كابل متخوفة من تحول العائدين من سوريا إلى "جيش سري لإيران"

1606
عدد القراءات

2019-04-01

انضم المراهق مهدي إلى موجة من الأفغان الذين رحلوا عن وطنهم على حلم الوصول إلى أوروبا والعثور على عمل هناك. بيد أن الحال انتهى به في مكان مغاير تماماً: داخل ميادين القتال في خضم الحرب السورية، في صفوف ميليشيا كونتها إيران.

كان مهدي واحداً من عشرات الآلاف من الأفغان جندتهم ودربتهم إيران على القتال دعماً لحليفها رئيس النظام السوري بشار الأسد. داخل سوريا، ألقي بمهدي في أتون واحدة من أكثر المعارك دموية في تاريخ الحرب المستعرة هناك، حيث أحاطت به جثث زملائه، بينما كان يرزح تحت وطأة قصف نيران من جانب مسلحين إسلاميين كانوا قريبين منه، لدرجة أنه كان باستطاعته سماع صيحات «الله أكبر» التي ينطقونها قبل إطلاق كل قذيفة «هاون»، بحسب تقرير من هيرات لوكالة «أسوشييتد برس».

وتمكنت إيران من بناء شبكة من الميليشيات تتألف من عناصر شيعية من مختلف أرجاء المنطقة، استغلتها في إنقاذ الأسد من الانتفاضة التي اشتعلت ضد حكمه. ولم تقتصر هذه الشبكة على الأفغان فحسب، وإنما شملت كذلك باكستانيين وعراقيين ولبنانيين. واليوم، ومع انحسار الحرب المشتعلة في سوريا منذ 8 أعوام، أصبح من بين التساؤلات التي تفرض نفسها: ماذا ستفعل إيران مع هذه القوات المدربة والمسلحة على نحو جيد؟

في الوقت الراهن، بدأ مهدي وعناصر أخرى جرى تجنيدها من المجتمعات الشيعية الفقيرة عبر المنطقة واستغلالها في إنقاذ الأسد، في العودة إلى الوطن، حيث يقابلون بمشاعر تشكك وريبة. ويعتقد مسؤولون أمنيون أفغان، أن إيران لا تزال تتولى تنظيم هذه العناصر، هذه المرة، كجيش سري لنشر نفوذ طهران في قلب الصراعات الأفغانية التي تبدو دون نهاية. في هذا الصدد، قال مهدي، البالغ اليوم 21 عاماً، وعاد إلى دياره في هيرات: «هنا في أفغانستان، نشعر بالخوف». ويبدو على مهدي ذعر بالغ بالفعل، وقد تحدث إلينا بشرط عدم الكشف الكامل عن هويته خوفاً من تعرضه للانتقام. وكنا قد التقيناه داخل سيارة تقف في ضاحية شيعية نائية، وحتى هناك، ظل حريصاً على إخفاء وجهه بوشاح، وظلت عيناه تتحركان من جهة لأخرى بترقب طول الوقت. اللافت أن المقاتلين العائدين يواجهون تهديدات من أطراف مختلفة، فهم يواجهون تهديداً من جانب ذراع تنظيم «داعش» داخل أفغانستان في مايو (أيار) الماضي، حيث هاجم مسلحون يتبعون «داعش» مسجداً شيعياً في هيرات، وقتلوا 38 شخصاً. من جهتها، وسعياً منها لدعم الأسد، بعثت إيران بمئات من مقاتلي الحرس الثوري إلى سوريا واستعانت بعدد من الميليشيات المتحالفة معها. وتتمثل أقوى وأشهر هذه الميليشيات في جماعة «حزب الله» اللبنانية. ومع هذا، ضمت القوة الأكبر بين هذه الميليشيات أفغاناً عرفوا باسم لواء «فاطميون»، يقدر خبراء عدد أفراده بـ15 ألف مقاتل. وعلى مدار سنوات، جرى تدريب عشرات الآلاف من الأفغان وقاتلوا في صفوف هذا اللواء، وكان أغلبهم من أقلية هزارة العرقية، الذين يعتبرون من بين أشد الأفغان فقراً. وقد عاد نحو 10 آلاف مقاتل من هذا اللواء إلى أفغانستان، حسبما أفاد به مسؤول رفيع المستوى بوزارة الداخلية الأفغانية رفض كشف هويته.

من ناحيتها، تعتقد الحكومة الأفغانية وكثير من الخبراء، أن إيران بإمكانها تعبئة هؤلاء المقاتلين السابقين من جديد، خصوصاً إذا انقلبت الفرق الكثيرة الأفغانية المسلحة بعضها ضد بعض في حرب جديدة بعد انسحاب قوات الولايات المتحدة وحلف «الناتو». وقد تستغل إيران تلك الفوضى في نشر اللواء، بذريعة أن «الأقلية الشيعية بحاجة إلى حماية». في هذا الصدد، قال بيل روغيو، رئيس تحرير «ذي لونغ وور جورنال»، وهو موقع إلكتروني مخصص لتغطية الحرب الأميركية ضد الإرهاب: «من المتوقع أن يعيد الإيرانيون بناء ميليشياتهم داخل أفغانستان في لحظة ما، ذلك أن إيران لا تتخلى عن الأصول التي تستثمر فيها وقتاً ومالاً وخبرة».

ومثلما الحال مع غالبية من انضموا إلى لواء «فاطميون»، تحرك مهدي بدافع الفقر، وليس الآيديولوجية أو الولاء لإيران. كان مهدي على درجة شديدة من الفقر لم تمكنه من توفير الكتب الدراسية في المدرسة. وكان قد أتم الـ17 بالكاد عندما رحل عن أفغانستان عام 2015. وسافر مهدي إلى إيران وعمل في طهران لشهور وادخر بعض المال بهدف السفر إلى أوروبا، لكن حدود أوروبا أغلقت، ووجد مهدي نفسه عالقاً داخل طهران. واقترح عليه صديق أفغاني الالتحاق بالقتال في سوريا. حيث كان بإمكان الفرد الحصول على ما يعادل 900 دولار شهرياً من إيران. وكان مهدي وقتها بالكاد يتقاضى 150 دولاراً. وخاض مهدي وأفغان آخرون تدريباً لمدة 27 يوماً تحت إشراف الحرس الثوري داخل قاعدة في إقليم يزد بجنوب البلاد. بعد ذلك، جرى نقل مهدي جواً إلى دمشق برفقة نحو 1600 مجند جديد. في دمشق، فتح المجندون حسابات مصرفية كان يجري إيداع رواتبهم بها. وذهبوا إلى ضريح السيدة زينب الواقع خارج دمشق ويوقره الشيعة، من أجل الحصول على بركة أخيرة قبل خوض المعارك. في اليوم التالي، جرى نقلهم عبر حافلة إلى مدينة حلب بشمال البلاد وأرسلوا من فورهم إلى الجبهة. وقد زج بمهدي في أتون واحدة من أشرس المعارك على امتداد الحرب التي جرت عام 2016، في مواجهة فرق مسلحة إسلامية من أجل السيطرة على بلدة خان طومان وقرى مجاورة على أطراف حلب. وكشف ذلك القتال بجلاء عن الطابع الدولي للحرب، فقد كان بين المسلحين سوريون وعراقيون وشيشانيون وتركمان وأوزبك ومسلحون أجانب آخرون. في الجانب الآخر، كانت تقاتل قوات سورية وإيرانية، ومقاتلون من «حزب الله» اللبناني وشيعة عراقيون وأفغان، مدعومون بطائرات حربية روسية - جميعهم يتقاتلون على قطعة من أرض سوريا. واستمر القتال شهوراً وسقط المئات في الجانبين بين قتيل وجريح. وقال مهدي: «غالباً في الصباح كنت أرى 7 أو 8 جثث». وقال إنه في إحدى المعارك جرى إرسال 800 أفغاني إلى خط المواجهة، تعرض 200 منهم للقتل أو الإصابة. عاد مهدي إلى أفغانستان منذ عام مضى. ولا يزال يعاني فقراً مدقعاً وعاجزاً عن إيجاد عمل. وتحدث بمرارة عن افتقاره إلى خيارات أمامه. وأشار إلى أن لواء «فاطميون» لا يزال في سوريا، وأن بعض الأفغان ظلوا في سوريا بعد انتهاء عملهم المسلح بهدف العثور على عمل. يقول: «لا أدري ما يحمل لي المستقبل. ربما سأصبح لصاً - أو ربما سأعود إلى سوريا».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم:



كابل متخوفة من تحول العائدين من سوريا إلى "جيش سري لإيران"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
عدد القراءات

2019-04-01

انضم المراهق مهدي إلى موجة من الأفغان الذين رحلوا عن وطنهم على حلم الوصول إلى أوروبا والعثور على عمل هناك. بيد أن الحال انتهى به في مكان مغاير تماماً: داخل ميادين القتال في خضم الحرب السورية، في صفوف ميليشيا كونتها إيران.

