"حفريات" تكشف بالوثائق محاولات تركيا إحياء "داعش"

"حفريات" تكشف بالوثائق محاولات تركيا إحياء "داعش"
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
7212
عدد القراءات

2019-11-27

"بناء على حقيقة هذا الفصيل (يقصد قوات سوريا الديمقراطية)، وما يقوم به؛ فإنّ قتاله هو من الجهاد في سبيل الله، وهؤلاء أصحاب فتنة للناس في دينهم ودنياهم، لا فرق بينهم وبين قتال النظام السوري؛ لأنهم حلفه ويحققون ما يريده أعداء الله في سوريا من التقسيم والقضاء على الثورة، وفي جهادهم حماية للبلاد والعباد". بهذه العبارات الواضحة، أصدر المجلس الإسلامي السوري "فتوى دينية"، إبان تنفيذ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تهديده العسكري شرق الفرات بسوريا، في العملية التي عرفت بـ "نبع السلام".

اقرأ أيضاً: أردوغان يحبط مساعي إعادة قطر للبيت الخليجي
وفي الفتوى الصادرة من المجلس الإسلامي السوري، ومقره إسطنبول وتأسّس عام 2014، فإنّها تصف القوات التركية والعناصر الموالية لها بـ "المجاهدين"، كما تؤكّد أنّه ليس هناك "مانع شرعي من التعاون مع الحكومة التركية في مقاتلة المجرمين، لما في ذلك من المصلحة العامة للثورة السورية".

تفاقمت الأوضاع في شمال سوريا خاصة بين المدنيين

أردوغان والأساطير المؤسسة للعنف
ليست المرة الأولى، إذاً، التي تستعين فيها أنقرة، بالدين كسلاح أيديولوجي لتوفير غطاء تبريري لمواقفها السياسية والعسكرية، بل تتجاوزه إلى توظيف جماعات الإسلام السياسي المتباينة، كما الحال في عملتَي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"؛ إذ ترددت الأدعية من خلال الخطباء في المساجد ضدّ الأكراد في تركيا، وتلا الأئمة في الصلوات سورة "الفتح".

المناطق الخاضعة لسيطرة ونفوذ أنقرة في شمال وشرق سوريا باتت جغرافياً آمنة لتنظيم داعش والعناصر التكفيرية والمجموعات الجهادية

بيد أنّ العملية العسكرية الأخيرة، والتي اندلعت في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تزامنت مع دعوة زعيم تنظيم داعش، أبي بكر البغدادي، قبلها بأسبوعين، عبر تطبيق تلغرام، وتحديداً في 16 أيلول (سبتمبر)؛ إذ طالب عناصره في التنظيم إنقاذ مقاتليه وعائلاتهم، بحسب تعبيره، المحتجزين في السجون والمخيمات الكردية، ومتوعداً بالثأر، كما جاء في التسجيل الصوتي.
وترصد "حفريات" في هذا التحقيق، تبعات ما جرى بعد العملية العسكرية الأخيرة التي نفذتها تركيا، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عبر شهادات ميدانية؛ حيث تفاقمت الأوضاع في شمال سوريا، خاصة بين المدنيين، مع نزوح ما يقرب من 300 ألف مواطن، من بينهم 70 ألف طفل؛ إذ بدأت تظهر تغييرات عميقة، تقوم بها الفصائل التي انتشرت وحازت السيطرة في المناطق الخاضعة لنفوذها، وتتصل بأمور الهوية والثقافة المحلية، وهدم البنية الاجتماعية للمنطقة، واستهداف القوميات المختلفة فيها، عبر ممارسات ووسائل عدوانية، لا تراعي التنوع الديني والإثني بين الأكراد والعرب والسريان والجركس، وكذا، بين المسيحيين والإيزيديين والمسلمين، بطوائفهم ومذاهبهم المتفاوتة، بل تعمد إلى إثارة النعرات والعصبيات.

اقرأ أيضاً: هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟
وتجاوزت تلك الممارسات عمليات التهجير ومصادرة الممتلكات والأموال، إلى فرض ملامح حياة جديدة ومختلفة، وبثّ خطاب كراهية ضدّ الأكراد، على وجه الخصوص، بحسب شهادات محلية عديدة، تعرض أصحابها للأذى المباشر، مادياً ومعنوياً.

عودة داعش.. كيف ولماذا؟
وغلب على مجمل تلك التغييرات محاولات جمّة لجهة فرض نمط إسلامي متشدّد وراديكالي؛ فتم تدشين جمعيات دينية دعوية، ذات طابع سلفي جهادي، ومدارس دينية تستهدف الأطفال في مرحلة عمرية مبكرة، بهدف نقل الأفكار المتطرفة لهم، بدعوى تحفيظهم القرآن الكريم، واللغة العربية، فضلاً عن فرض الحجاب على النساء، وكذا الدعوة للصلاة، وإجبار الإيزيديات على اعتناق الإسلام، ناهيك عن هدم المزارات الدينية، وحرق الكنائس، وغيرها من الأمور ذات الصلة.

تم تدشين جمعيات دينية ذات طابع سلفي جهادي ومدارس دينية تستهدف الأطفال
السؤال والفرضية الأساسيّان في التحقيق؛ انصبّا حول ما إذا كانت تلك الممارسات التي تتعمدها القوات الموالية لأنقرة، وتتماس مع وقائع وأحداث سبق وقامت بها عناصر تنظيم "داعش"، محضَ صناعة عفوية أو بدافع العصبية الدينية والقومية، أم إنّ لها مرجعية وضرورة معينة، وتتصل بالتنظيم الإرهابي على نحو ما؟

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
الشهادات والوثائق التي حصلت عليها "حفريات"، تكشف صلة عضوية وارتباطاً مباشراً بين أعضاء وقيادات سابقين في "داعش"، جرى بعثهم وإحياؤهم داخل الفصائل المنضوية تحت ما يسمّى بـ "الجيش الوطني السوري"، المدعوم من تركيا، منذ تأسيسه عام 2017. ويضاف إلى ذلك؛ تورّط الحكومة التركية في إعادة دمجهم، بعد تدريبهم وتهيئتهم العسكرية، في أحد المعسكرات على الحدود التركية السورية، خاصة بعد هزيمتهم في معركة الباغوز.
الميليشيا الدينية.. الأعلام السوداء
لم يتردّد عمار (اسم مستعار)، في العقد الثالث من عمره، أثناء تسجيل شهادته، في أن يؤكّد على ظهور سمات إسلامية مشابهة لأفعال عناصر "داعش" في عفرين، حسبما يقول؛ حيث جرت وقائع عديدة، في عدة مناطق، مثل؛ "راجوا" و"معبطلي"، اللتين تسيطر عليهما ميليشيا "الحمزة"، أحد الفصائل التابعة للجيش الوطني، المدعوم من أنقرة، ومعه بعض الفيالق الصغير، مثل "محمد الفاتح" و"جيش المجد"، وجميعها ذات طابع إسلامي متشدّد، في شمال غرب عفرين؛ إذ تمنع خروج النساء دون ارتداء غطاء الرأس واللباس الشرعي، وفق شروطها، كما حدث مع شقيقته وزوجته، فضلاً عن دعوة الرجال للصلاة عبر العناصر المنتشرة في الشوارع، بينما تقوم بتهديدهم بتنفيذ عقوبات على من يخالف تعليماتهم.

الناطق الرسمي باسم (قسد)، مصطفى بالي: لدينا وثائق كاملة لمئات الإرهابيين الذين كانوا في مناصب قيادية بداعش

ففي بلدة شيخ الحديد؛ اضطر العديد من الأهالي إلى التخفي في منازلهم، بحسب الشاب الثلاثيني، في أوقات الصلاة، خاصة من غير المسلمين، وأعداد هؤلاء ليست قليلة، خشية تعرّضهم للإهانة أو الضرب.

ويضيف لـ "حفريات": "تقوم الميلشيات بنشر الدعاية الدينية المتشددة، والترويج لأفكارها المتطرفة، في كلّ يوم جمعة، أثناء الخطبة، عبر ساحة البلدة الرئيسة، ويجري حصر الحضور، من خلال وسطاء تابعين لهم، يبلّغون عن المتغيبين، ويتعرض كلّ من يتخلف عن المجيء للمساءلة والعقاب، الذي يصفونه بـ "الحكم الشرعي"، في اليوم التالي؛ إذ أضحت المساجد ساحة للدعاية العنصرية، والتحريض ضدّ أبناء المنطقة بصورة تحمل كراهية شديدة".
ويلفت إلى أنّه يُمنع رفع الأذان من قبل إمام الجامع الكردي، منذ الوجود التركي، بينما يتمّ تنصيب آخر لدعوة الناس للصلاة أو الخطبة، أو الإعلان عن فعالياتهم الخاصة، التي تقوم بها تلك الفصائل بالجامع، فقط باللغة العربية، رغم أنّ غالبية كبار السنّ من الأكراد لا يفهمون اللغة العربية.
تقوم الميلشيات بنشر الدعاية الدينية المتشددة

الأطفال المنبوذون... فاتورة الحرب
يعمد الاحتلال التركي، منذ وجوده في مناطقنا، إلى تغيير كلّ شيء، بحسب الشاب الثلاثيني، وذلك من خلال استهداف ثقافة المنطقة ولغتها المحلية، بيد أنّه يشير في شهادته إلى أنّه ثمة ظاهرة أخرى، تتصل باضطرار الأهالي لعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس، وامتناع الطلاب أنفسهم عن متابعة دراستهم؛ حيث تعرّض شقيقه، الذي لا يتجاوز الـ 11 عاماً، للتمييز العنصري والإهانة والضرب، من قبل أقرانه في المدرسة، إثر ما قام به الجيش التركي عبر الفصائل الموالية له، من تغيير للمناهج التعليمية، وفرض اللغة التركية بدلاً من الكردية، وطرد المدرسين الكرد، وتعيين آخرين من المستوطنين مكانهم.

الشكوك كانت تحوم حول استمرار علاقات تربط تركيا بداعش بعد القضاء على معاقل التنظيم في شمال سوريا وموت البغدادي

ويردف: "تحوّلت مدرسة شقيقي الأصغر إلى مقر عسكري للقوات التركية، بينما تمّ افتتاح مدرسة أخرى، وحين التحق شقيقي بها، بدأ يتعرض لبعض المضايقات من زملائه، الأمر الذي وصل إلى الضرب في إحدى المرات، من قبل أطفال عرب مستوطنين، نتيجة الدعوات العنصرية التي يمررها المدرسون أنفسهم وسط الطلاب، وتحريضهم ضد بعضهم، وهو ما لم يكن ليحدث من قبل بين العرب والكرد، وظهور نعرات قومية".
لذا، اضطر والدي لمنع شقيقي من استكمال تعليمه تفادياً للمشاكل، بحسب المصدر ذاته، الذي يؤكد أنّه؛ رغم عدم وجود إحصائيات حول ذلك الأمر، لكن تعاني الأسر الكردية وأطفالها، في عفرين والمناطق الخاضعة لسيطرة الأتراك والمستوطنين، من تسرّب أبنائها من التعليم بشكل قسري، بما يهدّد مستقبلهم التعليمي، كما يلفت إلى أنّ المدرّسين يتقاضون رواتبهم بالليرة التركية.
وفي شهادته لـ "حفريات"، يؤكّد الصحفي الكردي، والناشط الحقوقي الإيزيدي علي عيسو، أنّ هناك العديد من الممارسات العدوانية الموثقة بحقّ الإيزيديين، والتي تتصل بإجبارهم على الحجاب، وفرض الإسلام عليهم، إضافة إلى هدم المعابد والمزارات الدينية الخاصة بهم.

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟
ويضيف: "المزارات الدينية الإيزيدية والأضرحة إما تعرضت للتدمير بشكل متعمّد، من قبل مسلحي الجيش التركي، أو تمت سرقتها وتخريبها، وتحويل بعضها إلى مقرات أمنية وعسكرية، حسبما وثقنا في مؤسسة (إيزدينا)؛ حيث يتجاوز عدد المزارات الإيزيدية في عفرين، نحو 25 مزاراً، ومرقداً دينياً، وفي شهر آذار (مارس) عام 2018، قام مجموعة من المسلحين بحرق شجرة، في قرية كفرجنة بعفرين، تقع أمام مزار ديني مقدس لدى الإيزيديين بعد هدمه، ويدعى (مزار هوكر)، بينما قام المسلحون بالاستهزاء بالشجرة وبالتقاليد الدينية، وحدث الأمر ذاته، في مزار "شيخ جنيد"، في قرية فقيرا؛ حيث قام المتشددون بتدميره تماماً، ونبش القبر وسرقة محتوياته".

 

 

الإيزيديون مهدّدون مجدداً
يتعمّد المحتلون في عفرين، كما يقول عيسو، إهانة الإيزيديين ووصفهم بأبشع الصفات، ويعتبرونهم "كفاراً"، وبذلك يشتركون مع داعش في الأيديولوجيا التكفيرية نفسها التي تنبذ الآخر؛ فقبل احتلال عفرين كان الإيزيديون يمارسون طقوسهم الدينية، بحرية تامة، بيد أنّ الاحتلال فرض عليهم حياة إسلامية متشددة، وصلت حدّ إجبار الإيزيديين على اعتناق الدين الإسلامي.
وبحسب مؤسسة "إيزدينا"، وهي جهة حقوقية محلية، تعنى بقضايا الأقليات، ومختصة بالديانة الإيزيدية، ورصد الانتهاكات المرتبطة بهم، فقد تمّ تدشين محاكم قضائية خاضعة للسلطة العسكرية، الممثلة فيما يعرف بـ "الجيش الوطني"، التابع لأنقرة في مدينة عفرين، وذلك بعد سيطرة القوات التركية؛ إذ تستند هذه المحاكم المحدثة في تبرير وجودها إلى "القانون العربي الموحّد"، والذي ينغلق على أحكام الشريعة الإسلامية وفقهها، ويحدّده كمصدر وحيد للأحكام القضائية، وينصّ القانون على عقوبات؛ كالقصاص والإعدام لمن تنطبق عليه شروط "الردة"، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، فضلًا عن عقوبات أخرى، تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان في العالم، التي تنظر هذه المحاكم إليها باعتبارها "مخالفة لشرع الله".

اقرأ أيضاً: أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

ومن جهتها؛ تؤكّد الناشطة الكردية روكن سعيد، أنّه تمّ إجبار النساء على ارتداء الزيّ الشرعي، الذي كان داعش يفرضه عليهنّ في المدن التي سيطر عليها في سوريا والعراق، وتمّ إجبار الإيزيديين في عفرين، بوجه خاص، على اعتناق الإسلام، وتدمير المعابد الدينية والأضرحة الخاصة بهم، وسرقة محتوياتها وتفجير المقابر، ونهب الآثار.
كما تمّ تغيير أسماء القرى الكردية إلى أخرى بأسماء تركية، حتى أسماء الكرد المدنيين في بطاقات الهوية الشخصية تمّ تغييرها، أو بالأحرى تزويرها، حسبما تقول لـ "حفريات"، مثلما جرى مع سيدة تدعى "كردستان حسن"؛ حيث تمّ تغيير اسمها إلى "كلستان"، إضافة إلى ظهور صورتها في بطاقة الهوية الجديدة وهي مرتدية الحجاب، رغم أنّها لم تكن ترتديه في صورتها الموجودة على بطاقة الهوية الأصلية.

 

 

طمس الهوية وإلغاء الخصوصية
وتضيف في شهادتها لـ "حفريات"؛ أنّ "كردستان" لا تعد حالة استثنائية؛ إذ قام المجلس المحلي في عفرين، الذي تشكّل من خلال الحكومة التركية، بتغيير بطاقات الهوية للسوريين، في مناطق سيطرة الجيش التركي، والفصائل الموالية له بأخرى، حتى تتناسب ورغبته في التوغّل وفرض نفوذه وسيطرته، واستكمال مخطّط التغيير الديموغرافي، وإلغاء الخصوصية الثقافية في المنطقة، بينما تتوالى جملة الانتهاكات المرتكبة.
ومن بين القرى والمدن التي تمّ تغيير أسمائها، قرية قسطل مقداد، واستبدلت بـ "سلجوق أوباسي"، وقرية "كوتانا"، والأخيرة تغيرت إلى "زافير أوباسي"، حسبما توضح الناشطة الكردية.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
ويشير الباحث الكردي، في معهد واشنطن، باز علي بكاري، إلى أنّ حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، استهدف ثقافة المنطقة الخاضعة لسيطرته، لفرض نموذج مغاير تماماً، عبر تدشين العديد من الهيئات الدينية، والجمعيات الخيرية، والمراكز الدعوية، بهدف نشر أفكاره الإسلامية الراديكالية والترويج لسياساته في المنطقة، كما قام الحزب بإنشاء مركز لرعاية الأيتام، وسماه "تنزيلة أردوغان"، وهو اسم والدة الرئيس التركي، وذلك في بلدة مريمين، بمنطقة عفرين، شمال حلب.
وأوضح لـ "حفريات" أنّ "المركز يحظى بدعم من جمعيتَي "الفرات" و"أندا" الخيريَّتين، اللتين تحظيان برعاية من أنقرة، وتمّ تخصيص صالات لألعاب الأطفال، وتعليمهم القراءة والكتابة، باللغتين؛ العربية والتركية، إضافة إلى أصول ومبادئ الدين الإسلامي، بنسختها التركية العثمانية".
حزام تركماني
وأدرجت تركيا محاور الدين والتعليم ضمن خططها، بحسب علي، في سبيل تعزيز أهدافها لجهة تتريك المناطق السورية التي تخضع لسيطرتها، وذلك من خلال الفصائل المسلحة الموالية لها، وخصوصاً في منطقة شمال غرب سوريا بعفرين، والأخيرة تخضع لعملية تغيير ديموغرافي واسعة؛ حيث يعمد حزب العدالة والتنمية إلى زرع أفكاره الإسلامية المتشددة، في عقول من تبقى من أهالي عفرين، بعد الاستيلاء على منازل ما يقارب 300 ألف شخص، اضطروا إلى النزوح من المنطقة.

وعبر هذه الخطط والإجراءات الممنهجة، تسعى أنقرة، كما يوضح الباحث الكردي، إلى فرض الفكر الديني على السوريين، بحسب المرجعية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية وتخدم مصالحه السياسية والقومية، بهدف تطويق التنوع الثقافي والمجتمعي، وذلك بالتزامن مع بناء جدار جغرافي عازل حول عفرين، فظهرت جمعية "شباب الهدى"، مثلاً، وهي إحدى المؤسسات التي دشّنتها أنقرة في عفرين، باعتبارها جمعية أهلية سورية، وتعمد إلى تقديم خدمات اجتماعية وأنشطة دينية في المنطقة، كما تحظى بالدعم من المخصصات المالية لوقف الديانة التركية، الأمر الذي تعلنه الجمعية ولا تخفيه، بحسب أحد بياناتها الرسمية، وهو ما يعكس صلتها المباشرة بالحكومة التركية، ومؤسساتها الرسمية الدينية وتوجيهاتها الصريحة.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي

وبحسب المصدر ذاته؛ فقد قامت تركيا بتوزيع عدد من الكتب المدرسية، على ما يقرب من 360 ألف تلميذ، داخل المناطق التي سيطرت عليها، في إطار عمليتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، شمال سوريا، وفي كلّ من مدن "عفرين" و"جرابلس" و"الباب" و"أعزاز". كما بدأت، مؤخراً، بمشاريع إنشاء جامعات تركية للسوريين، بغية تعميق عمليات التتريك.
تأشيرة سماح بدخول تركيا

الغزو التركي في شرق الفرات: رصيد جديد لداعش
ويتكون ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، الموالي لتركيا، في منطقة شمال وشرق سوريا، من خلفيات إخوانية وسلفية جهادية، بحسب الكاتب والباحث الكردي، بدرخان علي، ومن بينها، ألوية عديدة وميليشيا تتخذ أسماء مثل: "جيش الإسلام"، "فيلق الشام"، و"أحفاد الرسول"، "جيش المجاهدين"، "لواء التوحيد"، إضافة إلى فصائل تركمانية، تأسّست بدعم وتمويل مباشر من تركيا، وتكنى بأسماء السلاطين العثمانيين، أو زعماء أتراك لهم مكانة بارزة في الوعي التركي، مثل: "لواء السلطان مراد"، "حركة نور الدين الزنكي"، والأخيرة تعدّ بمثابة تنظيم سلفي جهادي، من جهة، وإثني تركماني، من جهة أخرى، كما يندرج فيها عناصر من بقايا تنظيم داعش المهزوم عبر مسميات جديدة.

اقرأ أيضاً: أردوغان ومشروع الجيب الإخواني شمال سوريا
ويؤكد بدرخان علي لـ "حفريات" أنّ "عناصر داعش ممن كانوا في جرابلس، انضموا إلى هذا الجيش بعد احتلال الجيش التركي لجرابلس، دون طلقة رصاص واحدة، وكذلك عناصر "داعش" في تل أبيض ومنبج، الذين فروا إلى تركيا أثناء تحرير هذه المناطق من "داعش"، على يد قوات سورية الديمقراطية؛ إذ تمّ تجنيدهم من مخيمات اللاجئين في تركيا، تحت إشراف الجيش التركي والاستخبارات في أنقرة.
وتُلاحظ صعوبة إيجاد خطوط فاصلة بين هذه المجموعات، التي يضع عناصرها العلم التركي على كافة مقرّاتها الأمنية والعسكرية، وبزّاتهم العسكرية، إلا أنّها تجتمع جميعها على هدف الولاء لتركيا، والعداء للأكراد كقومية، وقوات سوريا الديمقراطية، كقوة عسكرية، بحسب بكاري، وذلك بعدما حاربت الإرهاب الداعشي والقاعدي والإخواني، وهذا كاف بالنسبة لمرجعيتهم التركية.
وحسبما يوضح أحد النشطاء المحليين في عفرين (فضّل عدم ذكر اسمه)، وهو يقوم بتوثيق الانتهاكات في عفرين؛ فإنّ تركيا تعمل على بناء "حزام تركماني"، بحسب توصيفه، في المناطق التي تتاخم الحدود السورية التركية، بغية توطين التركمان النازحين من ريفيْ حمص واللاذقية في منطقة عفرين وشمال شرق سوريا.

اقرأ أيضاً: هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟

ويكشف لـ "حفريات" أن "الاستخبارات التركية تعمد بواسطة المجلس التركماني، إلى ضمّ عناصر تركمانية لميليشياتها المحلية في سوريا، والتي تتخذ أسماء سلاطين أتراك عثمانيين، منها: ميليشيا الحمزة، والسلطان مراد، والسلطان محمد الفاتح، ولواء السلطان عبد الحميد، ولواء السلطان سليمان شاه، وتنضوي جميعها تحت لواء ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، بهدف بناء كيانات تصنع التغيير الاجتماعي والثقافي والديموغرافي المطلوب".
ومن جهتها، تقوم جمعيات دينية تركمانية بافتتاح مراكز وهيئات دعوية، بهدف نشر الأفكار المتطرفة بين الأهالي، بيْد أنّ غالبية رواد هذه المراكز من المستوطنين القادمين من ريفَي حمص ودمشق، وباقي المناطق الأخرى؛ حيث ترسل العائلات أطفالها إليها، بهدف تلقي الدروس الدينية، وتستقطب تلك المراكز فئة الأطفال، بوجه خاص، وتوزع الهدايا عليهم، بينما تنشر أفكاراً عنصرية ومتشددة.
 وثيقة تنظيمية من داعش تحمل توصية من التنظيم لعلاج أحد أفراده في تركيا

حواضن التطرف
وقد قامت هذه الفرق المسلحة، بحسب المصدر ذاته، بإنشاء معاهد دينية، مثل "معهد الفتح المبين"، وافتتحت مدرسة "باشا كاراجا"، وسط عفرين، والتي تعدّ فرعاً للمدرسة الدينية التركية الأكثر شهرة وذيوعاً؛ إذ تخرّج فيها بإسطنبول، العديد من الشخصيات المهمة سياسياً ودينياً، من أبرزهم الرئيس التركي ذاته، لتفقد إثرها، عفرين هويتها الوطنية، أمام هذه الهيمنة المطردة والتحولات الجديدة، كما قامت الفصائل المسلحة بتسمية إحدى الدورات العسكرية بـ "أشبال أرطغرل".

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟
وفيما يتصل بالانتهاكات على السكان المحليين، وفرض الطقوس الدينية عليهم، فقد قامت ميليشيا أحرار الشرقية، والتي ينحدر أغلب عناصرها من ريف دير الزور، بإجبار أصحاب المحال على إغلاق متاجرهم يوم الجمعة، والتوجه إلى الصلاة، بحسب مصطفى عبدي، مدير مركز توثيق الانتهاكات في شمال وشرق سوريا.
يقول عبدي لـ "حفريات": "بالنسبة إلى ارتداء الحجاب؛ أطلقت الميليشيات الإسلامية في بداية احتلالها للمنطقة دعوات لارتداء الحجاب، عبر الجمعيات الدينية، كما وضعت لوحات كبيرة على الطرق الرئيسة، الأمر الذي رفضه السكان المحليون، وقد تكرّرت حالات الضرب والإهانة، والتعدي على النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب، وبعدما ظهرت محاولات فرضه بالقوة والتهديد، شرعت غالبية النسوة والفتيات في ارتداء الحجاب أو اللباس الشرعي، بالشروط التي حددتها تلك الفصائل، خشية تعرّضهن للعنف والتحرش من قبل الميليشيات الإسلامية".

اقرأ أيضاً: الغنوشي يستقوي بأردوغان لمواجهة ضغوط تشكيل الحكومة
كما حوِّلت منازل ومحال السكان المحليين إلى دور عبادة، من قبل الميليشيات المسلحة بعد تهجيرهم منها ومصادرة ممتلكاتهم، مثلما هو الحال في قرية قطمة، ذات الأغلبية الإيزيدية؛ حيث تمّ تحويل أحد المحال إلى مسجد ملحقة به جمعية دينية خيرية، وكذلك في قرية باصوفان الإيزيدية؛ حيث قاموا بتحويل أحد المنازل الأخرى إلى جامع، وثمّة حالة ثالثة وثّقها المركز؛ إذ جرى تحويل منزل لشخص أرمني مهجّر من عفرين إلى جامع.
ويوضح المركز؛ أنّ تلك المناطق هي إما ذات أغلبية إيزيدية، أو ليس فيها مسلمون من الأساس، وهو ما يعني إعادة توطين عناصر مسلمة وعربية فيها، بشكل قسري، في ظلّ عملية التغيير الديموغرافية، واستهداف التنوّع والتمايز الثقافي بالمنطقة.
وحصلت "حفريات" على أسماء ومعلومات خاصّة تتصل بقياديين وعناصر، في صفوف تنظيم داعش، تتنوع مسمياتهم ودرجاتهم التنظيمية، فبعضهم "انغماسي" والآخر "استشهادي"، كما أنّ بعضهم الآخر، ما يزال يقبع في سجون قوات سوريا الديمقراطية، وقد التحقوا، بعد هزيمة التنظيم في معركة الباغوز، بفصائل الجيش الوطني السوري، الموالي لتركيا، والميليشيات المنضوية تحته.

 

ملاذات آمنة للتكفيريين
وتشير المعلومات المتوفرة، التي حصلت "حفريات" على وثائق تدعمها، إلى أنّ أغلب هؤلاء العناصر عبروا إلى سوريا والتحقوا بداعش، من خلال معبر جرابلس الحدودي، بين سوريا وتركيا، والذي يعدّ بمثابة أحد المرتكزات الإستراتيجية التي استعانت بها المجموعات الجهادية، وفي هذه المنطقة الحدودية، أتاحت أنقرة ملاذات آمنة للتدريب والتهيئة العسكرية بعد هزيمة داعش، بينما يظهر أنّ غالبية الملتحقين سابقاً بداعش يشكلون حالياً قوام "كتيبة الحمزة"، أحد الألوية المنضوية تحت ما يعرف بـ "الجيش الوطني".

اقرأ أيضاً: التطهير العرقي... إمبريالية أردوغان الجديدة
وقد هيمن على معبر جرابلس في محافظة حلب، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، منذ نحو خمسة أعوام، ومن خلاله انتقلت المجموعات القتالية، وتمكّنت من تهريب الأسلحة.
كما ظهر اسم "أبي محمد الشمالي"، أحد قياديي داعش في تلك الوثائق، بصورة متكررة، والذي قتل في دير الزور، قبل عامين، حيث تمكّن من نقل الوافدين الجدد للتنظيم عبر مدينة غازي عينتاب في تركيا، مروراً بمدينة جرابلس، المتاخمة للحدود السورية التركية، والتي ظلت تحت سيطرة التنظيم، حتى عام 2016، بعد تحريرها منهم في معركة "درع الفرات".
وفي حديث مسجل، صرّح الناطق الرسمي باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مصطفى بالي لـ "حفريات" بخصوص وجود عناصر من داعش، ضمن الفصائل الموالية أو المتحالفة مع تركيا: "لدينا وثائق وأسماء وصور واعترافات كاملة، تخصّ مئات الإرهابيين الذين كانوا في مناصب قيادية بتنظيم داعش، بين عامَي 2014 و2015، وذلك إبّان تحرير مناطق تل أبيض ورأس العين، والمناطق الممتدة في تلك المسافة؛ حيث هربوا إلى تركيا، وعادوا مع الغزو التركي، بصفاتهم القديمة نفسها، بينما حظوا بمناصب جديدة في صفوف ما يسمى بـ "الجيش الوطني"".

اقرأ أيضاً: "أتيب".. ذراع أردوغان لنشر التطرف في أوروبا
ويضيف: "قام الجيش التركي بقصف أحد السجون، الذي تقبع فيه مجموعة كبيرة من الجهاديين المنتمين لداعش، أثناء عمليته العسكرية الأخيرة، وهي مجموعة هائلة من أخطر العناصر؛ إذ تمّ اعتقالهم أثناء القتال مع قوات سوريا، وهم في مخيمات بالعراق وسوريا، في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الكردية، وتقدَّر أعدادهم بعشرات الآلاف، ومن بينهم نساء وأطفال وأفراد عائلات كاملة للمقاتلين المنتمين لداعش، بعضهم سوريون، وبعضهم الآخر أجانب، إضافة إلى مجموعة أساسية محتجزة، في مخيم الهولي، بريف الحسكة، شمال سوريا، الذي يقبع فيها مقاتلون من مختلف الجنسيات".
تركيا تعترف... تركيا تراوغ
وحسبما جاء على لسان المبعوث الأمريكي السابق للولايات المتحدة الأمريكية، لدى التحالف الدولي المناهض لـتنظيم داعش، بريت ماكغورك، فقد كشف وجود علاقة بين الدولة التركية و"داعش"؛ إذ غرّد عبر حسابه الرسمي "تويتر"، بأنّه عقد عدة لقاءات مع تركيا، بهدف إغلاق حدودها أمام تنظيم داعش، بيْد أنّ الحكومة التركية لم تغلق حدودها.
وبحسب بيانات وزارة العدل التركية؛ ففي عام 2015، كان عدد الإرهابيين في سجون تركيا نحو 2850 إرهابياً؛ إذ لم يفتح تحقيق إلا بحقّ 41 إرهابياً فقط، وعام 2016؛ تمّ توقيف نحو 4605، بحجة الاشتباه بصلاتهم مع "داعش"، ولم يُسجن سوى 513، ثم صدرت الأحكام بحقّ 7 منهم فقط، وأطلق سراح الباقين".
الأمر ذاته يظهر في البيانات الرسمية لوزارة العدل التركية، فخلال عام 2019؛ إبان العملية العسكرية التي عرفت بـ "نبع السلام"، أوقف الأمن التركي نحو 4517 شخصاً، وحتى الآن لم يتقرّر مصيرهم، أو يفصح عن نتائج التحقيقات معهم.

اقرأ أيضاً: عزلة تركيا التي تمهد لسقوط أردوغان
ويتضح من البيانات الرسمية؛ أنّ الدولة التركية أوقفت نحو 26 ألف و466 عنصراً من داعش، في الفترة الممتدة بين عامَي 2015 و2019، بينما لم يسجن غير بضع عشرات.
ومن جهته، كشف موقع "نورديك مونيتور"، المتخصص في التحقيقات الاستقصائية؛ أنّ عدداً كبيراً من الإرهابيين الذين اعتقلوا، في الفترة بين كانون الثاني (يناير) من عام 2014 وحتى تموز (يوليو) من العام ذاته، لم تدرَج أسماؤهم في السجلات الرسمية لمحاكم "حزب العدالة والتنمية"، بينما تمّ إطلاق سراحهم.
وفي حديث سجّلته "حفريات"، نفى مسؤول المكتب الإعلامي لميليشيا "الحمزة"، الموالية لأنقرة، ماجد حلبي، وجود عناصر من "داعش" ضمن صفوفها، سواء عناصر عادية أو قيادية.

اقرأ أيضاً: هذه دوافع أردوغان من العدوان على سوريا
وبسؤاله عن وجود أسماء لعناصر داعشية ضمن كتيبته العسكرية، بعضها سرّبته جهات أممية وحقوقية محلية، أجاب حلبي: "بكلّ تأكيد لا يوجد أيّ عنصر تابع لتنظيم داعش ضمن صفوفنا، كما أنّ هناك جهة عسكرية مخولة بمتابعة أيّ أمر عسكري لدى الفصائل، وتتحرّى تلك الشبهات في حال وجودها، كما أنّ هناك نظاماً داخلياً يحكم الفصائل التي تشكّل قوام "الجيش الوطني"؛ حيث يتمّ إرسال العنصر المشكوك فيها للشرطة العسكرية، لمتابعة القضية والتحقيق معه".
وكما رفض مسؤول المكتب الإعلامي، تهمة وجود عناصر من "داعش" ضمن صفوفهم، نفى أيضاً اشتراك أيّ من عناصرهم في الانتهاكات العدوانية ضدّ الطوائف والقوميات والمذاهب في سوريا، ورفض، في المقابل، أكثر من مرة، إدانة الحوادث التي تجري ضدّ المسيحيين وكنائسهم، لا سيما مقتل أحد رجال الدين المسيحي وتفجير كنيسته؛ إذ تصادف قتل الأب إبراهيم حنا بيدو، رئيس الطائفة الكاثوليكية الأرمينية، في شرق الفرات، قبل ساعة من التسجيل معه.

 

"البيوت الآمنة" لداعش في تركيا
ومن ناحيته، يشير الباحث التونسي المتخصص في قضايا التطرف والإرهاب، باسل ترجمان، إلى أنّ "المناطق الخاضعة لسيطرة ونفوذ أنقرة، في شمال وشرق سوريا، باتت جغرافياً آمنة لتنظيم داعش الإرهابي والعناصر التكفيرية، والمجموعات الجهادية، كما فضح مقتل أبي بكر البغدادي، في قرية باريشا، في إدلب، الخاضعة لنفوذ الفصائل الموالية لأنقرة، وجود رابط بين الطرفين، وأنّ جزءاً من ضمان سلامة البغدادي وحمايته، كان في هذه المناطق التي يتواجد فيها حضور تركي أمني وعسكري كبيران.
وتكشف عملية مقتل البغدادي، بحسب الباحث التونسي؛ أنّ الطرف التركي كان مغيباً تماماً عن التحضير والعمل الاستخباراتي والتنفيذ للعملية التي تمّت بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، وأجهزة الاستخبارات العراقية، وأطراف عربية أخرى؛ لأنّ الشكوك كانت تحوم حول استمرار علاقات تربط تركيا بداعش، بعد القضاء على معاقل التنظيم، في شمال سوريا، والأمر ذاته، تكرر مع التخلص من نائب البغدادي في العملية نفسها، بمكان آخر في منطقة "جرابلس" الحدودية بين التركية وسوريا، وتحديداً، في قرية عين البيضة.

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟
ويضيف لـ "حفريات": "في البداية؛ لا بدّ من التذكير بالدور التركي في الأزمة السورية؛ حيث كانت أنقرة الممرّ الأساسي لكلّ الإرهابيين، الذين انتقلوا إلى الأراضي السورية، من عواصم عربية وأوروبية، إضافة إلى أنّها كانت الممر الرئيس لكل شحنات الأسلحة التي دخلت إليهم، وبالتالي؛ الحديث عن الدور التركي وعلاقته بالجماعات الإرهابية التي انتشرت في سوريا، بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، يؤكّد أنّها علاقة عضوية وارتباط فكري وأيديولوجي".
وبخصوص الجرائم التي يرتكبها الجيش التركي، والمجموعات المتحالفة معه؛ فهي بحسب ترجمان، عمليات تطهير عرقي، وجرائم حرب بحقّ المدنيين في المناطق المحاذية للحدود مع تركيا؛ إذ تهدف إلى تغيير الوضع الديموغرافي، ونبذ وإبعاد الأكراد بكلّ الوسائل الإجرامية عن امتداداتهم الجغرافية والتاريخية.
ويلفت الباحث التونسي إلى أنّ "الجيش الوطني السوري، يتشكل بالأساس من مجموعات إسلامية راديكالية، بعضها كان ينتمي للإخوان المسلمين، والبعض الآخر التحق بجبهة النصرة وداعش، ومن بينهم جنود فروا من الجيش السوري الحرّ؛ لذلك تتطابق ممارساتهم وجرائمهم مع تلك الجماعات والتنظيمات، بينما تبدو تكراراً لنفس منهج الجرائم المروعة التي نفذتها التيارات الجهادية".
ويؤكد أنّ مواجهة الوجود الكردي، الذي هو أحد مكونات المجتمع السوري، بحسب العقل السياسي لأنقرة، يتطلب "صناعة قوة تكفيرية"، لذلك تشكّلت في جنوب تركيا، تحديداً، ما يعرف بـ "البيوت الآمنة" التي يقطن فيها عناصر داعش، "كما تأسست في منطقة "وزيرستان"، الواقعة في شمال "باكستان"، معسكرات تدريب لداعش، قبل أن يجري إرسالهم إلى سوريا، بعد فترة من التهيئة والتدريب العسكريين".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

2020-10-16

بين السلاسل الجبلية الممتدة ما بين شمال جبال زاغروس والمرتفعات الأرمنية شرق الأناضول، انتشرت قبائل الأكراد منذ العصور القديمة، وبعد سقوط مملكة ميديا في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، خضعوا لحكم الإمبراطوريات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقدر من الحريّة منحتهم إيّاها تضاريس بلادهم المنيعة.

في السبعينيات تبلور بين الشباب الكردي الاتجاه نحو إطلاق عمل سياسي ضمن الإطار اليساري

وبحكم ما اقتضاه نشوء الدول في صيغتها الحديثة من ترسيم وتثبيت حدود فاصلة بينها، وما استتبع ذلك من تقطيع وتجزئة لروابط عرقية واجتماعية وثقافية، تكوّنت وتشكّلت عبر عصور طويلة متلاحقة، ونتيجة عدم نشوء دولة جامعة للأكراد، كان مصيرهم التفرّق بين أربعة دول هي: إيران وتركيا والعراق وسوريا.
سنعرض في أربعة تقارير مسيرة تفاعل الأكراد على المستوى السياسي مع كلّ من الدول الأربع، والبداية في هذا التقرير مع تركيا.
من الانتفاضات المحليّة إلى الدولة الموعودة
عرف الأكراد في تركيا أطواراً عدّة فيما يتعلق بموقفهم وحراكهم على المستوى السياسي، وبالإمكان تتبع المرحلة الأولى في الفترة المتأخرة من العصر العثماني؛ حين كان الأكراد يحظون بقدر من الحكم المحلي، مع ظهور عدد من الأسر الحاكمة والزعامات القبليّة المحليّة، وذلك منذ اختيارهم الانحياز إلى جانب الدولة العثمانية عوضاً عن الصفويّة، لكن وفي عهد السلطان عبد الحميد، ومع حالة التراجع التي أصابت الدولة في أعقاب الخسارة في الحروب مع روسيا، شهدت مناطق الأكراد عدداً من الانتفاضات والثورات قادها زعماء محليون من أمراء وزعماء قبليين، كما نجد مثلاً في ثورة الأمراء البدرخانيين، عام 1879، وثورة مدينة "شمدينان" عام 1880، بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وانتفاضة يزدان شير البوتاني، وحتى انتفاضة عبد السلام البارزاني في دهوك عشيّة الحرب العالمية الأولى.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
ومع دخول الدولة أتون الحرب العالمية الأولى؛ تمكّنت من تجنيد عدد كبير من الأكراد، قاتلوا إلى جانب الجيش العثماني الرابع، ومع نهاية الحرب وهزيمة الدولة العثمانية، جاء انعقاد مؤتمر الصلح في فرساي، عام 1991، والذي حرص الأكراد على إيصال صوتهم فيه عبر ممثلهم شريف باشا، وتمكن من إيصال مطالب الأكراد بإقامة دولتهم الخاصّة، وهو ما تمّت ترجمته فعلياً بعد ذلك بعام، عند توقيع معاهدة سيفر، عام 1920، فجاءت متضمنةً خطة مقترحة لإقامة دولة كردية مستقلّة، وكانت تلك اللحظة الأقرب لتحقيق الدولة المنشودة.

شريف باشا خندان حمل مطالب الكرد إلى مؤتمر الصلح في فرساي

تبدّد الوعد.. وبداية المواجهة
رفض الأتراك معاهدة سيفر القاضية بتقسيم بلادهم إلى عدّة دول على أساس العرق، وخاض الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال حرباً لأربعة أعوام، عرفت بـ "حرب الاستقلال"، انتهت بإقرار معاهد لوزان عام 1923، والتي قضت تماماً على سيفر ووعودها، بما في ذلك الدولة الكردية الموعودة، ولتصبح مناطق الأكراد جزءاً من دولة جديدة قامت، هي الجمهورية التركيّة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
كانت دولة أتاتورك الجديدة دولة قوميّة، لا تعترف بالأقليّات، وإنما تسعى لدمجهم قسرياً ضمن النسيج القومي للدولة، ووجد الأكراد بذلك أنفسهم في مواجهة سياسات الإدماج القسري، فحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في الأماكن العامّة، ومنع استخدام كلمة "الكرد"، وأطلق عليهم اسم "شعب شرق الأناضول"، ومع بداية هذه المرحلة جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي، عام 1925، لتعبّر عن ذروة الرفض لسياسات الجمهوري الجديدة، قبل أن يتصدى الجيش لها ويقمعها.
استمرار النهج.. ولحظة الثورة
استمرت الحكومات التركيّة المتعاقبة بممارسة نهج التمييز والاضطهاد بحقّ الأكراد؛ فكان التكلّم بغير اللغة التركيّة في الأماكن العامّة محظوراً وتترتب عليه العقوبات والغرامات، وكان من المحظور إصدار الصحف، أو عقد الاجتماعات العامّة، التي تنادي بمطالب الأكراد وحقوقهم.

شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا

ضمن هذا السياق؛ اتّجه أغلب الشباب الكردي الناشط إلى الانتماء للأحزاب والحركات اليساريّة المعارضة، ومع مطلع السبعينيات، بدأ يتبلور بين الشباب الكردي اتجاه نحو إطلاق إطار جديد للعمل السياسي ضمن الإطار اليساري، للمناداة بالمطالب القومية الكردية على أساس مماثل للحركات الثورية والتحرريّة التي كانت منتشرة حول العالم آنذاك، ومن هنا جاء الإعلان عن تأسيس النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1978، بعد أعوام من النشاط السريّ، واختير عبد الله أوجلان، كأول رئيس له.
تبنّى الحزب الهدف المنشود بإقامة دولة كرديّة في تركيا تكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة دولة كردستان الكبرى، وتبنى الحزب بدايةً أساليب سلميّة، تقوم على نشر الأفكار، وتنظيم المظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتعاملت السلطات التركيّة مع الحزب وأهدافه باعتبارها تهديداً يستهدف كيان الجمهوريّة، فتصدّت لأنشطته ولاحقت كلّ من انتسب له.

اختير عبدالله أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني

خمسة عشر عاماً من العمل المسلّح
وفي عام 1980، قاد كنعان إرفين انقلاباً عسكرياً في تركيا، وبعد استلامها الحكم، اتجهت الحكومة العسكريّة لتعزيز سياسات الإدماج، حتى شرعت بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى أسماء تركيّة، وحظرت على الأكراد التسمّي بأسماء كرديّة. وفي عام 1984، مع اشتداد وطأة القمع، أعلن حزب العمال تبنّي خيار الكفاح المسلّح في مواجهته مع الدولة والمباشرة باستهداف مصالحها، حتى تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي، وفي بداية عقد التسعينيات تجاوز عدد مقاتلي الحزب العشرة آلاف مقاتل.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
جاء ردّ الدولة عبر إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الكردية، وشنّ حملات عسكريّة ضدّ معاقل الحزب وقواعده، وخلال أعوام الصراع؛ تمّ تدمير مئات القرى الكرديّة، وتدمير أجزاء من كبرى المدن في جنوب تركيّا، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، وتسبب الصراع في نزوح نحو أربعمئة ألف كردي عن ديارهم.

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني

عام 1998؛ قررت دمشق إبعاد عبد الله أوجلان من سوريا؛ حيث كان قد لجأ إليها ونشط منها منذ عام 1979، وقامت بترحيله إلى روسيا، ومن هناك ذهب إلى أوروبا، وتنقّل بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يختار التوجّه إلى كينيا. وبعد وصوله إلى نيروبي، في الخامس عشر من شباط (فبراير) عام 1999، نفذّت الاستخبارات التركيّة، بمساعدة من جهازيْ الاستخبارات المركزيّة الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ونقلته إلى تركيّا، وهناك جرى عرضه بصورة مهينة على شاشات التلفزة بغرض بثّ شعور الهزيمة في نفوس الأكراد ومقاتلي الحزب، وتمت محاكمته وصدر بحقه الحكم بالإعدام قبل أن يخفف لاحقاً إلى عقوبة السجن المؤبد.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
وفي العام ذاته؛ أعلن حزب العمال، في الأول من أيلول (سبتمبر)، هدنة، وانسحبت قواته من تركيّا إلى قواعده في شمال العراق، في المقابل أعلنت الحكومة التركيّة وقف العمليّات العسكريّة، رغم عدم التزامها الكامل بذلك واستمرارها في تنفيذ الطلعات الجويّة.
اتجاهات سياسية جديدة
شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا، تمثّلت في تأسيس أحزاب سياسية اتجّهت لتبنّي خيار العمال السلمي والمشاركة بالعملية الديمقراطيّة في البلاد، مع السعي لإيصال ممثلين عنها إلى البرلمان يحملون مطالب الشعب الكردي، بدايةً من تأسيس "حزب العمل الشعبي"، عام 1990، والذي نجح في الوصول إلى البرلمان التركي في انتخابات عام 1991، بعد تحالفه مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي، واشتهرت نائبته، ليلى زانا، التي أرادت القيام بأداء قسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فمنعت، وأثارت ضجّة واسعة في حينها.
وعام 1993؛ جاء قرار المحكمة الدستوريّة التركيّة بإغلاق الحزب، وذلك بدعوى ثبوت إقامة أعضائه صلات مع حزب العمال، وعام 1994؛ أزيلت الحصانة البرلمانيّة عن ليلى زانا، وحُكم عليها بالسجن مدة خمسة عشر عاماً، بتهمة إلقاء خطابات انفصاليّة.
ومباشرة، بعد قرار إغلاق حزب العمل الشعبي، عام 1993، تأسس حزب كرديّ آخر؛ هو "حزب العمل الديمقراطي"، قبل أن تغلقه المحكمة الدستورية مباشرة بدعوى أنّه امتداد للحزب السابق.

ليلى زانا في مواجهة المحكمة

وفي أيار (مايو) 1994؛ أسّس المحامي الكردي، مراد بوزلاق، حزب "ديمقراطيّة الشعب"، وحرص الحزب الجديد على الابتعاد تماماً عن حزب العمال، تجنباً لمصير الأحزاب السابقة، لكن، وفي اجتماع للحزب، عام 1996، تمّ إنزال العلم التركي ورُفع علم حزب العمال، ما أدّى إلى اعتقال عدد من أعضاء الحزب.

تمكّن حزب الشعوب في انتخابات 2015 من حصد 13% من مجموع أصوات الناخبين في البلاد

شارك الحزب في الانتخابات التشريعية للعام 1995 والعام 1999، واستمر حتى عام 2003؛ حين صدر قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاقه، وأيضاً من جديد بالتهمة ذاتها: إقامة صلات مع حزب العُمّال.
وفي عام 1997؛ تأسّس حزب الشعب الديمقراطيّ، وفي الانتخابات التشريعيّة للعام 2002، تمكّن الحزب من حصد (6.2%) من مجموع أصوات الناخبين في البلاد، لكنّه لم يتمكّن من دخول البرلمان لعدم تجاوزه العتبة (10%)، وعام 2005 اتجّه الحزب للاندماج في مبادرة "حركة التجمع الديمقراطي"، بقيادة ليلى زانا، التي نجم عنها تأسيس "حزب التجمّع الديمقراطي" عام 2005.
تحوّلات متسارعة
دخلت تركيا مع بداية الألفيّة منعطفاً جديداً، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002، والذي حرص على تأكيد الالتزام بإطلاق توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشعوب والأقليات غير التركيّة في البلاد، وفي مقدمتها الأكراد، والتراجع عن الاتجاه الذي ساد والقائم على سياسات الدمج والتمييز والاضطهاد، وذلك مقابل الالتزام الكردي بالتراجع عن العمل المسلّح والتخليّ عن مطالبات الاستقلال والانفصال.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
وفي هذه المرحلة، ومع تسارع التحوّل على مستوى المشاركة السياسة الكرديّة، وتحوّلها إلى الإطار القانوني، أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية، واتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) عام 2005؛ أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدراليّة الديمقراطيّة في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم حكم ذاتي كرديّ على غرار الإقليم العراقيّ، وقد تبنى الحزب الرؤية الجديدة في العام ذاته.
المزيد من النواب الأكراد في البرلمان
بعد انطلاق نشاط حزب التجمع الديمقراطي عام 2005، لم تمر سوى أربعة أعوام حتى صدر القرار بحظره هو الآخر، عام 2009، بالتهمة ذاتها أيضاً، ومع حظره تأسس حزب بديل جديد وهو "حزب السلام والديمقراطيّة"، قبل أن يُحظر ويُحلّ عام 2014.
وفي عام 2012، تأسس "حزب الشعوب الديمقراطي" كحزب يساري يتبنى الديمقراطية الاشتراكية، ويناصر قضايا الأقليّات في تركيا، وفي مقدمتها قضايا المطالبة بالحقوق الكرديّة، وفي انتخابات عام 2015 تمكّن الحزب من تحقيق نقلة نوعيّة على مستوى العمل السياسي الكردي، مع تمكّنه من تجاوز نسبة الـ 10%، وحصوله على نحو 78 مقعداً، بعد حصده 13% من مجموع أصوات الناخبين، ما شكّل مفاجأة للمحللين حينها، وفي الانتخابات الأخيرة عام 2018، تمكّن من حصد نحو 11.7% من مجموع الأصوات، وحصل على 69 مقعداً في البرلمان من أصل 600 مقعد.

صلاح الدين ديمرداش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي

ويرى محمد عثمانلي، باحث الدكتوراه في التاريخ التركيّ الحديث، من جامعة "باموق قلعة" بتركيا، في إجابته لـ "حفريات" عن سبب التحوّل في شكل المشاركة السياسية لدى الأكراد في تركيّا؛ بأنّ "ذلك يعود بالأساس إلى شعور الناخب التركي بأنّ المسار الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات جلبت له المنافع الملموسة عبر الحصول على المزيد من الحقوق على المستوى الثقافي، إضافة إلى تعزيز مستوى التنمية في المحافظات ذات الغالبية الكرديّة، عبر إيصال الممثلين إلى البرلمان، في حين أنّ القناعة ترسّخت لدى شريحة واسعة من الأكراد بأنّ نهج حزب العمال لم يحقق لهم مطالبهم، وإنّما أدّى إلى الكثير من الخسائر على مختلف الصعد".
ويعلّق عثمانلي على الاختلاف بين مشاركة الأحزاب الكرديّة الناشئة منذ التسعينيات وبين حزب العمال، بأنّ "تلك الأحزاب اتجهت إلى مناجزة الحكومات التركيّة عبر ذات الآليات الديمقراطية التي أوصلت الحكومات إلى السلطة، في حين أنّ حزب العمال لم يدرك التحوّلات في تركيّا، واستمر بمناجزة الدولة على الأساس ذاته الذي فرضته الحكومات غير الديمقراطيّة في العقود السابقة من القرن الماضي".

للمشاركة:

ما أسباب ارتفاع عدد الملفات القضائية المتعلقة بالإرهاب في إسبانيا؟

2020-01-19

كشف تقرير جديد في إسبانيا، أصدرته المحكمة العليا، أعلى هيئة قضائية في البلاد، تزايد الملفات المرتبطة بظاهرة الإرهاب في الأعوام الأخيرة الماضية؛ بسبب استمرار التحديات الأمنية التي تلقي بثقلها على السياسات الداخلية للحكومة المركزية في مدريد.

عدد الملفات عام 2017 هو 20 ملفاً توبع فيها 27 شخصاً بتهمة الإرهاب
وسجّل التقرير، الذي غطى آخر 3 أعوام، على وجه الخصوص، ارتفاعاً في عدد الملفات المعروضة أمام المحاكم الإسبانية، والتي ترتبط بالإرهاب، إلى 43 ملفاً، توبع فيها 73 متطرفاً، وهو أعلى رقم خلال الأعوام الأخيرة، فيما يتعلق بالقضايا الجنائية المتعلقة بالجريمة الإرهابية.

ازدادت قضايا الإرهاب في إسبانيا بسبب استمرار التحديات الأمنية التي تُلقي بثقلها على السياسات الداخلية للحكومة المركزية

وكان عدد الملفات عام 2017، 20 ملفاً، توبع فيها 27 شخصاً بتهمة الإرهاب، وجاء ذلك في أعقاب العمليات الإرهابية التي شهدتها مدينة برشلونة وضواحيها في إقليم كاتالونيا، عشية تنظيم الاستفتاء حول الاستقلال الذاتي للإقليم، في شهر آب (أغسطس) من نفس العام، والتي نفّذها تنظيم داعش وراح ضحيتها 17 شخصاً. ولوحظ تزايد في عدد تلك الملفات، مقارنة بعام 2016 الذي سُجّل فيه 10 ملفات فقط، توبع فيها 25 شخصاً، ويُعدّ هذا الرقم الأعلى في إسبانيا منذ عام 2007، الذي أدين فيه 33 شخصاً بتهمة الإرهاب، وهي الفترة التي شهدت تنامياً في العمليات الإرهابية في بعض العواصم الأوروبية مثل؛ مدريد ولندن، كانت الأعنف من نوعها منذ تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي نفذها تنظيم القاعدة.

اقرأ أيضاً: هل نحن على موعد مع مد أيديولوجي غير مسبوق في أوروبا؟
وبحسب التقرير، تُمثّل ملفات الإرهاب نسبة 37 بالمئة من حجم الملفات المعروضة أمام المحكمة العليا الإسبانية بشكل عام، وذلك منذ عام 2015، عندما أصبح الإرهاب التحدي الأمني الرئيسي في البلاد بالتزامن مع صعود تنظيم داعش ونهاية تنظيم "إيتا الباسكي" الانفصالي داخل إسبانيا، ولوحظ أنّ عدد الملفات المرتبطة بالإرهاب التي نظرت فيها المحكمة العليا لعام 2018 وحده كان 210 من بين 560 ملفاً هو العدد الكلي للملفات مختلفة القضايا.

اقرأ أيضاً: "جثة البغدادي" وراء تفكيك خلية إرهابية بين المغرب وإسبانيا
وذكر التقرير أنّه في عام 2018، قامت الأجهزة الأمنية الإسبانية بحوالي 23 عملية ملاحقة للخلايا الإرهابية النائمة داخل البلاد، قادت إلى اعتقال 29 شخصاً، كما شهد عام 2019 ارتفاعاً في القضايا ذات العلاقة بالإرهاب أمام القضاء الإسباني؛ حيث قامت الأجهزة الأمنية بـ 25 عملية لملاحقة الخلايا المتطرفة، أسفرت عن اعتقال 49 شخصاً، بزيادة حوالي الضعف عن العام الذي قبله.

تخشى الحكومة الإسبانية من انتقال عدوى التطرف إلى معتقلين في قضايا لا علاقة لها بالتطرف والإرهاب أو موظفين في سجونها

وبحسب نفس التقرير، فإنّ آخر 5 أعوام كانت الأخطر من حيث حجم العمليات التي تم تنفيذها في عموم الأقاليم الإسبانية بهدف تفكيك الخلايا الإرهابية واعتقال الأشخاص المشتبه في انتمائهم إلى شبكات إرهابية أو داعمة للتنظيمات الإرهابية الدولية، خصوصاً تنظيم داعش، الذي كان يتزعمه أبو بكر البغدادي، قبل أن يلقى مصرعه على يد الولايات المتحدة الأمريكية، قائدة التحالف الدولي ضد داعش، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في العراق.
وكشف التقرير أنّ 75 بالمئة من مجموع المعتقلين في ملفات الإرهاب، اعتقلوا فقط خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، حيث تعرّض جلّهم للاعتقال في مدريد وبرشلونة، وفي سبتة ومليلية المحتلتين، ويقدّر عدد هؤلاء بـ 298 من أصل 391 معتقلاً في آخر 10 أعوام. فيما يُقدّر العدد الإجمالي للمعتقلين في ملفات الإرهاب بـ 826 شخصاً، منذ أن برز خطر الإرهاب الجهادي الجديد في إسبانيا عام 2004؛ أي بتاريخ العمليات الإرهابية التي نفّذها تنظيم القاعدة في محطة القطارات "أطوتشا" في مدريد، وخلّفت 191 قتيلاً من جنسيات مختلفة، بينهم اثنان فقط من بلد عربي هو المغرب.

تُمثّل ملفات الإرهاب نسبة 37 بالمئة من حجم الملفات المعروضة أمام المحكمة العليا الإسبانية بشكل عام وذلك منذ عام 2015

ومنذ عام 2004، انتقل ما يناهز 248 شخصاً من إسبانيا إلى مناطق النزاع، سواء كانوا إسباناً أو كانوا من المهاجرين الحاملين للجنسية الإسبانية أو من المقيمين بشكل عرضي. غير أنّ ما يُقدّر بنحو 19 بالمئة من هؤلاء عادوا من بؤر التوتر إلى إسبانيا، أو من بلدان أوروبية أخرى، بينما لقي 27 بالمئة منهم حتفهم في العمليات العسكرية التي شنتها قوى التحالف الدولي، أو في المواجهات المسلحة مع الفصائل المتطرفة المسلحة، فيما لا يزال 54 بالمئة منهم يتواجدون في مناطق التوتر، وقد وضعت المحكمة العليا الإسبانية، لائحة بأسماء 70 شخصاً من هؤلاء، باعتبارهم مطلوبين دولياً، بينهم 13 امرأة تم التأكد من أنهن يتحملن مسؤولية 17 طفلاً.

وتحاول إسبانيا، بصعوبة كبيرة، التغلّب على مخاطر التطرف داخل سجونها؛ حيث يقول تقرير المحكمة العليا إنّ 48 معتقلاً استفادوا من برامج محاربة التطرف التي تُقدّمها الحكومة الإسبانية لنزلاء السجون المعتقلين في قضايا الإرهاب، والموزعين على 53 مركز اعتقال، فيما يخضع 265 معتقلاً لهذه البرامج في الوقت الحالي.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟
وتخشى الحكومة الإسبانية من مخاطر انتقال عدوى التطرف إلى معتقلين في قضايا عامة، لا علاقة لها بالتطرف والإرهاب، أو إلى موظفين في هذه المراكز؛ إذ بات الوضع يثير التوجّس منذ أن تم ضبط أحد الموظفين على علاقة ببعض المعتقلين المتطرفين الموجودين في سجون منفصلة، في شباط (فبراير) من العام الماضي؛ حيث تم اعتقاله برفقة 5 معتقلين كانوا على صلة به، ويبدو أنّ الأول كان يقوم بمهمة الوساطة وتسهيل التواصل بين المعتقلين وزملائهم في سجون أخرى.

للمشاركة:

لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

2020-01-19

ما إن رفض مرشحو تحالف البناء (الكتلة النيابية الأكثر عدداً في البرلمان)، لتشكيل الحكومة العراقية المنتظرة، بات رئيس الجمهورية برهم صالح، حديث إعلام التشيع السياسي، الذي لا يتورع عن شيطنتهِ في كل نشرة خبرية أو برنامج متلفز.

مراقبون: الاعتدال السياسي جعل صالح في موقع رئيس العراق .. لكنه خالف قواعد اللعبة من منظور طهران

صالح الحليف الإيراني داخل العراق من الجهة الكردية، أحرج مختلف القوى السياسية المتمسكة بالسلطة، لاسيما بعد انضمامه إلى صوت الاحتجاج الرافض، لأي رئيس وزراء جديد، تفرزه المنظومة الحاكمة منذ العام 2003.
وأعلن الرئيس العراقي، في 26 كانون الأول (ديسمبر) 2019، أنّ ترشيح أسعد العيداني (آخر مرشحي تحالف البناء ومن قبله قصي السهيل)، لمنصب رئيس الحكومة المؤقتة، هو ترشيح دستوري؛ لأنه جاء من قبل أكبر الكتل النيابية داخل البرلمان العراقي، لكنه رفض تكليفه لعدم رغبة الشارع الاحتجاجي به، وحقناً للدماء التي من الممكن أن تُراق في مختلف ساحات التظاهر في البلاد.
وبعد بيان صالح الذي أكد استعداده فيه للاستقالة من منصب رئيس الجمهورية، طالب تحالف البناء (بزعامة هادي العامري ونوري المالكي)، البرلمان العراقي باتخاذ الإجراءات القانونية بحق الرئيس، متهماً إياه بـ "خرق الدستور والحنث باليمين".

ربيع العلاقة مع طهران وخريفها
حزبياً، ينتمي الرئيس العراقي الحالي، إلى "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، وهو الحزب الكردي الثاني بعد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني، داخل إقليم كردستان العراق.

مناكفة لتعاطي الساسة الشيعة معها.. رئيس الجمهورية يؤكد أنّ تعاطيه مع إيران سياسياً لا عقائدياً

ويمتلك الاتحاد الوطني علاقة استراتيجية مع إيران، لا سيما بعدما استعان بدعمها في القتال أيام الحرب الأهلية بين الحزبين الكرديين (1994- 1997)، بينما لاذ بارزاني بقوات صدام حسين لدحر قوات طالباني عن مناطق نفوذه. ومنذ ذلك الوقت، بات التحالف عميقاً بين الاتحاد الوطني والأحزاب الشيعية العراقية المعارضة للنظام العراقي السابق.
وكان صالح (59 عاماً) يُعَدّ الرجل الثاني داخل حزبه بالتوازي مع القيادي كوسرت رسول، وكلاهما شغل منصب نائب الأمين العام للاتحاد، لكن الصراع على زعامة الحزب بعد رحيل طالباني، أفضى الى انشقاق صالح في أيلول (سبتمبر) عام 2017، معلناً تشكيل حزب جديد حمل اسم "تحالف العدالة من أجل الديمقراطية"، لكنّ مساعي إيرانية قادها الجنرال الراحل قاسم سليماني، تمكنت من إعادتهِ إلى حزبه الأم، بغية ترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية، الذي هو عادة من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني في السلطة المركزية في بغداد. وكانت المساعي الإيرانية لإعادة صالح إلى حزبه قد أتت نتيجة الصراع الحزبي الداخلي على ترشيح شخصية مقبولة لمنصب رئيس الجمهورية في بغداد.

صالح والمقبولية الوطنية

مراقبون سياسيون عراقيون، أكدوا أنّ "الاعتدال السياسي" في سلوك القيادي الكردي برهم صالح، هو من قاده الى رئاسة العراق الاتحادي، لاسيما بعد القبول به من مختلف الأطراف المذهبية والقومية في البلاد.

اقرأ أيضاً: الدولة العراقية "المارقة"... من صدام إلى معارضيه
ويقول المحلل السياسي العراقي لؤي الياسري لـ "حفريات" إنّ "شخصية برهم صالح، كانت الأنسب لتبوؤ منصب رئيس الجمهورية، لكونه مقبولاً داخل الوسطين؛ الشيعي والسنّي، ولا يمتلك نزعة انفصالية واضحة"، وأضاف لـ"حفريات"، أنّ "صالح خطّ لنفسه خطاً معتدلاً، تمكن من خلاله من كسب ود الأطراف الشيعية التي دعمت رغبة إيران في زعامته للعراق، خصوصاً بعد الجدل الحزبي داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، وعدم وجود شخصية من الممكن أن تحدث توازناً بين المركز والإقليم".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة مشروع التحالف السنّي في العراق؟

وأفضى التوافق (الكردي - الشيعي) إلى وصول صالح لرئاسة الجمهورية، وعادل عبدالمهدي لرئاسة الوزراء، فضلاً عن توافق سنّي جانبي مع الإيرانيين أدى إلى تسمية محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي بدعم من التحالفين الشيعي (تحالف البناء تحديداً)، وتحالف الحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان.
لهذه الأسباب كان امتعاض التيارات السياسية الشيعية الموالية لإيران متوقعاً من صالح بعد رفض مرشحها لتشكيل الحكومة المؤقتة في ظل الاحتجاجات العارمة التي يشهدها العراق، والرافضة للوجود الإيراني والقوى المدعومة منها.

كيفية التعاطي مع طهران

مفاجأة الساسة الشيعة، من قبل رئيس الجمهورية عبر خطوتهِ الرافضه لمرشحهم بتشكيل الحكومة المرتقبة، كشف عن التعاطي البراغماتي لبرهم صالح مع مختلف الجوار الإقليمي للعراق، ولاسيما إيران. التي بدورها شعرت بخذلان الحليف القاطن في قصر السلام الرئاسي في بغداد.

خرق الدستور والعمالة لأمريكا هي أبرز الاتهامات الإعلامية التي طالت صالح بعد رفضه لمرشحي تحالف البناء

وعن قدرة صالح على مواجهة الإيرانيين مؤخراً في رفضهِ لتسمية مرشحهم لإدارة المرحلة المؤقتة في العراق، ينسب أستاذ العلوم السياسية محمد نعناع، ذلك إلى "ذكاء الرئيس الشاب"، موضحاً أنّ "أمام صالح مستقبلاً سياسياً، وهو يحاول كسب الجماهير، لا سيما في بغداد، لما يحظى به من مقبولية لدى الوسطين الجماهيريين؛ الشيعي والسنّي، خاصةً أنّ المرحلة المؤقتة هي 6 أشهر".
ويعتبر في حديثه لـ"حفريات"، أنّه "كان من الصعب على رئيس الجمهورية القبول بقصي السهيل أو أسعد العيداني، مرشحين لرئاسة الحكومة على الرغم من التوافق الشيعي - الكردي، على إدارة البلاد منذ نهاية الانتخابات الماضية"، مؤكداً أنّ "صالح لا يتعامل مع الجانب الإيراني من منظار عقائدي، كما يتعامل الكثير من الساسة الشيعة المؤمنين بولاية الفقيه، بل هو حليف للإيرانيين لا أكثر، ومن الممكن أن يختلف معهم، كما يحصل حالياً".

شيطنة الرئيس إعلامياً

ولم تكتف نشرات الأخبار لفضائيات أحزاب تحالف البناء، بنشر خبر عدم تكليف رئيس الجمهورية لمرشح التحالف، بل ساهمت في تأويل رد فعل الرئيس لمصلحة المحتجين بـ"الخيانة" تارةً  و"الخرق الدستوري" تارةً أخرى.
وقالت "قناة العهد"، التابعة لزعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي (لديه كتلة من 15 مقعداً في البرلمان)، أنّ "صالح تعرض لضغوطٍ سياسية من أطراف مرتبطة بالسفارة الأمريكية في بغداد، بغية دعم التظاهرات التي تريد واشنطن من خلالها القضاء على النظام الشيعي في العراق". واعتبرت القناة في افتتاحية نشرة أخبارها المسائية أنّ "الخرق الدستوري كان واضحاً من قبل رئيس الجمهورية".

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي
أما "قناة الاتجاه" التابعة لـ"كتائب حزب الله" في العراق، فقد وصفت سفر صالح إلى مدينة السليمانية، شمال العراق، عقب إصداره بيان اعتذار تكليف المرشح الأخير للتحالف، بأنه "تنفيذ لأوامر خارجية بهدف عرقلة التكليف، وتأزيم الأوضاع وصولاً إلى تحقيق مخططات تسعى إلى مرشح على مقاسها".
واستعادت قناة "آي نيوز" الفضائية، الأرشيف الخبري للاستفتاء على انفصال كردستان عن العراق، ودور برهم صالح فيه، ووصفت مختلف الزعامات الكردية السياسية بـ"الانفصاليين". ودعت القناة التابعة لميليشيا "كتائب سيد الشهداء"، بقيادة أبو آلاء الولائي، الحشد الشعبي الى أن "يضع حداً للمهزلة السياسية والأمنية في البلاد".

بين خياري الاستقالة أو الإقالة

بدورهم، خيّر نواب من "تحالف الفتح" (48 مقعداً في البرلمان) رئيس الجمهورية برهم صالح، بين الاستقالة أو الإقالة، على خلفية رفض مرشحهم، وهو رفض جاء بمثابة دعمٍ معنوي لساحات التظاهر الرافضة سياسة القوى الإسلامية الحاكمة في العراق.
ويقول عبد الأمير تعيبان، نائب عن تحالف هادي العامري، لـ"حفريات"، إن "الخطوة الأخيرة للرئيس برهم صالح لم تكن مبررة، والحجج التي أعطاها لم تكن منطقية، والدستور يحتم عليه تكليف مرشح الكتلة الأكبر بالبرلمان"، مبيناً أن "اعتراضه (صالح) على مرشح معيّن ليس دور رئيس الجمهورية بل الكتل المتنافسة، وإذا اعترض على مرشح معين يصبح طرفاً سياسياً غير محايد".

اقرأ أيضاً: ما هي مخاوف سنّة العراق بعد الانسحاب الأمريكي؟
في حين يعتبر النائب محمد الغبان أنّ "عدم تكليف مرشح الكتلة الأكبر يدخل البلاد في فوضى ويهدد السلم الأهلي وسلامة ووحدة العراق"، لافتاً الى أنّ أمام صالح "الاستقالة أو الإقالة".

بينما ظهر النائب المقرب من طهران، عدي عواد في برنامج "وجهة نظر" على شاشة فضائية "دجلة" التابعة للزعيم السني جمال الكربولي، وهو يوجه إهانات لصالح، مطالباً العراقيين بـ"البصق على وجهه".

للمشاركة:



المسماري يكشف مموّل نقل المرتزقة إلى ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ينقل أسلحة وإرهابيين متعددي الجنسيات إلى ليبيا، للقتال بجانب حكومة الوفاق في طرابلس.

وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده، أمس: "أردوغان هو المسؤول الأول عن انتشار الإرهاب في أوروبا"، مشيراً إلى أنّ "تركيا في الفترة الماضية زودت الوفاق بمنظومة دفاع جوي أمريكية الصنع"، وفق ما نقلت صحيفة "المرصد" الليبية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي؛ أنّ تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا؛ حيث تمّ نقل أكثر من 2000 إرهابي من سوريا إلى ليبيا، بالإضافة إلى ميليشيات لواء سمرقند، وسلطان مراد، ونور الدين زنكي، وعناصر إرهابية أخرى تمول من قطر، وذلك عن طريق مطارَي معيتيقة ومصراتة، موضحاً أنّ قاعدة معيتيقة أصبحت قوة عسكرية تركية خالصة.

المسماري: تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا بتمويل من دولة قطر

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد صرّح بأنّ بلاده ستبدأ بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.

وتشهد العاصمة الألمانية برلين، اليوم، مؤتمراً دولياً حول الأزمة في ليبيا، بمشاركة زعماء مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والإمارات وتركيا والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر، إضافة للأمم المتحدة.

وكانت وسائل الإعلام قد عرضت تسجيلاً مصوراً لمقاتلين سوريين على متن طائرة ركاب ليبية في طريقهم إلى العاصمة الليبية للمشاركة في القتال إلى جانب ميليشيات الوفاق.

 

للمشاركة:

انهيار القطاع السياحي في إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

يعيش قطاع السياحة الإيراني أسوأ أيامه بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، التي اعترف الحرس الثوري بإسقاطها قرب طهران، حيث أعلن رئيس اتحاد مكاتب السياحة والسفر في إيران، حرمت الله رفيعي، إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران.

وقال رفيعي، في تصريح أدلى به لوكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا)، أمس: "بعد حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية ألغت شركات السياحة الأمريكية والكندية 100% من رحلاتها إلى إيران، فيما تم إلغاء 80% من الرحلات السياحية القادمة من أستراليا ومنطقة أوقيانوسيا، ومن أوروبا تمّ إلغاء 60%، ومن آسيا أيضاً تمّ إلغاء 60% من الرحلات السياحية المتجهة إلى إيران".

حرمت الله رفيعي يعلن إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران

وكان رفيعي قد أعلن، في وقت سابق، عن طلب إلغاء 70% من الرحلات السياحية إلى إيران.

وفي سياق متصل، أكّد المساعد في دائرة السياحة والتراث الثقافي التابعة لمحافظة فارس، جنوب البلاد، مؤيد محسني نجاد؛ أنّ الأحداث الأخيرة في المجالَين العسكري والسياسي أثرت على القطاع السياحي الإيراني.

وقال محسني نجاد: "جميع السياح الأجانب الذين كانوا قد حجزوا غرفاً في الفنادق الموجودة في هذه المحافظة لعطلة رأس السنة الإيرانية، قاموا بإلغاء حجزهم نظراً للأوضاع الراهنة".

ولفت المسؤول الإيراني في قطاع السياحة إلى أنّ "السياح الخليجيين القادمين إلى إيران، قاموا أيضاً بإلغاء حجز فنادقهم في المحافظة".

كما أعلن محسني نجاد؛ أنّ نسبة الحجز في فنادق المحافظة في الوقت الراهن تصل إلى 5% فقط، واصفاً ذلك بـأنّه "كارثة على أصحاب الفنادق".

وكان الحرس الثوري قد اعترف بأنّه أسقط الطائرة الأوكرانية بصاروخ بعد أن كشفت بعض التقارير الاستخبارتية الكندية والأمريكية ذلك.

 

للمشاركة:

الإمارات تتصدر عربياً..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

كشف تصنيف عالمي جديد لأفضل الدول في العالم لعام 2019 تصدّر دولة الإمارات في ترتيب 8 دول عربية، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والـ 22 دولياً، متقدمة على روسيا والبرتغال وتايلاند، وجاءت السعودية الـ 31 دولياً، فيما جاءت مصر في المرتبة الرابعة عربياً والـ 36 دولياً، واحتل المغرب المرتبة الخامسة عربياً والـ 40 دولياً، وفق وكالة وام.

ويصدر هذا التصنيف بشكل سنوي عن الموقع الأمريكي "US News and World" بالشراكة مع مجموعة "BAV"، وجامعة بنسلفانيا الأمريكية.

الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً والـ 22 دولياً في الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة

وأظهر التصنيف أنّ سويسرا ما تزال أفضل بلد في العالم للسنة الرابعة على التوالي، في حين جاءت كندا في المركز الثاني، متجاوزة اليابان التي هبطت إلى المركز الثالث، بعد أن كانت في المركز الثاني خلال السنة الماضية.

وحلّت ألمانيا في المرتبة الرابعة، تليها أستراليا، أما أسفل الترتيب الذي شمل 73 دولة فقط، فجاء لبنان تتقدمه صربيا، ثم عُمان وبيلاروس وتونس.

هذا وقد أشاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بتصدر بلاده أفضل الدول عربياً في العالم، بمعايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

وكتب على حسابه في "تويتر" الليلة الماضية: "تصدّر الإمارات عربياً لأفضل الدول في العالم لعام 2019، تصنيف "يو إس نيوز آند وورلد ريكورد" وجامعة بنسلفانيا، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة أمر طبيعي، في ظلّ السياسات التي ننتهجها، ومن المهم تعزيز موقعنا عالمياً".

 

 

للمشاركة:



"التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

محمود حسونة
نجح النظام التركي في إشعال الشارع العربي غضباً عليه؛ جرّاء ممارساته العدوانية، وتدخله المباشر وغير المباشر في شؤون أكثر من دولة عربية؛ من خلال مؤامراته، لضرب استقرار دول نجت من موجات «الخريف العربي»، والسعي لاقتطاع أجزاء من دول، واحتلال أخرى نالت من استقرارها هذه الموجات، والتحكم في قرار دول تسعى للتعافي من مخلفات زمن الفوضى والغضب المبرر وغير المبرر في عالمنا العربي.
الممارسات التركية فضحت أهداف أردوغان ونظامه أمام مختلف فئات الرأي العام العربي، وبدلاً من أن تقسم الشارع أو تخلق فجوة بين الحكام والمحكومين، زادتهم التحاماً، فنجم عنها إرادة شعبية وسياسية موحدة؛ للتصدي للمؤمرات التركية، وتحطيم أحلام حفيد العثمانيين على أكثر من صخرة عربية.
وإذا كانت محطاتنا التلفزيونية، ووسائل إعلامنا لم توفَّق في التصدي لموجات الابتزاز والاستفزاز القادمة من أنقرة وإسطنبول، والتي تبثها محطات تركية ومحطات عربية مأجورة، فإن شبابنا نجحوا في التصدي والرد، قولاً وفعلاً، بالتعبير عن الرأي الفاضح لمؤامرات العثماني الجديد؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي ينظمونها في أكثر من دولة عربية؛ لمقاطعة كل منتج في تركيا، ووقف السياحة العربية إلى هناك.
التويتريون العرب الذين يتصدون لأوهام أردوغان، ومزاعم نظامه وحلفائه من الإرهابيين، لا يعرفون لغة الكلام الأجوف؛ لكنهم يعبرون عن آرائهم مصحوبة بالمعلومات والأرقام والفيديوهات والجرافيك، وكأنهم أصبحوا هم من يحترفون الإعلام، ويدركون كيف يجب أن تكون الرسالة؛ كي تحقق هدفها.
حملات تويترية على أردوغان ونظامه ومنتجاته ومعالمه السياحية في أكثر من قطر عربي، بعد أن ورط نفسه بأفعاله المثيرة للغضب، والمستنكرة من كل غيور على بلده في دول عربية عدة، وآخرها تونس التي وضعه شعبها على القائمة السوداء؛ بعد محاولته الزج بها في أتون معركته؛ للسيطرة على القرار والنفط والغاز والأرض الليبية؛ وقبل تونس كانت ليبيا التي لقنته دروساً، وأعادت إليه جنوده الذين أرسلهم لجس النبض في نعوش طائرة؛ وقبل ذلك كان السعوديون الذين لم يرضهم استثماره السيئ لواقعة مقتل خاشقجي، وأيضاً الإماراتيون الذين لا يكف الإعلام التركي عن محاولات النيل من قياداتهم، غيرة وحقداً؛ بعد تصدرهم وحكومتهم ودولتهم مؤشرات واستطلاعات الأفضل إقليمياً وعالمياً، أما حكاية أردوغان مع مصر وأهلها فقد تحولت إلى مجلد متخم الصفحات ابتداء من دعمه للإرهاب على أرضها، واحتضانه للمناوئين لاستقرار الدولة ولقنوات الأكاذيب التي لا تكف عن التضليل ليل نهار، وليس انتهاء بمحاولات تهديد أمنها القومي بحراً وبراً من الجنوب؛ عبر بوابة «سواكن»، وغرباً بالتدخل في ليبيا، وشمالاً عبر البحر المتوسط، وشرقاً بدعم الإرهاب في سيناء. ناهيك عن السوريين والعراقيين وغيرهم.
وفي مصر، شباب وفتيات في عمر الزهور يجوبون شوارع القاهرة؛ لتوزيع منشورات «قاطعوا التركي»، ويتضمن المنشور 10 أسباب؛ منها: رداً على سياسات أردوغان العدائية ضد مصر، ورداً على قراراته بالتدخل العسكري في ليبيا، وعلى احتضان تركيا لقيادات جماعات «الإخوان»، ودعمه العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، والتدخل في سوريا.
هذه الأسباب تختصر السياسات التركية تجاه مصر والدول العربية، وتكشف عن مدى وعي الأجيال الشابة بما يرتكبه النظام التركي من حماقات تجاه أمتنا، وما يحيكه من مؤامرات؛ لإغراقها في الفوضى التي يمكن أن تحقق له أوهامه، وأوهام قيادات جماعات الإرهاب الذين يحتضنهم أردوغان، وتحتويهم دولته التي حولها إلى مصنع كبير؛ لإنتاج العنف والقتل والتخريب وتصديره إلى بلاد العرب.
انتفاضة هؤلاء الشباب ضد من يمس بكرامة بلدهم، وبلاد العرب؛ تبعث فينا أملاً بأن الغد أفضل، وأن هذه الأوطان ستكون بين أيديهم مستقبلاً أحسن حالاً؛ لإدراكهم أن الوطن هو أغلى ما لدينا، وأننا أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وعلى تويتر «هاشتاجات» وصفحات عدة تدعو لمقاطعة كل ما هو تركي، وتتضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية واعية، ومتابعة لكل تصريحات السياسيين الأتراك ضد بلادنا؛ بل ومفندة للمغالطات والسموم التي تتضمنها مقالات صحفية تركية، إلى جانب فضحها لأكاذيب الفضائيات التركية والمرتزقة من المصريين الذين خانوا الأهل والوطن، وارتضوا أن يكونوا جنوداً في كتائب أردوغان الإعلامية والإلكترونية؛ لهدم المعبد العربي والسعي لتحقيق أوهام السلطان الحفيد.
الغريب أن كل ذلك يحدث في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفضائياتنا تكتفي بمخاطبة ذاتها.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

محللون موريتانيون: الأطماع التركية في ليبيا تهدد أمن المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

إبراهيم طالب

انتقد محللون وخبراء موريتانيون تدخلات تركيا في المنطقة العربية، وخصوصا تدخلها العسكري في ليبيا، وأكدوا أنها تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار ويعكس مطامعها التوسعية في المنطقة.

وجاءت ذلك خلال ندوة نظمها المركز العربي الأفريقي للتنمية في موريتانيا تحت عنوان "التدخلات الأجنبية في الوطن العربي.. التدخل التركي في ليبيا نموذجا"، بمشاركة واسعة من الطيف السياسي والإعلامي والفكري بالبلاد.

واستعرض مدير المركز ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد الداه، خلال مشاركته في أعمال الندوة، تاريخ التدخلات الأجنبية في الوطن العربي، مشيرا إلى أن مرحلة ما يسمى "الربيع العربي" أدت إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية من ليبيا إلى سوريا وما تلها من اقتتال كبير على المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وأشار إلى أن تدخل تركيا في ليبيا جاء لتلبية للأطماع التوسعية للحكومة التركية، داعيا الليبيين إلى تفويت الفرصة على هذه النوايا والجلوس إلى طاولة الحوار ونبذ الفرقة من أجل قطع الطريق على القوى الأجنبية في الوطن العربي.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني باباه ولد التراد إن شعارات الحرية أصبحت تتخذ ذريعة لتكريس وتشريع التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هذه الشعارات تم استخدامها على نطاق واسع من مختلف حملات المستعمرين في الفترات المتعددة.

وشدد ولد التراد على أنه لا يمكن وصف ما تتعرض له المنطقة إلا بـ"الاستعمار الجديد" في إشارة إلى التدخل التركي في ليبيا.

من جانبه، حمل الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المصطفى محمد المختار تنظيم الإخوان الإرهابي مسؤولية ما يحدث من تدخل عسكري تركي في ليبيا.

وأضاف أن الإخوان لا يقيمون وزنا أو قيمة لأوطانهم بقدر  مصلحة التنظيم الدولي وتحقيق أجنداته حتى ولو كانت على حساب المصلحة الذاتية لهذا البلد العربي أو ذاك.

وأشاد محمد المختار في هذه المواقف بسلوك التيارات القومية العربية، معتبرا أنها أشرف وأنبل بكثير من سلوك الإخوان، بالإضافة إلى تعلقهم بأوطانهم وبهويتهم ووقوفهم في وجه المؤامرة والتصدي لها بكل شجاعة.

وأشار إلى خطورة الأذرع الإعلامية المبررة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيره من أجندة ما وصفه بـ"تحالف الضرار التركي القطري" واختطافها عقول كثيرين من الشباب والأجيال الصاعدة.

وتأتي الندوة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر "السلام في ليبيا" بالعاصمة الألمانية برلين، الأحد، بمشاركة دولية رفيعة، وسط مساعٍ لإيجاد حل دائم وشامل للأزمة.

وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل أيام، أن هدف مؤتمر برلين "هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر المفروض على تصدير الأسلحة لليبيا، الذي ينتهك بشكل صارخ، تمهيدا لفتح الطريق أمام حل سياسي".

وكشفت وكالة الأنباء الحكومية الألمانية النقاب عن مسودة لحل الأزمة، أعدتها الأمم المتحدة، وتنص على وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق شامل لقرار مجلس الأمن بشأن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وخلال الأشهر الماضية، جرت 5 اجتماعات تحضيرية للمؤتمر في برلين، بمشاركة ممثلي عدة دول ومنظمات دولية، نوقشت خلالها المسودة الأممية.

وكشفت مصادر خاصة لـ"العين الإخبارية" عن أن هناك تعديلات طرأت على مسودة التفاهم النهائية المطروحة أمام زعماء العالم المشاركين في المؤتمر لم ترد بمسودة مفاوضات روسيا التي لم تصل لاتفاق، مؤكدة أنها تشمل حل المليشيات ورحيل حكومة السراج.

وينتظر المؤتمر مشاركة عالية المستوى، حيث أكدت 10 دول مشاركتها في أعمال المؤتمر، بالإضافة إلى قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأكد عدد من قادة الدول والحكومات حضور المؤتمر، في مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية