خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا

5024
عدد القراءات

2018-03-13

قال الباحث في علم الأديان الدكتور خزعل الماجدي، إنّ الوقوف ضد التحضر الذي يقوده العلم، ووضع الشعارات الدينية عائقاً في وجهه من قبل رجال الدين، أدى إلى "تأجيج الصراع بين العلم والدين". الأمر الذي حوّل المجتمعات إلى "مجتمعات عاطفية، وغير عقلانية، لا تفهم الدين أو التديّن، إلا من خلال الصراع مع الحاضر والحديث".

ورأى الماجدي، في حوار مع "حفريات"، أنّ العطب اليوم "ليس سلطوياً أو سياسياً فحسب، بل مجتمعي بالدرجة الأولى"، داعياً إلى  "وقف الإسلام السياسي كلياً"، الذي وصفه بـ "التيار الغوغائيّ الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا".

يشهد عصرنا فتح ملفات الماضي الحاضر كلها، ومنها الملفات المقدسة

ويعد خزعل الماجدي، المولود في كركوك عام 1951، من أبرز الباحثين العرب في علم وتاريخ الأديان والحضارات القديمة، وهو شاعر وكاتب مسرحي أيضاً. صدرت له الكثير من المؤلفات والدراسات في تاريخ الأديان والمعتقدات في الشرق وحول العالم، من أبرزها "متون سومر"، "السحر والدين في عصور ما قبل التاريخ"، "ميثولوجيا الخلود"، و "علم الأديان". كما صدرت له "الأعمال الشعرية" في ستة أجزاء.

وهنا نص الحوار:

لو بدأنا من إنجازك الأخير "كتاب علم الأديان"، الذي كشف عن كونه الأول في سياق علم الأديان على المستوى العربي، هل تتوقع أن يؤثر هذا الكتاب الموسوعي على الكتابة في الأديان؟

نعم سيؤثر، فمن الناحية الأكاديمية سيلفت الانتباه إلى هذا العلم ومكوناته وأهميته، وإلى مناهج البحث العلمية التي يتبعها في تحليل مادته، وسنكون أمام دراسات وبحوث وكتابات تتناول الأديان بطريقة علمية، وهو ما سيؤثر على نظرتنا للدين وطريقة فهمه.

ومن الناحية الشعبية، سيصل الكتاب إلى القراء ويؤثر بهم إيجابياً.  وربما يساعد على توعية الناس وجعلهم ينظرون إلى الدين ليس بوصفه أمراً محاطاً بالتقديس في كل جانبٍ فقط؛ بل بوصفه مؤثراً ثقافياً واجتماعياً في حياتهم، الأمر يحتاج إلى زمن طويلٍ وسيكون بطيئاً، لكنه سيكون مؤثراً وفاعلاً. علم الأديان يحفظ للدين فاعليته الروحية ويتعامل معه باحترام، وهو بذلك يختلف عن الأيديولوجيات المضادة للدين، وعن نزعات الإلحاد المباشرة والمخدّشة لمشاعر الناس، وعن الدراسات التقليدية التي تُعرف بالدراسات الدينية ومنها الدراسات الإسلامية، وهنا تكمن قوته.

عطفاً على السؤال السابق، نشهد في جامعاتنا وبعض مراكز الأبحاث، أبحاثاً وكتباً تقود إلى حواراتٍ عميقة في الدين الإسلامي تحديداً، غير أنّها تبقى حبيسة المؤسسات التعليمية. أليس ممكناً تغيير الخطاب الديني السائد؟

لا شك أنّ مجتمعاتنا ضاربة بعمق في تخلّفها، والمسلمون من أكثر الشعوب انغلاقاً على أنفسهم ورفضاً للآخر المختلف، وهذا يزيد الأمور تعقيداً، ويُظهر أن لا جدوى من بحوثنا العلمية والأكاديمية التي تعالج الأديان عموماً، والإسلام بصفةٍ خاصةٍ، لكن الأمر ليس مطلقاً إلى هذا الحد؛ لأن عصرنا اليوم يشهد فتح ملفات الماضي والحاضر كلها، ومنها الملفات المقدسة، وهو أمر يزداد مع ازدياد حرية الإنسان في التفكير، وفي التعليم وفي الاتصال، وكل هذا يجري متصاعداً، رغم كل العوائق التي توضع أمامه. ولذلك، أتوقع أن تهدأ زوابع التطرف في قبول كل هذا أو رفضه، وتحلّ محلها النظرة العلمية الجادة الفاحصة بحيادية ودون تعسف.

كتاب علم الأديان

بمعنى آخر، الخطاب الديني إعلامي، ومشتت مؤسسياً "الفتوى مثلاً" كيف انعكس هذا على تعامل المجتمعات الإسلامية مع الدين خلال العقود الماضية؟

انعكس بلا شك، وإلا بماذا تفسر هذه الردة الاجتماعية التي تقف ضد التحضر والعلم لصالح الدين وشعاراته؟ السبب مجتمعيّ بالدرجة الأولى، وهو ما شجّعَ المؤسسات الشرعية ورجال الدين على إذكاء الموقد، ورمي الحطب فيه، كل هذا جرى؛ لأننا مجتمعات عاطفية، غير عقلانية وغير علمية؛ بل نحن مجتمعات غير مبنية بطريقة حديثة أو معاصرة، وإنما بطريقة قروسطية (نسبة للقرون الوسطى)، فحللنا ضيوفاً ثقلاء على العصر الحديث.

ما يجري في مجتمعاتنا اليوم، جرى لأننا مجتمعات عاطفية وغير عقلانية وغير علمية

هذه هي الحقيقة، عطبُنا اليوم ليس سلطوياً أو سياسياً فقط، بل مجتمعيّ بالدرجة الأولى، وما يجري في المناطق الساخنة من عالمنا العربي يؤكد ذلك. وأقولها بكل صراحةٍ؛ ما لم تراجع مجتمعاتنا أنفسها وتبدّل من طريقة نظرها للحياة والدين والعلم في هذا العصر، فإنها ستلاقي مصيراً دامياً باستمرار، وقد يوصلها هذا للانهيار والتداعي في النهاية.

تلفتني عبارة مهمة في أحد مؤلفاتك حول السومريين، والتي تقول "إنهم لم يخلطوا الخوف بالواقع، لينتجوا الخرافة"، ألا ترى أنّ هذه العبارة تتحقق عكسياً اليوم؟

تخيّل إذن، هول ما نحن فيه. أول مجتمع في التاريخ كالمجتمع السومري لم يفعلها، ولم يخلط الخوف بالواقع لينتج الخرافة، ونحن بعد أكثر من 5000 عام، آخر مجتمع في التاريخ نفعلها!! ما الذي جرى إذن؟ إنّ التدين المتزمت المغلق أنتج كل هذه الخرافات، وسيبقى ينتجها؛ لأنه يريد ألا يتفكك في هذا العصر أمام معطيات العلم والتحضر. والتدين تعرض في عصرنا هذا لامتحان جديد وضعه أمام خيارين؛ إما أن يراجع نفسه ويتحرر من انغلاقه وعقده وتأريخه الدمويّ، أو أن يعيد إنتاج الخرافات القديمة بطرقٍ مختلفة، وقد اختار المجتمع ورجال الدين الحل الثاني. وهكذا، وجدنا أنفسنا في أكثر الأنفاق عتمةً، بينما تزداد الشعوب تحضراً وعلماً ويزداد رقيّها.

ما حصل في هذه الفترة درسٌ لنا جميعاً كي نعيد النظر جذرياً بهذا الأمر، يجب وقف الإسلام السياسي كليّا وجعل الدين أمراً شخصياً، يجب وقف هذا التيار الغوغائيّ الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا، نحن نستحق مستقبلاً أفضل، فذات يوم كنّا أكثر تقدماً من كل الشعوب التي حولنا، لكننا أصبحنا بسبب التعصب الدينيّ من أكثر الشعوب تراجعاً.

عطبنا اليوم مجتمعيّ، بالدرجة الأولى، وليس حكومياً أو سلطوياً فقط

ولا شك أنّ ما يحصل له جذور في ماضينا، فقد ضرب الفقهاء والمتطرفون دينياً بكل العلوم والفلسفات والاجتهادات المدنية، فحاربوها وسفّهوها وطاردوا أهلها. وبذلك؛ انحدرت الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط وما بعده، ونحن اليوم، نشهد صعود ذلك الماضي الحزين المكفهرّ وهو يشهر سيوفه علينا ويركض وراءنا.

في كتب مهمة لك، ابتداء من كتاب "أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ" الصادر عام 1997، انتقالاً إلى كتبك حول تاريخ الأديان في المنطقة العربية والعالم. أمكنني اختزال قراءتي لها بما يلي: "كان الدين محرضاً على البقاء، وكانت طقوسه تمجد الحياة دون مطامع خاصة بالخلود والسلطة وسيادة المعتقد". أين نحن من هذا اليوم؟

سوف أوضح، وأرجو ألا تخلط الأحقاب التاريخية ببعضها؛ لأن هذا هو مفتاح جوابي. في التاريخ القديم (منذ الألف الرابع قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادي) لعب الدين دوراً مهماً مع القومية والاقتصاد في تكوين الحضارات القديمة. وكان الدين في أغلبه متعدد الآلهة. أما في التاريخ الوسيط (منذ القرن الرابع الميلادي إلى منتصف القرن الخامس عشر) فقد لعب الدين الشموليّ "التوحيد" الدور الأكبر في تكوين الحضارات الوسيطة في العالم وهي ثلاثة (البوذية، المسيحية، الإسلامية) وهضمت هذه الديانات الثلاث الحضارات القديمة في داخلها، وكان الدين هو العلم الكليّ آنذاك.

وحين كان العلم الوضعي يشرع في النمو والتقدم، كان يصطدم مباشرة بالسقف الديني وينتكس. ولذلك صارت الأديان الشمولية حاضنة كلّ شيء، وكان الخروج على هذه الحاضنة يعدّ كفراً والشواهد كثيرة في هذا المجال.

عندما حلّ التاريخ الحديث (منذ القرن الخامس عشر وإلى منتصف القرن العشرين) تخلى رواد عصر النهضة في أوروبا عن الشمولية المسيحية في كل مناحي الحياة، واستمر المفكرون والعلماء بتصعيد هذا الموقف أمام الكنيسة. وحين وصلنا إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر انهارت الكنيسة والدين الشمولي (المسيحي) وانتصر الغرب العلمانيّ المادي.

ثم ترسخت الحضارة الغربية التي كان عماد انتصارها العلم وليس الدين، العلم الوضعي الذي غزا كل مناحي الحياة ونظّمها، وبدا كما لو أنّ الإنسان خرج من كهوف مظلمة الى النور، وانتشر نور العلم والتكنولوجيا في العالم كله الى يومنا هذا الذي نكتب تحت نوره هذه الكلمات، ونوصلها للعالم كله بيسر.

حصل هذا في الغرب، لكنه لم يحصل في الشرق، الذي ظل خائفاً على دياناته الشمولية وقومياته التي كانت تعبر عن خصوصياته، ولذلك أصبح العلم عدواً لها، أو لنقل أصبح وسيلة للاستهلاك والترفيه، ولم يتحول إلى منهج شامل في حياة هذه الشعوب. وسأقول بكل صراحة إنّ أكثر الشعوب الشرقية انغلاقاً وخوفاً وتعالياً هم المسلمون، وأكثر المسلمين انغلاقاً وخوفاً وتعالياً هم العرب.

 

الماجدي: الشعر طريقتي للتوازن الروحي والجمالي في هذا الزمن

كيف تتمكن من الجمع بين الشعر والعلم في آن؟

الشعر لحاجات الروح والنفس وهي تخوض في هذا العالم بحرية وجمال، ومفاتيح موسيقاها سهلة التدبير ويمكنني أن أتصرف بها كيفما أشاء، وحيثما ترسو ذائقتي وأوتار الزمن الذي أعيش فيه، فهو طريقتي للتوازن الروحي والجمالي في هذا الزمن.

الماجدي: مهمتي في الشعر والنثر والمسرح هي لفتح الآفاق المغلقة وجعلها مسكونة بالحياة

أما العلم فهو لمعرفة حقيقة العالم وما جرى فيه ماضياً وحاضراً واستشرافاً للمستقبل، العلم كي لا أنخدع بما يفعله الكذّابون والدجّالون والمزيّفون في كل الحقول. العلم هو لاختبار الحقيقة أينما كانت، وحتى أزداد معرفة حقيقية بكنه العالم وحقيقة الوجود وتاريخه، بلا زيف ومشاع؛ بل بمختبرات وتحاليل علمية دقيقة. وهذا يوفر لي نوعاً آخر من التوازن المعرفي ويجعلني متماسكاً.

 هل من طموحٍ شخصي أو رؤية معينة أو رسالة، تقف خلف منجزات خزعل الماجدي اليوم؟ وما هي النظرة إلى المستقبل؟

طموحاتي الشخصية تصبّ كلها في إكمال إنجاز ما تبقى من مشاريعي الفكرية والإبداعية وتقديمها للناس، مهمتي الأساسية هي التنوير بالعلم في العلوم الإنسانية وخصوصاً في حقول الحضارات والأديان والأساطير التي هي حقول عملي الأساسية. لست ضد أي دين ولكني ضد استخدام الدين لصالح السياسة والموت والدمار وتخريب الدول والمجتمعات وإعمائها عن نور الحياة والعصر الذي نحن فيه.

ومهمتي في الشعر والنثر والمسرح هي لفتح الآفاق المغلقة وجعلها مسكونة بالحياة، لإعلاء مجد الحرية والروح وتخليص الإنسان من سجونه الداخلية بالدرجة الأساس.

النظرة للمستقبل القريب في عالما العربي ليست مطمئنة أبداً، لكنني أرى في المستقبل البعيد إمكانية لأن نعقلن زمننا وظرفنا، ونحترم وجودنا على الأرض، لنلحق بركب التحضر ونكون مثل بقية الشعوب في أقل تقدير.

اقرأ المزيد...

الوسوم: