سمير أمين يترجّل: في معنى أن يقرأ الرئيس الصيني لمفكر عربي

18576
عدد القراءات

2018-08-14

ناضل سمير أمين، قبل أنّ يغيّبه الموت أول من أمس، الإثنين، في العاصمة الفرنسية باريس، حتى يحقق الاعتراف العالمي به كمفكر أصيل ورائد من رواد نظرية التبعية. لذا كان عليه أن يطوِّر ويفصّل نموذج المراكز والأطراف بدرجة أكبر، وأن يدرس علاقات وشروط الإنتاج ليميّز بين نموذجين اجتماعيين؛ أحدهما الاقتصاد المُتمركز حول ذاته، الذي يستطيع تجديد نفسها اجتماعياً باعتباره يمتلك قطاعاً صناعياً لكلٍ من السلع الاستهلاكية والسلع الإنتاجية، لكنه ليس مكتفياً بذاته.

انضمام سمير أمين للحزب الشيوعي الفرنسي قاد إلى وصفه بأنه ابن الثقافة الفرنسية أكثر من كونه مفكراً مصرياً

فمنذ الستينيات بدأت تتجمع بعض المساهمات الماركسية المتقاربة على مستوى الرؤية والمنظور لتنتج نظرية في التنمية على المستوى العالمي تميّز بين الرأسماليات المركزية والطرفية، وترى في بقاء الأخيرة على تخلفها سبباً في استمرار ازدهار رأسمالية المركز الغربي، وسميت تلك النظرية بـ"نظرية التبعية" التي ساهم فيها، كما يقول الباحث الاقتصادي المصري مجدي عبد الهادي: "بول باران" عبر أطروحته عن الثنائية الاقتصادية والرأسمالية الاحتكارية و"شارل بتلهايم" عبر أطروحته حول الاختلافات التاريخية المُعيقة لتكرار النمو الرأسمالي التاريخي و"أندريه جوندر فرانك" وأطروحته عن المراكز والتوابع و"إيمانويل فاليرشتاين" ونظريته في الأنظمة العالمية و"بيل وارين" وطرحه عن التصفية الذاتية للنظام الإمبريالي.

ومن بين هؤلاء كان صوت عربي بارز، يدعى سمير أمين الذي قدّم أطروحته حول الرأسماليات المركزية والطرفية.

غلاف كتاب "التراكم على الصعيد العالمي"

رائد يناطح الرأسمالية عالمياً

الاقتصاد الطرفي في بلدان العالم الثالث اقتصاد محيطي وتابع، وتهيمن عليه الصناعة الاستهلاكية، بينما يفتقر إلى صناعة السلع الإنتاجية التي توفر شروط تجدد ذلك الاقتصاد محلياً، مما يجعل هذا النمط من الاقتصاد عاجزاً عن الاعتماد على نفسه ومضطراً للاعتماد على السوق الدولية وعلى الارتباط بالمراكز الرأسمالية.

ووفقاً لتحليلات سمير أمين (3 أيلول "سبتمبر" 1931 - 13 آب "أغسطس" 2018) التي أوردها ضمن كتاباته وبالتحديد في كتابيْ "التراكم على الصعيد العالمي" و"التطور اللامتكافئ" فقد صُنعت تلك الاقتصادات التابعة على يد، وبفعل التدخل الاستعماري الذي أقحم العلاقات الرأسمالية على علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية بها، وكبح نمو تلك البلدان على كل المستويات.

اقرأ أيضاً: رحيل عالم مصري أنقذ مئات الملايين حول العالم

يقول الباحث الاقتصادي المصري مجدي عبد الهادي لـ"حفريات": إنّ نظرية التبعية مثّلت أساس الطرح النظري والخطاب السياسي للعالم الثالث في مرحلة التحرّر الوطني في الستينيات، فيمكن اعتبارها أهم محاولات "تبيئة" الماركسية في سياق الأطراف الرأسمالية، في مواجهة الطروحات والخطابات "الأورومركزية" التي لم تخل من آثارها حتى التيارات التقدمية في الغرب، وهى من هذا الباب تُمثل إحدى قضايا سمير أمين الأساسية؛ لا عجب أن كانت مساهمته فيها بمرتبة الريادة لا أقل".

وعن أثر أمين، يقول عبد الهادي: "كان لسمير أمين سهمه المهم، بمساهمته في تحليل التشكيلات ما قبل الرأسمالية، من خلال نظريته في النمط الخراجي، وتعميم مقولات المراكز والأطراف، ورفضه نظرية نمط الاستبداد الآسيوي؛ حيث أكّد على الطابع العالمي للأنظمة وعلى إعادة موضعة الأطراف الشرقية ضمن المسيرة العالمية للتطور، وليس كحالات خاصة، كما في نظرية الاستبداد الآسيوي ذات الظلال الاستشراقية".

اقرأ أيضاً: إبراهيم نافع.. كرامات ما بعد الرحيل

هذه المقاربة مثّلت انقلاباً على الطرح الماركسي غير المُكتمل في هذا الشأن، كما يردف عبدالهادي "ليس على جبهة تفسير التشكيلات ما قبل الرأسمالية فقط، بل أيضاً على صعيد تصوّر مستقبل الثورة العالمية، بنقل بذورها المُنتظرة من المراكز الإمبريالية المُتخمة بالريع والمُستقرّة نسبياً بشراء طبقاتها العاملة، إلى الأطراف بأوضاعها المتدهورة باستلاب فوائضها وبطبقاتها العاملة والشعبية التي تحمل على كاهلها العبء الأكبر من استغلال النظام وحلول أزماته".

نظرية باقية وصالحة أيضاً

ويعرب المفكر الأردني هشام غصيب لـ"حفريات" عن اعتقاده بأنّ "نظرية التبعية ما تزال صالحة لتفسير تخلف بلدان الجنوب، لكنّ أقطاراً معينة استطاعت أن تفلت من إسار التخلف والتبعية بفضل نجاح حركات التحرر الوطني فيها، كالصين وفييتنام وكوبا، وإلى حد ما الهند والبرازيل، لكن لم تفلت تركيا بالتأكيد".

ويقدّر مجدي عبد الهادي أنه "ربما تكون التطورات الفكرية قد أثرت النظرية وعدّلتها، في مواجهة ما عانته من قصورات جلبت عليها النقد، بما يصل لمرحلة إعادة التركيب وتغيير الصياغة، كما في أطروحات (نظرية الأنظمة العالمية) لرائدها إيمانويل والرشتاين مثلاً، لكنها تبقى الأساس الثري والنواة الانشطارية التي لم تزال تثمر نظرياً وسياسياً حتى الآن".

سمير أمين قدّم أطروحته حول الرأسماليات المركزية والطرفية ورأى الاقتصاد في بلدان العالم الثالث اقتصاداً محيطياً وتابعاً

وفي نظر مصطفى الجمال، التلميذ المباشر لسمير أمين، والباحث بمركز البحوث العربية بمصر، فإنّ أمين "فك الارتباط مع الإمبريالية العالمية هو الطريق الأساسي للتغيير الثوري، وإنْ كانت هناك عوامل إقليمية ومحلية أخرى تسهم في مزيد من التخلف، مما ينتج عنه رثاثة البرجوازيات المحلية، وهشاشة القوى الراغبة في التغيير".

وعن تلمذته على يد سمير أمين، يقول الجمال لـ"حفريات": "أمين لم يسع قط لأن يكون له تلاميذ، وكان يرحب بخلافاتنا معه ويستفيد منها، ونرى ثمار مناقشتنا معه في كتاباته التالية للحوار الذي كنا نخوضه معه".

وعن اتهام المفكر الراحل بالميل للنزعة الثقافوية والتخلي عن المنهج المادي الذي التزم به طوال حياته في كتاباته الأخيرة حول الثقافة العربية والأمة، يردّ الجمال: "بالعكس كتاباته هذه كانت في صلب المادية التاريخية التي لا تهمل البعد الثقافي باعتباره من نتاج الواقع المادي".

ويعلق هشام غصيب على وصف سمير أمين بـ"الثقافوية" في أخريات حياته قائلاً: "ما كان ينقصه دوماً هو التحليل الطبقي فقط".

حظيت الورقة باهتمام الرئيس الصيني نفسه

إمكانية انخراط الصين في العولمة

ترك سمير أمين ثروة معرفية وإرثاً منهجياً ما يزالان يؤثران في تكوين الباحثين الاقتصاديين والمناضلين ضد الرأسمالية العالمية والامبريالية في صورتها المعولمة.

وكان آخر أعمال سمير أمين، ورقة كتبها حول إمكانية انخراط الصين في العولمة المالية والتي نشرها بالعربية تلميذه مصطفى الجمال صباح أمس الثلاثاء، على موقع "الحوار المتمدن" وهي تكشف عن رأيه في جدل ساخن داخل دوائر القيادة الصينية حول العولمة المالية، وحظيّت الورقة باهتمام المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني والرئيس شي جين بينغ نفسه، وخاض سمير نقاشاً حيّاً حول الورقة في بكين قبل ثلاثة شهور.

اقرأ أيضاً: زايد في ذكرى رحيله: رمال الصحراء تشرق بالوعد والذهب

يضيف الجمال: "سمير أمين كان يفكر في إنشاء أممية جديدة، وكتب ورقة عمل بذلك، ولست في حلٍ من نشرها الآن لأنها ملك شركائه الذين أطلعوني عليها، وهي تقوم على تحليلاته للوضع العالمي العام". بينما يقول غصيب: "كل ما أعرفه أنه نادى بتجميع القوى المناهضة للإمبريالية نفسها على الصعيد العالمي. سبق أن طرحت هذه الفكرة في كتابي (دفاعاً عن الماركسية) في تسعينيات القرن الماضي".

انضمّ للحزب الشيوعي الفرنسي بالخمسينيات

مصري وأممي في وقت واحد

انضمام سمير أمين للحزب الشيوعي الفرنسي، في الخمسينيات، جعلت من البعض يصفه بأنه ابن الثقافة الفرنسية أكثر من كونه مفكراً مصرياً أو عربياً، وهو ما يرفضه بشكل قاطع مصطفى الجمّال، الذي يشدد على أنّ سمير أمين كان ملماً بمعظم الثقافات العالمية، ودرايته بالتاريخ والتراث الإسلامي أعمق من كثيرين ممن يؤطرون مشروعه الفكري في السياق الفرنسي، ويكفي نظريته عن الخراج ودولة "المحاسيب المملوكية".

أما غصيب، المعروف بماركسيته، فيؤكد: "الوصف صحيح إلى حدٍ ما، لكنه ظل مصرياً حتى النخاع". ويستطرد: "مصري في المقام الأول، ليس عربياً، لكن على أي حال، يمكن القول إنه كان عالمياً".

اقرأ أيضاً: مثقفون عرب يذرفون كلمات الحزن في رحيل علي أبوشادي

مجدي عبد الهادي يرى في سمير أمين نموذجاً للمواطن الأممي ذي الثقافة العالمية، ولاشك أنّ أي إنسان يكتسب بعض سمات بيئته، لكن جلّ ما رأيناه فيه من شبهة "ثقافة أوروبية" لا يعدو القناعات الشخصية والاجتماعية الطبيعية لتقدمي، وبعض العادات الشخصية الإيجابية من نوع احترام المواعيد وما شابه من عادات مُتحضّرة، مما يعتبره البعض سمات "غير مصرية"!

وكان أمين ولد في مصر لأب مصري وأم فرنسية، وكان كلاهما، كما تذكر "الويكيبيديا" طبيباً. غادر إلى باريس ليدرس فيها من 1947 إلى 1957 ليعود إلى مصر حاملاً شهادة الدكتوارة في الاقتصاد من السوربون.

كتابه عن الماوية، وهو ضمن أزيد من عشرين كتاباً له بالعربية، دفع البعض لتصنيفه كماوي قطع مع الإرث اللينيني، لكنّ هشام غصيب يرفض ذلك، مشيراً إلى أنّ سمير أمين لم يقطع بالتأكيد مع الإرث اللينيني، وظل متأثراً بالماوية، "وإن كان خرج من إطارها الضيق".

اقرأ أيضاً: رحيل لويس جريس.. راهب الصحافة وقديس الحب

أما مجدي عبد الهادي، فيقول "إذا سُئلت عن انتماء سمير أمين للماوية، سأقول: نعم ولا، لأنه انتمى للتصوّر العام الأساسي للماوية وتجاوز ما عداه، بما في ذلك تحوّلات التجربة الصينية نفسها، أما كمُسمّى فقد انتمى لها وبقيت معه بالقصور الذاتي؛ لهذا أرى أنه ظلّ مُنتمياً لها بقلبه أكثر مما فعل بعقله، وعموماً فالرجال من طراز ومستوى سمير أمين، لا يبقون طويلاً حيث تغيّرت السياقات، كما لا يمكن حبسهم في إطار نظري بسيط، وهو ما تؤكده بجلاء مرونته الفكرية الهائلة والتطوّر المستمر لتحليلاته ومواقفه حتى وفاته".

وفي تقدير غصيب، فإنّ سمير أمين كان ينتمي إلى مدرسة المجلة الماركسية الأمريكية (منثلي ريفيو) فهذه المجلة هي المسؤولة عن ترويج كتاباته باللغة الإنجليزية، جنباً إلى جنب مع كتابات بول سويزي، وهاري ماغدوف، وبول بران، وأندريه غندر فرانك، وشارل بتلهايم.

وكان لهذه المدرسة، كما يؤكد غصيب، "ميول ماوية وكوبية واضحة، ووقفت بحزم إلى جانب شعوب الجنوب في مجابهة الإمبريالية، وطوّرت مفهومات ونظريات ماركسية جديدة أثرت الفكر الماركسي ومكّنته من استيعاب التطورات التي شهدتها الرأسمالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ والماركسية، كأي علم آخر، إما أن تظل متحركة، تجدد نفسها وتخلق فكراً جديداً، وإما أن تتخشّب وتموت".

اقرأ المزيد...

الوسوم: