جدل الأمازيغية في الجزائر... نزاع رايات أم إرادات؟

الأمازيغ

جدل الأمازيغية في الجزائر... نزاع رايات أم إرادات؟

مشاهدة

26/06/2019

منذ اندلاع موجة الحراك الشعبي في الجزائر، في الثاني والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، والمتظاهرون يحملون، إلى جانب مطالبهم وشعاراتهم، علمَين:  العلم الجزائري، والعلم الذي يرمز للثقافة الأمازيغية، بشكل مترافق، دون أن يمثل ذلك أيّ تعارض بين الانتماء الوطني والاعتزاز بالبعد الثقافي الأمازيغي، وهو البُعد الذي نصّت عليه الدساتير الجزائرية منذ دستور  1996،  الذي عدّ "الأمازيغية مكوناً للهوية الوطنية إلى جانب العروبة والإسلام"، وصولاً إلى دستور 2016، الذي عدّ اللغة الأمازيغية لغة وطنية، في أعقاب  تبنّي البرلمان الجزائري بغالبية ساحقة مراجعة دستورية تنصّ على اعتبار الأمازيغية لغة وطنية ورسمية في البلاد .

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟
بيْد أنّ التجاذبات الأخيرة ما بعد اندلاع الحراك، والاستقطابات السياسية الحادة بين منتسبي الحراك، والتيارات المحافظة والمحسوبة على النظام، جعل من رفع الراية الأمازيغية موضعاً للّغط والجدل ذي الخلفيات السياسية والأيديولوجية، سيما بعد تصريحات نارية من إحدى النائبات في البرلمان.

هناك جماعة تريد أن تُبرِز اختلافها وتعبِّر عنه وتطالب بالاعتراف به، ونزاع الرايات في الجزائر حالياً أحد مظاهر ذلك

وبدا الأمر مفهوماً، قبل أن يدخل على الخط قائد الجيش الجزائري، الجنرال القايد صالح، الذي ضاعف حدّة التجاذب؛ عبر بيان أكد فيه "إصدار أوامر صارمة لقوات الأمن للتصدي لأيّ شخص يرفع علماً آخر غير علم الجزائر خلال المظاهرات"، دون أن يحدّد بالاسم العلم المقصود. ونصّ البيان أيضاً على أنّ "رفع أعلام أخرى يعدّ مساساً بمشاعر الجزائريين في هذا المجال الحسّاس"، وفي بيان لاحق؛ أصرّ القايد على أنّ هناك "محاولة لاختراق المسيرات برفع رايات أخرى غير الراية الوطنية من قبل أقلية قليلة جداً"، وهو الوصف الذي أثار موجة من الغضب لدى الناشطين الأمازيغ، ولدى رفاقهم من غير الأمازيغ، المؤيدين للحراك، مما ضاعف عدد الحاملين للأعلام الأمازيغية، في الجمعة التالية في 21 شباط (فبراير) أكثر من المعهود!

نزاع الرايات كمظهر لإبراز الاختلاف  
ويرى الدكتور إبراهيم صحراوي، أستاذ الأدب في جامعة الجزائر؛ أنّ "الراية تمثل أحد الرموز التي تتخذها الجماعات البشرية عامّة، والأقليات منها بشكل خاص، للتميُّز، وهي وسيلة (أو أداة) ضمن وسائل أخرى للتوحُّد (سياسياً: علم الدولة وعلم الحزب أو الجماعة السياسية العسكرية وحتى الميليشياوية؛ اجتماعياً، ووظيفياً، وجماعاتياً، ودينياً، وطائفياً، أعلام الهيئات والأسلاك والجماعات المختلفة، والتعبير عن الاختلاف والمطالبة بالاعتراف".

الدكتور إبراهيم صحراوي أستاذ الأدب بجامعة الجزائر
ويسقط صحراوي هذا التعريف على الحالة الراهنة في الجزائر، بالقول: "من الواضح في الحراك الجزائري؛ أنّ هناك جماعة/ جهة، تريد أن تُبرِز اختلافها وتعبِّر عنه وتطالب بالاعتراف به، ونزاع الرايات في الجزائر حالياً هو أحد مظاهر هذا البحث عن الاعتراف، وأثر من آثاره، ممّا قد تكون له تداعيات سلبية".

اقرأ أيضاً: أكاديمية جزائرية للغة الأمازيغية: حضر السياسي وغاب اللغوي
وفي ردّه على سؤال "حفريات"، حول تداعيات القرارات الأخيرة لقائد الجيش، وما إذا كانت تلك الإجراءات قد ساهمت في توسيع الفجوة، يقول صحراوي: "لا أعتقد ذلك؛ فالقايد لم يفعل سوى التذكير بأنّ للجزائر راية رسمية دستورية واحدة، وحمل ما سواها، فضلاً عن دلالاته السياسية، سبب في وقوع النزاع، من خلال ظهور الراية الضِّرار موضوع النزاع، ودواعيه وخلفياته وأهدافه، يسيء إلى مشاعر غالبية الجزائريين ويولِّد في النفوس نوازع صراع تتحول مع الأيام إلى نزاع يبدأ ثقافياً (بالمفهوم الواسع للكلمة؛ أي جدلاً وتنابذاً)، وفكرياً، لينتهي سياسياً عسكرياً/ حربياً، ومنه".
وفي اعتقاد صحراوي، فإنّ دعوة القايد هي "سدٌّ لذرائع الفتنة"، بحسب قوله.

اقرأ أيضاً: المغرب واحة للتعايش وربيع للثقافة الأمازيغية
ويضيف: "لكنّ الفتنة، للأسف الشديد، أخذت مكانها في الحراك منذ مدّة، حتى وإن بدت للبعض خفية، بينما هي جلية وواضحة؛ من خلال ما نراه ونسمعه ونقرأه، ولكلّ ذلك انعكاسات واضحة في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة (الندوات واللقاءات والحوارات والتحليلات)، والمقروءة (مقالات وتحليلات)، ومواقع التواصل، التي هي بارومتر حقيقي لقياس حرارة الرأي العام تجاه قضية ما، مع ما لكلِّ هذه الانعكاسات من دور في شحن النفوس وتجييشها عن قصد أو عن غير قصد".
ويرفض صحراوي وصف النزاع القائم، بأنّه "مفبرك" ويهدف لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكداً "هو نزاع حقيقي حتى وإن بدا مُفبركاً، أو رآه البعض كذلك؛ ذلك أنّ المسكوت عنه أكثر من غيره في الثقافة، هو جانبها السياسي، فالثقافة سياسة لأنّها غالباً ما تكون مطالِبية ذات أهداف محدّدة".
العلمان الجزائري والأمازيغي في الحراك

الخلاف سياسي حتى لو كان بحامل ثقافي
ويعتقد صحراوي أنّ الخلاف في الأساس سياسي وذو بعد تاريخي قديم، ولا يمكن اختزاله في المطالب الثقافية، مؤكداً انّ "كلّ الطرق التي تسلكها هذه المطالب الثقافية تنتهي بها دائماً إلى السياسة والعمل السياسي، فحَمْلُها، شئنا ذلك أم أبينا، نضال سياسي (قد ينتهي إلى نضال عسكري ممّا يُسمّى في الأدبيات النضالية بالثورة المُسلَّحة)"!

ليس من مهام قائد الأركان أن يحدد الأعلام التي ينبغي رفعها، أو حظرها، وليس من مهامه تحديد سياسة البلاد

ويرى صحراوي أنّ "المطالب الثقافية عادة ما تبدأ أقلياتية لتكتسب مع الأعوام مواقع جديدة"، مذكّراً أنّ "أحدَ أكبر الحزبين السياسيين المؤطِّرين عملياً لمنطقة القبائل (الأمازيغ)، المؤسَّس في الجزائر، عقب إنهاء عقيدة الحزب الواحد ودسترة التعدُّدية السياسية، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حملَ اسم "التجمُّع من أجل الثقافة والديمقراطية"، وهنا حضور مفردة (الثقافة) في هذه التسمية ليس اعتباطياً"، مؤكداً أنّ "المسألة سياسية بالأساس حتى لو بدت حواملها ثقافية".
وفي العودة إلى تأثير الإجراءات الأخيرة التي تحظر حمل العلم الأمازيغي، وما إذا كانت ستساهم في تقسيم الشارع، يقول صحراوي: " أمّا عن تقسيم الشارع، فالانقسام حاصل أصلاً، رغم ما يبدو من وحدته، وزادته قضية الراية إياها انقساماً، لكن، وكي نكون مُنصفين، نقول: إنّ الشارع كان دائماً وأبداً منقسماً سياسياً ثقافياً دينياً (وحتى طائفياً مذهبياً مؤخّراً)، ولغوياً، واجتماعياً، واقتصادياً"، مؤكداً أنّ "ما يقسم الشارع أكثر هو تعدّد الرايات".

 

 

"نُخب السلطة" وعقدة الثقافة الأمازيغية 
من جهته، يطرح الصحفي إيدير دحماني، في حديثه مع "حفريات"، رؤية مغايرة لقراءة صحراوي، مؤكداً أنّ هناك "حساسية قديمة، تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، من الراية الأمازيغية، مصدر هذه الحساسية، وربما العقدة، تأتي مما يسمى بالنخبة التي هي غالباً تابعة للسلطة، وتعيد إنتاج خطابها، وتغالي فيه أحياناً"، خاصة فيما يتعلق بالمطالب الثقافية للأمازيغ. ويضيف دحماني "هذه النخبة نفسها لها حساسية من اللغة الأمازيغية ودسترتها وكتابتها، وحساسية من كلّ عناصر الهوية الأمازيغية وعناصر ثقافتها".
ويعتقد دحماني بأنّه "مع إرهاصات عصر ثورة المعلومات، وزمن السوشيال ميديا، وبصفة خاصة الفيسبوك، اتّسعت نوعاً ما، رقعة الحساسية من عناصر الهوية الأمازيغية" لتشمل عدداً أكبر من المغردين.

اقرأ أيضاً: هولندية تتخلى عن حياتها لتساعد أمازيغ مصر
وفي حين يتفهّم دحماني تلك الحساسية من قبل بعض نشطاء السوشال ميديا، لكنه يستغرب موقف بعض ممن يسميهم بـ "الشخصيات الوطنية"، معرباً عن استغرابه من أنّ هذا الموقف المعادي للثقافة الأمازيغية، لغة وتراثاً، وربّما العنصري، "تغذيه شخصيات وطنية وأحزاب سياسبة، ورجال ثقافة بخلفية أيديولوجية عفا عنها الزمن، والأغرب؛ أن يحدث ذلك في وقت تعتبر عناصر الهوية الأمازيغية محمية من قبل الدستور"؛ حيث يصنف الدستور الساري الثقافة الأمازيغية كأحد مكونات الهوية الجزائرية، بجانب الإسلام واللغة العربية".

ويتساءل دحماني عن دوافع الإجراءات الجديدة التي تحظر الأعلام، مشيراً إلى أنّ "الحراك، ومنذ يومه الأول، في الثاني والعشرين من شباط (فبراير)، ظلّ يرفع علم الثقافة الأمازيغية إلى جانب العلم الوطني، دون أن يشكّل ذلك أيّة فتنة مفترضة".
الحراك جسّد ردّاً عكسياً للإجراءات
وفي إجابته عن سؤال "حفريات" حول دواعي وتأثير الإجراءات الجديدة، يقول دحماني: "في الظروف المزرية سياسياً، وفي غياب رئيس الدولة غير المقبول شعبياً، وغياب شبه كلّي لرئيس الحكومة، أصبح لخطاب قائد الأركان وزن كبير، وكفيل بتصعيد الأمور، وهذا الأمر غير عادي البتة، ويعدّ خرقاً صارخاً لأعراف تسيير الدولة"، بحسب تصوره. ويضيف: "ليس من مهام قائد أركان الجيش أن يحدّد للمتظاهرين السلميين الأعلام التي ينبغي رفعها، أو حظرها، كما أنّ ليس من مهامه الدستورية تحديد السياسة الداخلية للبلاد".
ويتصوّر دحماني أنّه "ليس من المغالاة الإقرار بأنّ الوضع الحالي، قريب من جنون الدولة، علاوة على أنّه أمر خطير؛ فخطاب قائد الأركان صعّد موقف من يريد خنق الحراك في الكواليس والمواقع، لكن في الواقع كان الردّ رائعاً من قبل كلّ الجزائريين بسلمية ورقي وتحضّر، عندما تحدى المتظاهرون تلك الإجراءات، وحملوا الرايات بشكل مضاعف، مجسدين بذلك ردّاً عكسياً لإجراءات القايد صالح".
الأمازيغ يشكرون القايد صالح!
ويقرأ دحماني خطاب قائد الأركان والإجراءات المتمخضة عنه، بأنّها سعت إلى "تشتيت الحراك باللعب على وتر الجهوية"، من خلال حظر الأعلام، بما فيها العلم الأمازيغي، لكنّه يستدرك بالقول: لسوء حظّ النظام، فإنّ النتيجة أتت مدوية من الصحراء إلى وهران إلى الشرق إلى الوسط، الجمعة الماضية؛ حيث صدح الجميع بـ "نحن شعب واحد، و لن نفترق على حجة الراية أو غيرها".
يقول دحماني: "على سبيل السخرية، يمكننا  شكر القايد صالح الذي وحّد من حيث لا يدري الشعارات والهتافات، وأعطى نَفَساً جديداً للحراك الشعبي، ولمطلب الثقافة الأمازيغية، كمكوّن أساسي من مكونات الهوية الوطنية الجزائرية".
فبحسب رأي دحماني: "خطاب السلطة الأخير وحّد الحراك من حيث أراد تشتيته؛ حيث حُملت رايات الأمازيغ في كلّ بقاع الجزائر الممتدة".
الصحفية الجزائرية فايزة مصطفى

الأمازيغية محسومة... وما يدور صراع دونكشوتي
من جهتها، لا ترى الصحفية الجزائرية المقيمة بباريس، فايزة مصطفى، "وجود نزاع ثقافي أو عرقي حقيقي في الجزائر، بقدر ما هو تجاذب سياسي ببعد أيديولوجي، يتم تسويقه تحت مسميات ثقافية"، مؤكدة أنّ "المسألة الأمازيغية تمّ حسمها دستورياً منذ الاعتراف بها وتضمينها في الدساتير كأحد مكونات الهوية الجزائرية". وترى مصطفى أنّه "ليس هناك أيّ مبرر لهذا النزاع الوهمي الذي يدور الآن"، ولا تمكن قراءته، بحسبها، "إلا باعتباره نزاعاً دونكشوتياً يحاول إخراج الحراك من سكاته، وإفراغه من المضامين المتعارف عليها".

الراية الأمازيغية لا تمثل مساساً بالشعور الوطني وليست بديلاً عن الراية الوطنية، بل رمز للفضاء الثقافي الممتد

وأعربت الصحفية الجزائرية لـ "حفريات" عن اعتقادها بأنّ "الراية الأمازيغية ترمز إلى الامتداد الثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، ولا تمثل أيّ مساس بالشعور الوطني، فهي ليست بديلاً عن الراية الوطنية، بل رمز للفضاء الثقافي، الممتد من واحة سيوة المصرية وحتى جزر الكناري". ولا ترى أنّ "ثمة تناقضاً بين حمل الرمز الأمازيغي والانتماء الوطني"، وتضرب مثالاً لذلك بشعوب دول الاتحاد الأوروبي "التي لا ترى غضاضة في أن ترفرف إعلامها الوطنية مع علم الاتحاد الأوروبي، جنباً إلى جنب، في كلّ الإدارات المحلية والمرافق الرسمية"؛ ذلك أنّ كلا العلمين يرمزان إلى خاصية بعينها: الأول يمثل السيادة الوطنية، والثاني يرمز إلى الفضاء الجغرافي والثقافي الأكبر".
  
وتقدّر أنّ "الحراك، ومنذ انطلاقه في شهر شباط (فبراير) الماضي، يحقق مكاسب كبيرة، وبشكل تدريجي هادئ، لذلك ربما ينشط البعض إلى تعطيله، بإغراقه في جدل لا عائد منه، يتعلق بالصراع الهوياتي الذي تجاوزته الجزائر، منذ فترة ليست بقريبة، بعد نضالات طويلة ومريرة".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية