسرية وخراب التعليم في المدارس، وحسب تقرير نشر عام 2016 للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين كان هناك أكثر من 3.7 مليون طفل لاجئ سوري خارج مقاعد الدراسة، وأنّ الأطفال خاصة في الأماكن التي تشهد مثل هذه الصراعات يكونون عرضة وأهدافاً سهلة للتجنيد من قبل التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فإنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين؛ بل يتعلمون كيف يصبحون جزءاً من حركة إرهابية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال سلاح إيراني خفي للسيطرة والنفوذ

ويتطرق الفصل الرابع إلى قضية إكراه الأطفال وإجبارهم على تنفيذ العمليات الإرهابية، ويعطي أمثلة على ذلك خاصة في أفغانستان، وكيف أنّ أفراد العائلة أحياناً ممكن أن يتورطوا في هذه العملية.

في حين يتحدث الفصل الخامس عن كيفية اندماج الأطفال مع مرحلة البلوغ، فيما أُطلق عليه "ثقافة الشهادة" التي تكونت حصيلة مجموع الظروف والمآسي التي مر بها الطفل في حياته في أماكن الصراع ومعاناته من الفقر والجوع والحرمان والتهميش والعنف. ثم يؤكد الكتاب في الفصل السادس أنّه ليس هناك سبب واحد ومحدد لتفسير لماذا يتم استهداف الأطفال للتجنيد في الجماعات الإرهابية، فهناك الكثير من الأسباب والدوافع.

وفي الفصول المتبقية من الكتاب، ثمة محاولة  للإجابة على سؤال مركزي هو: لماذا تستخدم الجماعات الإرهابية تعبئة الأطفال لدعم قضيتها وتنفيذ نشاطاتها، وإظهار الجانب المقيت والضار والهش في المجتمع الذي يسمح لا بل يُشجع على استخدام الأطفال في تنفيذ النشاطات الإرهابية؟

فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبني

ثم يحاول الكاتب إماطة اللثام عن هذه الظاهرة من خلال الإجابة على "الأسئلة الخمس" المعروفة (ماذا ومن ومتى وأين ولماذا)، وإلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي تثير الغضب والاشمئزاز لدى الكثيرين في العالم.  في نفس الوقت الذي ترى فيه الجماعات الإرهابية أنّ استخدامهم مفيد لها ويخدم أغراضها.
ولعل أهم وأخطر إشارة في الكتاب، هي الإشارة الى أنّ الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون، وأنّهم عادة ما يملكون ويخرجون بالابتكارات والإبداعات، لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد.

اقرأ أيضاً: داعش يلجأ إلى الرسوم المتحركة لإعادة دوران عجلة التجنيد

ولأنّ مسألة التجنيد في الجماعات الإرهابية من أهم المسائل، فإنّ الكتاب يحاول الإجابة على هذا السؤال من حيث الطرق والتكتيكات والاستراتيجيات المختلفة المناسبة لتجنيد الأطفال، والتي تختلف عن أساليب تجنيد البالغين، ثم كيف يتم تصنيفهم وكيفية استخدامهم. 
إنّ التركيز غير التقليدي للكتاب يكمن في الغوص في عقول هؤلاء الأطفال وفي جوهر هذا الملف الذي مكّن من عرض سرد ذاتي للأطفال الذين تورطوا في الإرهاب، والجماعات الإرهابية، والجماعات التي استخدمتهم؛ وأنّ الأطفال في النهاية هم ضحايا الإرهاب؛ لأنهم ببساطة ضعفاء يمتازون بالهشاشة الإنسانية سواء بوجود الحروب والصراعات أو بدونها.

للمشاركة:

العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين

2019-07-07

يشكل العنف بوجهيه، المادي والرمزي وبأشكاله وصوره المختلفة وجذوره الممتدة في التاريخ، سمة ملازمة وجزءاً بنيويّاً مكوناً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد ليشمل دولاً أخرى غير دوله المعروفة بالتحديد الجغرافي؛ إذ يتغلغل العنف في البنية العميقة لثقافة مجتمعاته، ويطبع نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على الإكراه والعصبية وقوة الشوكة والغلبة بشكل عام، حتى بات يكتسب شرعية سياسية باعتباره الرد الممكن على ضيق أشكال العمل المتوافرة، أو كخيار استراتيجي وإمكانية تُعتبر بشكل ذاتي كما لو أنّها الوحيدة المتوافرة أو المناسبة للخروج من  حال أزمة أو وضعية سيطرة.  لذلك قد يتعذر تفسير العنف في تاريخ الشرق الأوسط "ما لم نضعه قبلاً في علاقة مع الأنظمة السياسية التي ولد فيها، ومع آليات انفتاحها أو انغلاقها وقدرات الدمج والإقصاء فيها".

يشكل العنف بوجهيه المادي والرمزي وجذوره التاريخية سمة ملازمة وجزءاً بنيوياً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير

في سياق الاهتمام بدراسة تاريخ العنف وتفسير مظاهر العنف السياسي والديني المنفلت من كل عقال ومنطق، والذي يشهده عدد من دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ومايزال يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بما يعرف بالمسألة الشرقية ونتائجها المتداخلة مع حوادث الحاضر، يقدم الباحث والمؤرخ الكردي حميد بوزرسلان، مدير معهد الدراسات للعلوم الاجتماعية في باريس، في كتابه "قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة" الصادر عن المركز العربي للترجمة 2015 بترجمة هدى مقنص، عرضاً تفصيلياً شاملاً لمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ هذه المنطقة الحساسة من العالم.

غلاف الكتاب
كما يقدم تحليلاً موضوعياً لصور العنف المتجلية فيها، معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة ما أو تجسيد سياسي قائم لتعريف العنف كمفهوم، ومنهجية التقطيع التعاقبي الزمني الذي يتيح فهم التشكيلات السياسية المتوالية على النطاق الإقليمي ومعرفة الأطراف الفاعلة المؤثرة فيها لكشف وتحليل كل مرحلة انطلاقاً من الضغوط التي تسيطر عليها، والذاتيات التي تسمها، والأمكنة – الأزمنة التي تحركت فيها تلك الذاتيات وتحولت، فتركت المعاني القديمة مكانها لمعانٍ جديدة حلت محلها، وفرضت نفسها بالقوة أحياناً على مدار قرن من الزمان، مركّزاً في تحليله ورصده على العوامل الذاتية والداخلية أكثر من العوامل الخارجية التي حظيت بالكثير من البحث من قبل، أو أصبحت تتمحور في صورة تبريرية في الغالب حول فكرة  أو "نظرية" المؤامرة؛ فالمؤامرة ،وإن كانت موجودة في التاريخ القديم والحديث، لكن التاريخ ليس تاريخ المؤامرة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
يتناول الكتاب بالتفصيل الكاشف ثلاث مراحل مفصلية تعتبر كل منها حقبة تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير، يرصد الباحث خلالها الحوادث والأفعال العنفية وآثارها؛ والشخصيات المؤثرة فيها، ويحلل العوامل البنيوية الداخلية المولدة للعنف وآلية تمفصلها مع العوامل الخارجية. 

يقدم الكتاب تحليلاً موضوعياً لصور العنف معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة أو تجسيد سياسي لتعريف العنف كمفهوم

يغطي الجزء الأول من البحث المساحة الزمنية الواقعة بين عامي 1906 و1979 التي شهدت آثار الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسمها من قبل الدول الغربية الذي أدى بدوره إلى تقسيم الوطن العربي وقيام الانتداب الغربي على الدول العربية، لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، التي ستفتح عهداً جديداً من العنف ما زالت تتواصل حلقاته حتى يومنا هذا.
كانت أنظمة الانتداب، وفق الكتاب، سبباً في قيام "الثورات الكبرى" وانتشار الفكر القومي المتطرف الذي ترجع جذوره التاريخية إلى سلسلة الاحتجاجات والانقلابات الساعية إلى استعادة الإمبراطورية المتهالكة، ومحاولة تحديثها على النمط الغربي "بثورة فرنسية شرقية"، وما تبعها من تصفيات دموية قادت إلى تتويج "لجنة الاتحاد والترقي"، ذات الميول القومية المتشددة والتنظيم شبه العسكري، كلاعب سياسي فاعل بعد أن همّشت قادتها الأوائل وتغلبت على البيروقراطيات المدنية والعسكرية المنافسة، وأدت تشكيلاتها الخاصة بقيادة رجال الظل الدور الأساسي في إبادة الأرمن، و"شكلت الرحم الذي خرجت منه الكثير من التنظيمات ذات المتخيل الثوري على امتداد القرن العشرين، سواء في تركيا أو في المقاطعات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
ويقابل ذلك لوحة مشابهة في الجانب الفارسي مع انطلاق أعمال الاحتجاج والتمرد والانقلابات في البلاد تحت تأثير ثورة 1905 في روسيا، والتي تتوجت بالحركة "الجنغالية" التي حاولت تأسيس "جمهورية شورى" على غرار الجمهورية السوفيتية و"شكلت ذاكرة ثورية بالنسبة لحركات التمرد التي تلتها، وصار اسمها مرجعاً رمزيا لسلسلة من التنظيمات الثورية فيما بعد".
أما المقاطعات العربية فقد رسمت نهايةُ الحرب العالمية الأولى حدودَها الجديدة وأقدارها أيضاً، فعانت التجمعات السكانية المنفصلة عن السلطنة العثمانية إما من كثرة الدول أو من غيابها، كما في حالتي الكرد والفلسطينيين، ودشنت مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والتشوه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فقد ساهمت الحروب عدا عن حصد الأرواح، وإهدار الحياة في تدمير بنية المجتمعات العربية من الداخل و"وحشنتها" "فلم تعد تقدس "القضايا" السياسية والدينية والطائفية التي أُعِيدَ تعريفها من منظار اجتماعي- دارويني فقط، بل تفهمت أيضاً اللجوء إلى الإكراه وإلى العنف كنمط إدارة ومعارضة شرعي".

اقرأ أيضاً: الأردن: هل ينضمّ الإسلاميون إلى الحكومة في التعديل القادم؟
الأمر الذي فتح الباب عريضاً  أمام عسكرة المجتمعات وعسكرة السياسة؛ فتضخمت المؤسسة العسكرية في وقت قصير، وسيطرت على مفاصل الدولة ومقدرات المجتمع باسم التحرير والوحدة والتوحيد القومي أو الإسلامي، وعملت على إقصاء المعارضين وتدميرهم باسم الشعب وتهمة الخيانة، وقد مهدت نكبة فلسطين وهزائم العرب لقيام عدد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية كما ساهمت الهزيمة الكبرى في 1967 في إطلاق موجات جديدة من العنف والاغتيالات، وشكلت هذه الحرب نهاية مرحلة المتخيلات الثورية التي ترافقت مع نهوض قومي عربي على امتداد الخمـــسينيات والســتينيات من القرن العشرين، وأفضت إلى بروز معارضات إسلامية راديكالية أكثر عنفاً من سلطات العسكر وأنظمة الاستبداد الشرقي التي حولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، وجعلت من الدولة غنيمة حرب وصار الخوف هو أداة الشرعية الأولى.
 نسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية

شرخ سيد قطب
يفتتح حميد بوزرسلان الجزء الثاني من كتابه والذي يغطي سنوات ما بين  1979 و1991 بعنوان مزدوج ذي دلالة "إسلام ثوري وقمع، وشرخ عنوانه سيد قطب" يرصد من خلاله طبيعة المرحلة الجديدة المحكومة بآثار هزيمة حزيران 1967 التي أفضت فعلياً إلى هزيمة اليسار العربي: القومي والماركسي، والليبرالي، وتجويف الأحزاب السياسية واستقرار أنظمة العسكر والحزب الواحد التي أمنت بقائها وأمنها بالإكراه "وتجنيد أدوات القمع العاري الذي يهدف إلى إفهام المجتمع بأنّه مهزوم ولا يملك الوسائل الكفيلة بجعله يرى نفسه في مستقبل مختلف جذرياً".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين
بذلك تحولت الدولة العسكرية إلى دولة أمنية توتاليتارية؛ فأصبح العنف أو استبطان العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تحقيق تأثير في الواقع الصلب، وخلت الساحة السياسية لمعارضات جديدة نشأت في هوامش المجتمعات ذات لون إسلاموي وطابع صدامي مدمر للآخر، كما هو مدمر للذات، تعززت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، والعمل على تصديرها نحو العالمين؛ العربي والإسلامي.

يتناول الكتاب 3 مراحل مفصلية تعتبر حقب تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير

في هذا المناخ تجسدت أفكار سيد قطب ومفاهيم "حاكمية الله" و"جواز الحرب في دار الإسلام" و"جاهلية القرن العشرين" ووجوب مجاهدة الحاكم الجائر.. في تنظيمات حركية "جهادية" كنسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين، جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية؛ فصار الجهاد والتضحية بالنفس "فريضة غائبة" أو ركناً سادساً من أركان الإسلام، والشهادة جزءاً من الحياة وحتى شرطاً لها، وتم الشرخ بين الفكر الإسلامي والفكر الإسلاموي أو بين الدين الديني والدين السياسي، واختلط الخلاص الأرضي أو المستقبل الأرضي بالخلاص الأخروي، وأصبح الجسد الذي صار سلاحاً يستخدم ضد الحشود المجهولة الهوية في غالب الأحيان يمهد للخلاص النهائي، فيما النتائج الحقيقية مذابح وحمّامات دم جديدة على مساحة أوسع من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: عندما يشلّ الإسلاميون طاقة الدين الروحية ويهدرون مضمونه الأخلاقي
يشكل الجزء الثالث من الكتاب الذي يغطي الفترة الزمنية ما بين بداية التسعينيات من القرن العشرين ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة امتداداً تاريخياً لأحداث الفترة السابقة؛ فتلازمت بداية المرحلة مع نهاية ثلاث حروب استنزفت العالم الإسلامي على مدار عقد من الزمان: انسحاب السوفييت الكامل من إفغانستان، توقف الحرب العراقية الإيرانية، وبرود الحرب اللبنانية وتحولها إلى حالة مراوحة بالمكان بعد تكريس الإرادة السورية وحل الميليشيات وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وانفراد ميليشيا واحدة بالاحتفاظ بسلاحها؛ أي حزب الله المكلف جماعياً بتحرير الجنوب الذي احتلته إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون وفكرة "السلف الصالح"
وقد "فتحت نهاية هذه الحروب مضافاً إليها أفق الحل السلمي للمسألة الفلسطينية، بشكل مؤقت، باب الأمل في حدوث تحول سلمي في الشرق الأوسط وموجة من التحولات الديمقراطية ستأتي على أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي"، وستفتح الباب أمام المشاركة السياسية وتسرّع دمج الإسلامويين باللعبة الديمقراطية وقبولهم بسيادة القانون الوضعي.
لكن ما أفصحت عنه النتائج هو اشتعال أربع حروب جديدة مع مطلع الألفية الثالثة بدل الثلاثة المنتهية، كما بينت أنّ التحول الديمقراطي في الحركات الإسلاموية مجرد وهم، بسبب استمرارية الأنظمة الاستبدادية التي استفادت من الدعم الدولي في محاربة "الإرهاب الإسلاموي" "وكسبت في خانة الفعالية ما خسرته في حانة الشرعية" من أجل البقاء؛ فأجبرت كل فئات الشعب على اتباع قواعد الإلحاق والطاعة التي فُرضت عليها لئلا تتعرض للقمع، وأسكتت كل أصوات المعارضة السياسية، فيما أصبحت الحركات الإسلاموية أكثر تصلباً وتجذراً في منطق المواجهة العنفية وأكثر انعزالاً عن المجتمع.

 

وأكملت حرب الخليج الثانية ودخول الأمريكان إلى العراق؛ ونتائج اتفاقات أوسلو المحبطة؛ وعودة الجهاديين "الأفغان العرب" من أفغانستان، هذا التصلب بإطلاق موجة جديدة من التطرف في أنحاء المنطقة كافة وحتى خارجها، ومهّدت لإطلاق موجات جديدة بأشكال عديدة من العنف من عنف التضحية بالذات إلى العنف ضد المجتمع: كالعنف ضد المدنيين، والعنف اللغوي تجاه الأقليات، والعنف الموجه إلى أجساد النساء، واغتصاب اللغة.

 

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط بقوله "كل شيء يشير إلى أنّنا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة"، وإن كانت لا تقطع الأمل بتغير إيجابي أفضل شرط أن نعرف كيف نتجنب الكارثة المدمرة، "فالتعب الاجتماعي الناجم عن إخضاع المجتمعات بالإكراه، وإنهاك الديناميكيات الاجتماعية يجعل السعي إلى البقاء اليومي هو الأفق الوحيد المتاح، وهذا التعب هو الذي ينتج الخضوع وبالتالي بقاء الأنظمة المتسلطة، لكنه يحمل معه ثمناً هو العنف الخفي".
ويؤكد بوزرسلان أنّه ما دامت القوى الدولية والإقليمية القوية والمؤثرة ترفض النظر إلى الحلول الكفيلة بالخروج من حالة عدم الاستقرار، وإقامة سلام حقيقي سيظل هذا الرفض يشكل عاملاً بنيوياً لإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر فأكثر دموية، إلا أنّ الباحث يخلص في الخاتمة الأخيرة التي كتبها للترجمة العربية إلى "أنّ العامين 2011 و2012 سيتربعان في كتب الحوليات التاريخية بوصفهما التاريخ الرابع الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط"، وأنّ الاحتجاجات الثورية في تونس ومصر ستحمل معها حصتها من المفاجآت سواء أكان في بلدان مختلفة ذات خصوصية أو على النطاق الإقليمي برمّته.

للمشاركة:

والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!

2019-07-02

في المذكرات التي كتبها الدكتور محمد حلمي العام 2011 تحت عنوان "أنا وعمرو خالد والأيام الصعبة"؛ يسعى الأب جاهداً لعرض ما عاناه ابنه عمرو خالد، أحد أبرز الدعاة الجدد، من "حصار وابتلاءات"، فإلى أي مدى نجح الكاتب في كبح عواطفه في هذه الشهادة!

اقرأ أيضاً: الداعية عمرو خالد إذ يجعل ارتقاء الروح مرتبطاً بالتهام الفراخ!

يمكن تفهّم مشاعر أب يمدح ابنه طوال الوقت، يجلّه ويقدّره، ويصنع حوله هالة الأبطال، لكن الانسياق لإيحاءات تعرّضه للإقصاء والحصار والعذاب بما يضلل القارئ ويصطدم مع الواقع، فهذا مما يصعب تمريره بسهولة مع شخصية عامة.

بدايات داعية

في الفصل الأول؛ يتحدث الوالد في كتابه، كيف بدأ عمرو دعوته من مسجد نادي الصيد، وهو نادي كبار القوم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعرفه سوى الأعضاء، وحين طلب منه رئيس النادي التوقف، يتصور الرجل أنّ ذلك بفعل أمني؛ لأنّ الناس بدأت تلتف حول ابنه، وحتى لو كان ذلك بفعل أوامر مشددة فإنه تصرف طبيعي يأتي في سياق عمليات استقطابية عن طريق المواعظ من عضو كان حتى وقت قريب مقرباً إلى الجماعة.

غلاف الكتاب
بدأ عمرو يعقد ندواته في منازل أعضاء النادي وعلية القوم، وهذا أثار الاستياء بشكل أكبر، حتى طلبته السيدة ياسمين الخيام، المطربة المعتزلة، ابنة الشيخ الحصري، في مسجد بناه والدها بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وانتقل منه لمسجد المغفرة، ووفق قول والده؛ فإنّ مواعظ ابنه توقفت بسبب الزحام المروري الذي كان يسببه، حتى دعته ياسمين الخيام مرة أخرى، إلى مسجد الحصري، وفي هذه الأثناء بدأ أول برامجه التلفزيونية بعنوان "نلقى الأحبة"، وبعد عدد من الحلقات، استدعي إلى جهاز أمن الدولة، وهناك قابل رجل أمن كبير، قال له: "يا عمرو، نحن نتابعك منذ فترة طويلة، ولا نلقى منك إلا كلّ خير، فتصرف كما تشاء وافعل ما يحلو لك"!

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً
الرجل انتقل من نادي الصيد إلى أكبر مساجد القاهرة، ومنها للفضائيات، ورغم ذلك يقول له رجل الأمن: "تصرّف كما يحلو لك"! فأين إذاً الأيام الصعبة والحصار التي يوحي بها عنوان الكتاب؟!
فجأة، ينتقل والد عمرو خالد، إلى اليوم الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، ويدّعي أنّ أحد الضباط الكبار استدعى ابنه، وقال له: "الرجل الكبير طلب ألا تتحدث مرة أخرى"، ويقول إنّ عمرو حدّث والدته بذلك، وبعدها قرّر الذهاب للندن، بسبب نصيحة أحد أصدقائه له.

يقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي

بين مصر وبريطانيا
المهم في هذا الجزء أنّه، كما يقول، نصح ابنه حين قرر الذهاب إلى بريطانيا ألا يتكلم عن مصر بسوء، ثم أشار إلى أنّ الملايين الذين يتابعونه لن يصدقوا أنّه خرج طواعية، وكلمة "طواعية" تؤيد ما ذهبنا إليه من أنّها لم تكن أياماً صعبة؛ بل وفي هذه المرحلة حصل عمرو على شهادة الدكتوراه من جامعة "ويلز"، وتعرّف فيها إلى وزير الخارجية البريطاني، الذي سيصطحبه فيما بعد إلى المسجد الأزهر!

اقرأ أيضاً: هل وصلت رحلة الدعاة الجدد محطتها الأخيرة؟
في سطور تالية؛ يقول والد عمرو خالد إنّه تلقى اتصالاً من ضابط في جهاز أمن الدولة يطلب منه إعطاءه رقم ابنه، ليجعله يعود إلى مصر، كي يمارس عمله ومواعظه بالمساجد أو الفضائيات الدينية، التي كانت منتشرة في هذا الوقت، وهذا الكلام يبدو في منتهى الغرابة؛ إذ كيف يعقل أن يُمنع بأوامر من رأس الدولة "الرجل الكبير"، ثم بعد يومين فقط، وفق قوله، تعود الأمور إلى مجاريها.

المذكرات العاطفية حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك

في الصفحة 25؛ يقول د. محمد حلمي خالد "مرّ عمرو على جماعة التبليغ، ثم على السلفيين، ثم على الإخوان، وانتهى عند الشيخ الغزالي"؛ وكأنّ الشيخ الغزالي لم يكن من الإخوان، وظلّ على علاقة وجدانية معروفة بهم، وإن انفصل عنهم تنظيمياً.
وينتقد جماعة التبليغ، في وجهة نظر ابنه، بأنّهم لا يتجاوزون كتابَين في العبادات، وأما السلفيون فلم يجد عندهم ما يشفي غليله، ولم يُشرْ، من قريب أو بعيد، إن كان وجد عند جماعة الإخوان ما يشفي غليله أم لا؟
يفخر الكاتب بابنه؛ بأنّ العوامل الأساسية، التي أسهمت في تكوينه هي الموهبة والإخلاص ومعرفة مشاكل الشباب، ويقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي، قائلاً: "استفدت من عمرو، ولا أجد على مدى عمري أنني حصلت فائدة إلا من اثنين هما الغزالي والشعراوي".

اقرأ أيضاً: الدعاة.. مندوبو تسويق يسقطون مجتمعيا واحدا تلو الآخر
وفق المذكرات؛ حين تقدم عمرو للحصول على الإقامة في بريطانيا استعان بصديق عراقي، يعمل رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة "ويلز"، ورفضوا إعطاءها له؛ لأنّه كان في السعودية في ذلك الوقت، وهي ليست بلد إقامته الرئيسة، وينتقد والده هذا الأمر، ويعدّه حصاراً لابنه، دفعه للإقامة في لبنان، ومنها إلى لندن، التي سيدخل فيها بمرحلة أخرى؛ حيث أعطاه الاتحاد الأوروبي إقامة لمدة عام، ويقول: "لقد طار العصفور من القفص"، على اعتبار أنّه كان مسجوناً بين العرب، والمسألة لا تعدو كونها إجراءات رسمية يمكن أن يواجهها أي مغترب دون تقصّد!

عمرو خالد مع والده

أسطورة الخروج!
يسرف الكتاب في تشويه الوقائع ومجانبة المنطق في أكثر من موضع؛ فيزعم أنّ سبب خروج عمرو خالد من مصر هو أنّ زوجة مسؤول كبير لبست الحجاب بسببه، او ابن الرئيس، الذي لمّح له أطلق لحيته، وأنّ مسؤولاً إعلامياً كبيراً ضغط وطلب من أمير عربي منع حلقاته في قناة "اقرأ" فنجح في ذلك، وبثّ الحلقات في شهر رمضان كان مسجلاً، وليس مباشراً! وهذا أمر شديد الغرابة؛ لأنّ الدولة المصرية لو أرادت منعه بالفعل لنجحت، وكل ما كان عليها عدم السماح له بدخول مدينة الإنتاج الإعلامي حيث كان يسجل فيها حلقاته!

اقرأ أيضاً: عمرو خالد و"الفراخ" الروحانية
وفق قول الكاتب؛ فقد أرسل أحد عناصر الأجهزة الأمنية إشارة لعمرو خالد بأنّه ليس عليه شيء، وأنّه يمكنه العودة لمصر، لكنّه قال له: "لا تعد، يا عمرو، ولو ماتت أمك"، وبعدها زاره أحد الوزراء، والذي كانت تربطه علاقة حميمة بعمرو، ودعاه للعودة، حتى لو ليومين، لزيارة والدته، لكنّه رفض الفكرة.

يطيل الوالد الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقته بالأمريكيين والإخوان

خرج عمرو خالد من بلده العام 2005، وعاد حين تحركت جماعة الإخوان، وحركة "كفاية" ضدّ النظام المصري، وهذا وفق والده، الذي تابع بقوله: "خرج الضابط من كشك الجوازات ليحضن عمرو ويقبله ويرحب به في بلده".
يطيل والد عمرو الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقة عمرو خالد بالأمريكيين والإخوان، وكيف حصل على كلّ هذه الأموال، ودور جمعية صنّاع الحياة التي أسسها في خدمة الجماعة، وعلاقته بالاستخبارات البريطانية.
ويقول: "في عام 2007، خلال الزيارات الخاطفة، استطاع أن يصوّر 30 حلقة من برنامجه "دعوة للتعايش""، ويعقب على ذلك بتعليل غريب بأنهمّ تركوه لأنهم كانوا منشغلين بالتعديلات الدستورية!
يهاجم والد عمرو الفنان عادل إمام؛ لأنّه كان يمدح عمرو خالد سرّاً، ويهاجمه في وسائل الإعلام، كما انتقد السيناريست يوسف معاطي؛ لأنّه جلس مع عمرو وكتب له حلقات برنامجه "مجدّدون"، لكنّه خرج في وسائل الإعلام منكراً لهذه العلاقة.
ويكشف الكاتب أنّ الدكتور محمد يحيى، العضو السابق في جماعة الإخوان من المقربين لعمرو، وأنّ مشروع تفعيل الشباب لمواجهة الفقر والأميّة تلقّى عمرو بسببه، من الوكالة الأمريكية للتنمية واليونيسكو، ملايين الدولارات.
يقابل عمرو خالد محمد البرادعي، ويرفض دعم حملات مرشحي الحزب الوطني، ويحصل على الدكتوراه في عام الثورة المصرية نفسه، ليعود بعدها مرة أخرى لمصر، ويبدأ مرحلة جديدة، وفق والده.
الخلاصة؛ إنّ تلك المذكرات العاطفية، حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين، الذين واجهوا الصعوبات، وانتصروا عليها في النهاية، لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك بكلّ وضوح.

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية