تبعات الفتوحات الإسلامية وقانون نيوتن الثالث

تبعات الفتوحات الإسلامية وقانون نيوتن الثالث

مشاهدة

05/09/2021

 

يقول العالم الفيزيائي الإنجليزي الأشهر، إسحاق نيوتن، في قانونه الثالث الخاص بحركة الأجسام، إنّ "لكلّ فعل ردّة فعل، مساوية له بالمقدار ومعاكسة له بالاتجاه"، وهو ما يصدق في تفسير بعض ملامح التاريخ، ومآلات الحروب، والحملات العسكرية.

 

فنجد أنّ كثيراً من الأمم المنتشية بقوتها، تدفع بِجحافل جرارة من جيوشها، تجوس بها خلال البلدان والديار، وتحسب أنّ لا رادّ لإرادتها أو قوتها، ولا رادع لمشيئتها، وتعتقد أيضاً بأنّه لن تستطيع أن تخرجهم من تلك الديار التي احتلتها قواتهم، أيّ قوة، مهما حشدت وانتظمت، لكنّهم يحسبون أنّ الأمور قد استقامت لهم، وخضعت لهم إرادة أهل البلاد، ويركنون إلى هذا الاعتقاد الخادع، وتمرّ الأيام، وتبدأ تتعاظم وتكبر المقاومة، إلى أنّ تصبح ردّة فعل هائلة، تكتسح كلّ أرجاء البلاد المحتلة، وتتكلل بإخراج القوات الغازية، واللّحاق بها إلى عقر دارها، وإذلالها، وهدم مدنها، وحرقها منشآتها، وتقسيم أراضيها وشعوبها.

بعد وفاة النبي وبسبب طموحات سياسية واقتصادية وعسكرية مغلفة بدعاية نشر الدين الإسلامي انطلقت الجيوش الجرارة تحطم الدول

وإذا أردنا أن نكون محايدين، وموضوعيين في نقد وتحليل تاريخنا العربي الإسلامي، بعد وفاة النبي الكريم، وبدء الفتوحات الاسلامية بالانطلاق شرقاً وغرباً فوق هذا الكوكب، نجد أنّ العرب المسلمين، وبسبب طموحات سياسية، واقتصادية، وعسكرية للخلفاء وحاشيتهم، ومغلفة بدعاية نشر الدين الإسلامي في كل بقاع الأرض، انطلقت جيوشهم الجرارة، تحطم الدولة تلو الأخرى، ولم تلقِ بالاً لصريح المنهج القرآني الخاص بالدعوة للإيمان بالعقيدة الإسلامية؛ حيث تقول الآيات القرآنية الواضحة بهذا الشأن "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل 125)، وكذلك في الآية القرآنية: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس 99).

وإذا وضعنا المبررات الدينية، والعقدية، والدعوية للفتوحات، أو الغزوات الإسلامية جانباً، نجد أنّ جيوشاً لأمة حديثة الظهور، تنطلق في حملة عسكرية بدأت في العام 632 م إلى 732م، من غرب شبه الجزيرة العربية، وتندفع إلى العراق وسوريا، وإلى مشارف القسطنطينية، ومنهما شرقاً إلى إيران، وأعماق آسيا إلى أبواب الصين ومنغوليا، وقد حطمت هذه الدولة دولاً كثيرة في طريقها؛ من فارسية وهندية، وهدّدت وجود الدولة الصينية. وبقيت في ضغطٍ، وفعلٍ حربي مستمر على الشرق امتد لقرون.

والتطبيق العملي هنا لقانون نيوتن الثالث في تفسير تاريخ الفتوحات الإسلامية، التي لم تتوقف في الشرق، يظهر كيف أنّه، بعد أن ضعفت الدولة العباسية، وفترت قبضتها على المناطق الشاسعة في قلب وشرق آسيا، ردّت تلك الأمم من منغول "مغول" وغيرهم، على توسع العرب المسلمين في ديارهم، بحملة حربية مضادة لا هوادة فيها، ودمّروا في طريقهم كلّ ما بناه المسلمون الأوائل من مجد، وحطموا وحرقوا كلّ مظاهر الحضارة أمامهم، إلى أن دمروا بغداد، حاضرة العلم، والفكر، والإبداع العربي في حينه، التي لم تقم لها قائمة بعد ذلك ابداً.

وإذا أردنا التماس العبر من ذلك، نقول إنّ استخدام القوة ضدّ الشعوب الأخرى، والآمنين في ديارهم، حتى وإن كان ذلك من أجل هدف ديني مبرَّر آنذاك، في نفس وعقل كلّ محارب عربي مسلم، لن يمرّ دون أن يكون لذلك تبعات، وردّة فعل، إن عاجلاً أو آجلاً، وغالباً ما يدفع الأحفاد وأحفادهم، ثمن مغامرات وطموحات الأجداد؛ السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، التي قاموا بها على حساب مصالح الآخرين، الذين أمسوا الآن أقوياء، وجاؤوا لديار الأحفاد، للاقتصاص ممّا جنته عليهم أياد أجداد هؤلاء الشعوب الغازية.

وتتكرّر غرباً قصة الهجوم على ديار الأمم الأخرى بدوافع، سياسية واقتصادية، لكبار قادة الدولة الإسلامية، واقتناع راسخ عند عامة المسلمين، بأنّ تلك الحروب والحملات العسكرية كانت لإعلاء كلمة الله، ولإدخال الناس في دين الله أفواجاً. وأعني هنا الحملات المتواصلة على القارة الأوروبية، حيث اندفعت القوة العربية، باتجاه الغرب، عبر مملكة القبط وبلاد الأمازيغ، ومن ثم إلى إسبانيا، ومنها إلى جنوب أوروبا، ثم إلى مشارف باريس، وأدّى ذلك لاستنفار أوروبا المسيحية بأكملها، لصَدّ هذا الهجوم السريع، وغير المتوقع من أمة العرب التي اعتنقت الإسلام حديثاً.

وبقي الفعل الحربي العربي المسلم ضاغطاً على أوروبا لقرون طويلة، إلى أن جاءت ردّة الفعل الأولى والقاسية، عندما ضعفت الدولة العربية الإسلامية، ودبّ الوهن في أوصالها، وبدأت الحروب الصليبية كردة فعل على مجهود حربي إسلامي متواصل على أبواب فرنسا الجنوبية، وعلى عاصمة المملكة البيزنطية القسطنطينية في الشرق، وكانت الحروب الصليبية دموية الطباع بحقّ أحفاد المجاهدين المسلمين الأوائل في عقر دارهم في المشرق العربي، ودامت الحملات الصليبية لعقود طويلة.

ثم قامت إثر ذلك دولة الخلافة العثمانية التي أولت الجيش، والعسكريتاريا كل اهتمام، وتركت العلوم، والبحث العلمي الذي بدأ بالازدهار في أوروبا المجاورة، ولم يتعلم الأتراك الدرس من الممالك الإسلامية التي سبقتهم، وينتبهوا لتحسين مستويات الحياة في دولتهم، ونشر التعليم بين رعاياهم، والنهوض بمستويات الصحة العامة بين المسلمين، لكنّهم خصصوا كلّ ميزانيات الدولة للحرب والتوسع العسكري، وأبقوا على حلم أسلافهم من الخلفاء المسلمين، بتحويل أوروبا إلى قارة مسلمة، حتى ولو بقوة السلاح والجيوش، وليس بالدعوة السلمية، والإحسان، والموعظة الحسنة.

وقد وصلت القوات العثمانية المسلمة أوج قوتها، في 12 أيلول (سبتمبر) 1683؛ عندما هاجمت قلب أوروبا، وحاصرت مدينة فيينا عاصمة النمسا لمدة شهرين، ما أدّى إلى قيام تحالف بولندي نمساوي ألماني، بقيادة ملك بولندا يوحنا الثالث سوبياسكي، الذي قهر القوات العثمانية المسلمة وهزمها، وبدأت قوات الأتراك بالتقهقر في عموم أقطار شرق أوروبا من حينه، إلى أن انهارت الخلافة العثمانية، وتلاشت تاركة خلفها أمة عربية ممزقة، تم تجهيلها لقرون، وأصبحت مثل كرة تتقاذفها القوى العالمية كيف ما شاءت.

آن الأوان لنتعلم من أمم لها تاريخ توسّعي مشابه لكنّ مفكريها عرفوا أنّ لكلّ اجتياح أثراً سلبياً سيرجع بالخيبات

ومن المصادفات، أنّ كتاب إسحاق نيوتن حول حركة الأجسام صدر العام 1684؛ أي بعد عام فقط من هزيمة الأتراك في فيينا، وكان لردة الفعل الأوروبية، التي أصبحت الآن أكثر علماً وفهماً وتطبيقاً للعلوم في التصنيع الحربي، أثر مدمر للأجيال التالية من المسلمين عامة، ورعايا دولة الخلافة العثمانية، وبقيت ردات الفعل الأوروبية المدروسة، والمخطط لها بعناية، تتواصل ضدّ الخلافة التركية وأراضيها الشاسعة. وتكلّلت هذه الهجمات الارتدادية بقضم الجزائر في قبل فرنسا، وتبعها احتلال مصر والسودان من قبل بريطانيا، وابتلاع ليبيا من قبل إيطاليا، ومن ثم الإجهاز على الدولة العثمانية، التي اعتدت على قلب أوروبا يوماً، وتفتيت تركتها إلى دول كثيرة، ومنع أيّة قدرة للعرب على النهوض العسكري، أو حتى القدرة على إقامة دولة موحدة، خشية أن تقوم تلك الدولة بما قامت به دولة الأتراك، أو الدولة الأموية من قبل من تهديد، واعتداء على عمق قارتهم المسيحية.

إنّ ذريعة نشر الدين والعقيدة بالقوة، وتحطيم دول الأمم الأخرى، وضمّها بما حَوَتْ لممتلكات الزعيم العربي، أو التركي المسلم، ولخزائن عائلاتهم الطموحة، سياسياً واقتصادياً، قد جرّت وبالاً ودماراً هائلاً نلمسه في حياة الأمة العربية الآن، وأثرت سلباً على أحفاد تلك الجيوش المسلمة، التي لم تلتزم بالأمر القرآني الواضح جداً، القائل بنشر الإسلام بالدعوة اللطيفة والإحسان، والحكمة، والموعظة الحسنة. وعدم اللجوء للإكراه في دعوة الناس للإيمان؛ أي حثّهم على الدخول في دين الإسلام حباً ورغبةً، لا خوفاً وقسراً وإكراهاً.

أعتقد أنّه قد آن الأوان لنتعلم من أمم لها تاريخ مشابه، مثل الأمتين الألمانية واليابانية، اللتين كان لهما تاريخ عسكري توسعي كبير، لكنّ قادتهما ومفكريهما عرفوا أنّ لكلّ اجتياح، واعتداء على أراض، وبلاد الأمم الأخرى أثراً سلبياً، سيرجع بالخيبات على أبنائهم وأحفادهم، لذلك توقّفوا عن التفكير، والتخطيط لاجتياح البلاد الأخرى، وأخذ مواردها كغنائم، وبناتها وأطفالها كسبايا وعبيد، وركزت كلا الأمتين على تنمية بلادهما، والنهوض بشعوبهما ورفاهيتهم وصحتهم وتعليمهم. ففلحلوا، وازدهروا وأصبحوا من أرقى شعوب الأرض قاطبة، في كلّ المجالات النافعة، والأغزر إنتاجاً للبحوث، والتطبيقات الصناعية المفيدة لحضارة الإنسان، ومدنيته، وعيشه الكريم.

الصفحة الرئيسية