كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟

كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟

مشاهدة

12/12/2019

برز دور الأصوليات الدينية وغير الدينية بشكل واضح ومؤثر في تشكيل العالم من بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، التي كان لتنظيم القاعدة السلفي الجهادي الإسلاموي، الذي أصبح أصولياً فيما بعد، دوراً مفصلياً فيها. ونجم عن ذلك انشغال الفكر والبحث والإعلام  الغربي والعربي بتفاصيل تلك الظاهرة وتجلياتها عبر العصور من خلال نبش كل الماضي السلفي/الأصولي الديني، ومحاولة استشراف مستقبل تلك الظاهرة ورصد تأثيرها في الواقع المحلي والعالمي، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، في القادم من الأيام.

اقرأ أيضاً: التجربة الإخوانية في الميزان: كيف تبني الأصولية وعياً زائفاً؟

كتاب "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"
وإذا كان ثمة قصور في الفكر العربي ومؤسساته البحثية والإعلامية في التعمق في الإلحادي دراسة تلك الظاهرة عن مثيله الغربي فمردّه إلى حملات التشويه والقدح والشتم التي تشنّها السلفية/ الأصولية الإسلامية على كل  من يتعرض لها بالنقد السلبي، عدا عن محاولتها أن توحد بين فكرها وقناعاتها وأيديولوجياتها وبين الدين ذاته على ما بينهما من فروق، كي ترمي كل من يطالها بالنقد، بالكفر الإلحادي أو الكفر الشركي أو الزندقة. خاصة وأنّها تتمسك بقراءة حرفية جامدة للنصوص الدينية ترفض منطق العقل والمجاز والتأويل، وتركز على النصوص التي جاءت في المرحلة المدنية من حياة الإسلام التي أبُيح بها استعمال القوة والسيف في محاربة الكفار من قريش وأنصارها حرباً مكشوفة.

حاول الباحث التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية

يسهم كتاب الباحث الأردني شاكر النابلسي "تهافت الأصولية: نقد فكري للأصولية الإسلامية من خلال واقعها المعاش"، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2009، في التعريف بالظاهرة السلفية/الأصولية ومحاولة استدراك مخاطر هذه الظاهرة على الدين والواقع العربي حاضراً ومستقبلاً. وقد جعل الباحث كتابه في بابين عريضين ينضوي تحت كل منهما العديد من العناوين الفرعية المركزة والمباشرة تماشياً مع إيقاع العصر السريع وثورة الاتصالات والإنترنت من جهة، وتيسيراً يفيد منه القارئ المهتم والباحث المتخصص على السواء. فيذهب في الباب الأول "في السلفية" إلى التعريف بالسلفية وجذورها وأنواعها وغاياتها والتماس الفروق بينها وبين الأصولية، محاولاً التمييز بين أربعة أنواع من السلفيات من حيث نشأتها المكانية وعلاقتها بكل من الدولة العثمانية والحداثة الغربية، فيقسمها إلى:
- السلفية الشامية التي نشأت في بلاد الشام، والتي ناصرت الدولة العثمانية وتحفظت على الحداثة الغربية، ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالمسيحيين والعلمانيين في مصر وبلاد الشام تحت شعار العودة إلى الجذور واستنساخ تجارب الماضي، وساعدت على قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية كحركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وغيرهما.

 


-السلفية المصرية التي نادت بالعودة إلى التراث مع عدم رفض المعاصرة، لكنها ناصرت الدولة العثمانية ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية نكاية بالاحتلال البريطاني لمصر وحاربت الحداثة الغربية وقيمها وأفكارها، وبفضلها تحقق قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الدينية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها الجماعات الإسلامية الإرهابية بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين.

 

يلفت الباحث إلى أنّ السلفية بنت القرن الثامن عشر وظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات

-السلفية الخليجية التي نشأت في الخليج العربي بهدف القضاء على الخرافات والطقوس والعادات السيئة والدعوة إلى العودة للتراث وسيرة السلف الصالح، وثارت على الدولة العثمانية وناصبتها العداء وعدتها عدوة الدين الصحيح الخالي من الخرافات، لكنها لم تعرف الحداثة بحكم منشأها البدوي وانغلاقها الجغرافي والتاريخي ولم تناصبها العداء الشرس إلا في الربع الأخير من القرن العشرين.
- السلفية المغاربية التي نشأت في المغرب العربي بعيداً عن نفوذ الدولة العثمانية لعدم خضوعها السياسي المباشر للباب العالي؛ فدعت إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح وتبنّت الحداثة بتحفظ وناضلت ضد الاستعمار الفرنسي نضالاً بطولياً طويلاً واستطاعت أن تحصل لبلدانها على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟
ويلفت الباحث أنّ الغاية من هذا العرض التاريخي هو التمييز بين السلفية والأصولية؛ فالسلفية أقدم تاريخياً من الأصولية، وهي بنت القرن الثامن عشر، وقد ظهرت كدعوة دينية اجتماعية لتطهير الدين من البدع والخرافات والعودة إلى الإسلام الصافي، ونشأت في بيئات بسيطة؛ حيث التدين الصوفي الشعبي البسيط، في حين ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين في بيئات مدنية أو شبه مدنية تقرأ وتكتب، وهي أحد منجزات الحداثة ورد فعل عليها في آنٍ، وهي، وإن كانت قد نشأت من رحم السلفية، لكنها دعوة دينية سياسية تشبه من بعض وجوهها الحركات والدعوات اليسارية الراديكالية، هدفها الأقصى الوصول إلى السلطة وإقامة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية.

 


وإذا كان جميع الأصوليين سلفيين لكن ليس كل السلفيين أصوليين، فثمة من يعرف نفسه من السلفيين "بالسلفي العقلاني المتنور" أو المستنير الذي يسعى لأخذ الدين من منابعه النقية وليس من فكر العصور الوسطى ومتونها وحواشيها، ويدعو إلى إصلاح الدين وتحديث المؤسسات التعليمية الدينية، وإدخال العلوم الوضعية والطبيعية في مناهجها التعليمية، واعتبار (الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون، وهو قادر بعقله على استجلاء ما غمض واستكشاف ما جَهُل). ولعل الفرق الجوهري الذي يشير إليه النابلسي بين الدعوتين؛ السلفية والأصولية، يتمثل في ميل السلفية للمهادنة والسمع والطاعة لولي الأمر وتحريم الخروج على الحاكم الجائر ورفض الثورة أو التظاهر أو العصيان، في حين يمثل الوصول إلى السلطة وقلب الحكم وأسلمة الدولة والمجتمع الفكرة الأساسية التي توجه سلوك أصحاب الأصولية وتتحكم به. وهم لا يتورعون بالوصول غايتهم تلك عن استخدام حتى (جثثهم وجثث غيرهم من المسلمين، وغير المسلمين، الممزقة، والمقطعة الأوصال، والمحترقة في شوارع مدن العالم). ويستميت الأصولي في طلب السلطة حتى ولو على قطعة أرض صغيرة يقيم عليها "دولته" ويطبق فيها شرعه وعقيدته، "كحماس" في غزة و"حزب الله" في الجنوب اللبناني كمثالين ساطعين.

 

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
أما السلفية الجهادية الإرهابية فيعتبرها النابلسي بأنّها الابن الشرعي للقطبية ومرجعيتها الفكرية والأيديولوجية هي أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وليس الفكر السلفي الوهابي، وأنّها هي والسلفية /الأصولية السياسية ليستا حركتين دينيتين، إنما حركتان سياسيتان بمسوح دينية. فزعماء هذه التنظيمات السياسية ليسوا من علماء الدين ولا من خريجي المعاهد الدينية ولم يدرسوا الدين دراسة أكاديمية، بل هم من خريجي التعليم الوضعي الحديث الذي عممته الدولة الحديثة بعد الاستقلال.

 

الأصولية ظاهرة
يفرد الباحث النابلسي الباب الثاني من كتابه للبحث في معنى الأصولية، بشكل عام، والأصولية الإسلامية، بشكل خاص، منطلقاً من الأصولية بأنّها (قرينة كل فكر يحيل النصوص، أو القواعد، أو الأفكار، أو الآراء البشرية، إلى أصول ثابتة، جامدة، متصلبة، لا تعرف المرونة ولا تراعي التغيرات في الواقع المتحول، الذي يحيط بها). ولا تقتصر الأصولية على الأديان التوحيدية وغير التوحيدية بل هي سمة كل فكر وأيديولوجيا تميل إلى التعصب وتضفي على معتقداتها طابع القدسية والثبات وترفض التغير مع تحولات الواقع والزمان، ولا تختلف الأصولية المدنية على اختلاف تياراتها الفكرية في ذلك عن الأصولية الدينية المتعصبة التي تشكل أساسها التكويني ومنشأها الأول؛ فالأصوليات تهيج بعضها بعضاً، وتكره بعضها بعضاً وعدوه المشترك واحد، (وهو النزعة الإنسانية العلمانية أو فلسفة التنوير والحداثة). فرغم أنّ الأصوليين ومنهم الإسلاميون هم أبناء العصر الحديث وينتمون بعقولهم إلى العصر الحديث يرحبون باستعمال منتجات التكنولوجيا الحديثة لصالحهم ولصالح انتشار أفكارهم، لكن أرواحهم تنتمي إلى العصور الوسطى أو ما قبلها، ويعيشون انفصاماً عقلياً ما بين حبهم لمنتجات الحداثة المادية وتمتعهم باستعمالها وما بين كرههم ورفضهم لفلسفتها وعقلها التنويري وطريقة الحكم السياسي فيها. وهذا هو حال الأصولية الإسلامية التي قامت حسب المؤلف على أفكار أربعة من الإسلاميين هم: الباكستاني أبو الأعلى المودودي المنظر الأول للأصولية الإسلامية المعاصرة وصاحب فكرة "الحاكمية"، وتلميذه المصري النجيب سيد قطب، ومن إيران، الخميني صاحب "ولاية الفقيه".

ظهرت الأصولية مع ظهور الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين في بيئات مدنية وشبه مدنية تقرأ وتكتب

وقد قامت هذه الأصولية كغيرها من الأصوليات لكن ربما بشكل أكثر مبالغة على رفض إعمال العقل بالنص الديني ومزج النسبي بالمطلق، والحقيقة العابرة بالحقيقة الأبدية، ومن ذلك كان عداؤها الصريح للعلمانية التي تقوم على التفكير النسبي، ووصمها بالكفر والإلحاد، وطالت يدها بالتنكيل والاغتيال كل من استطاعت الوصول إليه من مخالفيها. وقد مرت الأصولية، كما يذكر النابلسي، مستشهداً برؤية فرانسوا بورجا في سياق تطورها بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى وتبدأ من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومحاولة إحياء الخلافة الإسلامية التي أنهاها أتاتورك وحتى عام 1950، وتحويل مصر إلى دولة دينية.

 


المرحلة الثانية وتبدأ منذ فجر الاستقلال وحتى 1990 والتي شهدت تنافس الأصولية مع موجة الفكر القومي الصاعد وتعرض الأصوليون خلالها إلى الملاحقة والسجن والطرد من الحلبة السياسية حتى بدأ صعودهم من جديد عندما أفرج السادات عند كوادرهم وأطلق يد الأصولية في المعاهد التعليمية والصحافة لكي يقلل من ضغط الناصرية وأتباعها عليه بعد توجهه نحو الغرب ومحاولة انفكاكه من المحور السوفييتي، كما رافق ذلك انتعاش الأصولية في بلدان الخليج العربي بعد هجرة الإخوان إليها.
والمرحلة الثالثة وتبدأ بعد حرب الخليج عام 1991 والتي شهدت انطلاق تنظيم القاعدة  وعدد من العمليات الإرهابية أعادت الأصولية إلى المسرح السياسي المحلي والدولي. خاصة بعد استثمارها من مراكز القرار الدولية والأنظمة الاستبدادية العربية التي عبدت الطرق نحو الراديكالية الإسلامية التي ما زلنا نشهد كوارثها حتى اليوم، خاصة في مصر. 

 

أهم مظاهر انتشار الأصولية في المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين

وأهم مظاهر انتشار الأصولية في هذه المرحلة المتصلة بعصر العولمة وثورة الاتصالات بروز دعاة الأصولية كنجوم إعلاميين والشيوخ المفتين وتحول الأصولية إلى مصدر للمعرفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وتغلب الفقهاء على العلماء والخبراء وهو ما يعزوه الباحث إلى حالة الجهل والإحباط والتجهيل التي انحدر إليها الوضع العربي بفعل سلطات الاستبداد التي أطلقت يد الأصولية في مناهج التعليم واستفادت منها في تحصيل شرعيتها السياسية المنقوصة ومحاربة خصومها السياسيين، وليس نابعاً من قوة الأفكار الأصولية وثقافة ومعرفة رجال الدين. ما جعل من الأصولية تتحول إلى عائق حقيقي أمام عملية التحديث والتطوير على جميع المستويات المعرفية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتعليمية واللغوية..، وسداً في وجه القوى الحيوية الشابة الباحثة عن مستقبل أفضل لأوطانها ومجتمعاتها، والساعية نحو إرساء حكم سياسي ديمقراطي رشيد يقوم على مبدأ المواطنة وحفظ الحقوق، والاعتراف بحرية الآخر المختلف والانفتاح عليه وليس على مبدأ الولاء والبراء ودار الإسلام ودار الحرب، ونحو إقرار المساواة بين الجنسين والتخلص من فوبيا المرأة وإفساح المجال أمامها للمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، والتفريق بين المواطن والمؤمن تفريقاً يقيم السياسة بما هي سياسة وينصف الدين بدلاً من  إعادة إنتاج التخلف والاستبداد والتطرف والعنف.

الصفحة الرئيسية