"في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي

"في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي

مشاهدة

17/12/2017

على الرغم من أنّ كتاب "دراسة في سوسيولوجيا الإسلام" هو أول مؤلفات المفكر العراقي المعروف علي الوردي (1913-1995)،الذي يعد واحداً من أهم علماء الاجتماع العرب؛ فقد تأخر ظهوره لقراء العربية حتى عام 2013، وطالما كان يقول عندما يُسأَل عن ذلك، إنّ "أوان ترجمته لم يحن بعد". والكتاب في الأصل رسالته لدرجة الماجستير التي نالها من جامعة تكساس عام 1948، وقد ترجمها من الإنجليزية إلى العربية رافد الأسدي.

وتكتسب هذه الدراسة "الجريئة" أهمية كبرى في الوقت الراهن، في ظل تصاعد أو "عودة" الصراع السنّي الشيعي التي تنبّأ بها الوردي، وهو يحاول في سياق هذا الكتاب التنقيب العميق عن أبرز جذور هذا الصراع وتحليل مسبباته.

اقرأ أيضاً: علي الوردي: التمرد على اليقينيات الثقافية والدينية

الكتاب الصادر عن دار الوراق/ لندن يقع في 208 صفحات، ويبدأ بتصدير للناشر ماجد شبر، ومقدمة بفكر المؤلف ومنهجه للكاتب العراقي د.حسين الهنداوي، يحاول فيه الوردي دراسة بعض النظريات الاجتماعية للإسلام ليس بوصفها أفكاراً منطقية موجودة في فراغ، بل بكونها أيديولوجيات في تفاعل مستمر مع الظروف الاجتماعية التي ظهرت فيها.

غلاف الكتاب

وهذه الدراسة، كما يوضح الوردي في المقدمة، لا يقصد منها أن تكون بحثاً شاملاً لمجمل حقل سوسيولوجيا الإسلام؛ "فهذا الأمر أكبر من أن يضطلع به باحث وحده، إنّ هذا العمل معني بدراسة جانب واحد من جوانب هذا الحقل، وهو (معضلة الإسلام)، أو بكلمة أخرى الصراع بين المثالية والواقعية في تاريخ الإسلام"، ودوره في تشكيل التاريخ الاجتماعي والمذهبي للإسلام؛ أي بين المبادئ الدينية والمصالح الدنيوية. (ص49)

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

ويرى المؤلف أنّ الصراع بين المثالية والواقعية موجود في كل طور من أطوار المجتمع الإنساني، وليس من المبالغة القول إنّ ذلك أبرز نفسه بصورة شديدة جداً في تاريخ الإسلام، وهو يحاول في هذه الدراسة مناقشة أسباب وتطور هذا الجانب المميز للإسلام، في ضوء ما يصطلح عليه في علم اجتماع الأديان "معضلة الكنيسة" (أي الصراع بين المثالي والواقعي) التي "لعبت دوراً أكبر في تاريخ الإسلام منه في تاريخ المسيحية" (ص53)

تكتسب هذه الدراسة "الجريئة" أهمية كبرى في الوقت الراهن، في ظل تصاعد أو "عودة" الصراع السني الشيعي التي تنبأ بها الوردي

وينوه المؤلف إلى أنّ استخدامه لمصطلحي المثالية والواقعية هو بالمعنى اللغوي الشائع، وليس بالمعنى الفلسفي الاصطلاحي؛ فالشخص المثالي هنا هو من يرضى ويعيش بمعايير أخلاقية وجمالية سامية، أو من يكون قادراً على رؤية ومناصرة خطة أو برنامج لا يوجد بعد على أرض الواقع (ص50).

يقع الكتاب في ستة فصول: الخلاف السني الشيعي، قضية الخلافة، طبيعة الإسلام، الصراع داخل الإسلام وأصوله، صراع الظالم والمظلوم، علي ومعضلة الإسلام.

يتناول الوردي في الفصل الأول أصول (الخلاف السني الشيعي) الذي ظهرت بواكيره برأيه بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويقول إنه من الناحية السوسيولوجية لا يوجد هنالك حق مطلق أو باطل مطلق، وعليه فإنّ كلّاً من الطرفين يمثل وجهاً معيناً من أوجه الحقيقة، حيث ذهب السنّة، وفقه، بعيداً في استحسان التطور الفعلي للإسلام، حتى أضفوا الشرعية على الكثير من الأمور التي تتناقض مع ما جاء به النبي، في حين كانت حياة الشيعة حياة ثورية، والخلفاء بالنسبة إليهم ليسوا سوى "طغاة غاصبين"، وقد أمعنوا، كما يقول، إلى حد التطرف في التفسيرات المنطقية والغيبية للدين الإسلامي، ولذا أتوا بالعديد من العقائد الفكرية غير العملية فيما يتعلق بالخلافة (ص65).

نوه المؤلف إلى أنّ استخدامه لمصطلحي المثالية والواقعية هو بالمعنى اللغوي الشائع، وليس بالمعنى الفلسفي الاصطلاحي

ويعود الوردي ليؤكد أنّ مسألة الخلافة (السلطة) كانت القضية الأساسية التي نشأت حولها هاتان الفرقتان في بادئ الأمر، وهو يشبّه المذهب السنّي وفق ذلك، بالحزب الحاكم، بينما يمثل المذهب الشيعي حزب المعارضة، وذلك يفسر الميول المثالية للشيعة وبالذات عقيدة المهدي المنتظر، لأنهم كانوا دائماً محط اضطهاد الحكومات، بينما يرى السنّة أنّ كل خليفة هو الخليفة الشرعي للنبي مهما كان فاسقاً أو ظالماً (ص67).

في "قضية الخلافة" موضوع الفصل الثاني، يوضح الوردي الزاوية التي ينظر بها كل من الشيعة والسنّة للخلافة، نافياً التفسير العرقي لطبيعة أتباع المذهبين، والذي يذهب إليه بعض المستشرقين، مثل دوزي الذي يعتقد أنّ مذهب الشيعة مذهب فارسي في أصوله (ص82).

ويرى الوردي، أنّ التسنن من خصائص الثقافة البدوية (كبدو العرب والأتراك والبربر)، بسبب ميولهم نحو الشراسة والبطولة؛ فلا يستطيعون تحمل ميول الإذعان لدى الشيعة، لذلك راج التشيع، كما يقول، فقط في البلدان الزراعية، مثل العراق واليمن وفارس. أما البلدان الزراعية التي لم تقع تحت النفوذ الشيعي، فكانت سريعة التأثر بالتأثيرات الصوفية (ص83).

قدم النبي محمد، عليه السلام، النموذج الواقعي للحاكم المسلم، وسر معضلة الإسلام برأي الوردي، يكمن عندما بدأ الخلفاء من بعده يحيدون عن الخط الذي رسمه

ويدرس الوردي في الفصل الثالث (طبيعة الإسلام) الذي هو برأيه نظام سياسي-ديني، لكنه لم ينشأ في البداية على هذا النحو، حيث بدأ ديناً محضاً، وحدث التغير بعد الهجرة إلى المدينة، وظهور مرحلة الدولة، ولو أنّ المشركين تمكنوا من قتل النبي قبل ذلك "لربما اعتبره الناس المسيح الثاني في التاريخ" (ص97)؛ لأن عقيدة النبيين واحدة في جوهرها، إلا أنّ المسيح لم يكتب له تأسيس دولة.

وقد قدم النبي محمد، عليه السلام، النموذج الواقعي للحاكم المسلم، وسر معضلة الإسلام برأي الوردي، يكمن عندما بدأ الخلفاء من بعده يحيدون عن الخط الذي رسمه، "وهذا راجع بصورة جزئية إلى البيئة الاجتماعية القبلية التي ظهر فيها الإسلام" (ص104).

في الفصلين الرابع والخامس، يتطرق الوردي إلى أصول الصراع داخل الإسلام، ويخلص فيهما إلى أنّ طبيعة الإسلام تحددت بصورة عامة بالحكم البدوي الذي نجم عنه صراع بين نزعتين متعارضتين جذرياً: نزعة التعالي والكرامة والواقعية ضد نزعة الخضوع والذلة والمثالية، أصحاب الأولى كانوا مهتمين أكثر بتأسيس دولة، بينما يهتم الطرف الثاني بتأسيس دين، "والاختلاف بين الطرفين يكمن في الزاوية التي يحاول أن ينظر كل منهما من خلالها إلى الإسلام (...) ولا زال الفريقان قرني المعضلة الحادين". (ص151)، وهو ما أفرز، كما يعتقد الوردي، صراع العرب والموالي.

ويعرض الوردي في الفصل الأخير لشخصية علي بن أبي طالب الفريدة التي وصلت بها معضلة الإسلام، كما يقول، إلى واحدة من أعلى قممها، إن لم تكن أعلاها جميعاً، بقصته التي تصور النزاع بين المثالية والواقعية أفضل تصوير في صراعه مع معاوية (ص156).

اقرأ أيضاً: الوردي: الوعظ عندما يتعالى على المجتمع

ويرى الوردي أنّ الاتحاد المؤقت بين الواقعي والمثالي في عهد النبي وخلفائه الأوائل لم يعد ممكناً، وأنّ ما كان يخشاه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب نتيجة تركز الثروة في أيدي المسلمين بعد الفتوحات وقع أخيراً، "فكان لا بد أن يظهر الصراع بين الظالم والمظلوم وبين الفقراء والأغنياء عاجلاً أم آجلاً" ص (167).

ويلفت الوردي إلى أنّ الخطوة الثانية التي قادت إلى ظهور المعضلة حصلت في زمن عثمان نتيجة شعور الناس بالظلم، عندما قرب أقاربه من بني أمية الذين كانوا من أشد أعداء الدين الجديد قبل إسلامهم متأخرين، وفي هذا السياق، جاء اختيار عامة المسلمين علياً للخلافة "فحاصروا الخليفة (عثمان) في داره وقتلوه، ولكن النتيجة لم تكن بالحُسن الذي توقعه الصحابة (...)؛ فقد قسم عائدات الدولة ليس حسب السبق في الإسلام، ولا حسب رغباته الشخصية، بل كان يرى جميع المسلمين متساوين في نظره" (ص162)، وهذه النظرة المثالية، كما يرى الوردي، كانت سبب إخفاق علي بخلاف معاوية الذي "لم يتردد في استخدام أية وسيلة يعتقد أنها مفيدة للوصول إلى غايته القصوى، وهي الخلافة". (ص166).

ويلامس الوردي بتعرضه لرأي السنّة في علي وصراعه مع معاوية واحدة من أكثر القضايا العقائدية جدلاً لديهم، "إنهم لا يستطيعون إدانة علي، لأن لا أحد يشك في تقواه وإخلاصه لدينه. ولا يستطيعون أيضاً أن يدينوا معاوية، لأنه في الواقع حكم كخليفة على رقاب المسلمين والمعضلة تبدأ هنا". (ص169)

ويلفت إلى أنّ السنّة وقعوا أخيراً تحت ظروف تشبه إلى حد ما الظروف التي قادت إلى ظهور التشيع قبل قرون، فبعد أن كانوا يمثلون الطبقة الغنية المسيطرة، أصبحوا الآن مضطهدين يتطلعون أيضاً إلى المنقذ الإلهي الذي يعيد المجد القديم ومُثل الإسلام العليا (ص185).

الصفحة الرئيسية