كان مهدي واحداً من عشرات الآلاف من الأفغان جندتهم ودربتهم إيران على القتال دعماً لحليفها رئيس النظام السوري بشار الأسد. داخل سوريا، ألقي بمهدي في أتون واحدة من أكثر المعارك دموية في تاريخ الحرب المستعرة هناك، حيث أحاطت به جثث زملائه، بينما كان يرزح تحت وطأة قصف نيران من جانب مسلحين إسلاميين كانوا قريبين منه، لدرجة أنه كان باستطاعته سماع صيحات «الله أكبر» التي ينطقونها قبل إطلاق كل قذيفة «هاون»، بحسب تقرير من هيرات لوكالة «أسوشييتد برس».

وتمكنت إيران من بناء شبكة من الميليشيات تتألف من عناصر شيعية من مختلف أرجاء المنطقة، استغلتها في إنقاذ الأسد من الانتفاضة التي اشتعلت ضد حكمه. ولم تقتصر هذه الشبكة على الأفغان فحسب، وإنما شملت كذلك باكستانيين وعراقيين ولبنانيين. واليوم، ومع انحسار الحرب المشتعلة في سوريا منذ 8 أعوام، أصبح من بين التساؤلات التي تفرض نفسها: ماذا ستفعل إيران مع هذه القوات المدربة والمسلحة على نحو جيد؟

في الوقت الراهن، بدأ مهدي وعناصر أخرى جرى تجنيدها من المجتمعات الشيعية الفقيرة عبر المنطقة واستغلالها في إنقاذ الأسد، في العودة إلى الوطن، حيث يقابلون بمشاعر تشكك وريبة. ويعتقد مسؤولون أمنيون أفغان، أن إيران لا تزال تتولى تنظيم هذه العناصر، هذه المرة، كجيش سري لنشر نفوذ طهران في قلب الصراعات الأفغانية التي تبدو دون نهاية. في هذا الصدد، قال مهدي، البالغ اليوم 21 عاماً، وعاد إلى دياره في هيرات: «هنا في أفغانستان، نشعر بالخوف». ويبدو على مهدي ذعر بالغ بالفعل، وقد تحدث إلينا بشرط عدم الكشف الكامل عن هويته خوفاً من تعرضه للانتقام. وكنا قد التقيناه داخل سيارة تقف في ضاحية شيعية نائية، وحتى هناك، ظل حريصاً على إخفاء وجهه بوشاح، وظلت عيناه تتحركان من جهة لأخرى بترقب طول الوقت. اللافت أن المقاتلين العائدين يواجهون تهديدات من أطراف مختلفة، فهم يواجهون تهديداً من جانب ذراع تنظيم «داعش» داخل أفغانستان في مايو (أيار) الماضي، حيث هاجم مسلحون يتبعون «داعش» مسجداً شيعياً في هيرات، وقتلوا 38 شخصاً. من جهتها، وسعياً منها لدعم الأسد، بعثت إيران بمئات من مقاتلي الحرس الثوري إلى سوريا واستعانت بعدد من الميليشيات المتحالفة معها. وتتمثل أقوى وأشهر هذه الميليشيات في جماعة «حزب الله» اللبنانية. ومع هذا، ضمت القوة الأكبر بين هذه الميليشيات أفغاناً عرفوا باسم لواء «فاطميون»، يقدر خبراء عدد أفراده بـ15 ألف مقاتل. وعلى مدار سنوات، جرى تدريب عشرات الآلاف من الأفغان وقاتلوا في صفوف هذا اللواء، وكان أغلبهم من أقلية هزارة العرقية، الذين يعتبرون من بين أشد الأفغان فقراً. وقد عاد نحو 10 آلاف مقاتل من هذا اللواء إلى أفغانستان، حسبما أفاد به مسؤول رفيع المستوى بوزارة الداخلية الأفغانية رفض كشف هويته.

من ناحيتها، تعتقد الحكومة الأفغانية وكثير من الخبراء، أن إيران بإمكانها تعبئة هؤلاء المقاتلين السابقين من جديد، خصوصاً إذا انقلبت الفرق الكثيرة الأفغانية المسلحة بعضها ضد بعض في حرب جديدة بعد انسحاب قوات الولايات المتحدة وحلف «الناتو». وقد تستغل إيران تلك الفوضى في نشر اللواء، بذريعة أن «الأقلية الشيعية بحاجة إلى حماية». في هذا الصدد، قال بيل روغيو، رئيس تحرير «ذي لونغ وور جورنال»، وهو موقع إلكتروني مخصص لتغطية الحرب الأميركية ضد الإرهاب: «من المتوقع أن يعيد الإيرانيون بناء ميليشياتهم داخل أفغانستان في لحظة ما، ذلك أن إيران لا تتخلى عن الأصول التي تستثمر فيها وقتاً ومالاً وخبرة».

ومثلما الحال مع غالبية من انضموا إلى لواء «فاطميون»، تحرك مهدي بدافع الفقر، وليس الآيديولوجية أو الولاء لإيران. كان مهدي على درجة شديدة من الفقر لم تمكنه من توفير الكتب الدراسية في المدرسة. وكان قد أتم الـ17 بالكاد عندما رحل عن أفغانستان عام 2015. وسافر مهدي إلى إيران وعمل في طهران لشهور وادخر بعض المال بهدف السفر إلى أوروبا، لكن حدود أوروبا أغلقت، ووجد مهدي نفسه عالقاً داخل طهران. واقترح عليه صديق أفغاني الالتحاق بالقتال في سوريا. حيث كان بإمكان الفرد الحصول على ما يعادل 900 دولار شهرياً من إيران. وكان مهدي وقتها بالكاد يتقاضى 150 دولاراً. وخاض مهدي وأفغان آخرون تدريباً لمدة 27 يوماً تحت إشراف الحرس الثوري داخل قاعدة في إقليم يزد بجنوب البلاد. بعد ذلك، جرى نقل مهدي جواً إلى دمشق برفقة نحو 1600 مجند جديد. في دمشق، فتح المجندون حسابات مصرفية كان يجري إيداع رواتبهم بها. وذهبوا إلى ضريح السيدة زينب الواقع خارج دمشق ويوقره الشيعة، من أجل الحصول على بركة أخيرة قبل خوض المعارك. في اليوم التالي، جرى نقلهم عبر حافلة إلى مدينة حلب بشمال البلاد وأرسلوا من فورهم إلى الجبهة. وقد زج بمهدي في أتون واحدة من أشرس المعارك على امتداد الحرب التي جرت عام 2016، في مواجهة فرق مسلحة إسلامية من أجل السيطرة على بلدة خان طومان وقرى مجاورة على أطراف حلب. وكشف ذلك القتال بجلاء عن الطابع الدولي للحرب، فقد كان بين المسلحين سوريون وعراقيون وشيشانيون وتركمان وأوزبك ومسلحون أجانب آخرون. في الجانب الآخر، كانت تقاتل قوات سورية وإيرانية، ومقاتلون من «حزب الله» اللبناني وشيعة عراقيون وأفغان، مدعومون بطائرات حربية روسية - جميعهم يتقاتلون على قطعة من أرض سوريا. واستمر القتال شهوراً وسقط المئات في الجانبين بين قتيل وجريح. وقال مهدي: «غالباً في الصباح كنت أرى 7 أو 8 جثث». وقال إنه في إحدى المعارك جرى إرسال 800 أفغاني إلى خط المواجهة، تعرض 200 منهم للقتل أو الإصابة. عاد مهدي إلى أفغانستان منذ عام مضى. ولا يزال يعاني فقراً مدقعاً وعاجزاً عن إيجاد عمل. وتحدث بمرارة عن افتقاره إلى خيارات أمامه. وأشار إلى أن لواء «فاطميون» لا يزال في سوريا، وأن بعض الأفغان ظلوا في سوريا بعد انتهاء عملهم المسلح بهدف العثور على عمل. يقول: «لا أدري ما يحمل لي المستقبل. ربما سأصبح لصاً - أو ربما سأعود إلى سوريا».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية