فرنسا والإسلام والعلمانية: الإقصاء ليس سلوكاً ديمقراطياً

فرنسا والإسلام والعلمانية: الإقصاء ليس سلوكاً ديمقراطياً

مشاهدة

05/11/2020

ترجمة: علي نوار

وعاد الهجوم الذي شهدته مدينة "نيس" الفرنسية، الخميس في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، الذي أسفر عن مصرع ثلاثة أشخاص بإحدى كاتدرائيات المدينة، وقبله ذلك الاعتداء الذي وقع في السادس عشر من ذلك الشهر، وراح ضحيّته، الأستاذ صامويل باتي، ليضع، وفي صدارة النقاش السياسي والإعلامي، تساؤلات حول مكان الإسلام في فرنسا المعاصرة، وكما جرت العادة، منذ فترة ليست بالوجيزة، تتسبّب الاعتداءات التي يتمّ ارتكابها باسم الدين الإسلامي، في سلسلة من ردود الفعل، التي تضع أتباع هذا الدين عادة في موضع الاتّهام، وليس هم فحسب، بل بعض الممارسات المتعلّقة بالإسلام والمسلمين، ووصل الأمر بالحكومة الفرنسية إلى درجة التلويح بإمكانية حلّ عدد من الجهات التي ليس لديها أيّة صلة تُذكر بالعنف، بل هي مُعترف بها من قبل منظّمات دولية، مثل الأمم المتحدة، أو إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي.

من المهمّ للغاية أن نذكر حقيقة أنّ حرية التعبير في الدول الديمقراطية تتضمّن بداخلها حرية العقيدة، وينصّ الدستور الفرنسي على الفصل بين الكنيسة والدولة

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب؛ بل ظهرت ردود أفعال مقلقة أخرى، من بينها اليسار، أو قطاع منه، تحديدًا أمين عام حزب "فرنسا الأبية" الاشتراكي، الذي تبنّى خطاباً يكاد يتطابق مع خطاب السلطات الفرنسية، وشارك في الدعوة المثيرة للشبهات، ومفادها الاتجاه نحو الوحدة الجمهورية بذريعة التفريق بين الفرنسيين الصالحين والطالحين، كلّ على حسب معتقداته الدينية.

الهجوم الذي شهدته مدينة "نيس" الفرنسية أسفر عن مصرع ثلاثة أشخاص بإحدى كاتدرائيات المدينة

وانطلاقاً من الإدانة الصريحة للأعمال الإرهابية، واستناداً إلى الدفاع عن حرّية التعبير، تظهر الحاجة الماسّة في الوقت ذاته إلى إحداث تغيير في المنظور الذي يتمّ بواسطته توجيه الرؤى الناقدة للمؤسّسات والسياسات الراهنة، التي تعمد، وبصورة حثيثة، وباسم الجمهورية والعلمانية، إلى إقصاء شريحة ليست بالهيّنة من المجتمع الفرنسي.

لواء حرية التعبير والعقلية النقدية

وتنبثق ردود فعل كثيرة إلى خطاب ذي شقّين، يربط بين إسلام شديد التطرّف والخطر الدائم الذي تواجهه جمهورية يُفترض أنّها مستنيرة وتحرّرية، ويرفع الخطاب السائد حالياً لواء حرية التعبير والعقلية النقدية، بيد أنّ هذه المبادئ تكتسب مشروعية فقط حينما يتمّ التطرّق للإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: تونس تعتقل تكفيرياً كان يخطط لعمليات إرهابية... ما علاقته بحادثة نيس؟

 لا شيء يبرّر، بالطبع، الحجب، أو تهمة التجديف في المجتمعات التي تعتبر نفسها علمانية وديمقراطية، ولا يمكن لشخص أن يقف مع العنف، لكن ربّما علينا إعادة التفكير في السبب الذي يجعل الصفحات الأولى وواجهات عدد من المجلات الساخرة (وبعضها يفتقر لحسّ الفكاهة وهذا أمر تجدر الإشارة إليه) تصبح معايير حرّية التعبير عندما يتعلّق الأمر بالسخرية من المسلمين، وهنا يجب أن نسأل أنفسنا عن ماهيّة ردّ الفعل التي نتوقّعه إذا رأينا رسوماً تسخر من فئات تعرّضت تاريخياً للتمييز، مثل اليهود، أو تتعرّض له في الوقت الحالي، مثل أصحاب البشرة السمراء، أو الأقلّيات الجنسية.

من المهمّ للغاية أيضاً أن نذكر حقيقة أنّ حرية التعبير في الدول الديمقراطية تتضمّن بداخلها حرية العقيدة، وينصّ الدستور الفرنسي، سواء المعمول به حالياً في الجمهورية الخامسة، أو ذلك القانون الصادر عام 1905، على "الفصل بين الكنيسة والدولة"، وخلافاً لما يفعله البعض؛ لا يجب أن تكون العلمانية متمثّلة في تجريم الشعائر والرموز الدينية، بل يجب أن تكون العلمانية، كأيّ مبدأ أساسي في أيّ مجتمع يتّسم بالتعدّدية، إطاراً من الحرّيات الجماعية تستطيع فيه كافة الأفكار والمعتقدات أن تعبّر عن نفسها، مع الأخذ في الاعتبار احترام الحدّ الأدنى من الديمقراطية التي نلتفّ حولها جميعاً.

يجب أن تكون العلمانية، كأيّ مبدأ أساسي في أيّ مجتمع يتّسم بالتعدّدية، إطاراً من الحرّيات الجماعية تستطيع فيه الأفكار والمعتقدات أن تعبّر عن نفسها

لذا؛ فإنّ مسألة استغلال الحكومة الفرنسية للهجمات الأخيرة بغية تمرير إجراءات جديدة من شأنها التضييق على الحرية الدينية لفئة من المجتمع، أمر يبعث على القلق حقيقة، ومن المخجل فعلاً أن يخرج وزير الداخلية الذي تلاحقه الاتهامات بالاعتداء الجنسي، ليعرب عن استيائه الشديد من وجود رفوف للمنتجات الحلال في المحال التجارية، إذاً فإنّ المسلمين هم كبش الفداء للمسؤولين في المؤسّسات الجمهورية، التي سيكون المغزى من وجودها هو المثير للسخرية؛ لأنّ الوضع ستكون له تبعات كارثية، سواء رمزياً أو فعلياً، على ملايين الفرنسيين.

المسلمون هم أبرز ضحايا غياب الديمقراطية

النقطة الأخرى؛ هي أنّ حرية التعبير ليست قاصرة فقط على النقد (الذي يصل أحياناً لدرجة الهجوم) للأديان؛ فإن كانت العقلية النقدية تسهم (لحسن الحظّ) في طرح التساؤلات حول المعتقدات، فينبغي عليها أيضاً أن تسمح بتسليط الضوء على مواضع عجز المؤسّسات وحدودها وأوجه تقصيرها، والحقيقة؛ أنّ المسلمين هم أبرز ضحايا الشمولية وغياب الديمقراطية، لكن في المنطق الثنائي الذي تنتهجه الحكومة وتحاول بعض وسائل الإعلام فرضه، فهناك دائماً محاولة فرض خيارين فحسب: "هم" أو "نحن".

على أنّ الأمر ليس بمستحدث أو جديد، فقد كشف عنه رئيس الوزراء الفرنسي السابق، مانويل فالس، عام 2015، حين وجّه الاتهام للعلوم الاجتماعية بالتورّط في الإرهاب بتصريحه "السعي وراء التوضيح هو في حقيقة الأمر تبرير"، ثم عاود الكرّة هذه الأيام وزير التعليم الحالي؛ بفتح نيران الانتقاد للجامعات وكبرى النقابات الطلابية، في وصفه لها بـ "الخاضعة" أمام "الإسلاموية اليسارية"، التي تمهّد الطريق أمام "الإرهاب"، على حدّ تعبيره. وتُستخدم هذه الأوصاف، وغيرها مما شابه، التي يخترعها اليمين المتشدّد، للتشكيك في منظّمات ذات باع طويل في الدفاع عن حقوق الإنسان أو مكافحة التمييز.

عدم جواز الفصل بين الحقوق والحرّيات

في هذا السياق؛ من الملحّ أن نذكّر بعدم جواز الفصل بين الحقوق والحرّيات؛ فحرّية العقيدة وحرّية التعبير هما وجهان للعملة ذاتها، ومن المهمّ هنا الثناء على كلّ هؤلاء الأشخاص؛ من الحركات الاجتماعية والاتحادات العلمانية والمجموعات الدينية والجامعات، الذين يحاولون التفكير بشيء من العقلانية في أجواء مشحونة ومتوتّرة اختلقتها الحكومة الفرنسية نفسها، ومن المنبر نفسه، من المهمّ للغاية تحذير هؤلاء التقدّميين من مغبّة الاحتفاء بقيم الجمهورية الفرنسية في كلّ مرّة يندلع فيها هذا النوع من النقاش.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن العويساوي منفذ "هجوم نيس"

لسنا هنا بصدد إنكار العنف المُرتكب باسم الإسلام (وهو موجود ويجب التنديد به حتّى لو كان على نطاق محدود)، بل اتّخاذ الاحتياطات إزاء شعارات مثيرة للريبة وذات صبغة ديمقراطية زائفة؛ فوراء شعار "حرية ومساواة وإخاء"، الذي يروق لنا ترديده واستنساخه، يختبئ مجتمع يعاني انعدام المساواة ويقاسي الانقسام، والمسؤولية عن ذلك الوضع لا يتحمّلها المسلمون، أو أيّة أقلية أخرى، بل المؤسسات نفسها التي دأبت طيلة أعوام على إذكاء هذا المنطق.

مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/2HMQ2Cf

الصفحة الرئيسية