كيف تحولت جزيرة مينداناو الفلبينية إلى مستودع للحرب؟

3628
عدد القراءات

2018-02-20

تظهر الفلبين في الصحافة العالمية عند تعرضها لإعصار أو وقوع عمل إرهابي في مينداناو. بدأ النزاع القرن الماضي في هذه المنطقة جنوبي البلاد، المحاطة ببحر سولو الأسطوري، القرن الماضي ولا يزال اليوم أحد النزاعات المنسية على مستوى العالم.

بسط المسلمون سيطرتهم على جزيرة مينداناو الشاسعة قرناً قبل وصول الاستعمار الإسباني؛ لكنها ظلت محتفظة بنظام السلطنة. كانت البداية مع (جبهة مورو للتحرير الوطني) التي أعلنت الثورة ضد حكومة الدكتاتور الفلبيني فرديناند ماركوس (1965-1986)، مطالبة بحق شعب الـ(مورو) في تقرير مصيره والحفاظ على الهوية الإسلامية في بلد ذات أغلبية مسيحية.

الجماعات الأكثر تشدداً في مينداناو هي أبو سياف في منطقتي باسيلان وسولو، والدولة الإسلامية بقيادة الأخوة ماوتي في لاناو الجنوبية

ثم ظهرت جماعات مسلحة أخرى حتى أضحت مينداناو مستودعاً ومعملاً للحرب. تطالب الـ(بانجسامورو)- أو الأمة الإسلامية- بالحق في الهوية الخاصة وتسيير الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

بدأت قبل 45 عاماً عملية سلام، وأدرجها عدد من الرؤساء ضمن أجنداتهم، لكن لا يزال البحث جارياً عن التسوية السياسية التي تلبي مطالب المجتمع المسلم.

تم توقيع الاتفاق الأول في 1996 خلال حكومة فيدل راموس مع (جبهة مورو للتحرير الوطني)، انتهى بإدارتها لعدة أعوام إقليم مينداناو المسلم ذا الحكم الذاتي والذي نشأ بموجب هذا الاتفاق.

لكن (جبهة مورو للتحرير الإسلامي) المنشقة والرافضة لهذا الاتفاق، وقعت في 2012 خلال رئاسة أكينو الثالث، ما يطلق عليه (الاتفاق الإطاري للسلام)، والذي تقرر فيه إرساء هيكل آخر في إقليم مينداناو المسلم ذي الحكم الذاتي.

من الضروري إجراء حوار بين الأديان بما يسهم في إشفاء الجراح التي يعاني منها الجميع بسبب العنف والظلم التاريخي

وينبغي أن تحصل هذه التسوية، التي تحظى بالضوء الأخضر من الرئيس الحالي رودريجو دوتيرتي، على موافقة البرلمان، ما يتطلب تعديلاً دستورياً يمهد طريق النظام الفيدرالي أمام البلاد.

وخلال هذا التمرد الإسلامي الطويل في مينداناو، إضافة للبحث عن السلام، جرت عملية تأصيل إسلامي. تأثرت عملية البحث عن حلول في خضم العنف للغاية بما يعرف باسم "الصحوة" العالمية، ما أدى لظهور جماعات أكثر أصولية ذات مرجعية وهابية غذت العنف في بانجسامورو.

أما الجماعات الأكثر تشدداً في إقليم مينداناو الكبير فهي أبو سياف في منطقتي باسيلان وسولو، والدولة الإسلامية بقيادة الأخوة ماوتي في لاناو الجنوبية، و(بانجسامورو مقاتلو الحرية الإسلامية) في ماجينداناو. عرفت هذه المنظمات كيف تستغل إحباطات الشباب تجاه الثقافة الغربية والعلمانية المهيمنة، ومن جانب آخر التهميش الاجتماعي الثقافي والتاريخي والسياسي والاقتصادي الذي تتعرض له المنطقة التي يعيشون بها.

يرى أغلب الزعماء الدينيين المسلمين تعارضاً بين الأهداف النبيلة أو السامية لهذه الجماعات الأصولية وفكرها العنيف وأفعالها الإجرامية. بالنسبة لهذه الجماعات الأصولية، تجنيد الشباب هو الهدف الأول.

تستخدم هذه الجماعات الفضاءات الدينية التقليدية لأنشطة التجنيد والتلقين والتدريب

تستخدم هذه الجماعات الفضاءات الدينية التقليدية لأنشطة التجنيد والتلقين والتدريب؛ وتقدم وعوداً كبيرة بدفع مبالغ مالية سخية نقداً. هناك عامل آخر يساعدها على الاستقطاب وهو الرغبة بالثأر، التي تسيطر على ذوي القتلى، وهي رغبة متجذرة بقوة لدى بعض الأسر.

بايعت حركة أبو سياف، التي كان لها وجود قوي في باسيلان وسولو منذ حقبة التسعينيات، تنظيم القاعدة وحركات أخرى في جنوب شرق آسيا، وقد كشفت حالياً بشكل علني دعمها لـ"داعش" في تطلعها لإنشاء دولة إسلامية.

على مدار الأعوام الـ25 الماضية، ارتكبت حركة أبو سياف فظائع واعتداءات إرهابية في مناطقها، وعدداً كبيراً من عمليات اختطاف المبشرين ومواطنين فلبينيين وأجانب؛ قتلت بعض ضحاياها مثل؛ بنيامين دي خيسوس أسقف جولو.

تستخدم الجماعات الأصولية الفضاءات الدينية التقليدية لأنشطة التجنيد والتلقين والتدريب؛ وتقدم وعوداً كبيرة بدفع مبالغ مالية سخية نقداً

ومن بين الأحداث الأخيرة، يأتي الحصار العسكري لمدينة ماراوي بقلب مينداناو والتي تعد عاصمة إسلامية تاريخية، واستغرق أكثر من خمسة أشهر في 2017 وانتهى بنتيجة كارثية تمثلت في ألف قتيل بين القوات الحكومية والمدنيين إضافة إلى 600 مسلح. كانت المقاومة مزيجاً بين القوات: أبو سياف بقيادة إسنيلسون هابيلون الذي أعلن نفسه أميراً للدولة الإسلامية في الفلبين؛ والأخوة ماوتي وسياسيون متورطون في تهريب المخدرات، فضلاً عن بعض المسلمين الوافدين من دول مجاورة مثل؛ ماليزيا وإندونيسيا.

إن تهديد "داعش" في مينداناو قائم بسبب الوجود القوي لجماعات جهادية تستمر بفضل عمليات الاختطاف المستمرة. تعد الفلبين هدفاً جذاباً بشكل خاص؛ لأن حكوماتها، منذ الحرب العالمية الثانية، أقامت علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

الرغبة بالثأر، التي تسيطر على ذوي القتلى، عامل مهم يساعد الجماعات الأصولية على استقطاب الأعضاء

وبالفعل، نشرت الولايات المتحدة منذ 2001 قوات في مينداناو لمواجهة القاعدة وجماعات جهادية أخرى مثل أبو سياف. ومؤخراً أعلن القائد الأعلى للقيادة العسكرية التي تنفذ العمليات الأمنية في مينداناو أنه ما يزال هناك 50 إرهابياً إسلامياً أجنبياً على الأقل يجندون ويدربون شباباً لمهاجمة مدن المنطقة.

في هذا الإطار، من الضروري إجراء حوار بين الأديان بما يسهم في إشفاء الجراح التي يعاني منها الجميع بسبب العنف والظلم التاريخي. يحصد هذا التضامن أرضاً في مينداناو؛ حيث تنشأ مجموعات للحوار مثل منظمة (دعاة السلام في زامبوانجا) أو حركة (التضامن بين الأديان من أجل السلام) التي تضم أعضاء من المجتمعات الإسلامية والمسيحية- البروتستانتية والإنجيلية والكاثوليكية- والسكان الأصليين.

تحليل من وكالة الأنباء الإسبانية (إفي)

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: