كيف تحولت البيعة من المعنى الديني إلى السياسي؟

كيف تحولت البيعة من المعنى الديني إلى السياسي؟

مشاهدة

20/10/2020

كشأن كثير من المفاهيم المركزية التي شكلت تصور الجماعات المتطرفة للدين وثوابته، خضع مفهوم البيعة، كمفهوم تعلق بإعلان الإيمان بقيم الدين، ومبايعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على الإيمان بهذا الدين، والحياة من أجله، وتقمّص قيمه وآدابه الرئيسة، إلى أداة من أدوات إخضاع الأفراد لمشروع سياسي، وطاعة لقائد يعبث بمصائرهم، ويلقي بهم في أي وادٍ يراه، ثمّ لا يتورع عن الادعاء أنّ ذلك يأتي إنفاذاً لأمر الله ورسوله، وتمكيناً للدين ونصرة لمبادئه.

كيف ترسّخ مبدأ البيعة في نفوس أعضاء تلك الجماعات؟ وتطور من مفهوم لإعلان الدخول في دين الله، من قبل أفراد من الجماعة المسلمة الأولى، إلى أداة إخضاع لجمهرة من المسلمين.

ربما ممّا يجيب عن ذلك؛ ما كتبه منير الغضبان في "المنهج الحركي للسيرة النبوية"، الذي قدم عبر هذا الكتاب شكلاً جديداً من أشكال التدليس المعرفي والنفسي، عبر إسقاط أحداث السيرة على واقع المسلمين المعاصر؛ حيث انطلق من المفهوم نفسه الذي تبناه سيد قطب في الحكم على المجتمع بالجاهلية، وضرورة أن تجسد جماعة جديدة من المسلمين هذا الإسلام في الواقع، وتستعيد مسيرته الحرفية كما كانت منذ البعثة المحمدية؛ حيث قسم السيرة النبوية على طريقة مخصوصة؛ بين سرية الدعوة وسرية التنظيم، قبل أن ينتقل إلى جهرية الدعوة وسرية التنظيم، ثم قيام الدولة والجهاد السياسي، وانتصار تلك الدولة، وقد جعل هذه المراحل حتمية في برنامج أية حركة تسعى لإقامة دولة الإسلام وإعلان الخلافة.

انطلق منير الغضبان من المفهوم نفسه الذي تبناه سيد قطب في الحكم على المجتمع بالجاهلية

واختطاف الجماعات المتطرفة لوقائع السيرة، والاحتجاج بها أساسي في وعي تلك الحركات، وهي بارعة في الاختباء خلف النصوص والوقائع.

دعونا نمضي مع الطريقة التي انتهجها الغضبان في تأسيس مفهوم البيعة السياسية، واستخلاصه من البيعة الدينية؛ حيث بدأ بذكر الوقائع التي قدم بها لمفهومه، وما استخلصه منها، فيذكر من وقائع السيرة الآتي:

قال ابن إسحاق في السيرة النبوية لابن هشام: "حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، منهم: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان". عن عبادة بن الصامت قال: "كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنّا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألّا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً، فأمركم إلى الله، عزّ وجلّ، إن شاء عذّب، وإن شاء غفر".

قال ابن إسحاق: "فلمّا انصرف عنه القوم، بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يُقرِئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقهّهم في الدين، فكان يسمَّى المقرئ بالمدينة، كان يصلّي بهم، وذلك أنّ الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض".

يقول الغضبان: عام جديد يمر بعد اللقاء الأول، ويحضر لمكة في الموسم الجديد، نفر من اثني عشر رجلاً، والجديد في هذا الوفد؛ أنّه يمثل التجمعين الكبيرين؛ الأوس والخزرج، فلن يكون إذن معارك قبلية يمثل الخزرج طرفها الإسلامي، ويكون الأوس طرفها الجاهلي؛ بل استطاعت هذه المجموعة النواة أن تتجاوز الدماء والثارات التي لم يمر عليها بضعة أشهر، وتلتحم في جماعة واحدة.

والذي يعنينا من هذه البيعة النقاط الآتية:

1-اتجه الخط السياسي الإسلامي كله للبناء الداخلي؛ حيث يتصور أنّ انشغال هؤلاء النفر الاثني عشر، في بث الدعوة في المدينة، كان نشاطاً سياسياً في بناء جماعة سياسية، وليس نشراً لدعوة دينية ناشئة في نفوس هؤلاء، وفي هذه البقعة.

2-يقول غضبان: سمّيت البيعة "بيعة النساء"؛ لأنّها لم تشتمل على فكرة الحرب، والحرب لا تكون إلّا بعد البناء الفكري والعقدي للإنسان، وبعد أن يصاغ على ضوء الإسلام وقيمه، يمكن أن يدعى المسلم إلى الجهاد. هو هنا يفترض أنّ الحرب مرحلة ستأتي بعد استكمال الإعداد النفسي والفكري، الحرب هنا لا تأتي اضطراراً لحماية الدعوة الناشئة والتخلية بين الناس، والحق في الدعوة، كما هو الإسلام، لكنّها خيار مركزي وحتمي يلزم الإعداد له.

3-يذكر هنا القيم التي تمت عليها البيعة، كما ذكرها عبادة بن الصامت: (... على ألّا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف..)، وكما نرى، كلّها أمور إيمانية محضة لا علاقة لها بدولة أو سياسة.

4-يضرب هنا مثالاً لما فعله الإسلام في نفوس الأوس والخزرج، من امتزاج بعد العداوة، وتجاوز الصراعات القبلية، وهذا فعل الدعوة، وليس فعل السياسة في النهاية.

5-مصعب بن عمير، أصبح الممثل الشخصي لرسول الله، يشرف بنفسه على تطور الموقف وتفقيه المسلمين هناك في دينهم.

6-استطاع الدبلوماسي الإسلامي الأول في المدينة، بحكمته وحصافته وذكائه السياسي، أن يجرّ أكبر قيادات الأوس إلى الإسلام، وفي هذا تزييد بالغ، فلم يكن مصعب بن عمير سوى داعية للدين وفد إلى المدينة، مصحوباً بدعاء النبي له بالتوفيق، وبفعل الصورة الذهنية التي نقلها من بايعوا، الرسول لمن خلفهم.

كلما يممت وجهك في أفكار تلك الجماعات، ستجد هذا الظلّ المؤسف للخلط بين مقام النبوة ومقام الحكم

7-يفترض الكاتب في هذه النقطة، أنّه رغم أنّ نصوص البيعة لا تحمل في ثناياها حرباً أو معركة، لكنّها تعني تربية معنية وأرضية تقوم عليها المعركة، ويخلص من ذلك إلى أنّ المفاصلة العقدية في عدم الشرك بالله، لا تنفصل عن المفاصلة السلوكية في عدم السرقة أو الزنا، ولا تنفصل عن تغيير الولاء من القبيلة إلى الرسول.

وعبر هذا الاستدلال المتجني، يخلص الكاتب إلى أنّ تلك البيعة ليست أمراً دينياً، أو عهداً بين الإنسان وربّه، يحاسبه عليه في الآخرة؛ بل عقد أرضي بين جماعة المسلمين وحاكمهم، نبياً كان أم حاكماً.

وهكذا، كلما يممت وجهك في أفكار تلك الجماعات، ستجد هذا الظلّ المؤسف للخلط بين مقام النبوة ومقام الحكم، الذي ما زال ينتج آثاره في أفكار وسلوك وممارسات مؤسفة لتلك الجماعات.

الصفحة الرئيسية