سفير فرنسي: التدخل الأمريكي الوحشي في العراق كان هدية لإيران

سفير فرنسي: التدخل الأمريكي الوحشي في العراق كان هدية لإيران

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
17/01/2022

ترجمة: مدني قصري

يرى الدبلوماسي والسفير الفرنسي السابق دينيس بوشار أنّ الأثر الأوّل للتدخل الوحشي الأمريكي في العراق 2003 هو أنه كان هدية مزدوجة لطهران، فهكذا تخلّصت إيران من عدوّها الرئيس، صدام حسين، الذي اختفى، وكذلك تخلصت من جيشه، إضافة إلى ذلك أدى إرساء الديمقراطية في العراق تلقائياً إلى استيلاء غالبية الطائفة الشيعية في العراق على السلطة. وهكذا استطاعت إيران أن تمارس نفوذها من خلال سياسيين مقرّبين منها وتشكيل ميليشيات تقوم بتسليحها وتدريبها.

دينيس بوشار Denis Bauchard، ومستشار IFRI (المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية) لشمال أفريقيا والشرق الأوسط يجيب عن أسئلة موقع  pascalboniface.com بمناسبة نشر كتابه "الشرق الأوسط في تحدي الفوضى".

هنا تفاصيل الحوار:

هل كانت حرب العراق عام 2003 قطيعة حقيقية؟

نعم 2003 هو أحد التواريخ الرئيسية في تاريخ الشرق الأوسط منذ نصف قرن، لكنّه ليس الوحيد؛ 1979 مثل 2011 من بين أمور أخرى، سجّلا أيضاً تمزقات ساهمت في زعزعة استقرار هذه المنطقة الحساسة.

كان تدخّل الولايات المتحدة في العراق، أوّلَ عملية عسكرية أمريكية منذ عام 1945 أسفرت عن خلق نظام في الشرق الأوسط وإدارة مباشرة من قبل واشنطن وكانت لها عواقب وخيمة

كان تدخّل الولايات المتحدة في العراق، عام 2003، غير القانوني بموجب القانون الدولي، لأنّه لم يوافق عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أوّلَ عملية عسكرية أمريكية منذ عام 1945 أسفرت عن خلق نظام في الشرق الأوسط وتغييرٍ دائم وإدارة مباشرة من قبل واشنطن كانت لها عواقب وخيمة، وكان يمكن التنبؤ بها، فكما توقّعها الرئيس شيراك توقّعها معظمُ الدبلوماسيين والباحثين، بمن فيهم الأمريكيون الذين أكدوا ليس فقط المخاطر على استقرار الشرق الأوسط ولكن أيضاً على المصالح الأمريكية نفسها. الأثر الأوّل لهذا التدخل الوحشي كان هدية مزدوجة لطهران، فهكذا تخلّصت إيران من عدوّها الرئيس، صدام حسين، الذي اختفى، وكذلك تخلصت من جيشه، إضافة إلى ذلك أدى إرساء الديمقراطية في العراق تلقائياً إلى استيلاء غالبية الطائفة الشيعية في العراق على السلطة. في الواقع معظم مسؤوليها مقرّبون من إيران حيث عاشوا في المنفى لسنوات عديدة، وهكذا استطاعت إيران أن تمارس نفوذها من خلال سياسيين مقرّبين منها وتشكيل ميليشيات تقوم بتسليحها وتدريبها.

غلاف الكتاب

بالإضافة إلى ذلك يمكننا أن نعدّ، مثل لورنس ويلكرسون، الذي كان في ذلك الوقت رئيس أركان تابعاً لوزير الخارجية الأمريكية كولن باول، خلال مقابلة تلفزيونية على قناة "PBS"، في 13 كانون الثاني (يناير) 2020؛  أنّ "قرار غزو العراق" أدى إلى " الفوضى التي تطال وتشمل اليوم منطقة الشرق الأوسط بأسرها". في الواقع، بعد حلّ الجيش العراقي من قبل الحاكم الأمريكي، انضمّ جزء كبير من كوادره السنّة إلى المتمردين، وهكذا، اعتباراً من عام 2006، جاء دور داعش الذي لم يجد صعوبة في تجنيد مقاتلين من السنّة الذين رفضوا السلطة الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل يعود العراق إلى بيئته العربية؟

ساهمت هذه السياسة في الفوضى التي نعرفها اليوم، لقد سمحت لإيران ليس فقط بتوسيع نفوذها في العراق بل أعطتها أيضاً قوة دفع لتطوير داعش في العراق، لكن أيضاً في سوريا، على الرغم من استعادة الأراضي التي احتلها تنظيم داعش، فما يزال التهديد الإرهابي قائماً.

لقد ترأّست معهد العالم العربي، ونراك تصف الاهتمام والصعوبات.

معهد العالم العربي (1) مشروع مشترك بين الحكومة الفرنسية و22 دولة عربية، على أساس التكافؤ في إدارتها ومواردها. ليس لهذا المعهد مثيل في أي دولة غربية أخرى، إنّه نجاح سياسي وثقافي حقيقي، كانت خطة الرئيس جيسكار ديستان التي تبناها خليفته خطةً سياسية بشكل بارز، كان الأمر يتعلق بتأكيد اهتمام فرنسا بالعالم العربي والتعبير عن رغبتها في إقامة علاقات شراكة حقيقية، خِلافاً لأفكار "صراع الحضارات" التي سادت بعد أزمة، عام 1973، لقد سعى هذا المعهد إلى طرح ثراء التبادلات بين العالمين العربي والغربي، بالنسبة إلى الدول العربية يعَدّ معهد العالم العربي واجهة استثنائية يستطيع من خلالها إظهار الجوانب المختلفة لهذه الحضارة الغنية جداً على مرّ القرون، والتي تمثّل اليوم أرضاً خصبة للعديد من المواهب. على الصعيد الثقافي اِحتلّ المعهد مكانه بالكامل في المشهد الباريسي بهندسته المعمارية الرمزية وبرمجته الأصيلة وحضوره الكبير. ومع ذلك كان الوضع المالي دائماً إشكالياً؛ فعلى الرغم من التحسينات فإنّه ما يزال هشّاً، ومن الواضح أنّه، كمركز ثقافي، لا يمكنه العمل إلا إذا تمّت تغذية ميزانيته بانتظام من قبل "المساهمين" المعنيين. لكن، مع استثناءات قليلة، ما نزال نلاحظ فشلاً ملحوظاً من قِبل الجانب العربي، فإذا كان التكافؤ المالي قد تحقّق في وقت الهبة الأولى التي مكّنت من بناء هذا المبنى الاستثنائي؛ فإنّ الدولة الفرنسية هي التي تؤمّن حالياً تمويله شبه الكامل الساري.

أنت تعتقد أنّه في منطقة الشرق الأوسط اتبع فرانسوا هولاند السياسة نفسها التي اتبعها نيكولا ساركوزي؟

أظهر الرئيس ساركوزي عند توليه السلطة قطيعة مع سياسات جاك شيراك(2)، سواء من حيث السياسة الداخلية أو الخارجية، وتميّزت تلك القطيعة بالتقارب مع الولايات المتحدة والتعاطف تجاه إسرائيل، وبسياسة العقوبات والتدخلات العسكرية غير الفعالة والكارثية، كما تميزت بالرغبة في المواجهة مع إيران، فقد ورث فرانسوا هولاند بالتأكيد إرثاً ثقيلاً، لكنّه لم يحاول تغيير توجهات سلفه السياسية. على العكس من ذلك، مارست فرنسا في عهده المزايدات وأجّلت الاتفاق النووي مع إيران لعدة أشهر، إضافة إلى ذلك، بدأت الجدالات والنقاشات المعادية للإسلام وللمجتمع العربي في فرنسا تكتسب زخماً خلال تلك الفترة وهي مستمرة حتى يومنا هذا، وأدى ذلك إلى تدهور صورة فرنسا في الشرق الأوسط وكذلك في شمال أفريقيا.

نراك تطرح تأمّلاً عميقاً حول التغيير في طبيعة مهنة الدبلوماسي.

في الواقع، بدا لي أنّه من الأهمية بمكان مناقشة تطوّر مهنة الدبلوماسي على نحو ما عرفتها وخبِرتها منذ أكثر من خمسين عاماً، من الداخل ثم من الخارج، مع استمراري في السفر إلى الشرق الأوسط، حيث يلعب الدبلوماسيون دوراً أكثر فعالية من أيّ مكان آخر؛ فهو دور أساسي.

بعد حلّ الجيش العراقي من قبل الحاكم الأمريكي، انضمّ جزء كبير من كوادره السنّة إلى المتمردين، وهكذا جاء دور داعش في تجنيد مقاتلين من السنّة الذين رفضوا السلطة الشيعية

إنّ أسس مهنة الدبلوماسي التي حدّدتها هذه الكلمات قبل بضعة قرون (تمثيل، حماية، تفاوض، إعلام) تظلّ صالحة بالتأكيد، لكنّ السياق تغيّر بشكل عميق أيضاً، وعلى الخصوص الوسائل التقنية التي تمنح السفارات مزيداً من وضوح الرؤى. تتكون هذه السفارات الآن من فرق متعددة التخصصات: امتدت مهاراتها إلى قطاعات جديدة (البيئة، والأمن، والإرهاب، وآخرها الصحة).

اقرأ أيضاً: هل غيّرت إيران استراتيجيتها في العراق؟

 الارتباك الذي تُحدثه الشبكات الاجتماعية والأخبار المزيفة يجعل دور السفارات أكثر فعالية في مجال المعلومات وفي فكّ الرموز والتشفير، أصبحت وظيفة الاتصال على الصعيد المحلي جدّ ضرورية، وأخيراً يلعب الدبلوماسي دوراً رئيساً في حالات الأزمات، وهي، للأسف، كثيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما يشهد على ذلك الموقف النموذجي للسفير الفرنسي وفريقه في أفغانستان.


هوامش:

 (1)  معهد العالم العربي: مؤسسة قائمة على القانون الفرنسي، وأُنشِئت لتكون في الأساس أداة للتعريف بالثقافة العربية ولنشرها، تأسّس عام 1980؛ حيث اتفقت 18 دولة عربية مع فرنسا على إقامته ليكون مؤسسة تهدف إلى تطوير معرفة العالم العربي وبعث حركة أبحاث معمقة حول لغته وقيمه الثقافية والروحية، كما تهدف المؤسسة إلى تشجيع المبادلات والتعاون بين فرنسا والعالم العربي، خاصّة في ميادين العلوم والتقنيات، مساهِمة بذلك في تنمية العلاقات بين العالم العربي وأوروبا، معهد العالم العربي هو مركز ثقافي جاء ثمرة تعاون بين فرنسا وبين اثنين وعشرين بلداً عربياً، وهي: اليمن، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وجزر القمر، وجيبوتي، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، والعراق، والأردن، والكويت، والسودان، وليبيا، وقطر، وموريتانيا، وعُمان، وفلسطين، والمغرب، والصومال، ولبنان، ومصر، وتونس، والجزائر، والمعهد يعدّ اليوم "جسراً ثقافياً" حقيقياً بين فرنسا والعالم العربي.

(2) جاك شيراك (1932 – 2019): مسؤول فرنسي رفيع المستوى ورجل دولة، شغل منصب رئيس الوزراء من 1974 إلى 1976، ثم من 1986 إلى 1988، ثم رئيس الجمهورية من 1995 إلى 2007. 

عُرف شيراك أيضاً بموقفه ضدّ حرب الولايات المتحدة على العراق، واعترافه بدور الحكومة الفرنسية المتعاونة في ترحيل اليهود، وتقليص فترة الرئاسة من 7 سنوات إلى 5 سنوات من خلال استفتاء في عام 2000، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2002 حصل شيراك على 82.2% من الأصوات في الجولة الثانية، ضدّ مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان، لكن في فترة ولايته الثانية حظي بنسبة قبول منخفضة للغاية وعُدَّ أحد أقل الرؤساء شعبية في تاريخ فرنسا السياسي الحديث.

في عام 2011، أعلنت محكمة باريس أنّ شيراك متّهم بتحويل المال العام واستغلال الثقة العامة، وحكمت عليه بالسجن مدة عامين مع وقف التنفيذ.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.pascalboniface.com


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية