بين الشرق والغرب.. تركيا إلى أين؟

بين الشرق والغرب.. تركيا إلى أين؟
3592
عدد القراءات

2019-10-07

ترجمة: علي نوار


أعادت تركيا ترتيب أولويات سياستها الخارجية للتكيّف سواء مع عدم الاستقرار في نطاقها القريب أو مع الواقع الجيوسياسي في عالم متغيّر. ويعتقد الكثيرون أنّ هذا التحوّل نحو الشرق هو انحراف جذري عن موضعها الاستراتيجي، وتغيير محوري يبعدها حتماً عن الفضاء الغربي. وفي الحقيقة أنّ إعادة التوجيه هذه هي نتيجة الطابع متعدّد الأبعاد للسياسة الخارجية التركية ومحاولاتها، التي لا تخلو من عقبات، للحفاظ على توازن استراتيجي بين الفضاءين الأوروأطلسي الذي تضربه الانقسامات والأوراسي الصاعد بقوة.

"هذه هي وصيّتي الأخيرة: بعد مماتي احتفظوا دوماً بعلاقات الصداقة مع روسيا".. مصطفى كمال أتاتورك.

أعادت تركيا ترتيب أولويات سياستها الخارجية للتكيّف مع عدم الاستقرار في نطاقها القريب أو مع الواقع الجيوسياسي بعالم متغيّر

على الرغم من كونها جسراً بين الشرق والغرب بصورة مستمرّة منذ قيام الإمبراطورية العثمانية، لكن الجدل حول انتماء تركيا إلى أي جانب لم يكتسب قدراً من الأهمية إلّا مع انتهاء الحرب الباردة، سواء داخل حدودها أو خارجها. دفع انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1952- لاعتبارات أمنية أكثر من أي أسباب أخرى- الكثيرين للاعتقاد بأنّ تركيا، المضطرة للاختيار بين منظومتين من القيم متناقضتين تماماً، فضّلت الانتماء للعالم الغربي. والواقع أنّ ذلك الأمر لم يكن يعني شيئاً إلّا اختيار عالم مُعاد للآخر. قدّم هذا النمط الاختزالي بالقطع لفترة من الزمن تفسيراً منطقياً نوعاً ما لواقع اللحظة، لكن تفكّك الاتحاد السوفييتي أسفر عن ظهور مشهد جديد لم تعد الافتراضات القديمة تتّسم بالاتّساق فيه.

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، بدأ مشهد جيوسياسي جديد في التطوّر، قبل أن يؤدّي بنهاية المطاف إلى استمرار سياسات الكُتل المتناحرة. مثّل هذا الوضع مشكلة بالنسبة لتركيا الواقعة بين الكُتلتين، ويبدو أنّ أنقرة أعادت توجيه الجهد الرئيس لسياستها الخارجية نحو الشرق: تقارب مع روسيا، اهتمام مطّرد بالمنظّمات الإقليمية الأوروآسيوية، وبرود في عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، كل هذه العوامل ينظر لها المحلّلون بوصفها مؤشّرات لا لبس فيها على تحوّل نحو النطاق الأوروآسيوي والذي لا يمكن ألّا يتضمّن في طياته سوى التباعد عن النطاق الغربي. ومن الصعب بلا شكّ دحض كمّ التعقيد في تحوّل السياسة الخارجية التركية نحو الفضاء الأوروآسيوي. لكن الأمر المهم هنا هو معرفة ما إذا كان هذا التحوّل يعبّر عن تغيير الاصطفاف الاستراتيجي وما إذا كان يتضمّن انفصالاً، أو على العكس، وجود مساحة للتفاهم والتعاون.

أوراسيا والغرب في العالم الحالي

من المنظور الجغرافي، فإنّ أوراسيا هي الكتلة القارية التي تمتدّ من الشرق إلى الغرب ابتداءً من مضيق بيرنج وصولاً إلى رأس فينيستيري، ومن الشمال إلى الجنوب بدءاً من السواحل الواقعة في أقصى شمال روسيا حتى الأراضي القارية من ماليزيا. ورغم أنّ هذه الكتلة الجغرافية مترامية الأطراف معروفة جيّداً، لكنها انتظرت حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كي يضع جغرافيون مثل هالفورد ماكيندر فرضيته (قلب العالم) والتي منحت هذه المساحة الجغرافية صفة كيان جيوسياسي، ومقدّماً بالتالي منظوراً أوروبياً تقليدياً كان يسعى للتفريق بين أوروبا وآسيا.

لم يكتسب الحديث حول انتماء تركيا للشرق أو الغرب قدراً من الأهمية إلّا مع انتهاء الحرب الباردة

لكن مفهوم الكتلة القارية الكبرى ذات الصفة السياسية الخاصة لم يجر صوغه إلا مؤخّراً. وكان ذلك على يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي استعان بمفكّرين مثل ليف جوميليف (1912-1992) وألكسندر دوجين والجنرال فلاديمير أوستانكوف، لإعادة إحياء المبادئ الأوراسيوية، وهي مدرسة فكرية ظهرت في أعقاب الثورة الروسية وتنادي بتشكيل "قوة أوراسية" كوسيلة وحيدة لضمان مستقبل روسيا. وبعد إعادة انتخابه في آذار (مارس) 2012، اقترح بوتين تأسيس اتحاد أوروآسيوي يضمّ الدول التي كانت من قبل داخل دائرة النفوذ السوفييتي، ليصبح أحد أقطاب العالم المعاصر، ومعادلة ثقل التكتّل الغربي الذي يشمل كلاً من الولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وإذا كانت الشيوعية هي الأيدولوجيا التي أسهمت في الحفاظ على وحدة الاتحاد السوفييتي في السابق، فإنّ الأوروآسيوية (أو الأوروآسيوية الجديدة) ستكون الآن هي عنصر الاندماج. بيد أنّ نجاح هذا الاتحاد لا يزال حتى اليوم محدوداً، كما أنّ مجال عمل هذا الاتحاد- الذي يحمل اسم الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي أو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ما زال ضيّقاً، وذلك بسبب الرغبة المُعلنة من قبل الدول الأعضاء في تحقيق مصالح اقتصادية وليس سياسية.
ورغم ذلك لا تزال فكرة الأوروآسيوية الجديدة هي الغالبة على السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية. ولفهم مدى أهمية هذا الأمر بالنسبة لزعماء روسيا المعاصرين، فيكفي التأمل في مقولة جوميليف بشأن اختيار حلفاء الدب الروسي "الأتراك والمنغول ربما يكونون أصدقاء حميمين، أما الفرنسيون والإنجليز والألمان فليسوا كذلك، أثق تماماً في أنّهم ليسوا سوى مستغلّين مكيافيلليين".

اقرأ أيضاً: إيران وتركيا.. أوهام بسط النفوذ في المنطقة

على الجانب الآخر، تظهر أيضاً في الأفق علامات اهتمام الزعماء الصينيين المشترك بالرؤية الجيوسياسية للمبادئ الأوروآسيوية الروسية، عبر طرح مبادرة (الحزام والطريق)، والتي تستند إلى مجال ثقافي وتجاري وتعاوني تقدّم فيه الصين بديلاً حقيقياً للهيمنة الغربية. وهو ما حقّق نجاحاً لا يمكن إنكاره.

لقد أسهم الواقع الجيوسياسي في دفع التعاون بين القوى الأوروآسيوية وحتى مع وجود شكوك حول استدامة هذا التحالف، إلّا أنّ التعاون الروسي-الصيني، بحسب تعبير فلاديمير بوتين، "بلغ مستوى غير مسبوق". كما أنّ النوايا التي أعرب عنها الجانبان تشير كذلك، إلى توسيع آفاق هذا التعاون بحيث تمتد إلى أُطر متعدّدة الأطراف مثلاً منظمة الأمم المتحدة ومؤتمر شنغهاي للتعاون و(بريكس) و(جي20)، إضافة بالطبع إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي.

اقرأ أيضاً: تركيا وقطر والصعود إلى الهاوية

ينحي كل ذلك شبه جزيرة أوروبا جانباً إلى خانة التهميش مقارنة بالكتلة القارية الكبرى، الأمر الذي وبعيداً عن الاعتبارات الجغرافية، يجب دراسته من الناحيتين؛ السياسية والاقتصادية. ففيما يخص الجانب السياسي، يبدو أنّ تأثير التهميش آخذ في التصاعد لا سيما مع الأزمة السياسية الحادة- التي تكاد تكون وجودية- التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي- والتي بلغت ذروتها حتى الوقت الراهن بسعي بريطانيا نحو الخروج من الاتحاد (بريكست)، وهو حدث غير مسبوق ربما يكون مجرّد بداية لحركة تفكّك ذات حجم أكبر من شأنه عرقلة تطور مؤسسات الاتحاد وتوابع أخرى من شأنها أن تنعكس في صورة صعوبات لا يمكن تجاوزها فيما يخص صياغة سياسة خارجية أوروبية مشتركة.

ومن حيث الاقتصاد، فقد حذّرت عدة دراسات من تغيّر مركز الاقتصاد العالمي، الذي كان طيلة الأعوام الـ50 الأخيرة عند سواحل آيسلندا، شرقاً بحلول العام 2025- وفقاً للتقديرات- إلى منطقة تقع بين الحدود الصينية الكازاخية. وهو ما يعني فقدان تدريجي للنفوذ والقدرة على التأثير، ما سيكون له عواقب بالطبع على أوروبا.

اقرأ أيضاً: بوابات تركيا لتمرير الجماعة.. هل لدى الإخوان جديد يقدمونه؟

ومما يزيد الطين بلّة هو النزعة أحادية الجانب لدى الإدارة الأمريكية الحالية والتي قوّضت، ربما بصورة لا يمكن تداركها، التكامل بين شطري المحيط الأطلسي. وقد يكون صحيحاً أنّ هذا التعاون لم يكن مثالياً ولا حتى في أحلك مراحل الحرب الباردة حين غاب الاتفاق في وجهات النظر تجاه الملفّات العالمية بين الدول الواقعة على ضفّتي المحيط الأطلسي. لكن لطالما كان هناك نوع من فكرة تشارك المبادئ والأهداف ذاتها. لذا يصعب في الوقت الحالي قول الشيء نفسه. فهناك اختلاف كبير تجاه ملفّات ذات أهمية بالغة مثل الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما يؤشّر لأي درجة هناك تباعد في الرؤى الجيوسياسية بين الحلفاء. وحتى مؤسّسات أثبتت أهمّيتها على مدار آخر 70 عاماً مثل حلف الناتو، باتت تُقابل بقدر من التشكّك وبصورة علنية. وإن كانت القوة الناعمة، مثلما سمّاها جوزيف ناي، هي قدرة على الجذب، فإنّه من المهم الاعتراف بأنّ الغرب يتراجع.

ولعل هذا بالتحديد هو السبب الذي دفع فاعلين جيوسياسيين مختلفين، وبصورة خاصة الدول التي تتخذ مواقف وسيطة، للبحث عن بدائل، بشكل بات معه الحديث عن أوراسيا أو التوجّه الأوروآسيوي يُفهم تلقائياً على أنّه خيار استراتيجي مناهض للغرب بشكل عام ولأوروبا بشكل خاص. لكن هل الأمر على هذا النحو حقاً؟

تركيا والمنظور متعدّد الأطراف

كان تراجع السيطرة على منطقتي وسط آسيا والبلقان وأراض أخرى في شرق أوروبا إثر تفكّك الاتحاد السوفييتي، فرصة لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي نحو مناطق كان لها فيها تاريخياً تأثير. لكن وفي الوقت الذي كانت تظهر فيه الفرص، لم تتأخر المشكلات الأمنية التقليدية في الطفو على السطح. فتركيا تحيط بها خمسة محاور من الفوضى والاضطراب، وتشمل كل من البلقان والشطر الشرقي من البحر المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود، وقد رأت أنقرة كيف أنّ الهياكل الأمنية التي كانت فعّالة وقت الحرب الباردة لم تعد كافية، ما جدّد الجدل حول مفهوم الأوروآسيوية الذي يتّخذ صوراً عديدة بين الاتجاه نحو روسيا أو القومية التركية أو الإسلامية، وانطلاقاً من فكرة أنّ النموذج الغربي الحالي وصل لنهايته، وأنّ جدوى النظام العالمي في تسوية الملفّات الأمنية التي تمسّ تركيا مشكوك فيها، وبالتالي حان وقت النظر نحو الشرق.

أعادت أنقرة توجيه الجهد الرئيس لسياستها الخارجية نحو الشرق: تقارب مع روسيا واهتمام مطّرد بالمنظّمات الإقليمية الأوروآسيوية

ويقف مهندس العثمانية الجديدة أحمد داوود أوغلو، على أرضية التوجّه المزدوج التاريخي لتركيا، في محاولة للعثور على إجابات في هذا الصدد. ويرى داوود أوغلو أنّه "من حيث دوائر التأثير، فتركيا تنتمي في الوقت ذاته إلى الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود". وبالتالي ينبغي أن تتّسم السياسة الخارجية التركية بتعدّدية الأبعاد، وأن تكتسب علاقاتها بالفاعلين الدوليين المختلفين (الناتو، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، روسيا، الصين، إلخ) طابعاً تكميلياً وليس تنافسياً. ورغم ابتعاد داوود أوغلو عن أضواء الساحة السياسية عام 2016، إلّا أنّ مبدأ تعدّد الأطراف ظلّ قائماً في السياسة الخارجية الجديدة لتركيا، التي أضفى عليها صيغة جديدة وزير الخارجية الحالي مولود جاويش أوغلو لتصبح "مقدامة وإنسانية" مع السعي نحو بناء علاقات استراتيجية جديدة مع الحفاظ على العلاقات القائمة بالفعل مع الناتو والاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضاً: هل غادرت تركيا المركب الإخواني؟

وانطلاقاً من هذا الخطّ، دشّنت تركيا مؤخّراً مبادرة (آسيا مجدّداً) كي تكون ضمن استراتيجية شاملة تجاه آسيا عبر تعميق التعاون مع دول آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا والهند وباكستان واليابان وكوريا وبالتأكيد الصين. ورغم تأكيدات السلطات التركية على أنّ الأمر لا يتعلّق بتغيير محوري؛ بل بتنويع لسياستها الخارجية، لكن لا يخفى أنّ الدافع وراء ذلك التحوّل هو الثقل المتزايد الذي تكتسبه الاقتصادات الآسيوية.

يتّصف التوجّه متعدّد الأطراف المميّز للسياسة الخارجية التركية بالطبع بالواقعية، ولا يختلف تقريباً عما تنتهجه أغلب دول العالم. لكن وجهة النظر التركية ترى أنّه بينما تبرز روسيا والصين كأبرز تهديد للهيمنة الأمريكية، فإنّ استراتيجية (أمريكا أولاً) تؤدّي لثنائية لا مفرّ منها عملاً بمقولة "من ليس معي فهو ضدّي".

لأسباب تاريخية وجغرافية وثقافية، فقد تصادمت مصالح روسيا مع مصالح تركيا منذ وقت بعيد وتُرجم ذلك إلى 12 نزاعاً مسلّحاً بين الجانبين في القرنين الماضيين. ولا يجب إغفال حقيقة أنّ الإمبراطورية الروسية منذ عهد القيصر بطرس الأكبر قامت على حساب الإمبراطورية العثمانية ولطالما كانت العلاقات الروسية التركية تقليدياً غير متكافئة، مع امتلاك روسيا لموارد أكبر.

اقرأ أيضاً: الإخوان في تركيا.. صناعة التطرف برعاية أردوغان

وقد وقع مؤخّراً حدثان يعبّران عن طبيعة العلاقات بين البلدين. الأول كان إسقاط القوات الجوية التركية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015  لمقاتلة (سوخوي-24) روسية كانت قد اخترقت المجال الجوي التركي، تسبّبت تلك الواقعة في رفع حدّة التوتّر بين الجانبين لمستويات لم تحدث منذ أسوأ لحظات الحرب الباردة. نتج عن ذلك الحادث ظهور التيار المؤيّد لفكرة التوجّه الأوروآسيوي في الساحة السياسية التركية وتعاظم تأثيره بين النخب التركية التي تُعد مجموعة ضغط موالية لروسيا في البلاد، وأبرز ممثّليها هو دوجو برينجك رئيس (الحزب الوطني) الذي لا يحظى بدعم شعبي. ومن منطلق فكر مناهضة الغرب بشكل واضح والتأييد القوي لخروج تركيا من حلف الناتو، يؤكّد برينجك على الحاجة لتأسيس تحالف استراتيجي مع روسيا على غرار التعاون المناهض للإمبريالية الذي دخل فيه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك مع السوفييت في 1921. ولعل شبكة العلاقات التي يحظى بها الرجل هي التي أسهمت في تسليط الضوء عليه خاصة بسبب صداقته الوطيدة بألكسندر جوجين الروسي الذي يتبنّى فكرة الاتجاه الأوروآسيوي ودائم الظهور على شاشات التلفاز في كل من روسيا وتركيا، وبالتالي كان لبرينجك دوراً محورياً في إدارة الأزمة مع السلطات الروسية حتى تسويتها نهائياً.

أما الواقعة الثانية فكانت محاولة الانقلاب العسكري في تموز (يوليو) 2016 والذي راح ضحيته 251 شخصاً من المدنيين، والذي نال منذ اللحظة الأولى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحتى قبل إحباط المحاولة الانقلابية بالكامل، دعماً غير مشروط وبلا مواربة من الرئيس الروسي. وعادت مجموعة ضغط برينجك مجدّداً للحصول على دور البطولة إلى حدٍ ما في التصدّي للانقلاب.

اقرأ أيضاً: ما دور تركيا في الضربة الأمريكية للفصائل الجهادية في إدلب؟

بالطبع لم تنسَ أنقرة كل ذلك وتولّدت إرادة حقيقية للتفاهم أسفرت عن إقامة علاقات ثنائية قائمة على الفصل. فمن جانب يبرز التفريق بين التعاون الاقتصادي والعلاقات السياسية-الدبلوماسية، ومن جانب آخر التركيز على العوامل المشجّعة على التعاون مع تهميش الملفّات التي تفضي للمواجهة. وقد أسهم هذا المنظور في جعل التعاون ممكناً بين روسيا وتركيا في مجالات لم تكن في الحسبان مثل؛ قطاع الطاقة أو الصناعات الدفاعية، وامتلاك تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية روسية الصنع (إس-400) لهو خير دليل على ذلك. وبالنسبة لروسيا، فإنّ هذه الصفقة فرصة سياسية وتجارية ثمينة للغاية، كما أنّها خيار، ربما يكون الوحيد، بالنسبة لتركيا لتلبية احتياجاتها العملياتية فائقة الأهمية.

لكن هل يعني كل ذلك أنّ التعاون الروسي-التركي سيؤدّي حتماً لتحالف دائم؟ ليس بالضرورة، ولهذا السبب، فإنّ الأزمة السورية تحفل بالأدلّة. فالحملة التي يشنّها النظام السوري في إدلب بمشاركة قوات روسية، بعد عدة أشهر من الانتقادات بسبب عدم قدرة تركيا على القضاء أو حتى الحدّ من وجود الإرهابيين في هذه المحافظة السورية مثلما ورد في الاتفاق المبرم خلال القمة الثلاثية في أستانة، تظهر مدى قصور منهج الفصل هذا. كما أنّه لا وجود في الحقيقة لتوافق استراتيجي بين روسيا وتركيا، رغم إمكانية التوصّل لاتفاقات على المستوى التكتيكي، لكن ستظل الخلافات قائمة على الناحية الاستراتيجية، ليس فقط في الملفّ السوري، بل وفي جميع أضلاع خماسي عدم الاستقرار المذكورة أعلاه: ومنها الدعم التركي لشعب التتر في شبه جزيرة القرم، وملفّ أرمينيا وناجورنو قرة باغ، وإعادة ترسيم منطقة البلقان لا سيما كوسوفو وألبانيا، والاستقرار في البحر الأسود والسيطرة على المضايق. لذا فإن عودة الخلافات إلى السطح ليست إلّا مسألة وقت فحسب.

الصين.. العصا والجزرة

ترتبط العلاقات التركية الصينية بمتغيّرين اثنين يتفاعلان فيما بينهما وفقاً لظروف اللحظة. فهناك تبادل تجاري واستثمارات لا تقدّم توقّعات كبيرة للغاية بالازدهار إذا نجحت مبادرات مثل (الحزام والطريق) بالكامل، وهناك أيضاً توتّر سياسي، شبه دائم، ناتج عن الدعم الذي تمنحه تركيا للأويجور في إقليم شينجيانج الصيني، والأساسي في السياسة الخارجية التركية منذ بداية الحرب الأهلية في الصين عام 1949.
أما نقطة معرفة أي من التيارين ستكون له الغلبة على المدى القريب أو المتوسط  فأمر يصعب تحديده. ففي المحور الأول، ليس سراً أنّ تركيا ونظراً للظروف التي تمرّ بها باتت بحاجة للتمويل الخارجي واهتمامها بالتكامل بين مشروعها (الممرّ المركزي)، الذي يهدف لجعل شبه جزيرة الأناضول في قلب شبكة إقليمية موسّعة من خطوط السكك الحديدية، وبين المبادرة الصينية، دليل على ذلك. لكن وإدراكاً منها بعدم التكافؤ في العلاقات، فإنّ أنقرة تحاول إنقاذ مصالحها، وهو ما يتّضح في المفاوضات حول مدّ خط السكك الحديدية فائقة السرعة بين مدينتي أدرنة وقارص، لذا تجد تركيا والصين صعوبات جمّة في التوصّل لاتفاقات.

لا توافق استراتيجي بين روسيا وتركيا رغم إمكانية التوصّل لاتفاقات على المستوى التكتيكي لكن ستظل الخلافات قائمة على الناحية الاستراتيجية

لذلك يبدو أنّ البعد الاقتصادي من العلاقات الثنائية يدعو للتحلّي بقدر من العملية فيما يخصّ البعد السياسي، وقد أظهرت تركيا بالفعل اعتدالاً ملحوظاً في خطابها حول أقلية الأويجور. وإذا كان وزير الخارجية التركي قد وجّه انتقادات لاذعة للسلطات الصينية بسبب سياساتها في شينجيانج مطلع العام الجاري، فإنّ الردّ الصيني بغلق القنصلية في إزمير والتحذير من ردّ فعل على المستوى الاقتصادي كانا كافيين لالتزام أنقرة الصمت منذ ذلك الحين. ومن اللافت للاهتمام أيضاً عدم انضمام تركيا لـ22 دولة وقّعت على إعلان مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في الثامن من تموز (يوليو) 2019 والذي يتّهم صراحة الصين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في الإقليم.

ومن شأن اعتماد تركيا اقتصادياً بشكل أكبر أن ينتج عنه مزيد من الاعتدال في موقف الحكومة التركية تجاه أقلية الأويجور. أما حال حدوث عكس ذلك فمن المتوقّع أن ترتفع حدّة التوتّر السياسي بسبب هذه القضية إذا باء إدماج مبادرة (الممرّ المركزي) مع (الحزام والطريق) بالفشل في نهاية المطاف.

توتّر مع الغرب

الولايات المتحدة.. ظلال تخيّم على الأضواء

تتّسم العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة بانعدام ثقة تقليدي، وهناك نقطتان تحولان دون حدوث تقارب حقيقي بين الجانبين: وجود فتح الله جولن على الأراضي الأمريكية، والذي تُشار بأصابع الاتهام لمنظمته (حزمت) بالوقوف وراء الانقلاب العسكري المزعوم في تموز (يوليو) 2016 والذي طلبت تركيا في أكثر من مناسبة إلى الولايات المتحدة تسليمه لها، والثانية هي دعم الولايات المتحدة لـ (وحدات حماية الشعب) في سوريا، وهي الميليشيات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي. وتنظر تركيا لكل من (حزمت) وحزب العمال الكردستاني بوصفهما تهديدات لوجودها، لذا فطالما لم تحدث تسوية لهاتين النقطتين، فإنّ احتمالات التوصّل لمصالحة حقيقية وصادقة ضعيفة للغاية.

من الضروري إبراز أنّ الاتحاد الأوروبي ليس لديه حماس حقيقي لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي

توجد بالطبع عوامل أخرى تسهم في رفع حدّة التوتر الدائم تقريباً، وهي أعراض أكثر منها مسبّبات، لمشكلات جذرية. ومن بينها ذلك الذي يشغل حالياً واجهات الصحافة العالمية، وهو شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخي روسية الصنع (إس-400). والواقع أنّ هذا الخلاف يعود لعشرة أعوام مضت. فمع إدراكها لأهمية القدرات العملياتية من أجل أمنها في محيطها الذي يشهد وجود جيران يمتلكون صواريخ في ترساناتهم، حاولت أنقرة في البداية شراء منظومة (باتريوت) الأمريكية، لكن إزاء استحالة التوصّل لاتفاق مع إدارة أوباما، وجدت ضالّتها في منظومة (سي بي إم آي إي سي)، قبل أن تستقرّ في النهاية على المنظومة الروسية.

اقرأ أيضاً: إخوان سوريا ومغارة علي بابا في تركيا

ورغم أنّ الولايات المتحدة قدّمت مؤخّراً عرضاً بشأن (باتريوت)، لكن عقود المنظومة الروسية كانت قد وُقّعت بالفعل والإخلال بها يعني خسائر بالمليارات. كما تم بالفعل تسليم بعض مكوّنات المنظومة الدفاعية الروسية (إس-400)، التي يُنتظر أن تدخل الخدمة في 2020. ونتيجة لهذا الاتفاق، تعرّضت تركيا للطّرد من برنامج المقاتلة (إف-35) التي تنتمي للجيل الخامس، والتي كان يفترض أن تحصل تركيا منها على 100 وحدة. لكن على الرغم من كل ذلك، بدا الرئيس ترامب متفهّماً لموقف أنقرة، وكذلك متحفّظاً بشدّة فيما يخصّ فرض عقوبات على المتعاقدين مع شركات روسية تخضع للحظر.

وبغضّ النظر عن الخلافات الداخلية في الإدارة الأمريكية، فإنّ النزاع انتهى الأمر به ليصبح مسألة تتعلّق بالكرامة والسيادة الوطنية بالنسبة لتركيا. لذا فمن المتوقّع بقوة أن يكون فرض عقوبات وطرد تركيا من برنامج المقاتلة (إف-35) عاملاً مساعداً على التقارب بين تركيا وروسيا والصين. ويدور الحديث بالفعل في الوقت الحالي عن السعي وراء بدائل في الصناعات الدفاعية الروسية.

الاتحاد الأوروبي.. الإحباط

إذا كان يتعّين انتقاء كلمة تعبّر عن حالة العلاقات الراهنة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا فستكون "الإحباط". إحباط بسبب نفاد الصبر إزاء التقدّم بطيء الوتيرة الذي تحقّق منذ تقديم تركيا في 1959 طلب انضمامها كعضو شريك في السوق الأوروبية المشتركة، ثم وبالتحديد منذ 1987 حين طلبت رسمياً أن تصبح عضواً كامل الحقوق في الاتحاد الأوروبي، قبل أن تصل المحادثات لحالة من الجمود. الأمر الآخر هو الاعتقاد بأنّ المشروع الأوروبي دخل في نفق الفشل لا سيما مع الأزمة الداخلية العنيفة التي يتعرّض لها.

إنّ الخلافات والاتهامات والانتقادات المتبادلة لا حصر لها بين الجانبين، لكن العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي- المتقلّبة دائماً- شهدت تدهوراً كبيراً منذ الانقلاب العسكري الفاشل في 2016. فقد كانت تصريحات الزعماء الأوروبيين في الأيام التالية للمحاولة الانقلابية تشير إلى "انقلاب زائف"، وهو ما ردّت عليه تركيا بتوجيه الاتهامات للدول الأوروبية بإيواء عناصر (حزمت) وحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أدّى لتوسيع الفجوة القائمة بالفعل وتوتير العلاقات وصولًا لدرجة تجميد عملية انضمام تركيا رسمياً. كما أنّ الدعم الأوروبي غير المحدود لليونان وقبرص في ملفّ توزيع الجرف القاري بشرق البحر المتوسط، يعدّ نقطة خطيرة تدفع للاحتكاك بين الأطراف قد يتطوّر لمرحلة التصعيد العسكري.

على الجانب الآخر، من الضروري إبراز أنّ الاتحاد الأوروبي ليس لديه حماس حقيقي لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وليس بسبب الاختلافات الثقافية فقط. فإدماج دولة تعدادها 80 مليون نسمة إلى آليات اتخاذ القرار في مجلس الاتحاد الأوروبي يمثّل تحدّياً بالنسبة للقدرات الحالية للدول الأكثر سكّاناً على إيجاد أغلبية مؤهّلة وأقلّية اعتراضية. وفي هذا السياق، كان الزعماء الأوروبيون واضحين لأقصى درجة. ففي نقاش متلفز أثناء الحملة الانتخابية بألمانيا في أيلول (سبتمبر) 2017 كشفت المستشارة أنجيلا ميركل والمرشّح الاشتراكي مارتين شولتس علانية عن معارضتهما لدخول تركيا إلى النادي الأوروبي، ما جعل وقف عملية الانضمام نقطة رئيسة في الحملة الانتخابية. وبنفس العبارات تقريباً صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم اقتراحه وضع "شراكة" خاصة بين الاتحاد وتركيا.

لا تغفل تركيا بالطبع عن هذه الحقائق، ولا يمكن التقليل من آثارها. بيد أنّه رغم كل شيء يسود الطابع العملي ويستمر الانضمام للاتحاد الأوروبي في كونه هدفاً استراتيجياً ذا أولوية قصوى بالنسبة لتركيا. لذا وعلى الرغم من وجود خلافات عميقة فيما يخصّ المبادئ، فإنّ الاتحاد الأوروبي ما زال الشريك التجاري الأول لأنقرة.


تحليل حول توجّه تركيا في الفترة الحالية، عمل للمحلل فيليبي سانشيز تابيا نشره المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية

رابط الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2mysXbt

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يرعى حزب الله اللبناني جميع وكلاء إيران في الشرق الأوسط؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-25

ترجمة: مدني قصري


في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استهدفت سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية مواقع لميليشيا حزب الله الشيعية في العراق، ما أسفر عن مقتل 25 عنصراً من مقاتليها، وتدمير جزء من معداتها العسكرية، لتعلن القوة شبه العسكرية في أعقاب تلك الغارات؛ "أنّ معركتها ضد أمريكا ومرتزقتها مفتوحة الآن أمام كل الاحتمالات"، فيما شجبت إيران هذا العمل الذي وصفته بـ "الإرهابي"، كما أدان المرجع الشيعي العراقي؛ آية الله السيستاني، "العدوان الأمريكي الرهيب"، وبعد 3 أيام، قُتل راعي الميليشيات الشيعية؛ اللواء الإيراني قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية في بغداد، إلى جانب "أبو مهدي المهندس"؛ الرجل القوي في قوات الحشد الشعبي (PMF)، ممّا تسبب في تعبئة حقيقية معادية للولايات المتحدة بين الميليشيات الشيعية في بلاد الشام.

الميليشيات: الدين المشترك والولاء لإيران
تعمل طهران، منذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان، يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، على تجنيد وتدريب وتجهيز مقاتلين أجانب من خلفيات متنوعة؛ مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، قاسمها المشترك هو مرجعيتهم الشيعية وولاؤهم لإيران، وقد طوّر هؤلاء المقاتلون قدراتهم ومعداتهم وخبراتهم العسكرية على مرّ السنين، إلى درجة زادت من اهتمام وتوتر الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الإسرائيليين، بشكل مطرد.

اقرأ أيضاً: استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟
فما هي هذه الميليشيات الشيعية؟ ولماذا وكيف يجد عناصرها أنفسهم مرتبطين بإيران؟ ما هو وزنهم في التوازن الجيوسياسي اليوم؟. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال إعادة بناء التوليد الاجتماعي للميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، وبالتالي قيمتها اليوم في المعادلة الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
حزب الله، نقطة الانطلاق لإنشاء وكلاء الشيعة الإيرانيين
منحت الحروب في سوريا والعراق، إيرانَ الفرصة لتوسيع شبكات الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وإضفاء الطابع الرسمي عليها، حيث تعمل حالياً وحدات شبه عسكرية كبيرة، مؤلفة من عراقيين وسوريين ولبنانيين وأفغان، وحتى من الباكستانيين، في مختلف مسارح العمليات التي تشارك فيها إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم تعزيز هذا البرنامج وتوجيهه والإشراف عليه بواسطة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في 2 كانون الثاني ( يناير).

ذهب بعض الباحثين حدّ تصنيف حزب الله على أنّه شريك على قدم المساواة مع إيران وليس مجرد وكيل

في الواقع، إنّ هذه الشبكة من المقاتلين الشيعة ليست ظاهرة جديدة، ومن الضروري العودة إلى الروابط بين إيران وحزب الله اللبناني، المُصنفّ حالياً كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول أخرى، لِفهم الوضع الحالي وتحديد خصائص وعموميات الميليشيات الشيعية في بلاد الشام، حيث يعود التقارب بين الجمهورية الإسلامية، والمنظمة اللبنانية إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، والذي أدى إلى تشكيل حزب الله بشكل رسمي في 16 شباط (فبراير) 1985، ولكن الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم الغامض، كان موجوداً بشكل غير رسمي منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، كمجموعة من المقاتلين الشيعة الذين تركوا صفوف حزب الدعوة الإسلامي وحركة أمل الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
وبدأت المساعدات الإيرانية لحزب الله، منذ بداية الصراع اللبناني - الإسرائيلي، حيث وصل 1500 مقاتل من نخبة أفراد قوة القدس الإيرانية، الذين أخذتهم من الجبهة العراقية، حيث كانت إيران والعراق منخرطتين في صراع وحشي هائل منذ عدة سنوات، إلى منطقة البقاع في بريتال وبابشيت وبعلبك، لتوفير الدعم المادي للمقاتلين الشيعة اللبنانيين، وتدريبهم في مجالات التجنيد الأيديولوجي والتدريب العسكري، ما يشي باهتمام إيران الشديد بحزب الله، فقد ثبت أنّ العلاقة بين إيران وحزب الله أصبحت "حميمة" إلى حد كبير، منذ تلك اللحظة، حتى أنّ بعض الباحثين ذهبوا حدّ تصنيف حزب الله على أنه "شريك على قدم المساواة مع إيران، وليس مجرد وكيل".

الحرس الثوري وتطوير نموذج "تدريب المدرب"
شمل التدريب الذي قدّمه الحرس الثوري الإيراني، اكساب حزب الله مهارات محددة؛ تهدف إلى القيام بمهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الخطط التي شكل فيها الانتحاريون حجرَ الزاوية. وفي هذا السياق، زاد التدريب الذي قدمته إيران لصالح حزب الله من القدرات التشغيلية للمجموعة بشكل كبير، كما منح المنظمة اللبنانية، الخبرة التي أفادت بها مجموعات أخرى؛ مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويُسخدم هذا النموذج من "تدريب المدرب" في سوريا اليوم، حيث عمل حزب الله، بالتعاون الوثيق مع الحرس الثوري، على تدريب المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام السوري، في مناطق حرب العصابات والحرب غير المتماثلة، ثم تم اختيار أفضل المتدربين، للحصول على المزيد من التدريب، بهدف إنتاج وحدات النخبة المختلطة، القادرة على محاربة الجهات الفاعلة؛ الحكومية وغير الحكومية، بفعالية وبشكل عشوائي، وهكذا وُلدت ميليشيا "لواء الإمام الباقر" عام 2012، ونشطت في محافظة حلب وجنوب منطقة تدمر، بشكل أساسي.
ميليشيات شيعية في سوريا
انخرط حزب الله بكثافة في عدة جبهات، ضد الجماعات الجهادية وحركات التمرد السورية، بسبب كفاءته العالية، إلا أنه مُني بخسائر فادحة في القتال، وصلت لما يقارب الـ 1600 مقاتل بين عامي 2011 و2019، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن المناطق العلوية السورية، وكذلك المدن والمحاور الإستراتيجية، وبهدف تخفيف الضغط على أفرادها، عملت المنظمة اللبنانية، على تجنيد عدد كبير من المقاتلين السوريين، لتشكيل "حزب الله السوري"، ما دفع العديد من الميليشيات الشيعية العراقية للمشاركة في القتال في سوريا، وخاصة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، التي تحدها مدينتا "أبو كمال والقائم"، في وادي الفرات الأوسط، وهذا هو الحال، على وجه الخصوص، بالنسبة لميليشيا حركات العبدل Harakat al-Abdal، أو كتائب الإمام علي.

وُعِدَ العديد من المقاتلين الأفغان اللاجئين في إيران بوثائق هوية قانونية لأفراد أسرهم إن وافقوا على القتال في سوريا

رغم الدلائل التي قد توحي، بأنّ بعض الخلافات يمكن أن تحدث بين قادة مختلف الميليشيات الشيعية مع مرور الوقت، استمرت هذه الجماعات بالتوسع والتعاون الوثيق فيما بينها، كما شوهد في سوريا؛ حيث إنّ الانقسام الذي أحدثته الميليشيا الشيعية؛ كتائب سيد الشهداء، على حساب كتائب "حزب الله العراقي"، في أوائل عام 2013، أو الذي أحدثه "حزب الله النجباء" على حساب "عصائب أهل الحق"، على سبيل المثال، لم يمنع هذه الجماعات من مواصلة التعاون والقتال في سوريا من أجل الدفاع عن نظام بشار الأسد.
بدوره، قام نظام دمشق، بتأسيس لواء "أبو فضل العباس"، كأول محاولة كبرى لإنشاء ميليشيات شيعية خاصة به، تستند أساساً إلى نموذج حزب الله اللبناني، الذي ساعد النظام كثيراً في تحقيق هدفه، كما دعم حزب الله تشكيل جماعات شيعية سورية أخرى؛ مثل لواء الإمام الباقر، الذي قاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تم نشر قوات الشهيد محمد باقر الصدر (الاسم الحربي للقوات التي أرسلتها منظمة بدر إلى سوريا)، والمؤلفة من عراقيين شيعة، في جميع أنحاء سوريا، من أجل مدّ يد العون للنظام، ولكن قبل كل شيء، لإنشاء ميليشيات شيعية سورية جديدة، تشبه حزب الله اللبناني في طريقة عمله، وقد وُلدت عدة ميليشيات من هذه المبادرة؛ مثل لواء الإمام الحسين، ويتم استخدامها كقوات رد سريع.

الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا: قوات صدمة تخدم دمشق
أجبر الصراع في سوريا نظامَيْ الأسد وطهران على التفكير في تجنيد ميليشيات شيعية خارج منطقة الشرق الأوسط؛ آسيا تحديداً، ولا سيما باكستان وأفغانستان، إذ سرعان ما جذبتا الاهتمام بسبب المجتمعات الشيعية الكبيرة التي تعيش فيها (حوالي 7 ملايين في عام 2017 في أفغانستان، و30 مليوناً في باكستان عام 2018)، وتعرف السلطات الإيرانية الكثير عن ذلك، حيث يعيش حوالي 3 ملايين أفغاني في إيران، بمن فيهم حوالي 95 ألف لاجئ رسمي هناك، وقد سهّل هذا المجتمع الأفغاني القوي على الأراضي الإيرانية تجنيد مقاتلين جدد للجبهة في المناطق المعنية، إلى حدّ كبير.
الإغراء المالي والتعبئة الدينية
في الواقع، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين، فإنّ الميليشيات الشيعية لديها عدد كبير من المجندين الأفغان والباكستانيين، إذ يتراوح عدد المقاتلين الأفغان الذين تجمعوا تحت راية لواء "فاطميون" بين 10000 و 12000 مقاتل، تم إرسالهم إلى الجبهات الأكثر عنفاً؛ مثل حلب ودرعا ودمشق واللاذقية وجبال القلمون، وتشير بعض التقارير، إلى أنّ لواء "فاطميون" تكبّد خسائر فادحة، قُدّرت بمئات القتلى. هؤلاء المقاتلون الأفغان، "الهزارة" في الغالب، مدفوعون بمزيج من الإغراء المالي والتعبئة الدينية، حيث تأثر الكثير منهم بخطاب حماية المقدسات الشيعية في سوريا؛ مثل مسجد السيدة زينب في دمشق، كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ العديد من المقاتلين الأفغان، تم تجنيدهم مباشرة من مخيمات اللاجئين في إيران، حيث وُعِدوا بوثائق هوية إيرانية قانونية لأفراد أسرهم، في حال وافقوا على الذهاب للقتال في  سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وطأت أقدام أولى الوحدات الباكستانية، الأرض السورية عام 2013، وهي وحدات قادمة من قبيلة توري الشيعية في منطقة كورام، ومن مجموعة "الهزارة" العرقية في منطقة كويته، حيث تم دمجهم مع الميليشيات الشيعية الأخرى دون أي تنسيق، قبل إنشاء ميليشيات خاصة للباكستانيين، حملت اسم لواء "زينبيون" في كانون الثاني (يناير) 2015.
ويستخدم كل من لواء "فاطميون" وولاء "زينبيون"، مواقع الإنترنت والصفحات المكتوبة باللغة الأوردية على الشبكات الاجتماعية، في تجنيد المقاتلين الباكستانيين، وإشراكهم بالصراع السوري، خاصة ضد داعش وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، إلّا أنّ هؤلاء المجنّدين شاركوا في معركة خشام، ضد الولايات المتحدة والأكراد، في 7 شباط (فبراير) 2018، والتي شنت خلالها الميليشيات الشيعية هجوماً مفاجئاً ضد القوات الأمريكية الخاصة، وقوات سوريا الديمقراطية، بالقرب من مدينة خشام في منطقة دير الزور، وأدى الردّ الأمريكي إلى مقتل 68 مقاتلاً شيعياً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

مسار سياسي - عسكري يشبه مسار حزب الله اللبناني
من مناطق المستنقعات على الحدود الإيرانية العراقية، إلى الجبال الوعرة في لبنان، انخرطت الميليشيات الشيعية في جميع المعارك الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، في الشرق الأوسط، على مدار العقود الثلاثة الماضية، وتمكنت خلالها من زيادة مهاراتها العسكرية والتكتيكية، وقدرتها على التكيف مع أنواع جديدة من الصراع، المتكافئ وغير المتكافئ.

الحكومة الفيدرالية في بغداد غير قادرة على معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً أو حتى دبلوماسياً

ويشبه مسار الميليشيات الشيعية العراقية في هذا الصدد، مسار حزب الله في لبنان، مرة أخرى، من خلال الصراع غير المتماثل، حيث برزت المنظمة اللبنانية أولاً، من أوائل الثمانينيات حتّى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) من العام 2000، ورغم ما عانته الحركة من انتكاسات، إلا أنّها نجحت في كثير من الأحيان باستهداف القوات الإسرائيلية وحلفائها في جيش لبنان الجنوبي "قوات لحد"، على سبيل المثال، وكانت المجموعة قد أثبتت بالفعل نشاطها قبل الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله عام 1985، خاصة بعد هجومها بسيارة مفخخة على مقر أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية في صُورْ، يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، ممّا أسفر عن مقتل 75 شخصاً.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

واتضح أنّ الوضع مشابه في العراق، من منتصف الثمانينيات إلى التسعينيات، فقد كان المنشقون الشيعة العراقيون، والأسرى السابقون الذين خدموا ضمن المجندين في جيش صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وجماعات متمردة عراقية شيعية أخرى مدعومة من طهران، وُضِعت من قبل فيلق الحرس الثوري، تحت رعاية منظمة بدر، التي تعهدت بعد ذلك بتدريب هؤلاء المقاتلين الجدد، وعلى غرار حزب الله في لبنان؛ طورت المجموعة على مرّ السنين مهارات وخبرات عسكرية في الحرب غير المتكافئة، من خلال هجماتها المختلفة على قوات الأمن التابعة لصدام حسين.

وفي ظلّ الحرب بين إسرائيل وحزب الله (12 تموز (يوليو) - 14 آب (أغسطس) 2006)، واحتلال الولايات المتحدة للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، طوّرت الميليشيات الشيعية مهاراتها وترسانتها العسكرية المتزايدة على مر السنين، ليكون 14 تموز (يوليو) 2006 تاريخاً رئيسياً في هذا الصدد، حيث أطلق مقاتلو حزب الله صاروخاً أرضياً على السفينة الحربية الإسرائيلية لأوّل مرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في السفينة، ومقتل 4 بحارة، وقد تمت مشاركة هذه التجربة، بالإضافة إلى سلاسل الإمداد بالصواريخ البالستية، القادمة من إيران، مع الحوثيين في اليمن اعتباراً من عام 2016، حيث أطلقوا، على سبيل المثال، صواريخ أرض - جو، على بارجة حربية أمريكية، وعلى قاعدة سعودية.
وخلال الحرب ضد قوات الاحتلال الأمريكية، أصبحت كتائب حزب الله متخصصة في الأجهزة المتفجرة المرتجلة، التي صممها حزب الله أثناء الحرب ضد إسرائيل عام 2006، كما تم إطلاق الصواريخ المرتجلة، التي أطلقت عليها المليشيات الشيعية اسم "عشتار"، بأعداد كبيرة ضد القوات الأمريكية على مر السنين، وقد طورت الميليشيات هذه الصواريخ وحسّنتها، خلال النزاع، مما زاد من مداها ومدى تأثيرها.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
لقد ثبت أنّ إدخال الطائرات بدون طيار، في الفضاء العسكري، يمثل أحد النواقل الجديدة لرفع القدرات التشغيلية لحزب الله، وبالتالي للميليشيات الشيعية الأخرى، فقد اقتصر الأمر في البداية على مهام الاستطلاع والمراقبة، وبسرعة تم نشر الطائرات بدون طيار في سماء إسرائيل من قِبل حزب الله؛ الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على تحويل مسار الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. هذه الخبرة، التي طورها حزب الله بمساعدة الحرس الثوري، سرعان ما تم توسيعها وتبادلها مع الميليشيات الشيعية الأخرى، حيث تمكنت كتائب حزب الله "العراقي"، على سبيل المثال، من اختراق طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، من خلال استغلال نظام اتصالات غير محمي عام 2009.
من خلال القتال جنباً إلى جنب، زودت هذه المجموعات بعضها البعض بالمهارات والخبرة العسكرية، سواء في التكتيكات غير المتماثلة أو التكتيكات التقليدية، وبسرعة كبيرة فرضت هذه الميليشيات نفسها كأداة هائلة لطهران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام، ما دفع إيران إلى تمويل وتدريب وتسليح هذه القوات شبه العسكرية على نطاق واسع.

الحرب ضد تنظيم داعش أو التكريس السياسي - العسكري للميليشيات الشيعية
كرّس الصراع ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، دورَ الميليشيات الشيعية ووزنها في المعادلة العسكرية الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ثبت أنّ دور هذه الميليشيات في الصراع كان حاسماً في عدة مناسبات، فقد فرضت الميليشيات الشيعية الانقلاب على "تنظيم الدولة الإسلامية" خلال شهر حزيران (يونيو) 2014، على سبيل المثال، بينما كان الأخير يهرع إلى بغداد، حاصدةً أرواح القوات المسلحة العراقية النظامية، في طريقها، وفي هذه الظروف، دعا آية الله العظمى علي السيستاني؛ زعيم الشيعة العراقيين، إلى التعبئة العامة في أوائل صيف 2014 بموجب فتوى دينية، لتشجيع العراقيين على حمل السلاح، من أجل إنقاذ العراق من التهديد الجهادي، لينضم العراقيون الشيعة إلى الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى الميليشيات الأخرى التي تم إنشاؤها لهذه المناسبة، بموافقة رئيس الوزراء في ذلك الوقت؛ نوري المالكي، الذي منحها وضعاً شبه رسمي، بموجب رعاية ميليشيات الحشد الشعبي، وفي الحال، دعمت إيران، وبشكل كبير هذه الوحدات الجديدة من الميليشيات الشيعية، التي سرعان ما فرضت نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تعويضها، لتعمل حوالي 50 ميليشيا شيعية تحت قيادة الحشد الشعبي عام 2019. 

لقد فرضت المليشيات الشيعية نفسها بالفعل، مُخيبة بذلك أمل قوات الأمن العراقية، ففي حين أظهرت هذه الأخيرة ضعفها، وعدم فعاليتها واستعدادها  للقتال، تاركة المجال مفتوحاً أمام داعش لشن هجمات واسعة النطاق في المناطق الواسعة، أظهرت الميليشيات الشيعية حماسها في القتال؛ ففي خريف عام 2017 ظهرت قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك سرايا الخراساني، في طليعة الهجوم ضد داعش في الحويجة، واستعادت السيطرة على الحي في 20 يوماً (21 أيلول (تموز) - 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017).

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وبفضل هذا النجاح، جمعت هذه الميليشيات عدداً متزايداً من المجندين والمتطوعين، إلى أن أصبحوا أحد العناصر الأساسية للجيش العراقي، إن لم يكونوا بديلاً عنه، ومنذ عام 2010، تضاعف عدد الميليشيات الشيعية في العراق 20 مرَة؛ فبعد أن كانت تضم 4 آلاف مقاتل في بداية العقد الماضي، أصبحت الميليشيات الشيعية اليوم تضم بين 81 و84 ألف مقاتل، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، في أعقاب الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، يوم 25 أيلول (سبتمبر) من نفس العام، شنت قوات الأمن العراقية هجوماً واسعاً، أثبتت الميليشيات الشيعية أنها رأس الحربة الحقيقي فيه.
الوضع الحالي والآفاق
أياً كان مستوى حكمها الذاتي، تبقى الميليشيات الشيعية خاضعة بعمق إلى طهران، فلم تكن مشاركة الحشد الشعبي في هجوم تشرين الأول (أكتوبر) 2017 ضد حكومة إقليم كردستان، بإرادةٍ من بغداد، بل بأمرٍ من إيران، في الواقع، قبل الهجوم ببضعة أيام، ذهب الجنرال قاسم سليماني، إلى السليمانية؛ العاصمة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، للتفاوض مع ممثلي الأخير، من أجل انسحاب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، في حال حدوث هجوم إيراني، وذلك ما تم بالفعل؛ فتحت ضغط طهران وتقدّم الميليشيات الشيعية، انسحب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن طيب خاطر، دون تبادل فعلي للرصاص، على النقيض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ميليشيا تجسد هيمنة نظام الملالي على العراق
تَظهرُ الميليشيات الشيعية اليوم، من نواحٍ كثيرة، بوصفها تجسيداً لهيمنة نظام الملالي على العراق، فقد كانت هذه الميليشيات، التي لا يمكن السيطرة عليها، موضوع مشاريع قوانين تهدف إلى إعادتها تحت رعاية الجيش النظامي العراقي، في مناسبات عديدة؛ ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يعترف رسمياً بقوات الحشد الشعبي، باعتبارها فرعاً مستقلاً لقوات الأمن العراقية، وأذِن لها، في هذا الإطار، بتلقي تمويل من الدولة العراقية، ومع ذلك، فإنّ القانون يشترط في المقابل أن تتنازل قوات الحشد الشعبي عن سلاحها لبغداد، وأن تتخلى عن أي ميل أو أي نزوة سياسية تجاه إيران.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ولم تمتثل قوات الحشد الشعبي لهذا القانون، ولا للمراسيم الرئاسية التي تلت ذلك، ولسبب وجيه، لا تستطيع الحكومة الفيدرالية في بغداد، في الوقت الحالي، معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً، أو حتى دبلوماسياً، لذلك تنتشر قوات الشرطة العسكرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، وتتطور عسكرياً وسياسياً؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2019، كانت قوات الحشد الشعبي قد أعربت عن رغبتها في امتلاك مكوّن جوي عسكري خاص بها، ورغم أنّ هذه المعلومات لم يتم تأكيدها أو الإعراب عنها من جديد، إلا أنّها توضح مدى الاستقلالية والقوة المتوفرة لدى الحشد الشعبي.
الحشد الشعبي الفائز الأكبر في الانتخابات
أصبح ثقل الميليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية أكثر وضوحاً خلال الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 12 أيار (مايو) 2018، حيث كانت قوائم اثنين من مسؤولي الحشد الشعبي من الفائزين الكبار؛ وهم تحالف "سائرون"، بقيادة رجل الدين الشيعي وزعيم ميليشيا سرايا السلام؛ مقتدى الصدر، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (54 من أصل 329)، يليه تحالف فتح (47 مقعداً)، بقيادة هادي الأميري، قائد منظمة بدر.

تصاعد الحمى السياسية بين الميليشيات
استعداداً للانتخابات المحلية المُقبلة، والمقرر إجراؤها في 21 شباط (فبراير) 2020، تصاعدت الحمى السياسية بين الميليشيات الشيعية، التي تحشد المزيد والمزيد لمحاولة كسب معظم السياسيين من صفوف الميليشيات الشيعية، إلا أنّ وفاة عراب هؤلاء؛ قاسم سليماني، قد غيرت الوضع؛ فليس لهذا المعشوق في إيران، بديلاً قادراً على ضمان الاستمرارية الكاملة في قيادة الميليشيات الشيعية، وإن كان قد تم تعيين ساعده الأيمن وزوج شقيقه؛ اللواء إسماعيل قاآني في طهران، فإنّ الميليشيات الشيعية، التي لا يمكن السيطرة عليها، لن تتبناه بالضرورة على النحو الذي تريده إيران.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :

lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



هل يرعى حزب الله اللبناني جميع وكلاء إيران في الشرق الأوسط؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-25

ترجمة: مدني قصري


في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استهدفت سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية مواقع لميليشيا حزب الله الشيعية في العراق، ما أسفر عن مقتل 25 عنصراً من مقاتليها، وتدمير جزء من معداتها العسكرية، لتعلن القوة شبه العسكرية في أعقاب تلك الغارات؛ "أنّ معركتها ضد أمريكا ومرتزقتها مفتوحة الآن أمام كل الاحتمالات"، فيما شجبت إيران هذا العمل الذي وصفته بـ "الإرهابي"، كما أدان المرجع الشيعي العراقي؛ آية الله السيستاني، "العدوان الأمريكي الرهيب"، وبعد 3 أيام، قُتل راعي الميليشيات الشيعية؛ اللواء الإيراني قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية في بغداد، إلى جانب "أبو مهدي المهندس"؛ الرجل القوي في قوات الحشد الشعبي (PMF)، ممّا تسبب في تعبئة حقيقية معادية للولايات المتحدة بين الميليشيات الشيعية في بلاد الشام.

الميليشيات: الدين المشترك والولاء لإيران
تعمل طهران، منذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان، يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، على تجنيد وتدريب وتجهيز مقاتلين أجانب من خلفيات متنوعة؛ مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، قاسمها المشترك هو مرجعيتهم الشيعية وولاؤهم لإيران، وقد طوّر هؤلاء المقاتلون قدراتهم ومعداتهم وخبراتهم العسكرية على مرّ السنين، إلى درجة زادت من اهتمام وتوتر الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الإسرائيليين، بشكل مطرد.

اقرأ أيضاً: استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟
فما هي هذه الميليشيات الشيعية؟ ولماذا وكيف يجد عناصرها أنفسهم مرتبطين بإيران؟ ما هو وزنهم في التوازن الجيوسياسي اليوم؟. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال إعادة بناء التوليد الاجتماعي للميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، وبالتالي قيمتها اليوم في المعادلة الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
حزب الله، نقطة الانطلاق لإنشاء وكلاء الشيعة الإيرانيين
منحت الحروب في سوريا والعراق، إيرانَ الفرصة لتوسيع شبكات الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وإضفاء الطابع الرسمي عليها، حيث تعمل حالياً وحدات شبه عسكرية كبيرة، مؤلفة من عراقيين وسوريين ولبنانيين وأفغان، وحتى من الباكستانيين، في مختلف مسارح العمليات التي تشارك فيها إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم تعزيز هذا البرنامج وتوجيهه والإشراف عليه بواسطة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في 2 كانون الثاني ( يناير).

ذهب بعض الباحثين حدّ تصنيف حزب الله على أنّه شريك على قدم المساواة مع إيران وليس مجرد وكيل

في الواقع، إنّ هذه الشبكة من المقاتلين الشيعة ليست ظاهرة جديدة، ومن الضروري العودة إلى الروابط بين إيران وحزب الله اللبناني، المُصنفّ حالياً كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول أخرى، لِفهم الوضع الحالي وتحديد خصائص وعموميات الميليشيات الشيعية في بلاد الشام، حيث يعود التقارب بين الجمهورية الإسلامية، والمنظمة اللبنانية إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، والذي أدى إلى تشكيل حزب الله بشكل رسمي في 16 شباط (فبراير) 1985، ولكن الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم الغامض، كان موجوداً بشكل غير رسمي منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، كمجموعة من المقاتلين الشيعة الذين تركوا صفوف حزب الدعوة الإسلامي وحركة أمل الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
وبدأت المساعدات الإيرانية لحزب الله، منذ بداية الصراع اللبناني - الإسرائيلي، حيث وصل 1500 مقاتل من نخبة أفراد قوة القدس الإيرانية، الذين أخذتهم من الجبهة العراقية، حيث كانت إيران والعراق منخرطتين في صراع وحشي هائل منذ عدة سنوات، إلى منطقة البقاع في بريتال وبابشيت وبعلبك، لتوفير الدعم المادي للمقاتلين الشيعة اللبنانيين، وتدريبهم في مجالات التجنيد الأيديولوجي والتدريب العسكري، ما يشي باهتمام إيران الشديد بحزب الله، فقد ثبت أنّ العلاقة بين إيران وحزب الله أصبحت "حميمة" إلى حد كبير، منذ تلك اللحظة، حتى أنّ بعض الباحثين ذهبوا حدّ تصنيف حزب الله على أنه "شريك على قدم المساواة مع إيران، وليس مجرد وكيل".

الحرس الثوري وتطوير نموذج "تدريب المدرب"
شمل التدريب الذي قدّمه الحرس الثوري الإيراني، اكساب حزب الله مهارات محددة؛ تهدف إلى القيام بمهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الخطط التي شكل فيها الانتحاريون حجرَ الزاوية. وفي هذا السياق، زاد التدريب الذي قدمته إيران لصالح حزب الله من القدرات التشغيلية للمجموعة بشكل كبير، كما منح المنظمة اللبنانية، الخبرة التي أفادت بها مجموعات أخرى؛ مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويُسخدم هذا النموذج من "تدريب المدرب" في سوريا اليوم، حيث عمل حزب الله، بالتعاون الوثيق مع الحرس الثوري، على تدريب المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام السوري، في مناطق حرب العصابات والحرب غير المتماثلة، ثم تم اختيار أفضل المتدربين، للحصول على المزيد من التدريب، بهدف إنتاج وحدات النخبة المختلطة، القادرة على محاربة الجهات الفاعلة؛ الحكومية وغير الحكومية، بفعالية وبشكل عشوائي، وهكذا وُلدت ميليشيا "لواء الإمام الباقر" عام 2012، ونشطت في محافظة حلب وجنوب منطقة تدمر، بشكل أساسي.
ميليشيات شيعية في سوريا
انخرط حزب الله بكثافة في عدة جبهات، ضد الجماعات الجهادية وحركات التمرد السورية، بسبب كفاءته العالية، إلا أنه مُني بخسائر فادحة في القتال، وصلت لما يقارب الـ 1600 مقاتل بين عامي 2011 و2019، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن المناطق العلوية السورية، وكذلك المدن والمحاور الإستراتيجية، وبهدف تخفيف الضغط على أفرادها، عملت المنظمة اللبنانية، على تجنيد عدد كبير من المقاتلين السوريين، لتشكيل "حزب الله السوري"، ما دفع العديد من الميليشيات الشيعية العراقية للمشاركة في القتال في سوريا، وخاصة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، التي تحدها مدينتا "أبو كمال والقائم"، في وادي الفرات الأوسط، وهذا هو الحال، على وجه الخصوص، بالنسبة لميليشيا حركات العبدل Harakat al-Abdal، أو كتائب الإمام علي.

وُعِدَ العديد من المقاتلين الأفغان اللاجئين في إيران بوثائق هوية قانونية لأفراد أسرهم إن وافقوا على القتال في سوريا

رغم الدلائل التي قد توحي، بأنّ بعض الخلافات يمكن أن تحدث بين قادة مختلف الميليشيات الشيعية مع مرور الوقت، استمرت هذه الجماعات بالتوسع والتعاون الوثيق فيما بينها، كما شوهد في سوريا؛ حيث إنّ الانقسام الذي أحدثته الميليشيا الشيعية؛ كتائب سيد الشهداء، على حساب كتائب "حزب الله العراقي"، في أوائل عام 2013، أو الذي أحدثه "حزب الله النجباء" على حساب "عصائب أهل الحق"، على سبيل المثال، لم يمنع هذه الجماعات من مواصلة التعاون والقتال في سوريا من أجل الدفاع عن نظام بشار الأسد.
بدوره، قام نظام دمشق، بتأسيس لواء "أبو فضل العباس"، كأول محاولة كبرى لإنشاء ميليشيات شيعية خاصة به، تستند أساساً إلى نموذج حزب الله اللبناني، الذي ساعد النظام كثيراً في تحقيق هدفه، كما دعم حزب الله تشكيل جماعات شيعية سورية أخرى؛ مثل لواء الإمام الباقر، الذي قاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تم نشر قوات الشهيد محمد باقر الصدر (الاسم الحربي للقوات التي أرسلتها منظمة بدر إلى سوريا)، والمؤلفة من عراقيين شيعة، في جميع أنحاء سوريا، من أجل مدّ يد العون للنظام، ولكن قبل كل شيء، لإنشاء ميليشيات شيعية سورية جديدة، تشبه حزب الله اللبناني في طريقة عمله، وقد وُلدت عدة ميليشيات من هذه المبادرة؛ مثل لواء الإمام الحسين، ويتم استخدامها كقوات رد سريع.

الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا: قوات صدمة تخدم دمشق
أجبر الصراع في سوريا نظامَيْ الأسد وطهران على التفكير في تجنيد ميليشيات شيعية خارج منطقة الشرق الأوسط؛ آسيا تحديداً، ولا سيما باكستان وأفغانستان، إذ سرعان ما جذبتا الاهتمام بسبب المجتمعات الشيعية الكبيرة التي تعيش فيها (حوالي 7 ملايين في عام 2017 في أفغانستان، و30 مليوناً في باكستان عام 2018)، وتعرف السلطات الإيرانية الكثير عن ذلك، حيث يعيش حوالي 3 ملايين أفغاني في إيران، بمن فيهم حوالي 95 ألف لاجئ رسمي هناك، وقد سهّل هذا المجتمع الأفغاني القوي على الأراضي الإيرانية تجنيد مقاتلين جدد للجبهة في المناطق المعنية، إلى حدّ كبير.
الإغراء المالي والتعبئة الدينية
في الواقع، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين، فإنّ الميليشيات الشيعية لديها عدد كبير من المجندين الأفغان والباكستانيين، إذ يتراوح عدد المقاتلين الأفغان الذين تجمعوا تحت راية لواء "فاطميون" بين 10000 و 12000 مقاتل، تم إرسالهم إلى الجبهات الأكثر عنفاً؛ مثل حلب ودرعا ودمشق واللاذقية وجبال القلمون، وتشير بعض التقارير، إلى أنّ لواء "فاطميون" تكبّد خسائر فادحة، قُدّرت بمئات القتلى. هؤلاء المقاتلون الأفغان، "الهزارة" في الغالب، مدفوعون بمزيج من الإغراء المالي والتعبئة الدينية، حيث تأثر الكثير منهم بخطاب حماية المقدسات الشيعية في سوريا؛ مثل مسجد السيدة زينب في دمشق، كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ العديد من المقاتلين الأفغان، تم تجنيدهم مباشرة من مخيمات اللاجئين في إيران، حيث وُعِدوا بوثائق هوية إيرانية قانونية لأفراد أسرهم، في حال وافقوا على الذهاب للقتال في  سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وطأت أقدام أولى الوحدات الباكستانية، الأرض السورية عام 2013، وهي وحدات قادمة من قبيلة توري الشيعية في منطقة كورام، ومن مجموعة "الهزارة" العرقية في منطقة كويته، حيث تم دمجهم مع الميليشيات الشيعية الأخرى دون أي تنسيق، قبل إنشاء ميليشيات خاصة للباكستانيين، حملت اسم لواء "زينبيون" في كانون الثاني (يناير) 2015.
ويستخدم كل من لواء "فاطميون" وولاء "زينبيون"، مواقع الإنترنت والصفحات المكتوبة باللغة الأوردية على الشبكات الاجتماعية، في تجنيد المقاتلين الباكستانيين، وإشراكهم بالصراع السوري، خاصة ضد داعش وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، إلّا أنّ هؤلاء المجنّدين شاركوا في معركة خشام، ضد الولايات المتحدة والأكراد، في 7 شباط (فبراير) 2018، والتي شنت خلالها الميليشيات الشيعية هجوماً مفاجئاً ضد القوات الأمريكية الخاصة، وقوات سوريا الديمقراطية، بالقرب من مدينة خشام في منطقة دير الزور، وأدى الردّ الأمريكي إلى مقتل 68 مقاتلاً شيعياً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

مسار سياسي - عسكري يشبه مسار حزب الله اللبناني
من مناطق المستنقعات على الحدود الإيرانية العراقية، إلى الجبال الوعرة في لبنان، انخرطت الميليشيات الشيعية في جميع المعارك الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، في الشرق الأوسط، على مدار العقود الثلاثة الماضية، وتمكنت خلالها من زيادة مهاراتها العسكرية والتكتيكية، وقدرتها على التكيف مع أنواع جديدة من الصراع، المتكافئ وغير المتكافئ.

الحكومة الفيدرالية في بغداد غير قادرة على معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً أو حتى دبلوماسياً

ويشبه مسار الميليشيات الشيعية العراقية في هذا الصدد، مسار حزب الله في لبنان، مرة أخرى، من خلال الصراع غير المتماثل، حيث برزت المنظمة اللبنانية أولاً، من أوائل الثمانينيات حتّى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) من العام 2000، ورغم ما عانته الحركة من انتكاسات، إلا أنّها نجحت في كثير من الأحيان باستهداف القوات الإسرائيلية وحلفائها في جيش لبنان الجنوبي "قوات لحد"، على سبيل المثال، وكانت المجموعة قد أثبتت بالفعل نشاطها قبل الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله عام 1985، خاصة بعد هجومها بسيارة مفخخة على مقر أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية في صُورْ، يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، ممّا أسفر عن مقتل 75 شخصاً.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

واتضح أنّ الوضع مشابه في العراق، من منتصف الثمانينيات إلى التسعينيات، فقد كان المنشقون الشيعة العراقيون، والأسرى السابقون الذين خدموا ضمن المجندين في جيش صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وجماعات متمردة عراقية شيعية أخرى مدعومة من طهران، وُضِعت من قبل فيلق الحرس الثوري، تحت رعاية منظمة بدر، التي تعهدت بعد ذلك بتدريب هؤلاء المقاتلين الجدد، وعلى غرار حزب الله في لبنان؛ طورت المجموعة على مرّ السنين مهارات وخبرات عسكرية في الحرب غير المتكافئة، من خلال هجماتها المختلفة على قوات الأمن التابعة لصدام حسين.

وفي ظلّ الحرب بين إسرائيل وحزب الله (12 تموز (يوليو) - 14 آب (أغسطس) 2006)، واحتلال الولايات المتحدة للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، طوّرت الميليشيات الشيعية مهاراتها وترسانتها العسكرية المتزايدة على مر السنين، ليكون 14 تموز (يوليو) 2006 تاريخاً رئيسياً في هذا الصدد، حيث أطلق مقاتلو حزب الله صاروخاً أرضياً على السفينة الحربية الإسرائيلية لأوّل مرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في السفينة، ومقتل 4 بحارة، وقد تمت مشاركة هذه التجربة، بالإضافة إلى سلاسل الإمداد بالصواريخ البالستية، القادمة من إيران، مع الحوثيين في اليمن اعتباراً من عام 2016، حيث أطلقوا، على سبيل المثال، صواريخ أرض - جو، على بارجة حربية أمريكية، وعلى قاعدة سعودية.
وخلال الحرب ضد قوات الاحتلال الأمريكية، أصبحت كتائب حزب الله متخصصة في الأجهزة المتفجرة المرتجلة، التي صممها حزب الله أثناء الحرب ضد إسرائيل عام 2006، كما تم إطلاق الصواريخ المرتجلة، التي أطلقت عليها المليشيات الشيعية اسم "عشتار"، بأعداد كبيرة ضد القوات الأمريكية على مر السنين، وقد طورت الميليشيات هذه الصواريخ وحسّنتها، خلال النزاع، مما زاد من مداها ومدى تأثيرها.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
لقد ثبت أنّ إدخال الطائرات بدون طيار، في الفضاء العسكري، يمثل أحد النواقل الجديدة لرفع القدرات التشغيلية لحزب الله، وبالتالي للميليشيات الشيعية الأخرى، فقد اقتصر الأمر في البداية على مهام الاستطلاع والمراقبة، وبسرعة تم نشر الطائرات بدون طيار في سماء إسرائيل من قِبل حزب الله؛ الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على تحويل مسار الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. هذه الخبرة، التي طورها حزب الله بمساعدة الحرس الثوري، سرعان ما تم توسيعها وتبادلها مع الميليشيات الشيعية الأخرى، حيث تمكنت كتائب حزب الله "العراقي"، على سبيل المثال، من اختراق طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، من خلال استغلال نظام اتصالات غير محمي عام 2009.
من خلال القتال جنباً إلى جنب، زودت هذه المجموعات بعضها البعض بالمهارات والخبرة العسكرية، سواء في التكتيكات غير المتماثلة أو التكتيكات التقليدية، وبسرعة كبيرة فرضت هذه الميليشيات نفسها كأداة هائلة لطهران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام، ما دفع إيران إلى تمويل وتدريب وتسليح هذه القوات شبه العسكرية على نطاق واسع.

الحرب ضد تنظيم داعش أو التكريس السياسي - العسكري للميليشيات الشيعية
كرّس الصراع ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، دورَ الميليشيات الشيعية ووزنها في المعادلة العسكرية الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ثبت أنّ دور هذه الميليشيات في الصراع كان حاسماً في عدة مناسبات، فقد فرضت الميليشيات الشيعية الانقلاب على "تنظيم الدولة الإسلامية" خلال شهر حزيران (يونيو) 2014، على سبيل المثال، بينما كان الأخير يهرع إلى بغداد، حاصدةً أرواح القوات المسلحة العراقية النظامية، في طريقها، وفي هذه الظروف، دعا آية الله العظمى علي السيستاني؛ زعيم الشيعة العراقيين، إلى التعبئة العامة في أوائل صيف 2014 بموجب فتوى دينية، لتشجيع العراقيين على حمل السلاح، من أجل إنقاذ العراق من التهديد الجهادي، لينضم العراقيون الشيعة إلى الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى الميليشيات الأخرى التي تم إنشاؤها لهذه المناسبة، بموافقة رئيس الوزراء في ذلك الوقت؛ نوري المالكي، الذي منحها وضعاً شبه رسمي، بموجب رعاية ميليشيات الحشد الشعبي، وفي الحال، دعمت إيران، وبشكل كبير هذه الوحدات الجديدة من الميليشيات الشيعية، التي سرعان ما فرضت نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تعويضها، لتعمل حوالي 50 ميليشيا شيعية تحت قيادة الحشد الشعبي عام 2019. 

لقد فرضت المليشيات الشيعية نفسها بالفعل، مُخيبة بذلك أمل قوات الأمن العراقية، ففي حين أظهرت هذه الأخيرة ضعفها، وعدم فعاليتها واستعدادها  للقتال، تاركة المجال مفتوحاً أمام داعش لشن هجمات واسعة النطاق في المناطق الواسعة، أظهرت الميليشيات الشيعية حماسها في القتال؛ ففي خريف عام 2017 ظهرت قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك سرايا الخراساني، في طليعة الهجوم ضد داعش في الحويجة، واستعادت السيطرة على الحي في 20 يوماً (21 أيلول (تموز) - 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017).

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وبفضل هذا النجاح، جمعت هذه الميليشيات عدداً متزايداً من المجندين والمتطوعين، إلى أن أصبحوا أحد العناصر الأساسية للجيش العراقي، إن لم يكونوا بديلاً عنه، ومنذ عام 2010، تضاعف عدد الميليشيات الشيعية في العراق 20 مرَة؛ فبعد أن كانت تضم 4 آلاف مقاتل في بداية العقد الماضي، أصبحت الميليشيات الشيعية اليوم تضم بين 81 و84 ألف مقاتل، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، في أعقاب الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، يوم 25 أيلول (سبتمبر) من نفس العام، شنت قوات الأمن العراقية هجوماً واسعاً، أثبتت الميليشيات الشيعية أنها رأس الحربة الحقيقي فيه.
الوضع الحالي والآفاق
أياً كان مستوى حكمها الذاتي، تبقى الميليشيات الشيعية خاضعة بعمق إلى طهران، فلم تكن مشاركة الحشد الشعبي في هجوم تشرين الأول (أكتوبر) 2017 ضد حكومة إقليم كردستان، بإرادةٍ من بغداد، بل بأمرٍ من إيران، في الواقع، قبل الهجوم ببضعة أيام، ذهب الجنرال قاسم سليماني، إلى السليمانية؛ العاصمة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، للتفاوض مع ممثلي الأخير، من أجل انسحاب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، في حال حدوث هجوم إيراني، وذلك ما تم بالفعل؛ فتحت ضغط طهران وتقدّم الميليشيات الشيعية، انسحب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن طيب خاطر، دون تبادل فعلي للرصاص، على النقيض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ميليشيا تجسد هيمنة نظام الملالي على العراق
تَظهرُ الميليشيات الشيعية اليوم، من نواحٍ كثيرة، بوصفها تجسيداً لهيمنة نظام الملالي على العراق، فقد كانت هذه الميليشيات، التي لا يمكن السيطرة عليها، موضوع مشاريع قوانين تهدف إلى إعادتها تحت رعاية الجيش النظامي العراقي، في مناسبات عديدة؛ ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يعترف رسمياً بقوات الحشد الشعبي، باعتبارها فرعاً مستقلاً لقوات الأمن العراقية، وأذِن لها، في هذا الإطار، بتلقي تمويل من الدولة العراقية، ومع ذلك، فإنّ القانون يشترط في المقابل أن تتنازل قوات الحشد الشعبي عن سلاحها لبغداد، وأن تتخلى عن أي ميل أو أي نزوة سياسية تجاه إيران.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ولم تمتثل قوات الحشد الشعبي لهذا القانون، ولا للمراسيم الرئاسية التي تلت ذلك، ولسبب وجيه، لا تستطيع الحكومة الفيدرالية في بغداد، في الوقت الحالي، معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً، أو حتى دبلوماسياً، لذلك تنتشر قوات الشرطة العسكرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، وتتطور عسكرياً وسياسياً؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2019، كانت قوات الحشد الشعبي قد أعربت عن رغبتها في امتلاك مكوّن جوي عسكري خاص بها، ورغم أنّ هذه المعلومات لم يتم تأكيدها أو الإعراب عنها من جديد، إلا أنّها توضح مدى الاستقلالية والقوة المتوفرة لدى الحشد الشعبي.
الحشد الشعبي الفائز الأكبر في الانتخابات
أصبح ثقل الميليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية أكثر وضوحاً خلال الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 12 أيار (مايو) 2018، حيث كانت قوائم اثنين من مسؤولي الحشد الشعبي من الفائزين الكبار؛ وهم تحالف "سائرون"، بقيادة رجل الدين الشيعي وزعيم ميليشيا سرايا السلام؛ مقتدى الصدر، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (54 من أصل 329)، يليه تحالف فتح (47 مقعداً)، بقيادة هادي الأميري، قائد منظمة بدر.

تصاعد الحمى السياسية بين الميليشيات
استعداداً للانتخابات المحلية المُقبلة، والمقرر إجراؤها في 21 شباط (فبراير) 2020، تصاعدت الحمى السياسية بين الميليشيات الشيعية، التي تحشد المزيد والمزيد لمحاولة كسب معظم السياسيين من صفوف الميليشيات الشيعية، إلا أنّ وفاة عراب هؤلاء؛ قاسم سليماني، قد غيرت الوضع؛ فليس لهذا المعشوق في إيران، بديلاً قادراً على ضمان الاستمرارية الكاملة في قيادة الميليشيات الشيعية، وإن كان قد تم تعيين ساعده الأيمن وزوج شقيقه؛ اللواء إسماعيل قاآني في طهران، فإنّ الميليشيات الشيعية، التي لا يمكن السيطرة عليها، لن تتبناه بالضرورة على النحو الذي تريده إيران.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :

lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية