جمان النمري تمنح خيمة اللاجئ بعداً إنسانياً ونفحة من أمل

جمان النمري تمنح خيمة اللاجئ بعداً إنسانياً ونفحة من أمل

مشاهدة

29/10/2019

اختارت الفنانة التشكيلية الأردنية، جمان النمري، نقل معاناة اللاجئين، هذه المرة، ليس إلى أروقة الغاليريهات الفنية، كما هو دأبها منذ أعوام؛ بل إلى واحدة من أكثر مناطق عمّان حداثة؛ "بوليفارد العبدلي".
كانت النمري قد خاطَت "خيمة اللاجئ" من قطع ملابس بالية تعود للاجئين فلسطينيين في المقام الرئيس، إلى جانب جنسيات أخرى عانت التهجير، "بعد أن كان لهؤلاء اللاجئين بيوت وأملاك وحياة رغيدة، لكنّهم باتوا حبيسي الخيمة، بعد أن ضاعت بلادهم"، كما تقول.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
جنحت النمري نحو قصر الرسالة التي توجّهها من خلال هذه الخيمة على "البُعد الإنساني فحسب"، بعد أن كانت قد صمّمت مجسّمات لعائلة باللباس الفلسطيني التقليدي على باب الخيمة، موضحة "أردت لاحقاً منحها بُعداً إنسانياً أوسع، ولتكون الرسالة السياسية متوارية نوعاً ما، ولتتصدّر الرسالة الإنسانية المشهد، ولتفتح للمتلقي آفاقاً واسعة في التفسير والتحليل".

جنحت النمري نحو قصر الرسالة التي توجّهها من خلال هذه الخيمة على البُعد الإنساني فحسب

تكمل النمري، المولودة عام 1974 لعائلة ذات باع طويل في النضال القومي، بأنّها اختارت المكان "لرمزيّته العالية"؛ إذ لا بدّ من "الخروج من الإطار التقليدي، الذي لطالما عُرِضت فيه معاناة اللاجئ، نحو فضاءات أرحب، ولجمهور لربما لا يحيطون علماً كثيراً بمعاناة اللاجئين ومأساتهم"؛ لذا كان اختيار منطقة "البوليفارد"، التي تعدّ واحدة من أكثر مناطق عمّان رفاهية وحداثة.

تنتمي جمان النمري للمدرسة الرمزية التعبيرية بعد أن انتقلت من مرحلة لأخرى خلال مسيرتها التي بدأت منذ نهاية التسعينيات

عكفت النمري على خيمة اللاجئ شهوراً متتالية، وهي تصمّم أبعادها وتخيط قطعها، وأبرزَت داخلها مجسمات صغيرة لخيام أصغر، كانت قد صنعتها من خامة حمّالات الملابس المعدنية، تقول: "أردت القول إنّ هذه المعاناة تنجب غيرها، واللاجئ ينجب أجيالاً من اللاجئين، والمأساة لا تنتهي إلا بعودة هذه الأوطان حرّة معافاة، وإلا فإنّ مأساة اللجوء لن تنتهي".
جمان النمري، الحاصلة على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة اليرموك، باتت أكثر نضوجاً في معارضها الأخيرة؛ إذ ما عادت تشعر بحرج في مكاشفة الآخرين بما يعتمل داخلها من مشاعر ورؤى حياتية، كانت مختفية في باكورة معارضها. جمان تظهر بملامحها في لوحات كثيرة، كما غَدَت تناقش الثيمة العاطفية بأريحية أكبر، إضافة إلى كونها تعيد حضور ثيمات مهمة ناقشتها سابقاً، على خجل أو استحياء، كما المرأة والطفولة والحروب واللجوء وهوس الكراسي في العالم العربي.

النمري مولودة عام 1974 لعائلة ذات باع طويل في النضال القومي

يتوقع من الفنان ألا يقف لدى حدود جغرافية في أعماله ورؤيته، لذا فإنّ لدى جمان قدراً مضاعفاً من هذا؛ إذ تهجس، على سبيل المثال، بالأطفال الغرقى الذين يفرّون مع عائلاتهم إلى عرض البحر؛ هرباً من الحروب في البلاد العربية، وكان أن قدّمت عملاً فنياً دُسّ فيه جسد طفل في حوض مائي، كما تهجس جمان على الدوام بـ "شعب الخيام"، الذي صار مؤخراً شعوب الخيام، فتمثلهم من خلال مجسمات فنية شتى، منها مجسم لبيت حقيقي بكل ما كان ينطوي عليه البيت من تقسيمات، وبكل ما يناقضه على أرض الواقع من بؤس وقلة حيلة؛ بل حتى الحيوانات لم تكن منسيّة لدى النمري، التي جسّدت الثور الإسباني الشهير في حروب مصارعة الثيران، وكيف يخوض حيوان كهذا حرباً لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنّ الإنسان يرغب بتزجية وقته والاستمتاع بمشاهدته فاقداً صوابه.

عكفت النمري على خيمة اللاجئ شهوراً متتالية وهي تصمّم أبعادها وتخيط قطعها وأبرزَت داخلها مجسمات صغيرة لخيام أصغر

وكان أن حضرت ثيمة المهرّج مؤخراً، بشكل قوي في أعمال النمري، التي تقول: إنّه "يرمز لتناقضات هذا العالم ونفاقه، إنّه يسخر مما يجري"، لتعلّق على حضور نبتة الصبّار بكثافة أيضاً "يرمز الصبّار بالنسبة إليّ للصبر، الصبر على كلّ شيء: ضعف الاحتفاء الأردني بالفنان المحلي، رغم تميّزه في المحافل العالمية التي يشارك بها، والصبر على فراق الشقيق الأصغر، والصبر على قلة أخذ الرجال المرأة على محمل الجدّ، على الأصعدة كلّها؛ إنسانة، وشريكة، وفنانة، ومناضلة".
تكمل: "إنّه يعني لي، حتى على صعيد صلابة القشرة الخارجية والتأهب لحماية الذات من خلال الشوك، فيما الجوهر غاية في النداوة والرطوبة والعذوبة".

حضرت ثيمة المهرّج مؤخراً بشكل قوي في أعمال النمري

يحضر الطفل في لوحات النمري وأعمالها التركيبية بشكل لافت؛ بل كانت قد أفردت معرضاَ للأطفال الضحايا في الحروب، كما تخصّص حصصاً أسبوعية للأطفال اليافعين الراغبين بتعلّم فنون الرسم في مرسمها في جبل اللويبدة في عمّان، تقول: "بقدر ما يرعبني وجود طفل في حياتي، فإني أهجس به، هو الجزء البريء المتبقي من مجتمعاتنا، ويكذب من يزعم أنّه يحظى بالأمان والحماية وسط جنون الكبار"، وبالقدر الذي يحضر فيه الطفل في لوحات النمري وأعمالها، تحضر المرأة أيضاً، وحول ذلك تقول: "لا أقف مئة بالمئة مع المنهجية النسوية التي تحاول تصوير المرأة بالضحية دوماً، حاولت دوماً تصويرها بالمغبون حقّها في مرات والمهيمنة في مرات أخرى، رغم ضآلة الحيّز الذي تراوغ به".

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان

تبدو النزعة الآنفة نحو المواجهة وعدم الركون للشكوى، جليّة أيضاً عند حديث النمري عن المشهد التشكيلي الأردني؛ إذ تقول: "قرّرت ألّا أستسلم للقوالب الجاهزة التي يضعنا فيها الزملاء الذكور، ومن يقومون على المشهد التشكيلي المحلي أيضاً"، مكملة "أعمالي الفنية هي الفيصل في الحُكم عليّ، والتي تسبق جنسي وجنسيتي، وأيّة اعتبارات أخرى، وأحسب أني أفلحت؛ ذلك أنّني انتزعت الاعتراف بي كفنانة، وتغلّبت على ضحالة المعرفة الفنية لدى المؤسسة الرسمية ولم أعتمد عليهم في أيّ دعم يُذكر".

يحضر الطفل في لوحات النمري وأعمالها التركيبية بشكل لافت

اختبرت النمري ضروباً فنية شتى في رحلتها الممتدة، كانت منها: الأعمال التركيبية، والفيديو آرت، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والتصميم الجرافيكي، لكنّها انحازت للفنّ التشكيلي، كما تقول. ويلحظ المتلقي الألوان الزاهية والقوية، التي باتت تختارها للوحاتها مؤخراً، والتي قد ترتبط بحضورها الفني الذي صار مكرّساً في الأعوام الأخيرة بشكل لافت.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال

تقول النمري إنّها تنتمي للمدرسة الرمزية التعبيرية، وإنّها انتقلت من مرحلة لأخرى خلال مسيرتها الفنية، التي بدأت منذ نهاية التسعينيات، موضحة: "كان ذلك على صعيد الخامات والمواضيع والتقنيات؛ ذلك أني أملّ بسرعة وأحب التجريب، بل كلّما وقعت عيني على تقنية فنية جديدة اتّجهت لها"، مردفة: "في البدء تنقّلت بين تيارات عدة في فنّ الغرافيك، ثم التصوير الفوتوغرافي، ثم الأعمال التركيبية، ثم ما نطلق عليه الرسم والتصوير".

الصفحة الرئيسية