طومان باي: القمة على ظهور الخيل برفقة الرمح والسيف

طومان باي: القمة على ظهور الخيل برفقة الرمح والسيف

مشاهدة

16/06/2021

ما عساها تكون نفسية طفل قفقازي صغير، أحكم جندي يده على عنقه، ثم قذف به في قفص حديدي تجرّه الخيول، ليجد نفسه بلا أب ولا أم، بل رقيقاً مملوكاً، في بلاد الشام أو مصر.
لكنّ ما يلقاه من أهوال في طريق حياته كلّها، وتحوّل مصيره، لا ينسيه المشهد الأول؛ بل يبقى عالقاً في الذاكرة، ربما ينسى ما قبله، فلا يذكر أباه وأمّه، أو يتناسى ما لاقاه من عذابات وآلام بعده.

اقرأ أيضاً: الرشوة إذ تتجمّل.. من صدر الإسلام حتى عصر المماليك
لقد استجلب من تلك البلاد البعيدة، كي يكون مقاتلاً، صلباً، جلداً، يؤمن بعقيدة جديدة، تسكب سكباً في عقله، ليدرك أنّه ما خلق إلّا ليدافع عن ذلك العرش، أو يذبّ عن هذه الأمّة، وليدفع حياته رخيصة ثمناً لذلك.
وصل إلى القمة، بخيله ورمحه وسيفه، فبات حاكماً ذا عزم وشكيمة، على ملايين الأحرار، وظلّ هكذا مئات القرون من القوة، التي كسرتها الآلة الحديثة الغادرة، التي لم تجد معها فروسية وشجاعة.
طومان باي، كغيره من المماليك، لم تذكر عنه كتب التاريخ شيئاً كثيراً، إلا عندما بات ذا شأن وقيمة، إلّا أنّ المؤرّخين المعاصرين رجّحوا أن يكون جركسياً، اشتراه الأمير قانصوه الغوري، وأظله برعايته، حتى شكّوا في أنّه كان أباه أو عمّه، إلا أنّ رعاية قانصوه يمكن ألا تكون بسبب ذلك؛ إذ إنّ هذا الطفل طومان باي، كانت تبدو عليه منذ نعومة أظفاره، علامات النبوغ والتميز، كان متوسط الطول، ذهبيّ اللون، واسع الجبين، أسود العينين، والحاجب، واللحية.

مملوك في الأطباق

وصل طومان باي إلى قانصوه الغوري، فأخذه من يديه، وذهب به السلطان الأشرف قايتباي، عسى أن يجد له مكاناً في القصر، وبين أولاد السلطان، إلا أنّ السلطان أمر بأن يلتحق الطفل بالطباق، أو الأطباق "مدارس عسكرية"، مثله مثل بقية "الجلبان"، حتى يأخذ دورته العادية في التنشئة المملوكية.

د. عبد المنعم ماجد عن طومان باي: سوء الحظ قد يصيب الرجال ذوي المبادئ والخلق، وكأنّها سخرية من الأقدار

انتشرت الأطباق في القاهرة، وخارجها، لكن طبق القلعة كان أعرقها، كان كأنّه حيّ، أو مدينة صغيرة، يسعُ ألف مملوك أو يزيد، يطلق عليهم الناس، "مماليك الطباق أو الكتابية".
في طباق القلعة تعلم طومان باي الكتابة وفنون الحرب، مع أترابه وأبناء جنسه، حتى برع في فنون الخطّ، وحفظ القرآن، وتعلّم الشرع، وعندما شبّ قليلاً، بدأ في تعلّم فنون الحرب من ضرب السيف ورمي السهم والنشاب، واحتراف فنّ الدبوس، وهي أعمدة لها رؤوس مضرسة معدّة للقتال، والأهم كانت الفروسية.
بات طومان فارساً، لا يجاريه أحد في مباريات الفروسية، وأمام السلطان والأمراء، الذين كانوا ينزلون الملعب للاشتراك فيها، بعد أن يغلبهم الحنين إلى ماضيهم، إلا أنّ طومان كان مولعاً بركوب الفرس بدون سرج، ولعب الكرة على ظهور الخيل، يضربها بالصولجان.
السلطان الأشرف قايتباي

الصوفيّ المملوك
كان لا بدّ من البحث عن أنّه ثمة رابطة تجمع كلّ هؤلاء المتنافرين في اللغة، والقومية، واللون، والجنس، فلم يكن هناك أفضل من رابطة الإسلام بنسخته الصوفية.
كان فقهاء الأطباق، أو "المؤدّبون"، يخضعون المماليك الصغار، على ذكر الأوراد الصوفية، بانتظام وتراتب، وكان المملوك ينظر إلى المؤدّب نظرة يحفّها الإجلال والتقدير والمهابة.

اقرأ أيضاً: بالصور.. هدم مبنى يعود لعصر المماليك في مصر
أما الآغاوات "الطواشي"، بدورهم، فكان عليهم إخضاع المماليك لنظام دقيق مرتب وصارم، فليس لهم أن يخرجوا من الطباق البتة، في مقابل ذلك كان حرصهم على تغذيتهم تغذية متنوعة وسليمة، فكان أكلهم اللحم، والعسل، والفواكه، والحلوى، والفول المسلوق.
كما كانوا يحرصون على أن يكون لباس المماليك نظيفاً فاخراً أبهاً، في مقابل مال قليل، لا يتجاوز بضعة دنانير.
كانوا يأخذون بشدة في حركاتهم وسكناتهم، فإذا اقترف أحدهم ذنباً أو خرج عن النظام، وآداب الدين والدنيا، قوبل بعقوبة شديدة.

 

 

إعداد القائد

لماذا لا نحمل عليهم، باعتبارهم كانوا رقيقاً حكموا، لكنّهم قدّموا نموذج العبد الرقيق؛ عندما يصبح عظيماً وفارساً وشجاعاً، أنّ النظرة إلى المماليك باعتبارهم عبيداً فاسدين، نظرة يكتنفها التعالي والعنصرية.
وبعد أن تعلّم وتثقف وتهذّب في الطبق، أُعتق مع أترابه من المماليك، بعدها ظلّ لمدة عشرين عاماً يترقّى في المناصب، ومع أنّه كان من محاسيب ثلاثة من السلاطين، إلا أنّه كان كفؤاً لها جميعها، وأظهر في كلّ منها تفانياً ومقدرة فائقة، وبالتالي اكتسب خبرة لم تتهيأ لأيّ سلطان سابق عليه، مما جعله على علم بكل تفاصيل وظائف القصر، كأنه تهيّأ لأن يكون قائداً.
كانت أولى المهام التي تولّاها بعد تخرجه من الطبق، وظيفة أمير جمدار، وهي لفظة فارسية، بمعنى من يتصدى لإلباس السلطان في القصر؛ حيث كان شعارها "بقجة" مربعة، ولذلك كان يطلق عليه "ماسك البقجة"، وهي الحقيبة المربعة.
ثم لقد أصبح يعمل في حاشية السلطان محمد بن قايتباي، ويعدّ واحداً من حواشيه "خاصكي".

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة
وعندما تولى السلطنة قانصوه الغوري، وهو قريبه، رقِّي إلى رتبة أمير العشرة، عام 1501، فأصبح تحت إمرته عشرة مماليك، على الأقل، فضلاً عن أعداد من الجنود لا يقلّون عن ألف.
ثمّ رُقِّي بعد 3 أعوام إلى أمير طبلخاناه، بمعنى أنّه أصبح له حقّ دقّ الطبول وغيرها من الآلات، تشريفاً له، في موكبه أو في مكان إقامته، وهو تشريف كان سائداً في الشرق منذ أيام البويهيين في العراق، وإن أصبحت هذه الرتبة الحربية تعني أميراً مملوكياً، تحت إمرته عدد من المماليك لا يقلّون عن أربعين، وأعداد كبيرة من الجنود، أكثر مما يكون لأمير عشرة.
أتاحت له الترقية الجديدة أن يتولى منصباً آخر في القصر، حينما توفَّي ابن السلطان قانصوه، الذي كان يشغله، وهو منصب شاد الشراب خاناه، أي الأمين على ما في هذه الخاناه، وهي الخزانة أو البيت السلطان، التي كانت تضمّ أدوات الصيني الفاخر، والشوكات، والكيزان.

 

 

أمير الغيبة

قبل سفر قانصوه لمحاربة العثمانيين في الشام، أضاف إليه السلطان منصب نائب الغيبة المهمّ، على أساس أن يقوم مقامه في غيبته عن البلاد، خلال توليه هذا المنصب الأخير، أثبت أنّه على مستوى المسؤولية بحقّ، فحافظ على الجبهة الداخلية سليمة، حتى يتيح للسلطان وجيشه من المماليك، أن يتفرغوا للمهمة التي ذهبوا من أجلها، فلم نسمع أنّ العساكر المتخلفين في مصر قد أثاروا شغباً، مثلما كان يحدث غالباً في غيبة السلطان، وإنما ضبط أحوال البلاد ضبطاً جيداً، فلم يقع في القاهرة إلا كلّ خير، وكان محبّباً للرعية "بحسب ابن إياس".

قتل العثمانيون الآلاف من أهل حلب وغزة لأنهم ساندوا السلطان قانصوه الغوري وأظهروا تعاطفهم مع القائد طومان باي

عُرضت السلطنة على طومان من قبل أمراء المماليك، الذين لم يخرجوا مع الغوري في حربه ضدّ العثمانيين، ومن الأمراء الذين قدموا من الشام بعد الهزيمة؛ كان محمد بن الغوري، وكان صغير السنّ، ولأنّه نفسه كان قد أوصى جميع أمرائه إذا أصابه شيء أن يسلطنوا عليهم طومان باي، فقالوا لطومان باي: وما عندنا سلطان إلا أنت.
امتنع طومان باي في البداية، خشية غدر المماليك، واعتيادهم على العصيان؛ إذ إنّ خيانتهم للسلاطين وانقلابهم عليهم، كانت من سمة الحكم المماليكي في مصر؛ بل زادت هذه الحالة استفحالاً منذ تولي الجراكسة، عن ذي قبل، فكان المتنافسون يدخل بعضهم على بعض وهم يلبسون الدروع "الزرديات" تحت الثياب، خوفاً من الغدر، أما المنتصر، فكان يفعل بالمهزوم ما يشاء، وإن غلب أيضاً في أيامهم إرسال المهزوم إلى سجن الإسكندرية الرهيب، حتى أنّها من سبّب رفض طومان باي خوفه من أنّهم إن غدروا به، أو عزلوه، ربما كانوا يرسلونه إلى هذا السجن، ولا شكّ في أنّ أساس نهاية الغوري الحزينة هو خيانة الأمراء له، وانقلابهم عليه أثناء المعركة الحاسمة مع العثمانيين.

 

 

المتمنع

لم يكن الجراكسة يقبلون مبدأ الوراثة مطلقاً، ولم يتمكن أيّ سلطان منهم توريثها لابنه، وإذا حدث ذلك، فإن ذلك يكون لأعوام قليلة.
تمنّع طومان باي عن قبول السلطنة مدة خمسين يوماً، إلا أنّه قبلها بعد ذلك، تحت ضغط رجال الدين في مصر، خاصة ضغط عالم وشيخ كبير يدعى "أبو السعود الجراحي"، من مشايخ الصوفية، وقد كان زمنهم زمن المتصوفة بلا شكّ، وأقطابها؛ البدوي، والشاذلي، وأبو العباس، والشاطبي.

اقرأ أيضاً: هل تولّى العرب مناصب قيادية في الدولة العثمانية؟
كان رجال الدين يأتون بالأمراء المماليك، ويجبرونهم على وضع أيديهم على مصحف شريف، يحلفون عليه أنّهم إذا سلطنوه ألا يتآمروا ولا يغدروا، ولا يثيروا شغباً، وأن ينهوا عن مظالم المسلمين قاطبة، لقد اختاروه سلطاناً، لكن جاء الاختيار متأخراً.
يقول ابن إياس: كان غير متجبّر أو متكبّر؛ إذ إنّه خلال نيابة السلطنة ساس الناس أحسن سياسة، والرعية كانوا راضين عنه، فقد كان صالحاً، خيّراً، فاضلاً، زائد الأدب والسكون والخشوع، والخضوع، لم يظهر عليه شيء من الأفعال الردية، لا يشرب الخمر ولا يزني، ولا يقترف الفواحش أبداً، وكان يقتصر على زوج واحد "خوند"، هي ابنة أمير مملوكي مثله، ناصبه العداء بعد توليه السلطة، وهو جان بردي الغزالي... لكن يحقد البعض على الطيبين لا لشيء إلا لأنّهم طيبون.
كان لجميع السلاطين أو الأمراء، غالباً، أربع زوجات؛ حيث كانت المقرّبة تسمّى "خوند الكبرى"، فضلاً عن أنّهم كانوا يشترون أعداداً كبيرة من الجواري، حتى إنّ السلطان الناصر محمد ابن قلاوون كان له ألف ومئتا وصيفة، أي محظية.

 

 

في الوقت الضائع
بويع طومان باي بالسلطنة يوم الجمعة 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1516، بنفس الرسوم التي بويع بها السلاطين قبله، ولكن بشكل مختصر، بسبب ظروف الحرب ضدّ العثمانيين، وإن كان طومان باي قد ذهب للصلاة في فجر ذلك اليوم، ومعه الأمراء الذين أقسموا أنهم لن يغدروا به، ومعهم الفوانيس والمشاعل، لإنارة الطريق، كانت بيعة قضاة القضاة ضرورية لتولية السلطنة، مثل بيعة الخليفة نفسه، وكأنها مبايعة من المصريين جميعاً.
لكنّ البلاد كانت في آخر رمق، ووصلت أقصى درجات التدهور، نتيجة عوامل متعددة، ظهرت تدريجياً طوال مدة حكمهم، التي امتدت زهاء ثلاثة قرون.
يقول الدكتور عبد المنعم ماجد، في كتابه "طومان باي": "لم يكن طومان باي مسؤولاً عن العوامل التي مهّدت للقضاء على دولته، كما لم يكن من الممكن أن يفعل شيئاً إزاءها، حتى لو توفرت له النية الخالصة في مجابهتها؛ إذ استشرى الفساد في كيان الدولة المملوكية، وتحالفت عناصر الشرّ ضدّها، وكأنّها حتمية النهاية، ولم يعد هناك أيّ أمل في استنقاذها".

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟
ويضيف: قد أراد طومان أن يكون رؤوفاً بالرعية، إلا أنّ تركيب الدولة المملوكية لم تجعله يستطيع أن يغير شيئاً جذرياً في أحوال الأهلين، أو الدولة ذاتها، وهو التركيب الذي جعل طبقة المماليك في وادٍ وأهل مصر في وادٍ آخر.
كان الغوري قد هزم هزيمة نكراء في مرج دابق، ومع أنّه لم يكن يريد الحرب، إلا أنّ السلطان سليم الأول كان يريدها؛ إذ قطع رؤوس رسل الغوري، وعلّقها.
واعتمد الغوري على نائبه في الشام، سيباي، الذي كان يشكّ فيه، بعدما سأل عدداً من قارئي الطالع، فأخبروه بأنّ من سيخلفه على حكم البلاد شخص يبدأ اسمه بحرف السين، فظنّ أنّه سيباي، وفق المؤرخ ابن زنبل.
واعتمد على خاير بك الذي تخلى عن ميمنته بعد مراسلة سليم والتنسيق معه، هرب المماليك القراصنة من المعركة، ووقف الغوري يهتف: هذا وقت المروءة هذا وقت النجدة، دون جدوى.
طويت الراية، وحدث شلل مفاجئ للسلطان، وخرجت روحه، بعد أن انقلب عن فرسه، وقطع أحد رأسه حتى لا يتعرّف إليه العثمانيون، فلم تظهر له جثة بين القتلى، وقُتل سيباي، نائب الشام.
قتل العثمانيون الآلاف من أهل حلب وغزة؛ لأنهم ساندوا الغوري، ثم ظهر تعاطفهم مع طومان باي.

 

 

غمامة كآبة

كانت الأحوال في مصر غاية في الكآبة، لما حدث منذ موقعة مرج دابق، حتى صار في كلّ حارة وزقاق وشارع في القاهرة صراخ وبكاء، على السلطان الغوري وعسكره الذين قتلوا، كما حصل للناس أسى على فقد الخليفة العباسي، وتشاءم الناس بأسره، خوفاً من أن تزول الخلافة من مصر؛ حيث رأوا أنّ ذلك من الحوادث المهولة.

تمنّع طومان باي عن قبول السلطنة مدة خمسين يوماً إلا أنّه قبلها بعد ذلك تحت ضغط رجال الدين

كادت القاهرة تخرب، حينما خرج مماليك الطباق، وقد غضبوا لمقتل الغوري، فعمدوا إلى حرق الأسواق التجارية، التي فيها رعايا أجانب، الذين كان أغلبهم يسكن سوق خان الخليلي، على أساس أنّ العثمانيين قد استولوا على بلادهم، وأصبحوا حكامهم، مما جعل بعضهم في مصر عيوناً لهم على المماليك، وكانوا يكاتبون سليماً، ولكن طومان أسرع فاحتجز مماليك الطباق، وطلب من الآغاوات، وهمّ أساتذتهم أن يراقبوهم، ويقول ابن إياس: لولا همّة طومان باي في ذلك، لخربت القاهرة عن آخرها.
لم يجد طومان باي في الخزينة مالاً؛ فقد أخذ الغوري معه كلّ مال مصر، الذي بلغ مئة مليون، غير التحف، وتركه في قلعة حلب، فوقع كلّه في يد سليم، ولم يعد بمقدور طومان حتى أن ينفق على الجند، وامتنع الفلاحون بعد الهزيمة في غزة عن دفع الضرائب الكلية.
كان طومان يريد أن يذهب لقتال العثمانيين في الصحراء، لا أن ينتظر قدومهم إلى مصر، ولكن تحت إلحاح أمراء المماليك، فإنّه اضطر أن يطرح المعركة كما يريدها جانباً، وأجبر على انتظار مجيء العثمانيين، ولذلك لم يجد هؤلاء أيّة مقاومة في زحفهم على مصر.
استعدّ طومان لمقابلة العثمانيين بجوار القاهرة في مكان اسمه الريدانية" المطرية شرق القاهرة"، كان يقع خارج أسوارها، من ناحية باب النصر، ويمتدّ حتى جبل المقطم، فكانت المدافع تنقل من مسابكها إلى هذا المكان، وهي مغطاة بالجوخ.

 

 

رفض المماليك أوامر طومان، ورفضوا أن يناموا في المعسكر، فكانوا يرجعون إلى بيوتهم في المساء، وحتى الأسلحة النارية المصرية، التي كان من المنتظر أن تلعب دوراً حاسماً في المعركة، لم تقم فيها بأيّ دور؛ بسبب أنّ المدافع كانت قليلة لم تتعدّ المئة، بينما العثمانية زحفت بستمئة مدفع، فضلاً عن المدافع المصرية، وضعت على قواعد ثابتة، أما العثمانية فكانت على عربات تتحرك في كلّ اتجاه.
طمر جان بردي الغزالي، الذي هزم في موقعة غزة، المدافع في الرمال، مدعياً أنّ ذلك زيادة في إخفائها، لكنّ ابن زنبل يرى أنّ اتفاقاً بين الغزالي وخاير بك، تنبّه طومان باي لخيانة الغزالي وكاد أن يقتله، لولا أنّ المماليك منعوه؛ بسبب وصول المماليك للريدانية في 22 كانون الثاني (يناير) 1517.
الفارس الأخير
هجم طومان باي بنفسه، وقصد معه شجعان المماليك إلى معسكر سليم، الذي أقيم في أول الريدانية، فوقعت موقعة مهولة، أعظم من الواقعة التي كانت في مرج دابق؛ إذ اقتحمه بشجاعة نادرة، حتى أنّ المؤرخ ابن زنبل يقول عنه ومن معه: درهم من فرسان، فقتل عدداً لا يحصى من أمراء العثمانية وعسكرها، ومعظم الموجودين في خيمة سليم نفسها، بمن فيهم سنان باشا، الصدر الأعظم، الذي بارزه طومان باي، وقتله بيده، بأن رفعه إلى أعلى رأسه، ثمّ ألقاه على الأرض بعنف، فطبّق أضلاعه بين جنبيه، ثم حزّ رأسه، ربما ظنّاً منه أنّه هو السلطان سليم نفسه، وإن كان سليم لم يكن موجوداً فيها وقتذاك.

اقرأ أيضاً: بنو عثمان والتُرك.. مقدمات الطوفان العثماني

حزن سليم على وزيره الكبير حزناً كبيراً، ورأى في فقده خسارة كبرى، وقرّر الانتقام، وقال: "استولينا على مصر، لكنّنا فقدنا سنان باشا، خسارتنا فيه لا يمكن أن تعدلها دولة، فكان الجنود العثمانيون ينتهكون حرمة المساجد بدخول الخيل فيها، كما يصف ابن زنبل، وطلعوا على المآذن، وصاروا يرمون بالبندق الرصاص؛ حيث إنّ معظم قتلى المماليك كانوا من رشّ البندق"، يقول ابن زنبل: "قاتل الله أوّل من اصطنعها، وقاتل من رمي بها، تمكّن العثمانيون من قتل عشرة آلاف من المماليك، وبقي طومان في قليل من المماليك والرماة العبيد، والذين دافعوا عنه ببنادقهم، فلمّا تكاثرت العسكر العثمانية عليه، انسحب إلى طرّة، قرية في نواحي الفسطاط المجاورة، من كثرة البندق".

 

 

خاين بك

أول من أخبر سليماً بالنصر؛ كان خاير بك، الأمير المملوكي الخائن، الذي صاحبه في زحفه على مصر، وأصبح من أقرب أعوانه، سيما بعد قتل وزيره سنان باشا الخادم، ويبدو أنّ خاير بك دخل القاهرة قبل سليم ليستولي على القلعة، فهو أعرف بمداخلها ومخارجها وخريطتها.
شرع العثمانيون في تعقّب الجراكسة في كلّ مكان، وحتى في البيوت والمقابر، فمن كان يقع منهم، تضرب عنقه فوراً، وساعدهم في ذلك العربان؛ حيث إنّه قتل منهم في يوم واحد ثلاثمئة وثلاثين رأساً، مما جعل المماليك يتخفون في زيّ الفلاحين، وحرافيش القاهرة، وهم صعاليكها وفقراؤها.

اقرأ أيضاً: العثمانيون جاءوا إلى الوطن العربي برائحة الموت
يقول ابن إياس: كذلك عمد العثمانيون إلى قتل المصريين بوحشية لا نظير لها، سيما أنّ سليماً وهو في الشام، كان قد هدّد إذا ما دخل أن يحرق بيوتها قاطبة، واللعب في أهلها بالسيف، وساد النهب في القاهرة على يد الانكشارية.
لما وصل طومان باي أمام سليم، استقبله وأحاط به خاير بك والغزالي، وقد وقف العساكر العثمانيون بحسب مراتبهم، فسلم طومان باي سلام الملوك، فردّ عليه سليم كما يجب، ولم ينتقص مكانه في سلامه، وقد استمر طومان باي واقفاً إلى أن أمره سليم بالجلوس، فجلس، فنظر إليه سليم وتأمله، وجد فيه، كما يقول ابن زنبل، كلّ شيء يشهد بالشجاعة والفروسية، وكمال العقل، فقال له معاتباً بشدة: يا طومان باي، كم نهيناك عن القتال وسفك دماء المسلمين، وإني أرسلت لك من الشام أن تجعل السكة والهطبة باسمي، وأنت مقيم على مصر، فأبيت ذلك، وقتلت رسلي، والرسول لا يقتل؛ بل قتلت قضاة بلادك، ولم تقبل الصلح، كذلك أشار إليه، أنّه واجب الطاعة؛ لأنّه سلطان بن سلطان، بينما طومان باي من المماليك، الذين لا يعرفون حتى آباءَهم، وربما كانوا من أولاد النصارى.
في مواجهة سليم
لم يتخاذل طومان ولم يطلب الرحمة، وناقشه كسلطان فقال: لم يكن شيء مما جرى من قتل الرسل أو القضاة، قد مرّ بخاطره، ولا بأمره أبداً، ولا برأيه، وعلى العكس؛ إنّه لما أرسل إليه من الشام الرسل أكرمهم، ولكنّ الأمراء هم الذين عملوا على قتلهم.
إنّ دولتكم هي التي أقبلت، ودولتي أدبرت، وهذا شيء كتبه الله تعالى، وإنّي ما أخذت السلطنة برغبة مني، وإنما قومي وعسكري اختاروني، ورغبوا في أن أكون السلطان عليهم، لما علموا من زهدي في ذلك، فلما تقلدت عليهم، وجب عليّ أن أردّ عنهم.

اقرأ أيضاً: مؤرخ تركي يعترف بجريمة إبادة العثمانيين للأرمن
أشار إلى سليم أنّه مثله قد تربت نفسه في العزّ، ولا تقبل الذل، وقال: هل لو أرسلت لك أنا وأمرتك أن تكون تحت إمرتي، هل كنت ترضى بذلك؟ وهل سمعت أنّ الأسد يخضع للذئب؟ لا أنتم أفرس منّا، ولا أشجع منّا، ولكن أنت كنت تستحلّ قتل المسلمين، وترمي عليهم بهذه المدافع والنيران، فكيف بك، إذا وقفت بين يدي ربّ العالمين، وما من ملك، وإن تعاظم، إلا هو لله بعد أصغر، فما أنا وأنت إلا بجملة العبيد!
أعجب سليم بطومان باي، فقرّر أن يطلقه ويأخذه معه إلى بلاده، أو أن يوليه حكم مصر نائباً عنه، لكنّه عندما سمع أنّ الناس لا تصدق بأسر طومان باي، اشتاط غضباً وحقداً، أما خاين بك والغزالي فقد أشارا عليه بقتل طومان، فمثله لا يترك حياً أبداً.
على باب زويلة
أركبوه بغلة، وعندما وصل إلى باب زويلة، وجد حبل الشنق معدّاً له، فأسرعوا به، وأنزلوه عن البغلة، بقصد شنقه بغير مهلة، فتقدّم طومان باي نحو الحبال بقلب جسور، وحوّله جنود العثمانيين المسلولة سيوفهم، فطلب طومان باي من الناس قراءة الفاتحة له ثلاث مرات، فقرأ الناس معه، ثم قال للجلاد: "قم بشغلك"، فكان الحبل يقطع به مرتين، وفي كلّ مرة يعلقوه من جديد، وشنق إلى أن مات، وبقي معلقاً ثلاثة أيام، ودفن في فسقية قبة السلطان الغوري، كما أرسل سليم ثلاثة أكياس من الفضة تصدقوا بها عليه، وأطلق المصريون على هذه البوابة بوابة المتولي، تكريماً لطومان باي، الذي كان يحمل هذا اللقب أيام كان قائماً بأعمال السلطان الغوري.

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟
يقول الدكتور عبد المنعم ماجد: "سوء الحظ قد يصيب الرجال الذين على مبادئ وخلق، وكأنّها سخرية من الأقدار، أو اختبار منها، ومع ذلك، فهو لم يحاول أن يهرب من قدره، وبذل غاية الجهد، دون تقصير؛ إذ إنه، بحسب تعبيره، كان لا بدّ من أن يسير إلى النهاية، في سبيل مَن حمّلوه المسؤولية، وقبلها منهم".
بنهاية طومان باي، ودّعت مصر حياة زاخرة، ازدهرت بأروع ما يكون الازدهار، لتدخل بعدها في فترة مظلمة، اعتبرت ضمن فترات الاضمحلال القاسية، التي مرّت بها مصر في تاريخها الطويل، ولذا كانت التأوهات عميقة؛ إذ كانت نكسة كبيرة شلّت حركتها، ولم تفق منها إلا بعد ثلاثمئة عام، في بواكير العصر الحديث.

الصفحة الرئيسية