سباق الرئاسة في تونس إذ يسيل اللعاب ويفرط بالضوابط الأخلاقية

تونس

سباق الرئاسة في تونس إذ يسيل اللعاب ويفرط بالضوابط الأخلاقية

مشاهدة

28/08/2019

بمجرد الإعلان رسمياً عن وفاة الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي؛ اتجه كثير من السياسيين والناشطين والمواطنين التونسيين صوب القصر بعينين: الأولى تدمع، والثانية تنظر إلى كرسيه الشاغر في قرطاج، طمعاً في بلوغ المنصب المسيّل للّعاب.
كانت أحزاب وجمعيات وشخصيات وطنية قد انخرطت في استعدادات حثيثة للانتخابات التشريعية، غير أنّ وفاة الرئيس قلبت الموازين وغيرت الأجندات وأدخلت تغييرات على أولويات الجميع، وصار السباق نحو قرطاج أولوية الأولويات.
 وفاة الرئيس قلبت الموازين وغيرت الأجندات وأدخلت تغييرات على أولويات الجميع

الصعود إلى السلطة
وبقدر ما يفتخر التونسيون بالحرية السياسية، ويستبشرون بها، بعد إسقاط نظام الرئيس السابق، الذي قام على الدكتاتورية والرأي الواحد، واحتكار الساحة السياسية لحزب واحد، تفاجؤوا، شيئاً فشيئاً، بأنّ مناخ الحرية ذاك صالح أيضاً لأن يكون مناخاً مساعداً للتحايل والصعود إلى السلطة بطرق ملتوية، توظَّف فيه كلّ الأساليب غير القانونية والمنافية لأخلاقيات العمل السياسي؛ بل إنّ ملاحظين يصفونها بأنّها منافية حتى لمنطق التدرج نحو السلطة، وذلك باستغلال الأموال الأجنبية في الحملات الانتخابية وتوظيف المنابر الإعلامية الخاصة لتكون بوق دعاية لأصحابها، زيادة على استغلال جمعيات متنوعة المشارب والاهتمامات للوصول إلى الناس وتقديم المساعدات لهم ليكتشفوا فيما بعد أنّها كانت "رشاوى" انتخابية، وأنّ الذين منحوهم إياها لم تكن غايتهم العمل الخيري في ذاته، إنما كانت وسيلة لبلوغ السلطة بما ينافي القانون.
قناة خاصة وجمعية خيرية
برز اسم نبيل القروي بعد الثورة؛ لما فتح قناته الخاصة "نسمة"، للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، منذ تأسيس حزب "نداء تونس"، لتكون منبراً دعائياً له وللحزب، ولعبت دوراً حاسماً في حسم الصراع لفائدته ليكون رئيساً للجمهورية، ولفائدة حزبه ليحصل على أغلبية برلمانية في انتخابات 2014، غير أنّ القروي سرعان ما استقال من الحزب، ونشبت بينه وبين ابن الرئيس، حافظ قائد السبسي، الذي يريد السيطرة على حزب والده، كما يرى كثيرون، فأسّس جمعية "خليل تونس"، وهي جمعية خيرية تحمل اسم ابنه، خليل القروي، الذي توفَّي في حادث مرور.

في تونس الآن 3 رئاسات مؤقتة مورو (رئيس برلمان ومترشّح) محمد الناصر (رئيس جمهورية مؤقت) ومرجان (رئيس حكومة مؤقت)

ووظّف القناة للترويج للجمعية، وجمع التبرعات، والاتصال مباشرة بالمسؤولين، لحلّ بعض المشاكل واستهدف الفئة الأكثر فقراً بين التونسيين وسط انتقادات بالمتاجرة بعيون الفقراء، الذين تصوّرهم كاميراته دون أدنى مراعاة لكرامتهم.
وبحسب مراقبين؛ عمل القروي على صناعة صورة الحنون على الفقراء، ولقّب بـ"بو الزواولة" (أبو الفقراء والمهمشين)، وكلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية، المزمَع عقدها نهاية العام، ازداد نشاطه وتنقّلت جمعيته في الأحياء الفقيرة والمناطق المعزولة لتوزيع المساعدات من مواد غذائية أساساً، وتنظيم موائد الإفطار في أماكن متفرقة، يدرك جيداً أنّها الخزان الانتخابي الحقيقي.
واكتشف التونسيون أخيراً؛ أنّ القروي لم تكن غايته مساعدة الفقراء، بقدر ما كانت غايته صناعة صورة تزيد شعبيته وتعاطف الناس معه أمام القضايا المرفوعة ضدّه، المتعلقة أساساً بالتهرب الضريبي، والتي قضت المحكمة فيها بتجميد أمواله ومنعه من السفر منذ مدة، وخلال الجدل الذي أثاره بترشحه، وصف كثير من المحللين والناشطين القروي؛ بأنّه "متحايل" سلك طريقاً ملتوية للوصول إلى السلطة، وتساعده في ذلك شركات سبر الآراء التي تحاول إثبات زيادة شعبيته بالأرقام.
نبيل القروي

من جمعية إلى كرسي الرّئيس
من جهتها، أثارت جمعية "عيش تونسي" جدلاً واسعاً بعد أن أعلنت إمكانية ترشّح عضوها المؤسس، ألفة تراس، والمموّلة الرئيسة لها، وتُعرّف الجمعية نفسها بأنّها "تأسست كي تجمع التونسيين الذين يطمحون لمستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم، والمستعدون ليختاروا طريقاً جديداً بعيداً عن تجاذبات الأحزاب".

اقرأ أيضاً: مخاوف من اكتساح الشعبويين والإسلاميين السباق الرئاسي التونسي
بدأت "عيش تونسي" جمعية، غير أنّ الاستشارات التي نظمتها والأنشطة الميدانية التي قامت بها، بينت لمراقبين أنّها لم تكن سوى تمهيد لعمل سياسي توِّج بترشح ألفة تراس للرئاسة في انتخابات الرئاسة المرتقبة، لعام 2019.
ويلاقي رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، الذي فوّض مهامه لكمال مرجان مؤخراً، انتقادات حادّة تتعلق باستغلاله مؤسسات الدولة في التسويق لحزبه "تحيا تونس"، وخدمة لترشّحه للانتخابات الرئاسية.
ويطالبه كثير من السياسيين بضرورة الاستقالة؛ لضمان تكافؤ الفرص، ولتحييد مؤسسات الدولة والعمل الحكومي عن التسويق الحزبي، وخدمة أجندات شخصية، وهي نفس التهم التي توجَّه إلى عدد من الوزراء في حكومته، الذين أعلنوا ترشحهم للانتخابات الرئاسية، مثل عبد الكريم الزبيدي، وزير الدفاع الأسبق، وغيره.
نزع القداسة عن مؤسسة الرئاسة
ويرى الباحث والمحلل السياسي، الأمين بوعزيزي؛ أنّ السباق المحموم نحو قرطاج حتى من قبل ترشحات وصفها بـ "الفلكلورية"؛ إنّما هو شكل من أشكال التعويض والثأر لعقود الاستبداد التي عاشها التونسيون في العقود الماضية؛ فـ "لم تفلّ عقود الدعاية لألقاب المجاهد الأكبر، ومن بعده صانع التغيير، في تقديس منصب الرئيس في نفوس التونسيين، الذين رغم كون الشعار الرئيس في ثورتهم كان حول حقّ العمل "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"؛ فإنه يبدو أنّهم نجحوا أولاً في نزع القداسة عن مؤسسة الرئاسة، التي ألّهها الاستبداد، حتى أنّ التعدي على مقام الجلالة كانت عقوبته لا تتعدى أشهر سجن قليلة، في حين كانت معارضة الرئيس تكلّف صاحبها النفي والتشريد لمن أمكن له النجاة بجلده، وإلا فإنّ السجون الوطنية جداً كفيلة بإفناء عمره في غياهب الظلمات".

اقرأ أيضاً: انتخابات تونس.. هل يحاول الشاهد إقصاء منافسيه؟
ويقول بوعزيزي، في تصريح لـ "حفريات": إنّه "بفضل الثورة، ثأر التونسيون من غول الرئاسة، أو الرئيس الغول، حتى أنّ التجرؤ على الترشّح لمنصب الرئيس أصبح متاحاً للجميع حدّ تحوّل الأمر إلى مدعاة للسخرية والتندر".
أثارت جمعية "عيش تونسي" جدلاً واسعاً بعد أن أعلنت إمكانية ترشّح عضوها المؤسس ألفة تراس

الاستبداد خطّ أحمر
ويحلل بوعزيزي ظاهرة التكالب على كرسي الرئاسة بكلّ الوسائل بما في ذلك الطرق التي يعتبرها كثير من المراقبين؛ بأنّها "ملتوية"، وتثير جدلاً واسعاً في الشارع التونسي، من خلال جملة من التساؤلات الإنكارية، التي قد تقدّم أجوبة شافية لأبعاد هذه الظاهرة: "هل يعود الأمر إلى مسارعة التونسيين بإنهاء مظاهر الملكية (نظام البايات) تدشيناً لبناء دولتهم ما بعد الاستعمارية؟ أم يعود الأمر إلى تحييد مؤسسة العسكر عن السلطة، في تمايز لافت عن محيطهم الغارق في نظم عسكرية منذ عقود طويلة؟ ترى هل يسّر ذلك على التونسيين سهولة اقتلاع الرئيس ساعة ثاروا على الاستبداد؟ هل ساهم ذلك في تجرؤ التونسيين لاحقاً على منصب الرئاسة حدّ تحوّله إلى موضوع سخرية وتندر و"تطاول الجميع" كي يفوزوا بمنصب الرئيس، أم أنّ الهجمة الجماعية على منصب الرئيس هي رغبة لا واعية في عدم ترك المجال لأيّ مغامر في الاستفراد بمنصب يذكّرهم بمن أذلّهم لربع قرن، أم هي تدشين منهم لزمن ما بعد المجاهد الأكبر وقائد الجهادين وصانع التغيير وتذكير أيّ حاكم جديد بأنّ لا فضل له عليهم، فحتى ثورتهم تنتمي لنموذج ثورات بلا قيادات، فلا موجب لأن يعقبها رؤساء مستبدون؟".
جذور النظام القديم
ويؤكّد بوعزيزي؛ أنّ إغراق الساحة بترشحات تبدو كاريكاتورية كان هدف من دُفع بهم، والتكفل بالمبالغ المالية المطلوبة؛ هو "إشغال الرأي العام بترشحات مضحكة كهذه، لتمرير ترشحات مطلوبين العدالة للتهرب الضريبي، الذين يحلو للتونسيين تسميتهم بالمافيا؛ مافيا مالية استغلت ثغرات في القانون، أو صمت المشرع عنها، للنفاذ منها كالدعاية الاعلامية واستغلال العمل الجمعياتي الخيري لشراء الذمم".

اقرأ أيضاً: تونس تمنع قناتين تابعتين للإخوان من تغطية الانتخابات
ويلاحظ أنّ جذور النظام القديم ما تزال حيّة، وتتمظهر من حين إلى آخر في ممارسة من الممارسات التي تذكرنا به، وأبرز دليل على ذلك بالنسبة إليه؛ توظيف أجهزة الدولة في خدمة الوصول إلى كرسي الحكم، أو المحافظة عليه.
يؤكد بوعزيزي؛ أنّ "استعمال أجهزة الدولة يعكس استمرارية ممارسات الحكام المستبدين في السلوك السياسي لرموز النظام القديم، الذين عادوا عام 2014 للسلطة، دون أدنى اكتراث باحترام الدستور الجديد وحزمة القوانين المنبثقة عنه".
مخاوف كثيرة
أما الصحفي والمحلل السياسي، وسام حمدي؛ فقد أشار في قراءته للسياق الانتخابي الحالي في تونس إلى أنّ "الاستحقاق الانتخابي الرئاسي هذه المرة، ورغم مرور ثمانية أعوام على ثورة يناير، وكذلك على بداية المسار الانتقالي الديمقراطي، سيكون مغايراً ومشكوكاً في نزاهته وشفافيته، حتى قبل البداية الرسمية للحملات الانتخابية، وقبل حلول موعد الاقتراب، وذلك بسبب تراكم العديد من المعطيات والمؤشرات"، ويبني فرضيته هذه على ثلاثة معطيات مهمة، يتعلق أولها بتوظيف مؤسسات الدولة في المسار الانتخابي، وثانيها بملابسات قضية نبيل القروي المرشَّح للرئاسيات، وثالثها بالمخاوف من التزوير.
رئيس الحكومة يوسف الشاهد المرشَّح للرئاسة يقوم بتوظيف أجهزة الدولة لفائدته

توسّل أجهزة الدولة وتصفية الخصوم
ويرى حمدي، في تصريح لـ "حفريات"؛ أنّ "أكثر المخاوف التي تخامر التونسيات والتونسيين، تتلخص حتماً فيما بدا واضحاً من خلال العديد من المؤشرات؛ أنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد، المرشَّح للرئاسة، يقوم بتوظيف أجهزة الدولة لفائدته؛ حيث لم يكن كافياً أن يطلع علينا ليعلن تفويض صلاحياته للوزير كمال مرجان، الذي هو في الوقت نفسه رئيس المجلس المركزي لحزبه "تحيا تونس"، كان عليه أن يعلن استقالته قبل أشهر، خاصّة أنّه كان يخطط لقصر قرطاج منذ بداية 2018، حين تمكّن من عزل الباجي قائد السبسي سياسياً".

اقرأ أيضاً: تونس.. هل تحوّل الخلافات الداخلية "إخوة" حركة النّهضة إلى خصوم؟
ويضيف حمدي؛ "ما يحصل مع المرشح نبيل القروي، ورغم أنّ الأخير متهم بقضايا فساد يعلمها الجميع في تونس، لما يتميز به صاحب القناة التلفزيونية "نسمة" من أنشطة "مافيوزية"؛ فإنّ توقيفه بتلك الطريقة، وفي هذا المرحلة بالذات، يشي بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ قضيته سياسية أكثر منها قضائية، فالرجل كان يصول ويجول ويوظف بدوره العمل الخيري طيلة أكثر من عامين، ولم يحرّك أحد ساكناً، فلماذا اليوم بالذات؟".
مخافة التزوير
أما النقطة الثالثة التي يبني عليها فرضيته؛ فتتعلق بالتوجّس من التزوير. يقول: "في تونس الآن لدينا ثلاث رئاسات مؤقتة؛ مورو (رئيس برلمان ومترشّح)، محمد الناصر (رئيس جمهورية مؤقت)، ومرجان (رئيس حكومة مؤقت)، فمن سيضمن أو يحصّن الانتخابات من التزوير في ظلّ خروج المعركة الداخلية للدولة العميقة، التي يقودها النظام البائد غير الحاسم في مرشّح واحد؛ حيث وجد "السيستم" لخبطة لكثرة المرشحين، وعلى رأسهم الشاهد والزبيدي".

الدعاية للانتخابات دفعت بعض المنابر الإعلامية الخاصة لتكون بوق دعاية لأصحابها واستغلت جمعيات متنوعة المشارب والاهتمامات للوصول إلى الناس

ويؤكد حمدي؛ أنّ "هذا الضرب الممنهج للمسار الديمقراطي في تونس، لم يكن وليد اليوم؛ فرئيس الحكومة مثلاً ظلّ منذ أن نجح في التمرد سابقاً على الراحل الباجي قائد السبسي، يوظف أجهزة الدولة لفائدته ولفائدة حزبه، الذي تمّ تأسيسه مؤخراً، ثم إنّ الرجل منذ مدة يقايض الخصوم بالملفات القضائية، ورغم ذلك لم يستطع إلى الآن كشف الملفات التي تتورط فيها حركة النهضة؛ كالجهاز السري، أو ملف الاغتيالات؛ لأنّه يعلم أنّه من دونها لن تكون له أيّة مكانة خاصة في مرحلة ما بعد الانتخابات، وما ستفرزه من تحالفات".

الانفتاح الديمقراطي المسنود بتعددية سياسية، برزت بعد الثورة، قد يكون في نظر حمدي مهدداً، ذلك أنّ "ما يحصل الآن قد يصل بتونس إلى مرحلة القطع مع الديمقراطية، وهو ما يتطلب من القوى التقدمية الحية الانتباه إلى ما سيحصل في الانتخابات، خاصة في ظلّ وجود تعثرات كبرى، تضرب هيئة الانتخابات التي يبدو أنّها ليست جاهزة بالقدر الكافي لإجراء الرئاسية والتشريعية، في الوقت نفسه تقريباً؛ حيث يرجَّح أن تحدث تجاوزات وخروقات بالجملة، خاصّة من الأحزاب الحاكمة والفاعلة".

الصفحة الرئيسية