جمان النمري تمنح خيمة اللاجئ بعداً إنسانياً ونفحة من أمل

جمان النمري تمنح خيمة اللاجئ بعداً إنسانياً ونفحة من أمل
2636
عدد القراءات

2019-10-29

اختارت الفنانة التشكيلية الأردنية، جمان النمري، نقل معاناة اللاجئين، هذه المرة، ليس إلى أروقة الغاليريهات الفنية، كما هو دأبها منذ أعوام؛ بل إلى واحدة من أكثر مناطق عمّان حداثة؛ "بوليفارد العبدلي".
كانت النمري قد خاطَت "خيمة اللاجئ" من قطع ملابس بالية تعود للاجئين فلسطينيين في المقام الرئيس، إلى جانب جنسيات أخرى عانت التهجير، "بعد أن كان لهؤلاء اللاجئين بيوت وأملاك وحياة رغيدة، لكنّهم باتوا حبيسي الخيمة، بعد أن ضاعت بلادهم"، كما تقول.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
جنحت النمري نحو قصر الرسالة التي توجّهها من خلال هذه الخيمة على "البُعد الإنساني فحسب"، بعد أن كانت قد صمّمت مجسّمات لعائلة باللباس الفلسطيني التقليدي على باب الخيمة، موضحة "أردت لاحقاً منحها بُعداً إنسانياً أوسع، ولتكون الرسالة السياسية متوارية نوعاً ما، ولتتصدّر الرسالة الإنسانية المشهد، ولتفتح للمتلقي آفاقاً واسعة في التفسير والتحليل".

جنحت النمري نحو قصر الرسالة التي توجّهها من خلال هذه الخيمة على البُعد الإنساني فحسب

تكمل النمري، المولودة عام 1974 لعائلة ذات باع طويل في النضال القومي، بأنّها اختارت المكان "لرمزيّته العالية"؛ إذ لا بدّ من "الخروج من الإطار التقليدي، الذي لطالما عُرِضت فيه معاناة اللاجئ، نحو فضاءات أرحب، ولجمهور لربما لا يحيطون علماً كثيراً بمعاناة اللاجئين ومأساتهم"؛ لذا كان اختيار منطقة "البوليفارد"، التي تعدّ واحدة من أكثر مناطق عمّان رفاهية وحداثة.

تنتمي جمان النمري للمدرسة الرمزية التعبيرية بعد أن انتقلت من مرحلة لأخرى خلال مسيرتها التي بدأت منذ نهاية التسعينيات

عكفت النمري على خيمة اللاجئ شهوراً متتالية، وهي تصمّم أبعادها وتخيط قطعها، وأبرزَت داخلها مجسمات صغيرة لخيام أصغر، كانت قد صنعتها من خامة حمّالات الملابس المعدنية، تقول: "أردت القول إنّ هذه المعاناة تنجب غيرها، واللاجئ ينجب أجيالاً من اللاجئين، والمأساة لا تنتهي إلا بعودة هذه الأوطان حرّة معافاة، وإلا فإنّ مأساة اللجوء لن تنتهي".
جمان النمري، الحاصلة على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة اليرموك، باتت أكثر نضوجاً في معارضها الأخيرة؛ إذ ما عادت تشعر بحرج في مكاشفة الآخرين بما يعتمل داخلها من مشاعر ورؤى حياتية، كانت مختفية في باكورة معارضها. جمان تظهر بملامحها في لوحات كثيرة، كما غَدَت تناقش الثيمة العاطفية بأريحية أكبر، إضافة إلى كونها تعيد حضور ثيمات مهمة ناقشتها سابقاً، على خجل أو استحياء، كما المرأة والطفولة والحروب واللجوء وهوس الكراسي في العالم العربي.

النمري مولودة عام 1974 لعائلة ذات باع طويل في النضال القومي

يتوقع من الفنان ألا يقف لدى حدود جغرافية في أعماله ورؤيته، لذا فإنّ لدى جمان قدراً مضاعفاً من هذا؛ إذ تهجس، على سبيل المثال، بالأطفال الغرقى الذين يفرّون مع عائلاتهم إلى عرض البحر؛ هرباً من الحروب في البلاد العربية، وكان أن قدّمت عملاً فنياً دُسّ فيه جسد طفل في حوض مائي، كما تهجس جمان على الدوام بـ "شعب الخيام"، الذي صار مؤخراً شعوب الخيام، فتمثلهم من خلال مجسمات فنية شتى، منها مجسم لبيت حقيقي بكل ما كان ينطوي عليه البيت من تقسيمات، وبكل ما يناقضه على أرض الواقع من بؤس وقلة حيلة؛ بل حتى الحيوانات لم تكن منسيّة لدى النمري، التي جسّدت الثور الإسباني الشهير في حروب مصارعة الثيران، وكيف يخوض حيوان كهذا حرباً لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنّ الإنسان يرغب بتزجية وقته والاستمتاع بمشاهدته فاقداً صوابه.

عكفت النمري على خيمة اللاجئ شهوراً متتالية وهي تصمّم أبعادها وتخيط قطعها وأبرزَت داخلها مجسمات صغيرة لخيام أصغر

وكان أن حضرت ثيمة المهرّج مؤخراً، بشكل قوي في أعمال النمري، التي تقول: إنّه "يرمز لتناقضات هذا العالم ونفاقه، إنّه يسخر مما يجري"، لتعلّق على حضور نبتة الصبّار بكثافة أيضاً "يرمز الصبّار بالنسبة إليّ للصبر، الصبر على كلّ شيء: ضعف الاحتفاء الأردني بالفنان المحلي، رغم تميّزه في المحافل العالمية التي يشارك بها، والصبر على فراق الشقيق الأصغر، والصبر على قلة أخذ الرجال المرأة على محمل الجدّ، على الأصعدة كلّها؛ إنسانة، وشريكة، وفنانة، ومناضلة".
تكمل: "إنّه يعني لي، حتى على صعيد صلابة القشرة الخارجية والتأهب لحماية الذات من خلال الشوك، فيما الجوهر غاية في النداوة والرطوبة والعذوبة".

حضرت ثيمة المهرّج مؤخراً بشكل قوي في أعمال النمري

يحضر الطفل في لوحات النمري وأعمالها التركيبية بشكل لافت؛ بل كانت قد أفردت معرضاَ للأطفال الضحايا في الحروب، كما تخصّص حصصاً أسبوعية للأطفال اليافعين الراغبين بتعلّم فنون الرسم في مرسمها في جبل اللويبدة في عمّان، تقول: "بقدر ما يرعبني وجود طفل في حياتي، فإني أهجس به، هو الجزء البريء المتبقي من مجتمعاتنا، ويكذب من يزعم أنّه يحظى بالأمان والحماية وسط جنون الكبار"، وبالقدر الذي يحضر فيه الطفل في لوحات النمري وأعمالها، تحضر المرأة أيضاً، وحول ذلك تقول: "لا أقف مئة بالمئة مع المنهجية النسوية التي تحاول تصوير المرأة بالضحية دوماً، حاولت دوماً تصويرها بالمغبون حقّها في مرات والمهيمنة في مرات أخرى، رغم ضآلة الحيّز الذي تراوغ به".

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان

تبدو النزعة الآنفة نحو المواجهة وعدم الركون للشكوى، جليّة أيضاً عند حديث النمري عن المشهد التشكيلي الأردني؛ إذ تقول: "قرّرت ألّا أستسلم للقوالب الجاهزة التي يضعنا فيها الزملاء الذكور، ومن يقومون على المشهد التشكيلي المحلي أيضاً"، مكملة "أعمالي الفنية هي الفيصل في الحُكم عليّ، والتي تسبق جنسي وجنسيتي، وأيّة اعتبارات أخرى، وأحسب أني أفلحت؛ ذلك أنّني انتزعت الاعتراف بي كفنانة، وتغلّبت على ضحالة المعرفة الفنية لدى المؤسسة الرسمية ولم أعتمد عليهم في أيّ دعم يُذكر".

يحضر الطفل في لوحات النمري وأعمالها التركيبية بشكل لافت

اختبرت النمري ضروباً فنية شتى في رحلتها الممتدة، كانت منها: الأعمال التركيبية، والفيديو آرت، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والتصميم الجرافيكي، لكنّها انحازت للفنّ التشكيلي، كما تقول. ويلحظ المتلقي الألوان الزاهية والقوية، التي باتت تختارها للوحاتها مؤخراً، والتي قد ترتبط بحضورها الفني الذي صار مكرّساً في الأعوام الأخيرة بشكل لافت.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال

تقول النمري إنّها تنتمي للمدرسة الرمزية التعبيرية، وإنّها انتقلت من مرحلة لأخرى خلال مسيرتها الفنية، التي بدأت منذ نهاية التسعينيات، موضحة: "كان ذلك على صعيد الخامات والمواضيع والتقنيات؛ ذلك أني أملّ بسرعة وأحب التجريب، بل كلّما وقعت عيني على تقنية فنية جديدة اتّجهت لها"، مردفة: "في البدء تنقّلت بين تيارات عدة في فنّ الغرافيك، ثم التصوير الفوتوغرافي، ثم الأعمال التركيبية، ثم ما نطلق عليه الرسم والتصوير".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:

رسمي أبو علي يترجل ضاحكاً

2020-01-09

لعلّه عندما أغمض عينيه، للمرة الأخيرة، ليلة أمس الأربعاء بالعاصمة الأردنية عمّان، كانت المرة الأولى التي يهدأ فيها الأديب والإعلامي الأردني رسمي أبو علي عن المشاكسة والسخرية، منذ ميلاده في قرية المالحة المقدسية في العام 1937، والتحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في العام 1964، ثم انخراطه في الوسط الإذاعي وصفوف الثورة الفلسطينية.

أبو شايب: معظم مثقفينا لم يقرأوا أبو علي ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن

ما إن أعلنت عائلة أبو علي وفاته، حتى انثالت كلمات رفاقه في الوسط الثقافي لنعيه واستذكار ماضيه الثوري والإنساني، ومنجزه الأدبي، المتمثل في ستة مؤلفات، كانت باكورتها مجموعة قصصية تحت عنوان "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس" 1980، وديوان شعر معنوَن بـِ "لا تشبه هذا النهر" 1984، ورواية "الطريق إلى بيت لحم" 1990، وديوان شعر "ذات مقهى" 1998، وسيرة ذاتية بعنوان "أوراق عمان الخمسينات" 1998، ومجموعة قصصية تحت عنوان "ينزع المسامير ويترجّل ضاحكاً" 1999.

"حفريات" التقت مجموعة من أصدقاء ورفاق أبو علي الذين نعوه بهذه الكلمات، مستذكرين مكانته الأدبية والإبداعية، والفراغ الذي تركته روحه الإنسانية في وجدانهم.

ولد الراحل في قرية المالحة المقدسية في العام 1937

أبو شايب: ساخر من أنظمة حياتنا المهترئة

يقول الشاعر زهير أبو شايب: ليس الموت هو المرعب، نحن لا نعرفه، اهتراء الحياة هو الذي يصيبني بالذعر، هؤلاء الذين يموتون يتركون ثقوباً في حياتنا لا يمكن رتقها، هكذا تهترئ حياتنا ونحن نتفرّج عليها بعجز كامل، هذا هو المرعب، رسمي أبو علي لا مثيل له، وما سيتركه من خرق في مادة هذه الحياة البالية لا يمكن إصلاحه بالنسبة لي.

حوامدة: حينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال: قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى

ويتابع أبو شايب: نحن دائماً نحوّل الراحلين إلى مادة متحفية لنوهم أنفسنا بأننا نكنزهم في ذاكرتنا الثقافية، ونحوّلهم إلى قيمة، لكننا في الحقيقة نتحول إلى ما يشبه جامعي الموتى، هذا أيضاً مرعب، يُفترَض أنّ كاتباً وشخصاً فذاً مثل رسمي أبو علي هو كائن مضاد للموت وصانع حياة حقيقي، أظنّ أنّ معظم مثقفينا لم يقرأوه ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن، لا فائدة قط من المراثي التي ندبّجها في توديع صنّاع حياتنا المخذولين، الذين أنفقوا أعمارهم كلها في محاولة إنقاذنا ثم اكتشفوا أنّنا لا نشعر بوجودهم إلا حين يموتون.
رسمي أبو علي من القلائل الذين سخروا جيداً من أنظمة حياتنا المهترئة، وجعلوا من السخرية فعل مقاومة. وغيابه سيجعل حياتنا الثقافية أكثر تجهماً وأقل حكمة.

حوامدة: مات حكيم الثورة

حوامدة: قلب كبير يستوعب كل التناقضات

من جهته، قال الشاعر موسى حوامدة: مات حكيم الثورة، في آخر جلسة جسلتها مع رسمي أبو علي في مقهى "كوكب الشرق" في عمّان قبل ثلاثة أشهر قال لي "لا بد أن نعيد تقييم الثورة؛ لقد فلشنا وعليهم أن يتوقفوا، لنعيد التفكير في طريقة جديدة نقررها نحن الشعب الفلسطيني".
كان رسمي أبو علي، القاص والكاتب الساخر، يحمل قلباً بحجم العالم، قلباً محباً وكبيراً يستوعب كل التناقضات الفلسطينية ويعيد صياغتها بطريقته.

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
يتابع حوامدة: قال لي: "كتبت قصة حداثية بينما كانت الثورة في لبنان، وكتبت شعراً حداثياً وكنت أريد أن أقول لهم لن ينفعنا الأدب القديم".
في العامين الأخيرين اختلف أبو علي وصار ناقداً للوضع كله، وكان يقول لي "لنعترف؛ ضللنا الطريق، وعلينا أن نفكر بصياغة ميثاق وطني جديد"، وحينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال "قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى يا موسى".
لقد أنجبَ الشعب الفلسطيني مبدعين كثراً منهم؛ إبراهيم طوقان وغسان كنفاني وعز الدين المناصرة ورسمي أبو علي، لكن للأسف تم إهمال أسماء مثل أبو علي، في وقت تم فيه تكريس أسماء أخرى.

أبو رقطي: فلسطيني حتى النخاع

وعن علاقته بالراحل قال الكاتب زعل أبو رقطي: رسمي أبو علي الفلسطيني حتى النخاع، الشاعر والأديب الملتزم، والإعلامي المتميز، والمذيع الهادئ، عرفته عن قرب في إذاعة الثورة الفلسطينية في مدينة درعا السورية في أوائل السبعينيات، كنت لا أزال في بداية رحلتي مع العمل الإعلامي، وكان هو يكتب التعليق السياسي ويقرؤه بصوت الواثق والمتمكن والهادئ، كان متواضعاً وخلوقاً وملتزماً ومقرّباً من الجميع.

أبو رقطي: أبو علي قامة وطنية وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي

بعد إغلاق الإذاعة بدرعا افترقنا، عاش في بيروت في زمن الثورة الجميل، وبقي يمارس دوره النضالي في مجال الإعلام والأدب والشعر، وتنقّل في كل مواقع الثورة وأماكن تواجدها،  وبقي ملتزماً بالخط الوطني رغم كل التقلبات التي واجهت العمل الوطني، واستقرّ به المطاف أخيراً في الأردن؛ حيث عكف على كتابة الشعر والأدب.
ويردف أبو رقطي: رسمي أبو علي قامة وطنية وإعلامية عالية، وبرحيله نفتقد شخصية مميزة ومعطاءة بلا حدود، وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي، ومن الكوادر الفاعلة التي تستحق التكريم والتقدير، بغيابه نفتقد كادراً وطنياً وقامة إعلامية كبيرة، لروحه الرحمة ولعائلته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان.

الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف

شنب: لا تستطيع أن تكرهه

أما القاص جمعة شنب فقال: يرحل الطيّبون أيضاً! ما كان لرسمي المحبّ للحياة وللناس وللمقاهي والأسطح، وقرية المالحة، حارس رصيف العالم منذ مطلع الثمانينيات، ما كان له أن يرحل بهذه البساطة؛ رسمي الذي تختلف معه، لكنّك أبداً لا تستطيع أن تكرهه؛ لأنّه لا يعرف الكراهية، رسمي المبتسم، المتفائل، الصامد الصابر، خذله الموت في هذا المساء الحزين، رسمي اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ، رحل، هكذا، ببساطة.

الريماوي: مثقف تنويري يتخطى الأيديولوجيات
وعن شهادته في الراحل قال القاص محمود الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف الذي اختطّ طريقاً جديدة في السرد الأدبي الفلسطيني، وذلك في مزجه الذكي بين المأساة والملهاة والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية والمكانية الصغيرة وتعظيم شأنها والجرأة على ملامسة التحرر الاجتماعي، والتابوهات السياسية، والإعلاء من قيمة الفرد بدلاً من الاندراج في الجمهور والجموع، ما يجعله مثقفاً تنويرياً يتخطى الأيديولوجيات والنزعة الشعارية.

اقرأ أيضاً: 25 عاماً على رحيل توفيق زياد
ويزيد: هو شخص بالغ اللطف والأنس واللباقة، لا يأبه لبهارج الدنيا وقشورها، ويصادق أبسط الناس ويشاطرهم يومياتهم كأنّه أحدهم، فيما كان الطريق أمامه مفتوحاً لو شاء لبلوغ مراتب اجتماعية أعلى، وبغيابه تخسر الحياة الثقافية مثقفاً بارزاً ذا نزعة نقدية، من غير أن ينغمس في معارضات استعراضية أو تمرّد نمطي، ما جعله نسيج ذاته، يجمع بين روح الانطلاق والتمرّد وبين رصانة المثقف وجدّيته، وذلك في توليفة لطيفة ومُشعّة عز نظيرها. إلى اللقاء أيها الصديق الحبيب، وإلى أن نلتقي فسوف أشتاقك كثيراً، وسوف أفتقدك بكل مرارة.

عبد العزيز: فقدنا فلسطين مرة أخرى
الشاعر يوسف عبدالعزيز نعى رفيقه بقوله: الصديق رسمي أبو علي وداعاً، برحيلك يا حبيبي فقدنا فلسطين مرة أخرى، وتيتّمنا.
ففي قامتك الساحرة تحتشد البلاد كلها، وتلتمع قباب البيوت، وتصهل أمواج بحر يافا وحيفا.
ترى، ما الذي نفعله الآن وقد غادرنا قدّيس الرصيف، وملك الكلام؟
في غيابك؛ الحياة لم يعد يُعوَّل عليها، لا النساء، ولا القصائد، فأنت حين غادرتنا أخذت كل شيء جميل معك.
السلام على روحك أيها الأمير.

فركوح: رافض التأطير
بدوره رثى الناشر والروائي إلياس فركوح الراحل قائلاً: أنتَ "رجل الرصيف"، بمعنى أنت خارج جميع المؤسسات، أنت كاسر للأطر ورافض التأطير، أنت امتلكتَ حريتك حتى النهاية.. استرحْ، فهذا العالم نذل.

شاعر وأديب ملتزم وإعلامي متميز

محمد: لم يصل إلى نيسان!
وعن الراحل قال الشاعر والباحث زكريا محمد: الوصول إلى نيسان كان أمله الأخير. كان رسمي أبو علي يلعب كطفل في "منشوراته" على صفحته "فيسبوك"، باستثناء الشهر الأخير الذي أحس فيه بالموت يقترب. وفي واحد من "منشوراته" نشره قبل ما يقرب من أسبوعين من رحيله أبدى أمله في أن يصل إلى نيسان. قال في ما أذكر: إن وصلت إلى نيسان نجوت سنة أخرى. وكنت في قلبي أدعو له أن يصل إلى نيسان. لم أخبره بذلك، لكنّ قلبي دعا له بالوصول. ولم يصل إلى نيسان. كانت الطريق إلى نيسان مقطوعة. وقف به فرسه في أول كانون الثاني وأسقطه عن ظهره. وفي تقاليدنا يكمن الموت في شباط. شباط هو قاتل الشتاء الحقيقي. لكن كانون الثاني هو الذي قتله. لقد أثبت نيسان أنّه بعيد وأنّ زهرته مخفية، وأنّ الوصول إليه وهم.

شنب: رسمي لا يعرف الكراهية، مبتسم ومتفائل، هو اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ رحل هكذا ببساطة‎

وتابع محمد حديثه: لم تكن علاقتي برسمي وطيدة جداً. كانت لقاءاتنا عابرة سواء في بيروت أو عمان أو رام الله. لكنني صحبته مرة لمدة ثلاثة أسابيع في رحلة إلى روسيا وأوزبكستان. زرنا طقشند وبخارى وسمرقند. ومن هناك جلب اسم ابنته (أوميديا) التي ذهبت قبله شابة إلى الموت. وربما كتبت يوماً ما تبقى في ذاكرتي عن هذه الصحبة. في هذه الرحلة عرفت ما عرفته عنه. وإن كان لي أن أقول كلمة عنه فإنني أقول إنّه صانع سيناريوهات كبير. أمضى حياته وهو يصنع سيناريوهات لحل القضية الفلسطينية. كان عقله دوامة متواصلة من السيناريوهات. ولم يكن يهمه أن تكون هذه السيناريوهات قريبة من الحقيقة. ولست أعرف حتى إن كان يصدق هو ذاته سيناريوهاته أم أنّه كان يسخر بها من السامعين ومن القضية والكون. في الشهر الأخير كان لدى رسمي سيناريو واحد فقط: الوصول إلى نيسان. ولم يصل.

للمشاركة:

السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

2020-01-02

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود، قبل الترخيص الرسمي الذي سمح بإعادة افتتاح دور للعرض السينمائي في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وعلى إثر هذا الترخيص افتُتحت أول سينما بالعاصمة الرياض في نيسان (أبريل) 2018، ثم أول سينما في جدة في كانون الثاني (يناير) 2019.

اقرأ أيضاً: معرض الرياض للكتاب يحتفي بالمستقبل ويكرم رواد السينما السعودية
لكن ما لا يعرفه كثيرون أنّ السينما السعودية كصناعة بدأت مبكرة، وإن بشكل خجول، فأول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950، لكن البداية الحقيقية للإنتاج كانت في فيلم "تأنيب الضمير" في العام 1966، ومنذ 1975 وحتى اليوم بلغ عدد الأفلام السعودية حوالي 260 فيلماً، معظمها تسجيلية أو قصيرة، لكن قضايا المرأة السعودية لم تكن بارزة إلى أن جاءت المخرجة السعودية هيفاء المنصور وجعلتها قضيتها المركزية لتتبعها تجارب أخرى تحمل هذا الهم.

سينما هيفاء المنصور

بدأت هيفاء المنصور مسيرتها السينمائية بفيلم تسجيلي بعنوان "نساء بلا ظل"، إنتاج 2005 وعرض في العام 2007، ويرصد واقع المرأة السعودية في ظل الحجاب وعلاقتها بالرجل ومكانتها في المجتمع السعودي، قديماً وحديثاً، ويطرح أسئلة حول عمل المرأة والزواج والاختلاط والحب، والتحول الذي طرأ على المرأة والتيارات الاجتماعية المختلفة.

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود

ويخلص الفيلم إلى تراجع مكانة المرأة السعودية بعد تسعينيات القرن العشرين مقارنة بمكانتها في الستينيات والسبعينيات؛ فمثلاً لم تكن النساء الكبيرات في السن مضطرات للبس العباءة، لكن هذه المكتسبات بدأت بالتراجع مع نهاية السبعينيات، ومع مطلع الألفية الثالثة أصبحت الأغلبية مع إبقاء الفتاة حبيسة المنزل، والعنوان يحيل بلغته الشعرية إلى أنّ بقاء النساء في البيوت وحرمانهن من الشمس يجعلهنّ بلا ظل، كما قد يحيل "الظل" إلى الرجل في العبارة الشهيرة "ظل راجل ولا ظل حيطة".

وجهان لحواء

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها، وهي تدرك أنّ الدراما أكثر تأثيراً من الفيلم التسجيلي، ولا يوجد ما هو أكثر تأثيراً من قصة يتعاطف معها الناس وهذا ما تحقق في أول أفلامها الروائية "وجدة" العام 2012، الذي يتناول التمييز الذكوري ضد المرأة كموضوع محوري إضافة إلى تناوله مواضيع هامشية كزواج القاصرات، ويتخذ الفيلم من الطفلة وجدة (وعد محمد) وأمها (ريم عبدالله) وجهين لحواء: وجه الأم التي تُسيرها العادات والتقاليد ووجه الطفلة العنيدة والمتمردة والمعتمدة على نفسها، ومن خلال هذا الوجه يتم تمرير صورة جديدة للمرأة السعودية والعربية.

يوجه فيلم وجدة لهيفاء المنصور نقداً للنظام الاجتماعي والتعليمي القائم على القمع والتشدد الديني

تحلم وجدة بشراء دراجة معروضة في أحد متاجر الألعاب، لكي تتسابق مع ابن جيرانها، لكنها لا تملك المال الكافي لذلك، وهذه عقبة أولى ستتغلب عليها بتوفير مبلغ من المال وبالمشاركة في مسابقة مدرسية لحفظ القرآن الكريم من أجل الفوز بجائزة مالية، أما العقبة الأكبر فهي حظر ركوب الدراجات على الفتيات لأسباب تتعلق بحمايتهن في الظاهر، لكن وجدة لا تعطي لتحذيرات أمها وتعليمات مديرة المدرسة وتنبيهات ابن الجيران بالاً وتتصرف وفقاً لما تحلم به وتطمح إليه.

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها
تتضح شخصية الأم الراضخة لثقافة المجتمع وشخصية ابنتها المتمردة في المشهد الثالث عندما تصمت الأم أمام توبيخ السائق الباكستاني لها بسبب تأخيرها المستمر، فترد عليه وجدة بلهجة حادة فتطلب الأم من ابنتها أن تصمت، يضعنا الفيلم منذ البداية أمام تخمين الشخصية التي ستؤول إليها وجدة عندما تكبر: هل ستكون نسخة أخرى من أُمها؟ أم أنّها ستتمرد على هذا الوضع؟ وهل ستكون الأم قدوة لابنتها أم العكس؟

اقرأ أيضاً: أخيراً.. السينما في السعودية
تنشغل الأم في العناية بمظهرها والتجمل لزوجها حتى لا يرضخ لأمه فيتزوج بامرأة أخرى، ونرى كيف أنّ علاقة وجدة بجارها الطفل عبدالرحمن علاقة طبيعية بريئة يتخللها اللعب والمزاح ولم تتلوث بعد بالثقافة التي تُعامل المرأة بدونية؛ يتسابق الطفلان جرياً في طريقهما إلى المدرسة فتسبقه وجدة فيلجأ عبدالرحمن إلى وسيلة سباق لا تملكها وجدة. يعود إلى البيت ليحضر دراجته ويلحق بوجدة قائلاً لها إنّها لا يمكنها اللحاق به الآن، فترد عليه وجدة متحدية: "والله ليصير عندي سيكل أوريك".

أول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950

المدرسة، كما تظهر في الفيلم، وسيلة لقمع الفتاة ومحاربة كل ما هو جميل. والمرأة "نجسة"، كما تعبر إحدى المدرّسات، والضحك ممنوع على الفتيات بحجة أنّ صوت المرأة "عورة"، الورود والصور والأحذية الملونة وطلاء الأظافر كله ممنوع.
يوجه الفيلم نقداً لنظام التعليم في المدارس القائم على التلقين والقمع والضغط الديني منذ المشهد الأول، هذا التمهيد يشير إلى أنّ القضايا في مشاهده اللاحقة ناتجة عن النظام القائم على الفرض والإجبار، وهو ما تكرهه وجدة وتسعى للتحايل عليه، ولذلك نجدها في المشهد التالي تستمتع بالموسيقى وبترتيب حاجياتها الصغيرة.
توفر وجدة ثمن الدراجة من بيع أساور تصنعها بنفسها من الخيوط، وهنا نرى صورة للاستقلالية والاعتماد على النفس، وكل عوامل بناء الشخصية القوية التي نشاهدها خلال قصة الفيلم تقول بلغة فنية جميلة: لا يمكن للمرأة أن تكون مستقلة ومالكة قراراتها وهي تعتمد على الرجل في كل شيء، لا ترى وجدة فرقاً بينها وبين الولد الذي يحلم والدها بإنجابه بالزواج من امرأة أخرى. وإحدى محاولاتها لتغيير هذا الواقع هي كتابة اسمها في ورقة ولصقها بشجرة العائلة المكونة كلها من أسماء ذكور، لكنها تجد الورقة وقد نُزعت في اليوم التالي.

المرأة هي قضية هيفاء المنصور حتى حين أخرجت وشاركت في كتابة فيلم "ماري شيلي" 2018، الذي يتناول قصة ماري وهي في السادسة عشرة ونضالها ضد التمييز الذكوري الذي أعقب كتابتها لرواية "فرانكشتاين"، وفي فيلمها "نابيلي إيفر أفتر" 2018 تتناول قصة امرأة أمريكية أفريقية تحاول تحقيق أحلامها في المجتمع الأمريكي.
وفي فيلمها "المرشحة المثالية" الذي عُرض في آب (أغسطس) 2019، تعود هيفاء المنصور للمجتمع السعودي لتروي قصة طبيبة سعودية شابة تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع للمرأة من خلال ترشحها للانتخابات المحلية، ويتطرق الفيلم لقضية عمل المرأة والتمييز على أساس الجنس.
"سيدة البحر".. نقلة أخرى

النقلة النوعية للسينما السعودية في فيلم "وجدة" تلتها قفزة أخرى صنعتها المخرجة الشابة السعودية شهد أمين في فيلمها "سيدة البحر" في أيلول (سبتمبر) 2019، وهنا يتجاوز إبداع المرأة السعودية قضايا بنات جنسها لينقل السينما السعودية إلى العالمية؛ فقد حصل فيلم وجدة على ثلاث جوائز عالمية خلال مهرجان البندقية السينمائي التاسع والستين، واختير ضمن الترشيحات الأولية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، ليصبح بذلك أول فيلم سعودي يصل إلى هذه المرحلة.
أما "سيدة البحر" فشارك في مهرجانات عالمية بارزة في لندن ولوس أنجلوس والقاهرة وقرطاج والرباط، ومازال ينافس على جوائز ويحصد بعضها مثل فوزه بجائزة أفضل فيلم في مهرجان سينغافورة المسابقة الرسمية وجائزة التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج، وفي عرضه العالمي الأول حصل الفيلم على جائزة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً ضمن مسابقة أسبوع النقاد خلال فعاليات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.

من الواقعية إلى الرمز والأسطورة

في تجربتها الأولى تستوحي شهد أمين من أسطورة أقدم عن حوريات البحر لكن بتوظيف ذكي لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب وإنما المرأة المقموعة في أي مكان. ويحكي الفيلم قصة فتاة صغيرة تقرر اختيار حياتها بنفسها وسط مجتمع ذكوري يرمي المولودات في البحر ليكبرن ويعاد اصطيادهن والتغذي على لحومهن.

اقرأ أيضاً: طريق المرأة السعودية لقيادة السيارة.. ثماني محطات أساسية
يظهر تمرد الفتاة على هذا الوضع منذ ميلادها؛ فبعد أن يلقي بها والدها في البحر وهي في القماط يعيدها الموج إلى الشاطئ ليحملها الأب إلى البيت، لكنها تبقى خلال سنوات طفولتها محل ازدراء سكان قريتها إلى أن تثبت لهم أنّها قادرة على العمل مثل الذكور وتكون لها فائدة أكبر منهم؛ فتعمل الفتاة على ظهر القارب وتغوص في البحر للصيد، وعندما تقفز إلى البحر ذات مرة تختفي لفترة طويلة فتختفي معها الحياة: يجف البحر ويعاني الناس من الجوع، لكن الفتاة تعود مرة أخرى، وبعودتها تعود مياه البحر ليدرك الناس قيمتها وقيمة الأنثى.

توظف شهد أمين أسطورة حوريات البحر لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب

تمرد الفتاة في "سيدة البحر" يذكرنا بتمرد وجدة، لكن الفتاة هنا بلا اسم، مثلما أنّ المكان الذي تدور فيه الأحداث جزيرة متخيلة، وطمس المعالم هنا مقصود لأغراض رقابية ورمزية لا تربط القصة بزمان ومكان محددين، وبقدر ما أنّ القصة مستوحاة من أسطورة اسكندنافية إلا أنّها تذكرنا بوأد الفتيات قديماً، وكأن الأسطورة في الفيلم تحيل إلى أسطورة دينية عربية أقدم لتعبر بذلك عن وضعية تاريخية، لم تنته للأسف، لا عن وأد حقيقي بدفن الفتيات في التراب أو في البحر.
المرأة في قصة الفيلم مصدر للعار، وهي في الوقت نفسه مصدر للخير والحياة. ويبدو، من منظور الرجل، أنّه ما من سبيل إلى معادلة وسط تضمن حياة المرأة والرجل معاً، لكن هذه المعادلة تحققها الطفلة في النهاية بعودتها وإعادتها للحياة.

من منظور القضية يمكن أن نرى في فيلم "سيدة البحر" نسخة أخرى من فيلم "وجدة"، لكن الفارق بين الفيلمين من حيث الصورة واضح، القضية في أفلام هيفاء المنصور مقدمة على الصورة، بينما تأتي الصورة والرمزية على حساب القضية في تجربة شهد أمين، مدة فيلم وجدة (ساعة ونصف) تناسب أحداثه، هي نفس مدة فيلم سيدة البحر لكنه طويل قياساً إلى أحداثه، ويجمع بين الفيلمين قضية واحدة هي اضطهاد المرأة والتمييز الذكوري ضده.
"وجدة" واقعي معاصر وفيه حبكة من خطين متداخلين: قصة رئيسية عن وجدة وقصة ثانوية عن أمها، بينما يتجنب فيلم "سيدة البحر" خيوط القصة التقليدية، ويعتمد على الرمزية الكامنة في أسطورة عروس البحر، ويخرج مُشاهده بعلامات استفهام كثيرة تتعلق بموضوع الفيلم وهدفه؛ فالجمالية البصرية، المتأثرة بأسلوب بيلا تار، تأتي على حساب الهدف الاجتماعي.

للمشاركة:



تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:

لماذا أغلق الليبيون موانئ النفط؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

اقتحم ليبيون ميناء الزويتينة النفطي، شرق ليبيا، معلنين وقف صادرات النفط الخام، فيما يقلص إنتاج البلاد لأكثر من النصف، ويزيد التوتر قبل قمة في ألمانيا لبحث الصراع الليبي.

وأعلن رجال قبائل شاركوا في الاقتحام، الأول من أمس، في مناطق تسيطر عليها قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة اللواء خليفة حفتر، إغلاق كلّ الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني.

وصرّح المتحدث باسم الجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، أمس، بأنّ إقفال موانئ وحقول النفط "خطوة جبارة من الشعب الليبي".

وأضاف: "الشعب الليبي هو الذي أقفل الموانئ النفطية والحقول ومنع تصدير النفط، نحن علينا حماية شعبنا، حماية كلّ مكونات الشعب الليبي وعدم السماح لأيّ أحد بتهديد الشعب الليبي".

رجال قبائل يعلنون إغلاق الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش احتجاجاً على دفع حكومة الوفاق الأموال للمرتزقة

من جهته، قال مصدر بالمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، نقلت عنه "رويترز"؛ إنّه سيتم وقف تصدير الخام من موانئ النفط بشرق ووسط البلاد، بدءاً من اليوم، وهو ما سيؤدي إلى خسارة صادرات حجمها 700 ألف برميل يومياً".

وذكر المصدر؛ أنّ إغلاق الموانئ، باستثناء ميناء زويتينة، جاء بناء على أمر من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، والذي يسيطر على شرق ووسط البلاد، وكان مهندس بميناء الزويتينة النفطي الليبي، قال لـ "رويترز": إنّ "محتجين دخلوا الميناء وأعلنوا إغلاقه أمس".

ودعا شيوخ قبائل في شرق وجنوب ليبيا، الخميس، لإغلاق الموانئ احتجاجاً على ما وصفوه باستغلال حكومة الوفاق لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين سوريين أرسلهم أردوغان للقتال في ليبيا.

وتستعد العاصمة الألمانية برلين، غداً، لاستضافة مؤتمر حول ليبيا، بهدف ترسيخ الهدنة الميدانية ومنع التدخلات الأجنبية، لا سيما عبر تقديم الدعم العسكري.

كما سيتم اقتراح حظر على توريد الأسلحة لأطراف النزاع، والعمل على إيجاد توافق سياسي دولي لحلّ الأزمة الليبية بعيداً عن الحل العسكري.

وتعاني ليبيا التي لديها أحد أكبر احتياطات نفط في القارة الأفريقية، من العنف وصراعات السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي، عام 2011، في أعقاب انتفاضة شعبية.

 

 

للمشاركة:



هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

نجاة السعيد

إن التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران تدعونا للبحث عن الفروقات بين المجتمعين. الكثير من شعوب المنطقة ينظرون على أنهما متماثلان لأنهما ذو أغلبية شيعية، كما أن وجود حكومة عراقية انبطاحية بشدة للنظام الإيراني وغير مؤهلة ـ وهذه من أهم أسباب تظاهر الشعب العراقي ضدها لأنها لا تمثل غالبية المجتمع ـ كرس هذا المفهوم بين المجتمعات العربية ولم يلتفت إلا القليل عن الفروقات بين المجتمعين.

ولكي يكون التحليل السياسي صحيحا، علينا أن نحلل المجتمعين لكن من منظور علماء اجتماع وهنا سيتم التركيز على: علي الوردي (1913 ـ 1995) في العراق وعلي شريعتي (1933 ـ 1977) في إيران.

الاثنان عالما اجتماع وأنثروبولوجيا، ومفكران متميزان، ومصلحان اجتماعيان تنويريان، مما يجعلهما قادرين على توفير مفاتيح لمعرفة المجتمعين والعوامل المؤثرة بهما.

ذكر الوردي أن المجتمع العراقي كان له طابعا علمانيا، وأنه معروف، عبر تاريخه الطويل، بانفتاحه على الأديان المتعددة والمذاهب المختلفة حتى صارت هناك أديانا ومذاهبا في العراق فقط دون دول العالم الأخرى كالأيزيدية والشبك والكاكائية وغيرها.

كذلك انتشرت في العراق التيارات غير الدينية مما جعله نقطة قوة في التسامح والتعايش مع تعدد الآراء واختلاف الملل. ونتيجة لهذا التسامح، صار التزاوج والتخالط بين السنة والشيعة أمرا اعتياديا وموجود في مختلف المحافظات والمدن بل باتت العديد من العشائر المعروفة مشتركة بين السنة والشيعة.

وبالرغم من أن التعددية والتسامح تعتبران نقاط إيجابية، إلا أنه من الممكن أن تستغل من ثقافات وأديان مختلفة تؤدي إلى نتائج عكسية مثل انتشار الطائفية والتخلف.

فأحد هذه التأثيرات السلبية، كما ذكر الوردي، على المجتمع العراقي أنه عندما تحول الإيرانيون إلى التشيع، صارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى أو غير ذلك، وكان من طبيعة الإيرانيين ممارسة طقوس كثيرة منها التطبير والإدماء أيام عاشوراء والأربعين على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رغم رفض العراقيين للتطبير القادم من إيران في القرن التاسع عشر لأنها كانت طقوسا غير محبذة ودخيلة على التشيع العلوي (النجفي) آنذاك.

لكن مع تدهور أحوال العراق السياسية والاقتصادية خاصة بعد حربي الخليج العربي الأولى والثانية وتداعياتهما الظالمة، خاصة في فرض الحصار عليه، الذي أدى إلى هدم البنية التحتية للدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، اخترقت إيران المجتمع العراقي وزاد تغلغلها بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل فهم إيران للمجتمع العراقي جعلها تستفيد من الإطاحة بنظام صدام أكثر بكثير من الأميركيين. وتبعا لذلك زادت ظاهرة تكفير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي عند العراقيين بعد 2003 وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، سلمت العراق إلى إيران بالكامل وغذى ملالي إيران المجتمع العراقي، من خلال سيطرتهم على الحوزات العلمية والحسينيات والبرامج التلفزيونية، بالأحقاد ضد السنة مستغلين ضغائن الذكريات السيئة من ممارسات نظام صدام الوحشية ضد أتباع المذهب.

كذلك شرح الوردي أن المجتمع العراقي مع الوقت بدأ ينتشر به التفاضل الديني عن الحضاري والمنفعي، فقد قال: "لم يكن الوعي السياسي موجودا بداية القرن العشرين وقام مقامه الوعي الديني"، لذلك لم يثر العراقيون على المغول والتتر والعثمانيين رغم ظلمهم الكبير مثلما ثاروا في ثورة العشرين ضد الإنكليز مع أنهم قدموا خدمات كثيرة للعراق، مثل إنشاء القوانين والأنظمة، لكن العلامة الوطنية عند العراقيين كانت بالمزايدة على الوقوف بوجه الإنكليز.

ولعل هذا قد يفسر سكوت الكثير من العراقيين على ما اقترفه النظام الإيراني من دمار في العراق أو حتى لو كان هناك نقد أو امتعاض فإنه لا يكون بنفس الصورة المبالغ بها ضد الأميركيين.

وقد شخّص الوردي ثلاث مشاكل في المجتمع العراقي، والكثير منها تتقاطع مع الكثير من المجتمعات العربية الأخرى، وهي: أولا: الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ثانيا: التصادم الثقافي وازدواج الشخصية. ثالثا: التصادم الاجتماعي حيث التنافس بين مصالح مجتمع زراعي تقليدي وآخر صناعي متحضر.

يؤكد الوردي على ازدواج الشخصية كثيرا، حيث يقول: "المجتمع العراقي يعاني من ازدواج الشخصية بشكل مركز ومتغلغل في الأعماق. فالعراقي كثير الهيام بالمثل العليا والدعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عنها في واقع حياته".

يقول الوردي أيضا إن المجتمع العراقي يتميز بالنظرة الثاقبة المصحوبة بالنقد اللاذع وأحيانا التذمر وهذا مما يجعلهم يميلون للعصيان على الأمراء والحكام عموما، لذلك يؤكد الوردي "لا ينفع مع هذا المجتمع الأسلوب الوعظي الدارج من السلطة". أحيانا هذه النظرة الناقدة تطول غير العرب مثل: "بين العجم والترك بلوي ابتلينا" وحتى العرب والتي تتمثل في مقولات الوردي المشهورة: "العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر".

وبالمقارنة مع المجتمع الإيراني، فقد ذكر شريعتي أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس. ويرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ، فصار "تشيعا فارسيا".

وقد تجلى ذلك واضحا مؤخرا بصورة الحسين بن علي وهو يحتضن قاسم سليماني التي نشرها موقع علي خامنئي الإلكتروني والتي أثارت تفاعلا واسعا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الإيرانيين بذلك يريدون احتكار حب أهل البيت ودخول الجنة لأتباع التشيع الصفوي فقط، وكأن الباقي ضد محبة سبط رسول الله وليس لهم أفضلية دخول الجنة.

البعض يعتقد أن الإيرانيين متحالفون مع جميع الشيعة، المستضعفين في الأرض، لكن في الواقع الإيرانيين لا يتحالفون إلا مع الذي يخدم مصالحهم من الشيعة أما الشيعي الذي لا يتوافق مع مصلحتهم تتم تصفيته. وقد شاهدنا كيف يتم قتل الشيعة المتظاهرين في العراق من قبل الميليشيات الإيرانية بدم بارد.

وقد أشار شريعتي أن البعد القومي في الشخصية الفارسية يطغى على المذهب، فكم مرة ضحوا بالمذهب الشيعي من أجل القومية. ويؤكد على ذلك تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات والأقليات المذهبية، علي يونسي، التي اعتبر فيها العراق عاصمة لإمبراطورية إيران.

وما زالت المخيلة الفارسية تعيش العقدة القومية، التي هزتها الحقيقة التاريخية بعدما فتح العرب بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر (الفاروق)، وهذا ما يفسر النظرية الفوقية لدى بعض القوميين المتشددين الفرس تجاه العرب.

وقد أشار شريعتي بأن القومية الفارسية قد عزلت المواطن الإيراني عن العربي وباقي المجتمعات الإسلامية لأنها أدت إلى تراجع الشعور الديني المشترك لصالح الشعور القومي.

إن من أكثر نقاط الضعف في الشخصية الإيرانية أنها عاطفية جدا ولا يتعامل مع العقل إلا النخبة من المثقفين، وهذا الذي جعل رجال الدين يستغلونها أسوء استغلال، والذي وصفه شريعتي بـ "الاستحمار الديني"، الذي تمثل بأدلجة المذهب الشيعي بدعوى محبة أهل البيت إلى ثقافة الكراهية واللعن والبراءة من السنة ورموزهم.

ونتج عن ذلك متاجرين في الدين ووعاظ سلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، كما أفتى رجال الدين بأشنع الفتاوى مثل جواز الكذب والبهت والسرقة والغدر والغش وغيرها لتحقيق مصالحهم.

كذلك ذكر شريعتي، أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم.

وهذا يوضح لماذا يخلق النظام الإيراني الأزمات في المنطقة لأنه يعلم أنه لن يستمر إلا بخلق هذا العدو الوهمي المتمثل إما بأميركا وإسرائيل أو الدول العربية المجاورة ذات الأغلبية السنية.

وهذا الخوف الذي يعيشه الإيراني، زاد من قسوة وتخويف نظامهم في التعامل معهم وكان هذا واضحا فيما قام به الخميني بالإقامة الجبرية لعشر مراجع كبار بعضهم صاحب الفضل عليه.

وبما أن مشكلة إيران هو ذلك الحلم في التاريخ الامبراطوري، وبالتالي احتمال علاقته مع الغرب، بغض النظر عن نوعية النظام إسلامي أم علماني، ستكون في الغالب تصادمية ندية وليست منفعية توافقية كما هي العلاقة مع شرق آسيا.

وقد تجلى ذلك بمواقف ومقولات علي شريعتي، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب. فقد قال شريعتي: "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا".

وقد كان شريعتي ضد ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.

ولعل هذا الرفض للتبعية الأمريكية والتي اتضحت بكتابات شريعتي، كان أحد رموز البعد الأيديولوجي للثورة الخمينية.

ومن خلال التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران علينا أن نتساءل: ما الذي ستنتج عنه التظاهرات والمواجهة ضد النظامين في كل من البلدين؟ هل نحن أمام جيل عراقي تواق إلى نظام مدني ـ علماني، ومن هنا نتفاءل أن المجتمع سيرجع إلى فطرته الأصلية؟ أم هل العراق في صدد التحرر من التشيع الصفوي وليس إلى العلمانية؟ هل الجيل الجديد، الذي لم يعش ممارسات صدام الوحشية، متحرر من فكرة المظلومية ومستعد الآن إلى بناء دولة وطنية أساسها المصالح المتبادلة أم أن النظرة النقدية اللاذعة المتذمرة ستسمر في تعاملاته مع الدول المجاورة والدول المتقدمة؟ هل الحل هو بإصلاح النظام الحالي في العراق أم أن ما بني على باطل (أساس طائفي) فهو باطل؟

وبالنسبة للتظاهرات في إيران، هل سينتج عنها مجتمعا متحررا من الحلم التاريخي الفارسي الامبراطوري أم سيظل كما هو لكن بقناع مختلف عن التشيع الفارسي الصفوي؟ هل سيتحرر الإيرانيون من العقدة القومية ضد العرب أم سيستمرون بالتخطيط لاحتلال والسيطرة على الدول العربية؟ هل العزلة التي عاشها المجتمع الإيراني تحت حكم النظام الثيوقراطي سيغيره ويجعله أكثر اندماجا مع المجتمعات الإسلامية؟ هل هذه العنجهية الفارسية ستختفي مع الضغوطات السياسية والاقتصادية وتخلق مجتمعا إيرانيا توافقيا مع الغرب أم أن العلاقة ستظل تصادمية؟

على دول المنطقة ودول صانعة القرار خاصة أميركا أن تفكر في كل هذه الأمور وتحللها وعلى أساسها تتخذ القرارات السياسية. فتجربة تحرير العراق من صدام أثبتت لنا أن دراسة المجتمعات لا تقل أهمية عن التخطيط السياسي والعسكري، إن لم تكن أهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية