لماذا تعد "الشعبوية" كلمة مشينة؟

4512
عدد القراءات

2018-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


يتحدّث العديد من السّياسيين والنّقّاد عن "الشعبوية" كما لو كانت نظامَ اعتقاد غريب، ولا يميلون إلى الحديث بشكل جيّد حين يأتون على ذكر ممارسيها باعتبارهم "شعبويّين". ومع ذلك، فإنّ القاموس يعرّف "الشّعبويّة" بأنّها التّركيز على "هموم النّاس العاديين". ألا ينبغي أنْ يكون هذا ما يطمح أيّ سياسيّ إلى إجادته؟

اقرأ أيضاً: العالم في قبضة الشعبوية .. تعرف على أسباب صعودها ومستقبلها
لقد أدّى فشل السّياسيّين في القيام بذلك، إلى طوفان من الاضطّرابات السّياسيّة، كان الأكثر شهرة من بينها هو التّصويت على خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ (البريكست) وانتخاب دونالد ترامب. وبالرّغم من أنّ الخبراء ليسوا في رواج، فإنّنا يجب أن نكون ممتنّين إلى أنّ بعضهم ما يزال يتقدّم من أجل شرح دوافع سلوك النّاخبين، ومن أجل لفت انتباه الطّبقة السّياسيّة إلى بعض الدّروس.
من أجل فهم غير نمطيّ للشّعبويّة
في كتاب "الشّعبويّة القوميّة National Populism"، يقوم ماثيو غودوين، وهو واحد من الأكاديميّين القلائل الذين برهنت الاتّجاهات السّياسيّة في السّنوات القليلة الماضية على صحّة كلامهم، بالتّعاون مع روجر إيتويل، مؤرّخ أقصى اليمين، بهدم "الافتراضات المعيبة والإجحاف والهاجس السّاحق على المدى القصير" الذين ينغمس فيهم النّاس عادة عندما يحاولون تصوير "هذه التّمرّدات الشّعبويّة" باعتبارها ليست أكثر من تشنّج جلف لناخبين غير متعلّمين، سيتعلّمون عمّا قريب خطأ قراراتهم. يُظهِر كلّ من إيتويل وغودوين، مع فهم جِداليّ للتّفاصيل، كيف أنّ هؤلاء المعلّقين قد استسلموا "للصّور النّمطيّة الّتي تتوافق مع توقّعاتهم" بدلاً من الاستنتاجات المستندة إلى الأدلّة.

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي

كتاب "الشّعبويّة القوميّة National Populism"
في آذار (مارس) الماضي، صرّح السّير فينس كبل علانيةً بأنّ من صوّتوا من أجل "البريكست" هم أشخاص يتوقون إلى عالم "تكون فيه كلّ الوجوه بيضاء". ومع ذلك، يشير كلّ من إيتويل وغودوين إلى أنّ واحداً من كلّ ثلاثة نّاخبين سود أو ينتمون إلى أقلّيّات عرقيّة قد دعم "البريكست". كما صوّتت نسبة مماثلة (29 في المائة) من النّاخبين الّذين تعود أصولهم إلى بلدان ناطقة بالإسبانيّة لصالح دونالد ترامب في انتخابات الرّئاسة، بالرّغم من خطابه المعادي للمكسيكيين. فكيف يمكن أن يحصل ذلك؟
الحاجة إلى نخبة جديدة
ذات مرة، قال عضو البرلمان الأوروبيّ، نايجل فاراج، إنّ "التّصويت لحزب الاستقلال البريطانيّ (حزب يمينيّ شعبويّ معاد لوجود المملكة المتّحدة في الاتّحاد الأوروبي) يعبّر عن حالة ذهنيّة، وليس عن (تصويت) احتجاجيّ، إنّه تأكيد إيجابيّ على أنّنا نحتاج إلى أشخاص مختلفين في السّياسة". وقد وصل المؤلّفان إلى نتيجة مشابهة.

شعور النّاخبين السّلبيّ تجاه الخدمة المقدّمة من جانب ممثّليهم السّياسيّين المكرّسين هو ما أجّج سخطهم

من الواضح أنّ شعور النّاخبين السّلبيّ تجاه الخدمة المقدّمة من جانب ممثّليهم السّياسيّين المكرّسين، هو ما أجّج سخطهم. فعندما سألَت شركة أيبسوس موري النّاخبين مؤخّراً ما إذا كانوا قد شعروا بأنّ "الأحزاب والسّياسيّين التّقليديّين لا يهتمّون بأشخاص مثلي"، اتّفق عدد كبير من المستفتين في كافّة أنحاء أوروبا (بما يتراوح من نسبة منخفضة تصل إلى 44 في المائة في السّويد إلى 61 في بولندا و67 في فرنسا).
ضياع الحدود بين الأيديولوجيات والأجيال
الشّعبويّة أيضاً عابرة للانقسام الحزبيّ. فبقدر ما يروق لجيريمي كوربين وأتباعه التّنديد بمهيجي الشّعوبيّة، مثل ترامب وفاراج، يشير المؤلّفان إلى أنّ كوربين وزملاءه من اليساريّين، مثل بيرني ساندرز، ينغمسون في الخطاب نفسه. فزعيم حزب العمّال يتبجّح في نبرة ترامبيّة بكيف أنّه سيقاتل "النّظام المزيّف" ولن "يلعب وفق القواعد". ومن جانبه، يهاجم فاراج "الشّركات الكبرى" بشغف مؤيّدٍ لكوربين. وقد جاء البيان الانتخابيّ الأخير للحزب الوطنيّ الاسكتلنديّ، على طريقة "أمريكا أولاً"، تحت عنوان "أقوى من أجل اسكتلندا". وتدعم حركة "خمس نجوم" الإيطاليّة بحريّة السّياسات المحبوبة من جانب اليسار، من قبيل الدّخل الأساسيّ الشّامل، في حين تعبّر عن تشدّدها في ما يخصّ مسألة الهجرة.

اقرأ أيضاً: اللحظة الشعبوية: انتهاء ثنائية اليمين واليسار في أوروبا
ويعتقد البعض أنّ الزّخم الّذي يقف وراء هذه الاضطّرابات سيتلاشى بالمعنى الحرفيّ للكلمة حين يتمّ استبدال النّاخبين الأكبر سنّاً بأولئك الأصغر سنّاً. لكن كما يشير كلّ من إيتويل وغودوين، فقد صوّت نحو 41 في المائة من أبناء جيل الألفيّة البيض لصالح ترامب. إنّ تحليلهم الأكاديميّ سيكون بمثابة فحص واقعيّ لأيّ تشبّث بالأمل في أنّ الشّعوبيّة، بوجه عام، تعبّر عن عاصفة سياسيّة عابرة.
تغيّر ديموغرافيّ: وداعاً أوروبا البيضاء
يغطي كتاب "التّحوّل الأبيض White shift" لإيريك كوفمان بعض هذه التّضاريس نفسها، مشيراً، على سبيل المثال، إلى أنّ النّاخبين الّليبراليين من المرجّح أنْ يصبحوا محافظين مع التّقدّم في العمر، لكنّه يمضي في ذلك مستنداً إلى دروبه الخاصّة من التّحقيق الثّقافيّ. نقطة البداية في كتابه تتمثّل في فكرة أنّنا نعيش خلال قرن من "التحوّل الأبيض". فهو يتوقّع أنّه بحلول عام 2100، ستشكّل الأقليّات العرقيّة والذين من هم عرق مختلط الغالبيّة في العديد من البلدان التي تتمتّع حالياً بأغلبيّة بيضاء. ويتساءل عن أفضل كيفيّة يمكن للمجتمع أنْ يتعامل بها مع هذا التّغيّر الدّيموغرافي.

اقرأ أيضاً: عناصر الشعبوية في الخطاب السياسي المغربي

كتاب "التّحوّل الأبيض White shift"
إنّ استنتاجاته استفزازيّة، ومن المضمون أنّها ستأخذ العديد من محادثات حفلات العشاء إلى طريق مسدودة. على سبيل المثال، يجادل بأنّ البيض لا ينبغي ذمّهم على خوفهم من أنْ تقوم الهجرة بتقليل حصّة جماعتهم الإثنيّة من السّكان. ومن ثمّ ينبغي الإصغاء إلى رغبتهم في معدّل أبطأ للهجرة في "مناخ من التّسامح"، مع اعتبار مصالحهم ومصالح الجماعات العرقيّة الأخرى على القدر نفسه من الشّرعيّة. وإخراسهم، "بإجبار البيض على دفع تعويضات ثقافيّة عن أخطائهم التّاريخيّة"، يعدّ وصفة، كما يحذّر، تقود نحو الوصم، وليس الانسجام.
تعدديّة ثقافيّة أم تعدديّة "صوتيّة"
تتمثّل فكرة كوفمان الكبرى في استبدال التعدّدية الثقافيّة، النّظام المرتبط الآن بالهجرة الجماعيّة و"الغتوتة" [من غيتو؛ أي الأحياء المغلقة ثقافياً التي تعيش فيها الأقليّات]، بما يسمّيه "التعدّديّة الصّوتيّة". وهذا، كما يوضّح، يعني أنّ من هم من أصول مختلفة سيجدون العديد من المعاني المتناقضة في الهويّة الوطنيّة نفسها. فعندما حاول روبن كوك وجون ميجور إثارة الهويّة البريطانيّة من خلال أفكار تتعلّق، على التّوالي، بطبق دجاج التيكا ماسالا وملاعب الكريكت، كان كلاهما على حقّ، كما يقول كوفمان.

من المشاكل في طريقة كتابة كوفمان انغماسها في مصطلحات أكاديميّة كثيفة من قبيل "الحداثة اليساريّة"

وهو يشير إلى حزب العمّال كمثال على التعدديّة الصّوتية في موضع العمل، حيث يتمّ السّماح لمجموعات متناقضة مثل النّسويات الّليبراليّات والمسلمات المحافظات اجتماعيّاً بإظهار التزامهنّ بالحزب بشبكات فرعيّة خاصّة بهنّ. لكن يبدو هذا المثال الّذي جرى التقاطه ساذجاً، بالنّظر إلى المشكلات الّتي يعاني منها حزب العمّال: فمجموعة "أصدقاء بنغلاديش من حزب العمّال" تسبّبت في حالة غضب لقيامها باستضافة سياسيّين يخطبون في غرفة منظّمة على طريقة الفصل بين الجنسين، على سبيل المثال.
ثمّة مشكلة أخرى تتمثّل في طريقة كتابة كوفمان، والّتي انغمست في مصطلحات أكاديميّة كثيفة من قبيل "الحداثة اليساريّة". ربّما تظهر طريقته العصيّة في التّعبير، والتفكير، عندما يحثّ السّياسيين على عدم نسيان "الإشارة إلى التّقاليد الإثنيّة للأغلبيّة البيضاء" عند التحدّث إلى المحافظين حول الهجرة. على النّقيض من ذلك، ما يزال من الممكن إقناع النّاخبين الليبراليّين على أساس مزايا التّنوّع. لكن في عصر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، من المؤكّد أنّ هؤلاء السّياسيّين سيتمّ كشفهم على رسائلهم غير المتساوقة، وسيُترك النّاخبون الّذين يتوقون إلى الموثوقيّة في حالة أكثر بؤساً.

اقرأ أيضاً: 9 دول ينشط فيها اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية
قد تكون نصيحة كوفمان مخيبة للآمال، ولكن ذلك لا يُبطل رؤاه، الّتي تثير القلق. يتذكّر في رعب أحد كبار المسؤولين في مؤسّسة دوليّة في جنيف يتحدّث بحماس عن لبنان، البلد الّذي دمّرته الحرب الأهليّة، وكونه "نموذجاً للتّنوّع". إذا كان هذا ما يشعرون به، فلا عجب أنّ الشّعوبية تتعاظم قوتها أكثر فأكثر.
 


آسا بينيت، التلغراف

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:

فرح بهلوي: الخمينية جاءت مع أشرطة الكاسيت وستختفي مع الإنترنت

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-14

ترجمة: مدني قصري


فيما يُحلّل البعضُ بنظرة جديدة الحقبة الملكية، في ضوء انحرافات وتجاوزات الجمهورية الإسلامية، والظلامية التي استقرت في بلد كان مزدهراً ذات يوم، تتذكر الملكة فترة كانت فيها الشاهدة بامتياز، عندما اقترنت بمحمد رضا بهلوي، كانت هذه الطالبة في الهندسة المعمارية تبلغ من العمر عشرين عاماً، ولم يكن لديها آنذاك أي فكرة عن المهمّة التي كانت تنتظرها.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

في 21 كانون الأول (ديسمبر) 1959، كان الانبهار والمبالاة على موعد في صالونات قصر جولستان بمناسبة حفل الزفاف هذا، في أجواء من ألف ليلة وليلة! كل شيء بدأ كحكاية خرافية، وتُوِّج بميلاد أربعة أطفال: الأمير رضا، المولود عام 1960، والأميرة فرحناز، في عام 1963، والأمير علي رضا، في عام 1966، والأميرة ليلى، في عام 1970. لقد حرصت الإمبراطورة على تقديم دعمٍ لا يُقهر لزوجها، ملك الملوك منذ عام 1941، كما انخرطت الإمبراطورة بشكل كبير في القطاعات التعليمية والصحية والثقافية والفنية. وقد عبَر لها الشاه علناً عن تقديره لها وأعلنها أوّل إمبراطورة لإيران بتتويجها في طهران في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1967.

علي رضا بهلوي

وتلت هذا الحفل الذي لا يُنسى، احتفالاتٌ أخرى، مثل احتفالات بيرسيبوليس  (Persépolis) (1)، التي أسالت الكثير من الحبر. من خلال العودة إلى عظمة أمّة ألفية، أثار الملك الغيرة، وفقدَ قادةَ قوى كانت صديقة فيما مضى. لقد انعكست التحالفات آنذاك، وبدأت المملكة التي أصابها الوهن تتلاشى أمام التعصب الديني الناشئ في البلاد.

أغرقت "ثورة" عام 1979 إيران في فترة مظلمة ما تزال تحجب الآفاق حتى الآن. ومنذ ذلك الحين، تأمل الإمبراطورة في مستقبل أفضل لإيران. بعد أن أصبحا ضحيّتين لهذا المنفَى أنهى علي رضا والأميرة ليلى مأساتهما؛ حيث فارقا الحياة في المهجر، وهو الألم الذي كان على الإمبراطورة تجاوزه، والتغلب عليه من أجل الاستمرار في خدمة شعبها ووطنها، بتفانٍ وتصميم.

فرح بهلوي: عندما يتحرك البلد إلى الأمام يكون الاقتصاد فيه أفضل حالاً والناس يحققون فيه تقدّماً في حياتهم

لم تنسَ الإمبراطورة الأخيرة، إيران، التي لم تعد إليها أبداً منذ 16 كانون الثاني (يناير) 1979، عندما غادرت مطار طهران وهي في ذراع الشاه، باكية. وبعد مرور أربعين عاماً، ما تزال تحتفظ بروح الملكة وكرامتها، وتفكر في عهدها السابق ومواطنيها.

تعيش الشهبانو (الإمبراطورة) بشكل رئيسي في باريس؛ حيث تتمتع بمراقبة سرية للشرطة. كما تسافر بانتظام إلى نيويورك، حيث يسكن ابنها الأكبر رضا، وريث العرش، الذي لم يتخلّ عن الأمل في توحيد المعارضة حول شخصه.

من إيران الحديثة، تحتفظ فرح بهلوي اليوم بذكرى "الثورة البيضاء" التي أطلقها زوجها. تحديثٌ قسري للبلاد، مع محاربة الملاك الإقطاعيين، وإرسال المعلمين الشباب إلى الأرياف، وتعليم الفتيات، والحق في التصويت لصالح النساء. من جهتها، كرست فرح حياتها لرعاية المستشفيات والتعليم ودعم الفقراء. أصبحت فرح شهبانو؛ أي إمبراطورة، في عام 1967 ، خلال حفل تتويج زوجها الذي وضع هو نفسه التاج على رأسها، كما فعل نابليون مع جوزفين.

أرادت الإمبراطورة فرح أن تتطرق لعهد زوجها الراحل، شاه إيران، الذي أطيح به قبل نحو 40 عاماً. واحتفلت الإمبراطورة مؤخراً بعيد ميلادها الثمانين. بهذه المناسبة أجرت معها مجلة L'EVENTAIL   هذه المقابلة.

سيدتي، هل تعتقدين أنّ العصر الملكي يتم تحليله الآن بمزيد من الموضوعية؟

أعتقد أنّه بفضل التلفزيون والإنترنت، يمكن للإيرانيين، صغاراً أو وُلدوا بعد سقوط الشاه، الحكم بشكل أفضل على هذه الفترة التي قيل فيها الكثير من الأكاذيب. إنّ شهادة آبائهم والأفلام الوثائقية التي يمكن الوصول إليها، على الرغم من الرقابة، تساعدهم على الفهم، وبسرعة كبيرة تُمكنهم من تقدير حجم تدهور الوضع الاقتصادي وعدم احترام النظام الحالي للنساء على الخصوص.

اقرأ أيضاً: كيف كان الخميني وريثاً لعبد الناصر وحسن البنا؟

بينما لدينا ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل، فإنّ الإيرانيين يؤكدون أنّ هناك أربعة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل، وزمن الشاه. أتلقى الكثير من رسائل البريد الإلكتروني من شباب يتمتعون بلطف مؤثر. غالباً ما يطلبون مني الاتصال بهم، وهو ما أقوم به أحياناً، أحاول منحهم بعض الأمل، وهم بدورهم يمنحونني الشجاعة.

هل تعتقدين أنّ هذا الجيل يمكن أن ينقذ إيران من الظلامية؟

بالتأكيد. هم وحدهم يستطيعون تغيير الأشياء. يقول هؤلاء الشباب: "إذا كان الخميني قد جاء مع أشرطة الكاسيت، فستختفي الخمينية مع الإنترنت". آمل ذلك؛ لأنهم عانوا من غسيل مخ فظيع، لا يوجد عمل ولا حرية. الاكتئاب، والمخدرات منتشرة وشائعة جداً. إذا قطعنا رأس الجبل الجليدي، فستتمكن المنطقة من تحرير نفسها من التعصّب الديني. في يوم من الأيام يجب أن يتبلور هذا الغضب، ولكن القمع بلغ من الحدة حداً لا يطاق؛ حيث إنّه عندما يقوم شخص ما بمبادرة، يتم إلقاؤه في السجن. لذلك، على القوى العظمى التفكير في دعم الإيرانيين.

رجال الدين من كبار ملاك الأراضي

الخميني

في محاولته لتحديث إيران، هل أراد الشاه أن يتصرف بسرعة كبيرة؟

كان الملك يريد إخراج إيران من النظام الإقطاعي. كنا في القرن العشرين، وعلى الرغم من ثروتنا، كنا جزءاً من العالم النامي. لذلك كان لا بد من اتخاذ قرارات، فأنت عندما تريد تغيير الأشياء، غالباً ما تتعرض للسخط أو سوء الفهم. لكنْ، من هو الشعب الذي لا يرغب في  التقدّم والتطور؟ لقد عارض رجال الدين الذين كانوا من كبار ملاك الأراضي، الإصلاحَ الزراعي، الذي كان يهدف إلى تحقيق إعادة توزيعٍ أكثر إنصافاً للأراضي، ولم يعترفوا بتحرير المرأة.

بهلوي: يجب أن نجمع قواتنا لإنشاء حركة وطنية إيرانية تدافع عن الديمقراطية والسلامة الإقليمية والحرية للجميع

فكما يقول المثل الشائع "الإملاء التي لم تُكتب ليس فيها أخطاء". عندما يتحرك البلد إلى الأمام، يكون الاقتصاد فيه أفضل حالاً، والناس يحققون فيه تقدّماً في حياتهم. العامل الذي لم يكن لديه دراجة للذهاب إلى العمل، ينتهي به المطاف إلى شراء واحدة، ثم يريد سيارة، ثم يريد الذهاب في إجازة. لقد تعرّضنا لركود اقتصادي، كما تعرضت له جميع البلدان في العالم، وقد أثار هذا الوضعُ الكثير من السخط، إنّه مزيج من الظروف. ومع ذلك، أنجز الإيرانيون المزيد من الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات، وهي مكاسب كانت جزءاً من هذا التطور.

التخلي عن إيران جزء من مصالح الغرب

هل ساهمت بعض القوى، من خلال موقفها، في التعجيل بسقوط النظام الملكي؟

الوثائق السرية تطفو على السطح الآن، وتسلطُ الضوء على الموقف الغامض لبعض البلدان "الصديقة". في ذلك الوقت، كانت لدينا علاقات ودية مع الغرب، ولكن أيضاً مع الكتلة الشيوعية. نشأت المخاوف الكبيرة عندما رفعت "أوبك" سعر النفط وتحمّل الشاه المسؤولية. بدأت الهجمات في هذه اللحظة. جميع الأمم تريد حماية مصالحها، وعدم دعم إيران والتخلي عنها ربما  كان جزءاً من هذه المصالح. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مشاكل داخلية تسبّب فيها رجال الدين.

كيف يمكننا تلخيص الوضع الحالي في إيران؟

في الوقت الحالي، رجال الدين يسيطرون على قطاعات لا يتحكمون فيها، وهذا يطرح مشاكل خطيرة. لكنّ عزائي وما يواسيني قليلاً هو أنّ ما تم تحقيقه من قبل ما يزال مكسباً للبلاد، وأنا سعيدة بهذا. من ناحية أخرى، تدهورت البيئة وأصبح التلوث كارثياً. الكثير من القوانين الخاصة بحقوق المرأة تمّ تعديلها، ومن الأمثلة، هناك امرأة كانت قاضية تحت حكم الشاه، تم منعها من ممارسة هذه الوظيفة، وإقصاؤها من المجلس القضائي، بسبب اعتقادهم بأنّها غير ملائمة لإصدار حكم قضائي. واليوم، تحتل إيران المرتبة الثانية في الاغتيالات.

اقرأ أيضاً: ما بعد الخمينية... ما الذي يفعله الإصلاحيون في إيران؟

قبل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، حصلت المرأة الإيرانية على حقوق، مثلها مثل النساء في أجزاء أخرى من العالم. كنّ بالمئات يعملن ويدرن في المجالس المحلية المنتخبة، وكن بالملايين، للعمل، بما في ذلك في سلك القضاة، وفي الوظيفة العمومية، وكضباط في الشرطة. لقد أهلكت الثورة الإسلامية هذه المكاسب.

الشباب يتحايل على قيود النظام

هل يمكننا أن نتخيل أنّ ابنك سيكون قادراً يوماً ما على العمل من أجل مستقبل البلد؟

حاول ابني في كامل السريّة والحذر، حشد الإيرانيين لصالح التغيير، وعندما يحين الوقت، سيقرر الناس ما إذا كانوا يفضلون الملكية الدستورية على نظام آخر. يجب أن نجمع قواتنا لإنشاء حركة وطنية إيرانية تدافع عن الديمقراطية والسلامة الإقليمية والحرية للجميع وقبل كل شيء للنساء. لقد استطاع أن يقيم ويحافظ على العديد من الاتصالات مع الإيرانيين.
كيف يمكن التواصل بأمان مع السكان الإيرانيين؟
بفضل التكنولوجيا، تعلم الجيل من الشباب التحايل على قيود النظام التي تريد السيطرة على كل شيء. تمكنوا من التقاط التلفزيونات الأجنبية واكتشاف حقيقة أخرى. يشرح فيلم عُرض مؤخراً في مهرجان كان بعنوان "الأمثال" كيف يتم في إيران انتزاع وسائل التواصل هذه. على الهاتف، لا نذكر الأسماء ولكن الناس يتعرفون على صوتي. والشيء الأكثر أهمية هو أنّهم ليسوا قلقين.

عندما تزوجك الشاه في عام 1959، هل فكّرت في ما كان ينتظرك؟

لقد نشأت مع ذوق الواجب، وعندما أخبرني الملك بأنني سأتحمل العديد من المسؤوليات كملكة، كنت مستعدة لتحملها، ولكني لم أتخيل حجم المسؤولية. كانت البلاد تتغير بشكل كبير، وسرعان ما أصبحت أهتم بالأعمال الاجتماعية. ربما كان الشيء الأكثر استثنائية هو مقابلة الإيرانيين من مختلف المهن والخلفيات والاهتمامات. من موقعي، كان يمكنني التأثير على تطور الأشياء. لقد حاربنا الجذام والسل والسرطان، مع مساعدة المتخلفين عقلياً. كنت أرغب في الترويج للرياضة والثقافة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي

مع إعجابي بماضينا الألفي، كنت أتمنى أيضاً دعم الفنانين الحاليين من خلال إنشاء متحف للفن المعاصر، ومتحف للسجاد، أو متحف مخصص لفترة كادجار، ومتحف آخر للسيراميك، والزجاج ما قبل الإسلامي، أو متحف لبرونزات لوريستان. لقد دعمني الملك دائماً في مشاريعي وأنا ممتنة له.

مسلمون لم ينسوا إيرانيتهم

لم تنسَ الإمبراطورة الأخيرة، إيران، التي لم تعد إليها أبدًا منذ 16 يناير 1979

هل استطاع النظام الحالي أن يُنسي الإيرانيين حضارتهم الفارسية القديمة؟
حاول لكنه لم ينجح! لقد حظرت السلطات السنة الإيرانية الجديدة الذي يصادف في 21 آذار (مارس)، وهو متعارف عليه قبل الإسلام، لكنها مناسبة راسخة في أوساط السكان لدرجة أنّ الحظر لم ينجح. الآن تم استعادة هذا اليوم، وبعض الإيرانيين يحتفلون بهذا العيد أمام قبر قورش الكبير (2)، وهو حدث رمزي كبير. إنهم مسلمون حقاً، ولكنهم قبل كل شيء إيرانيون.

أي ذكريات تحتفظين بها عن أعياد برسيبوليس؟

أثار تنظيمها الكثير من الانتقادات القادمة من المعارضة ومن الصحافة الأجنبية، لكننا حققنا هدفنا: أن نُظهر للعالم ما كانت عليه إيران وحضارتها. واليوم، لا أحد يشعر بالإهانة عندما تنفق دول ملايين الدولارات للترويج لها، ومع هذه الاحتفالات كان لدينا تداعيات مذهلة. عند تتويجي ملكة، عندما وضع الملك التاج على رأسي، شعرت أنه يحتفل بجميع النساء الإيرانيات. كانت أهمية هذه الإيماءة كبيرة للغاية!

هل يمكن لسلالة بهلوي، في حالة حدوث مأساة تاريخية، أن تظهر كعلاج موحّد للأمة الإيرانية؟

لقد لعبت الملكية في إيران دوراً مُوحِّداً منذ فجر الزمن. يهدف كفاحنا الحالي أوّلاً وقبل كل شيء إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. ثانياً، يجب أن يتمتع الإيرانيون بحرية اختيار مصيرهم.

مؤسسة علي رضا لتخليد تاريخ إيران

هل يمكنك استحضار المؤسسة التي تم إنشاؤها في ذكرى ابنك الأمير علي رضا؟
لقد درس ابني علي (3) في جامعة هارفارد، وأردت تخليد اسمه من خلال ربطه بمؤسسة تشجع على دراسة إيران القديمة، وهو موضوع كان يعشقه كثيراً. تحت مظلة المؤسسة، أنشأنا كرسي هارفارد لدراسة الثقافة الإيرانية القديمة. نحتاج الآن إلى رفع المبلغ اللازم لهذه المنحة التي سيتم إنشاؤها في جامعة هارفارد وتمويل دراسات الشباب الإيراني.

بفضل التكنولوجيا تعلم الجيل الجديد من الشباب التحايل على قيود النظام الإيراني الذي يريد السيطرة على كل شيء

نرحب بأي شكل من أشكال الرعاية أو الشراكة لمساعدتنا في تنفيذ هذا المشروع. أنا سعيدة حقاً لأنني تلقيت الدعم من العديد من مواطنينا. قمت برسم بعض اللوحات بنفسي وطباعات مطبوعة تمثل غروب الشمس، والتي تم عرضها للبيع لصالح المؤسسة. وفي الآونة الأخيرة، قمنا بتنظيم معرض ومزاد للوحاتٍ وأوشحة وطباعة حجرية في موناكو، وأنا أبحث عن أماكن وأعمال أخرى التي تتيح وتحقق لنا المزيد من الحصاد.

اقرأ أيضاً: أي إرث للخميني بعد ثلاثين عاماً على رحيله؟

لقد استثمر الأمير علي رضا نفسه وجهوده بالكامل في بحثه، لأنه كان مرتبطاً بعمق ببلده. أثناء عمله على الذاكرة التاريخية لإيران، كان يحاول أن يحيا هُويته الإيرانية بالكامل، أو كما قال الرئيس "ليوبولد سيدار سنغور" بشكل لطيف، "إيرانيته". وهذا هو الحال بالنسبة للإيرانيين الذين يعيشون اليوم في المنفى وأكثر من ذلك حتى بالنسبة لمواطنينا الذين يعيشون في إيران.

سافاك تضلل الشاه

اليوم، تأسف فرح ديبا لعدم اكتراثها وعدم اكتراث زوجها لمواجهة التمرد الديني المتصاعد. فهي تلقي باللوم على عمَى الملك إزاء سافاك، الشرطة السرية الإيرانية المخيفة التي، وفقاً لفرح، كانت تُضلل الشاه. كان بعض أعضاء سافاك، كما تقول، يلعبون لعبة مزدوجة، وتؤكد أنّ الولايات المتحدة أسقطت الشاه لأنه رفض خفض أسعار النفط.

سقوط الشاه، رحيله المأساوي، تجواله من بلد إلى آخر يعطي في النهاية قصة البُعد المأساوي الذي كان ينقصه. "لقد خدم الملك بما فيه الكفاية ولم نعد بحاجة إليه". لم يعد لديه أصدقاء، باستثناء الرئيس السادات.

اقرأ أيضاً: قبل سقوط الخمينية بقليل!

غادر محمد رضا مصر حتى لا يحرج السادات حليف الولايات المتحدة. المكسيك، التي استضافت الشاه لأوّل مرّة، منعته من الدخول. مبعوثو جيمي كارتر حاولوا إقناعه بالاستسلام للملالي مقابل الإفراج عن الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، هكذا تقول فرح التي تضطلع بمهمة الدفاع عن ذكرى الشاه. انشغالها الوحيد: "كم يلزمني من الوقت لأستمرّ في الحديث؟".


المصدر: eventail.be/art


الهوامش:

(1) تخت جمشيد، أو برسبوليس هي عاصمة الإمبراطورية الأخمينية (  550-330ق.م). يبعد هذا الموقع مسافة 70 كم شمال شرق مدينة شيراز في محافظة فارس في إيران. في الفارسية الحديثة، يعرف هذا الموقع باسم تخت جمشيد (أي عرش جمشيد) أو پارسه. أقدم بقايا هذا الموقع يعود تاريخها إلى 515 ق.م. يدعى هذا الموقع عند الفرس القدامى باسم پارسه، والتي تعني "مدينة الفرس". وترجمة اسم برسبوليس في اليونانية تعني "المدينة الفارسية". وقد تم إعلان تخت جمشيد كموقع للتراث العالمي من قبل اليونسكو.

(2) قورش الكبير أو كورش أول ملوك فارس ( 560 - 529 ق م) واسمه كورش بن كمبوجية بن كورش بن جيشبيش بن هخامنش ، أحد أعظم ملوك الفرس الأخمينية. استولى على آسيا الصغرى وبابل وميديا، وحكم من (550-529) ق.م. وقـُتل في ماساجت ودُفن في باساركاد. ليس ثمة أحد من ملوكها تضاهي شخصيته أول ملوكها قورش، الذي أسس إمبراطورية مترامية الأطراف، وأرسى مبادئ ممتازة لحكمها. في البدء احتل الكثير من الممالك المجاورة، مثل ليديا في غرب تركيا الآن، وميديا، وبابل التي أطاح بها في عام 539 ق.م.

(3) علي رضا بهلوي، الابن الأصغر لشاه إيران السابق محمد رضا بهلوي من زوجته الثالثة فرح ديبا. وكان خلال حكم الشاه يعتبر الثاني في وراثة عرش الإمبراطورية الإيرانية بعد أخيه الأكبر ولي العهد رضا بهلوي الثاني.

للمشاركة:

تجدد الجدل حول إمامة المرأة في فرنسا.. ماذا عن الدول العربية؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-11

ترجمة: مدني قصري


هل يمكن للمرأة أن تؤمّ المصلين؟ رغم أنّ غالبية فقهاء الدين في الإسلام يجيبون بشكل إيجابي عن هذا السؤال، فإنّ المشهد الفرنسي المسلم ما يزال من اختصاص الرجال.
ولد في باريس بالفعل مشروعان لمسجدين "ليبراليين" مفتوحين لكلّ من النساء والرجال، وتشرف عليهما نساء أبدين استعدادهن للقيام بوظيفة الإمامة فيهما.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير إمامة المرأة في الصلاة الجدل؟
كاهنة بهلول، باحثة في الدراسات الإسلامية الفرنسية، ومؤسّسة مجموعة "أخبرني عن الإسلام"، ستؤمّ كاهنة بهلول الصلاة في أوّل مسجد باريسي مختلط، وقد صرحت بأنّ المسجد سوف يسمح للنساء دون الحجاب بالدخول إليه، ليقينها أنّه "لا إكراه في الإسلام"، وقد دعت إلى "إعادة تقييم التاريخ"، قائلة: إنّ "الوقت قد حان للمرأة المسلمة أن يكون لها رأي في التفسيرات الدينية".
تُعِد إمامُ مسجد فاطمة في باريس، المتوقع افتتاحه خلال عام 2019، والباحثة كاهنة بهلول، أطروحة عن المفكر المسلم ابن عربي الذي، لم ير منذ القرن الثاني عشر، أي عقبة تمتع النساء من أن يؤمن الصلاة.

ولد في باريس مشروعان لمسجدين مفتوحين لكل من النساء والرجال

مبادرة نسوية 

منذ بداية عام 2019، ما فتئت ريح من القلق والاضطراب تعصف عبر الشبكات الاجتماعية وأماكن النقاش التي يتردد عليها المسلمون الفرنسيون، لقد شهد بالفعل مشروعا مسجدين "ليبراليين"، (مسجدان تقدّميّان وشاملان)، مفتوحان للنساء وكذلك الرجال، ولغير المسلمين والمسلمين، في باريس، فإذا كان المشروعان يختلفان بعض الشيء من حيث تصميمهما، إلا أنّهما يشتركان في كونهما مبادرة من نساء يُظهرن أيضاً استعدادهنّ لأداء مهمّة الإمامة فيهما.

 الأيديولوجيا السلفية ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً لذا تمنعها من الإمامة

الرجال على اليسار والنساء على اليمين
مسجد فاطمة، الذي تدافع عنه عالمة الإسلام، كاهنة بهلول، وأستاذ الفلسفة فاكر كورشان، سيقترح عندما يرى النور، على المؤمنين من الرجال والنساء، الصلاة في قاعة مشتركة؛ الرجال على اليسار، النساء على اليمين، هذا حتى لا يشعر أي شخص بعدم الارتياح أثناء السجود الذي تتطلبه الصلاة. وهو اختلاط أساسي في رأي كاهنة بهلول؛ لأنه لم يعد بالإمكان "ترحيله بانتظام إلى أماكن ثانوية".

ردود فعل البعض التي تسخر من مشروع مسجد فاطمة والهجمات والتهديدات التي تتلقاها لا تخيف كاهنة بهلول

"يجب أن نعلم أنّه في معظم أماكن العبادة المسلمة، لا يُسمح للنساء بالوصول إلى قاعة الصلاة الرئيسة، فإذا أردتُ التفرّج على الهندسة المعمارية لقاعة صلاة المسجد الكبير في باريس، مثلاً، فبإمكاني المرور بالمكان فقط، وليس الدخول إليه تحت طائلة ردود فعل عنيفة من قبل الرجال؛ لذلك يتم "ترحيل" النساء إلى الطابق السفلي".
هذه المعاينة تشاطرها صوفي مونسيناي وإيفا جنادين، اللتان أطلقتا من جانبهما مشروع مسجد سيمورج؛ "..النساء مضطرات باستمرار لممارسة صِلتهنّ مع الله، في عزلة، أو فقط مع نساء أخريات"، في مكان عبادتهنّ القادم لن يصلي الرجال والنساء في نفس القاعة فحسب، بل أيضاً جنباً إلى جنب، وهنا الاختلاف الملحوظ بين هذا المسجد ومسجد فاطمة.

 نساء يُظهرن استعدادهنّ لأداء مهمّة الإمامة

إبعاد النساء أيديولوجيا سلفية

إذا كان الفصل بين مساحة الذكور والإناث أمراً شائعاً في المساجد "الكلاسيكية"، فإنّه مع ذلك ليس فصلاً تقليدياً، "في مسجد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تقول كاهنة بهلول: "صلى الرجال والنساء في القاعة نفسها، رغم أنّ النساء كنّ وراء الرجال، كان يمكنهنّ التحدّث والمشاركة خلال المناقشات. إبعاد النساء وفصلهنّ عن النساء في المساجد جاءا مع ظهور الأيديولوجيا السلفية، التي ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً، وكأنّ الرجال غير قادرين على التحكم في دوافعهم! أجد أنّ هذه الرؤية مهينة للمرأة، كما هي مهينة بالنسبة إلى الرجال".

طارق أوبرو: يمكن للمرأة أن تؤمّ الصلاة تماماً إذا كانت لديها المهارات المطلوبة

يقدّر إمام وعميد مسجد بوردو، طارق أوبرو، هذا الغضب، حتى وإن كان يرى أنّ أسباب عدم الاختلاط في بعض أماكن العبادة أمرٌ نسبي؛ فهو يرى أنّه بسبب "اعتبارات تقنية"، تم ترحيل النساء تدريجياً إلى مساحات ملحقَة إضافية، حيث كان من الضروري التعامل مع الزيادة في التركيبة السكانية ونقص المساحة، ومع ذلك، تقليدياً، صلاة الجماعة إلزامية للرجال فقط، وهي اختيارية للنساء.
وقال أوبرو ملطِّفاً: "الأمر ليس استبعاداً طوعياً للنساء"، ولهذا السبب فإنّ مصطلح العبادة "الشاملة"، والذي يُستخدم أحياناً لتقديم مسجدَيْ فاطمة وسيمورج، مُحرج قليلاً لإمام بوردو: "مسجدي لا يستثني أحداً؛ فهو يرحب بالمسلمين الملتزمين أو قليلي الالتزام، النساء، أو الرجال، ...إلخ".

هجمات شديدة على الشبكات الاجتماعية

لكن، إذا كان هذا الاختلاط موجوداً بالفعل، في الواقع، في بعض المساجد الفرنسية، فلا يوجد في الوقت الحالي أي مسجد إمامُه امرأة، وحول هذه النقطة بالتحديد، أصبحت الهجمات شديدة اللهجة على الشبكات الاجتماعية، أو أثناء المناقشات العامة؛ فهي تنبع بشكل خاص من المسلمين العاديين، الذين يتحدّثون باسمهم الخاص، "منذ متى أصبح بإمكان النساء أن يؤمن الصلاة في المساجد؟"، هكذا أطلق شخص مجهول الهوية، سخطه، أثناء مائدة نقاش مستديرة في معهد العالم العربي (باريس)، في أوائل نيسان (أبريل)؛ "هل ستخترعون نصوصاً جديدة؟" تجدر الإشارة إلى أنّ بعض النساء يتّسمن بنفس القدر (إن لم يكن أكثر) من الهجاء والعنف من نظرائهنّ من الرجال حول هذه النقطة، ولا مجال للمساومة مع التقاليد، ولا للمجازفة بالابتكار (البدعة)، التي غالباً ما يُنظر إليها على أنّها تضليل.

 أسباب عدم الاختلاط في بعض أماكن العبادة أمرٌ نسبي

أمّ ورقة تؤمّ الصلاة

لا حاجة، مع ذلك، إلى كتابة نصوص جديدة للإذن بإمامة المرأة، التي يبدو أنّها قديمة، وتجدر الإشارة إلى أنّه في الإسلام السنّي؛ فإنّ الإمام هو الذي يوجه الصلاة، ومع ذلك، يجب أن يحظى بموافقة من عدد كبير بما فيه الكفاية من أفراد مجتمعه، حتى يكون قادراً على ممارسة الإمامة، على وجه التحديد، فعلاً لم يقل القرآن الكريم شيئاً بشأن مسألة الإمامة، وما من آية واحدة على وجه الخصوص، تمنع المرأة من أن تؤمّ الصلاة. وبصرف النظر عن نصّ القرآن الكريم، هناك حديث للنبي، صلى الله عليه وسلم، يدلّ على أنّ النبي أذِن في الواقع لإحدى النساء بأن تؤمّ الصلاة، ألا وهي أمّ ورقة (التي أذن لها بأن تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا)؛ فهي امرأة من المدينة المنوّرة، تقيّة، كانت تحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكانت من "صحابة رسول الله"؛ أي أقرب أتباعه، ومع ذلك، فهذا الحديث لا يقول ما إذا كانت أم ورقة تؤم الصلاة للنساء فقط، كما كانت تفعل السيدة عائشة وأم سلمة،رضي الله عنهما، زوجتا النبي، عليه السلام،  أم جماعة مختلطة من الرجال والنساء؟

 المرأة يمكن أن تكون خبرتها في العلوم الدينية بقدر خبرة الرجل فيها

المرأة لا تقل خبرة دينية عن الرجال

ومع ذلك، فإنّ حالة أمّ ورقة سمحت لثلاث من مدارس الشريعة الإسلامية الأربع بتفويض الإمامة للتجمعات النسائية. بعض المفسرين، أمثال ابن رشد في القرن الثاني عشر، أو ابن العربي في القرن الثالث عشر، ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ حيث سمحوا بالإمامة الكاملة للنساء في مجموعات مختلطة، ووفقاً لهم، لا يوجد أي دليل على أنّ أم ورقة كانت تؤمّ أفراداً من جنسها فقط، ولنتذكر أنّ هناك حديثاً آخر عن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول: "لِيَؤُمّكُمْ أَكْثَركُمْ قُرْآنًا، فَكُنْت أَكْثَرهمْ قُرْآنًا"، والحال أنّ المرأة يمكن أن تكون خبرتها في العلوم الدينية بقدر خبرة الرجل فيها.

انتشار ظاهرة إمامة النساء في العالم

رغم عدم وجود إجماع بين فقهاء الدين الإسلامي حول السماح أو عدم السماح للنساء بقيادة الصلاة، فإنّ المصادر التاريخية توثق بعض الحالات على مر القرون، على وجه الخصوص؛ هناك حالة فاطمة بنت عباس (الملقبة بأمّ زينب) في القرن الرابع عشر.

اقرأ أيضاً: الصلاة والأدعية في الإسلام وكيفية إدراج الإنسان في سياق قدسي
ابتداء من القرن التاسع عشر، نمت ظاهرة الأئمة النساء؛ إذ إنّ هناك أئمة نساء الآن من الصين إلى الولايات المتحدة (خاصة الشهيرة أمينة ودود، الشخصية الرائدة للمرأة المسلمة)، مروراً بألمانيا أو الدول الإسكندنافية (مع الدنماركية شيرين خانكان).

فرنسا تضم أكبر مجتمع إسلامي في أوروبا

التحذير من عدم نضج المجتمع

كون فرنسا، التي تضم أكبر مجتمع إسلامي في أوروبا، تبدو حذرة للغاية بشأن هذه النقطة، حتى لو كانت السلطات الدينية تدافع عن نفسها، ردّاً على سؤال، أشار ممثلو الإسلام الفرنسي إلى أنّه "لا توجد أي مشكلة لاهوتية" في الترويج للإمامة الأنثوية، لكنّ "الإسلام الفرنسي يعاني من مشاكل أكثر خطورة وإلحاحاً"، من الواضح؛ أنّ المسألة، ليست أولوية، ومع ذلك، إذا كان البعض يتهربون من هذا الموضوع، فإنّ بعض الأئمة يتخذون مواقف أوضح، وهذا مرة أخرى حال إمام بوردو، طارق أوبرو، فوفقاً له: "يمكن للمرأة أن تؤمّ الصلاة تماماً إذا كانت لديها المهارات المطلوبة"، المسألة في رأيه ليست مسألة جنس، على أي حال، إنه الخيار القانوني الذي اختاره، يعتقد لاهوتيون آخرون أنّ الإمامة لا يمكن أن تكون أنثوية"، لكن لا بد من التحذير من "عدم نضج" المجتمع المسلم في هذا المجال، و"يجب أن ندرك أن هناك من ناحية قانون الشريعة، ومن ناحية أخرى، علم اجتماع المساجد. فالأمر مختلف، لا ينبغي إهمال وزن الثقافات والتقاليد، أعتقد أنّ المجتمع الآن غير جاهز".

سمح بعض المفسرين أمثال ابن رشد وابن العربي بالإمامة الكاملة للنساء في مجموعات مختلطة

التحفظات نفسها على جانب إمام إيفري كوركورون، لدى طارق أبو نور، لأسباب مختلفة تماماً، يشعر رجل الدين هذا بالقلق من مخاطر "احتواء الإسلاموفوبيا" للموضوع؛ "ففي الإسلام، السنّي أو الشيعيّ، إمامة المرأة مسموح بها منذ 1400 عام، بينما عند الكاثوليك، لا يحق لهنّ أن يكنّ كاهنات، لكنّ البعض يستخدمون الضجيج الإعلاميّ الذي يتم في الوقت الحالي حول مشروع المسجدَيْن هذا، من أجل وصم الإسلام".

ومع ذلك، يأمل الرجلان في أن تتمكن أماكن العبادة الجديدة هذه في فرنسا، من أن تحقق إنجازها قريباً؛ "إنها مسألة حرية، يقول، مدافعاً، طارق أبو نور؛ يجب أن يتمتع كل فرد بحرية إنشاء مسجد إذا كان يتوافق مع القوانين"، وفي هذا الشأن يقول إمام بوردو طارق أوبرو: "رغم العقبات التي تواجهها الشابات، وسيظللن يواجهنها، يجب أن نحاول القيام بالتجربة"، في الوقت الحالي؛ تنتظر رائدات الإسلام الفرنسي الحصول على التمويل، وخاصة على أماكن للعبادة، تتلاءم مع مشاريعهنّ، وهنّ يأملن في تحقيق ذلك في خلال عام 2019.

كاهنة بهلول

كاهنة بهلول الإمام

هذا لا يمنع كاهنة بهلول، في الوقت نفسه، من أن تبدأ بالفعل في العمل كإمام، في نهاية شهر آذار (مارس) المقبل، وقد طُلب من الإمام الشابة قراءة صلاة الجنازة، وفقاً للتقاليد الإسلامية، في مقبرة في منطقة باريس، طقوس مؤثرة بشكل خاص لكل من الإمام الجديدة وعائلة الميت، وتقول بهلول: "لقد كان رائعاً أن تعيش هذه اللحظة من الشراكة الروحية، بعيداً عن الجدل وأحكتم النوايا في قلب التأمل والصفاء".

إبعاد النساء وفصلهنّ عن النساء في المساجد جاءا مع ظهور الأيديولوجيا السلفية التي ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً

ردود فعل البعض المفرطة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تسخر من مشروع مسجد فاطمة كنوع من "مركز اليوغا الروحية"، أو الهجمات والتهديدات التي تتلقاها لا تخيف كاهنة بهلول، تعتقد كاهنة أنّ رفضها ارتداء الحجاب خارج المسجد، ربما يكون سبب هذا "العداء"، الذي يأتي من هامش المجتمع المسلم الأكثر محافظة، تقول الشابة كاهنة: "إذا اعتقدوا أنّهم سيغيّرون رأيي، فإنهم مخطئون، قد يكون ذلك متعلقاً باسمي، الذي يشير إلى ملكة بربرية صلبة وعنيدة وغير مرنة، لكنني لا أستسلم للضغط".


المصدر: lemondedesreligions

للمشاركة:



ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:

تونس: الموت لا ينهي معاناة المهاجرين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

لم تنته معاناة المهاجرين المجهولين، الذين غرق مركبهم قبالة سواحل تونس قبل نحو أسبوعين، رغم وفاتهم؛ حيث رفضت السلطات المحلية ببعض مدن الجنوب التونسي دفن جثثهم، في مقابر التونسيين، أو تخصيص مقابر خاصة بهم، ما أثار جدلاً واسعاً في البلاد، واتهامات بسوء معاملة الذات البشرية.

بلديات تونسية ترفض دفن المهاجرين الذين غرق مركبهم قبل نحو أسبوعين

ورفضت بعض البلديات دفنهم، في المقابر التابعة لها، على غرار بلديتي قابس ودخيلة توجان، التابعتين لمحافظة قابس، وفق ما نقلت وكالات أنباء تونسية.

وردّاً على الجدل؛ أكّدت بلدية دخيلة توجان، على صفحتها في موقع فيسبوك؛ أنّه "بعد التشاور مع مجموعة من المواطنين والمجتمع المدني تبين اختلاف وجهات النظر حول دفن مجموعة من الغرقى في مقبرة دخيلة توجان، وتجنباً للاختلاف، رفضت البلدية دفنهم في مقابرها".

وأرجعت مصادر محلية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، السبب إلى كونهم "غير مسلمين".

وفي هذا السياق، رأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ أنّ ما وقع أثناء انتشال الجثث ونقلها نحو مستشفى قابس، ومن ثم البحث عن أماكن للدفن "مخجل من حيث التعامل مع الذات البشرية بعد الموت"، موضحاً أنّه "تمّ نقل كثير من الجثث في شاحنات معدة أساساً لنقل الفضلات، إضافة إلى محاولات عدد من البلديات التخلي عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية في إيجاد مكان لائق للدفن".

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يؤكّد أنّه تمّ نقل الموتى في شاحنات نقل الفضلات

وأضاف المنتدى: "بقدر ما نرحبّ بأخذ عينات من الحمض النووي للجثث، وحفظها، لتمكين عائلاتهم في مرحلة لاحقة من التعرّف إلى جثث أبنائها، فإننا نعبّر عن سخطنا مما قامت به بلدية جرجيس، من دفن جماعي في حفرة واحدة لجثث المهاجرين"، داعياً السلطات إلى تحمّل مسؤولياتها في إيجاد مقابر لجثث المهاجرين، بما يحفظ الكرامة بعد الموت، ويعطي أملاً لعائلاتهم في التعرف إلى جثث أبنائها، وإعادة دفنهم.

وانتشلت يوم السبت الماضي، آخر جثة لركاب المركب الغارق قبالة سواحل مدينة جرجيس التونسية، من قبل وحدات الحرس البحري والحماية المدنية ومتطوعي الهلال الأحمر التونسي، ليبلغ العدد الإجمالي للجثث التي تم انتشالها 82 جثماناً، من بين 86 مهاجراً غادروا ليبيا في اتجاه السواحل الإيطالية، وتم إنقاذ 4 منهم، قبل أن يتوفَّى أحدهم بمستشفى جرجيس، وتمّ إيواء الثلاثة الآخرين في أحد مراكز المهاجرين.

 

للمشاركة:



هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:

حزب الله يبحث عن المال في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

تعيد أجهزة الاستخبارات الأوروبية تركيز جهودها لمكافحة انتشار حضور حزب الله داخل بلدان الاتحاد الأوروبي. يأتي ذلك على خلفية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة من جهة وعلى خلفية الجدل الداخلي في أوروبا حول تباين مستويات التعامل مع حزب الله بين الدول الأعضاء من جهة أخرى.

وتقول مصادر أوروبية إن المزاج الأوروبي عامة تقوده رؤية ألمانيا التي ما زالت تدعو إلى التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري في مقاربة العلاقة الأوروبية مع حزب الله. غير أن تقارير أمنية في ألمانيا نفسها بدأت تدق ناقوس الخطر محذرة من الأنشطة المقلقة التي يقوم بها حزب الله على الأراضي الألمانية.

ونقلت مصادر متخصصة عن وكالة الاستخبارات في مدينة هامبورغ في ألمانيا عن أن معلوماتها تفيد بأن لـ30 مسجدا ومركزا ثقافيا في ألمانيا صلات ما بتنظيم حزب الله.

تطرح هذه المعطيات أسئلة حول مسألة تعاطي الاتحاد الأوروبي وألمانيا خصوصا مع حزب الله. وفيما يضع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013 الجناح العسكري للحزب على قوائم الإرهاب، فإن بريطانيا وهولندا هما الدولتان الوحيدتان في الاتحاد اللتان تضعان حزب الله بجناحيه السياسي والعسكري على هذه القوائم.

وانضمت لندن في قرارها مؤخرا إلى واشنطن في عدم التفريق بين الجناحين السياسي والعسكري. وقال وزير الداخلية البريطانية، ساجد جاويد، في فبراير الماضي إن “حزب الله يواصل محاولاته لزعزعة استقرار الوضع الهش في الشرق الأوسط، وإننا لم نعد قادرين على التمييز بين جناحه العسكري المحظور بالفعل والحزب السياسي”. وأضاف “بسبب ذلك، اتخذت القرار بحظر الحزب بأكمله“.

والظاهر أن بريطانيا مارست صبرا طويلا قبل أن تتخذ قرارها الجديد حيال حزب الله لاسيما أن لندن كانت على علم بالأنشطة الخطيرة التي يمارسها الحزب في بريطانيا. وكانت صحيفة “الديلي تلغراف” كشفت في يونيو الماضي أن بريطانيا أحبطت محاولات حزب الله تخزين متفجرات في لندن عام 2015.

واستنادا على معلومات حصلت عليها من وكالة استخبارات أجنبية، داهمت قوات تابعة لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) وشرطة العاصمة لندن أربعة عقارات في شمال غرب لندن، وعثرت على الآلاف من أكياس الثلج التي احتوت على مادة نترات الأمونيا التي تُستخدم في صنع القنابل، بحسب تقرير الصحيفة.

كان المخطط جزءا من خطة أوسع لحزب الله لوضع الأساس لهجمات، وأشار التقرير إلى عمليات تم إحباطها لحزب الله في تايلاند وقبرص ونيويورك. 

وأفاد التقرير أن الاعتقال جاء بعد أشهر من انضمام بريطانيا إلى الولايات المتحدة وبقية الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران، وقدّرت الصحيفة أن السبب في عدم الكشف عن المخطط الإيراني هو محاولة تجنب إفشال الاتفاق مع طهران.

وبالعودة إلى تقرير أمني ألماني كشف مؤخرا، فقد أعلنت وكالة الاستخبارات في هامبورغ عن رصدها لحوالي 30 مسجدا وجمعية ثقافية يجتمع داخلها أعضاء تابعون لحزب الله أو أنصار متأثرون بعقائد الحزب وأيديولوجياته في ألمانيا.

وتكشف وثيقة صادرة عن الوكالة مؤلفة من 282 صفحة، أن “جمع التبرعات هو إحدى أهم مهام الجمعيات” حيث يجتمع عملاء حزب الله. وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله اعترف بالضائقة المالية التي يعاني منها الحزب، مناشدا مناصريه للتبرع للحزب في لبنان والعالم.

وعلى الرغم من أن عمليات التبرع كانت ناشطة لصالح الحزب في العالم، إلا أن لاستمرارها في هذه الآونة التي يتعرض فيها الحزب لعقوبات أميركية مشددة وتتعرض فيها إيران لعقوبات تاريخية، وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعتبر تورطا في المشاركة بالجهد الحربي المعتبر إرهابيا لدى الكثير من دول العالم.

ويعمل حزب الله في ألمانيا من خلال جمعيات لاحتضان الجاليات اللبنانية لاسيما تلك المناصرة للحزب لدى الطائفة الشيعية. وتشتغل هذه الجمعيات على تنظيم العلاقة ما بين “جمهور حزب الله” في الخارج وشبكاته الداخلية والأوروبية.

وتثير وثيقة الاستخبارات مسألة حجم المبالغ المالية التي يرسلها أنصار حزب الله في ألمانيا إلى لبنان. وتتحدث مصادر ألمانية عن أن أموالا مصدرها ألمانيا تشارك في تمويل أنشطة الحزب العسكرية وعملياته الأمنية في لبنان وسوريا ومناطق أخرى في العالم، ما يعزز القلق حول علاقة الاقتصاد الألماني بتوفير جانب من الوفورات المالية التي قلّصتها العقوبات الأميركية وحاصرت شبكاتها في العالم.

وكانت مصادر صحافية كشفت عن وجود مراكز ثقافية يسيطر عليها حزب الله في مدينتي بريمن ومونستر إلى جانب أماكن أخرى في ولاية ساكسونيا السفلى. ويُظهر تقرير الاستخبارات في هامبورغ حضورا أكبر وأوسع لحزب الله من ذلك الذي سبق للسلطات الألمانية أن رصدته.

ويكشف التقرير عن أنشطة لحوالي 30 مناصرا يعملون لصالح حزب الله في هامبورغ فيما يعمل 1050 مناصرا للحزب في جميع أنحاء ألمانيا. ويقول التقرير إن هذه الأرقام موثقة أيضا من قبل وكالات استخبارات أخرى في ألمانيا.

وأكد تقرير أصدرته وكالة الاستخبارات في ولاية ساكسونيا السفلى أن عدد أعضاء حزب الله وأنصاره ارتفع من 950 في عام 2017 إلى 1050 في عام 2018. وأشار تقرير الاستخبارات، المكون من 192 صفحة، والذي أعده عملاء المخابرات من جهاز أمن الدولة، إلى وجود 150 من عناصر حزب الله في ولاية سكسونيا السفلى وحدها.

وقال التقرير “في ألمانيا، يحافظ أتباع حزب الله على تنظيمهم وأيديولوجيتهم وتماسكهم في جمعيات مرتبطة بالمساجد المحلية التي يتم تمويلها بشكل أساسي من خلال التبرعات”، مشيرا إلى أن أنصار حزب الله ينشطون في عدد من المدن والبلدات في ولاية سكسونيا السفلى، من بينها هانوفر وأوسنابروك وأولزين.

وبحسب تقرير لوكالة الاستخبارات ولاية شمال الراين-وستفاليا، الأكثر اكتظاظا بالسكان، فإن عدد عناصر الحزب ارتفع في العام 2017 من 105 إلى 110 عناصر في 2018 في الولاية المذكورة. وجاء في التقرير الاستخباراتي الألماني، أن مركز الإمام المهدي في مدينة مونستر مثّل منصة ومكانا للتلاقي بالنسبة إلى مؤيدي الحزب في الولاية، إلى جانب مدن بوتروب ودورتموند وباد أوينهاوزن. ولفت إلى أن حزب الله يمتلك مراكز في هامبورغ وبرلين ومونستر.

وتتحدث مصادر أوروبية عن أن سوء التفاهم المتنامي بين إدارة ترامب في واشنطن والاتحاد الأوروبي ما زال عائقا لتوحيد معايير الطرفين في التعامل مع حزب الله. ففيما عدا بريطانيا وهولندا فإنه، ووفق ما ينقل عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، فإن تغيير الموقف من حزب الله يحتاج إلى إجماع أوروبي.

ولطالما تذرّع موقف أوروبا بأن مهادنة حزب الله تتعلق بسلامة الجنود الأوروبيين المشاركين بالقوات التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى رغبة أوروبية في اختراق الأسواق الإيرانية لاسيما بعد إبرام الصفقة النووية، وبالتالي فمهادنة حزب الله هدفها مهادنة إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

معركة عام ونصف مع إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

عبد الرحمن الراشد

خلال الأسابيع القليلة الماضية، نشطت الدبلوماسية الدولية تسعى لمنع قيام معركة على ضفتي الخليج. ورغم هذا الجهد، يتزايد عدد القطع البحرية العسكرية من الجانبين المستعدة للقتال.
وفي الوقت نفسه، تُستكمل تفاصيل تحالف بحري عسكري دولي يجري لتكوين قوة ترافق الناقلات النفطية في مياه الخليج، وتردع أي اعتداءات بحرية إيرانية. ومشروع أسطول الحماية هذا يسعى لتحقيق غاية أساسية؛ منع قيام حرب إيرانية خليجية أميركية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في حرمانها من بيع نفطها، حتى يؤدي الاحتواء دوره، الذي يهدف إلى الضغط على نظام طهران للتفاوض، وقبولها بالشروط المعلنة.
لا نريدها أن تصدر النفط، وفي الوقت نفسه لا نريد حرباً؛ معادلة صعبة، والأصعب ضمان استمرارها عاماً ونصف العام، حتى يحين موعد الانتخابات الأميركية وحسم الرئاسة، باستمرار دونالد ترمب في البيت الأبيض، صاحب المشروع، أو حتى يتبيَّن الخلف، وما هي سياسته.
ولا يخفي الجانبان، الإيراني والأميركي، اعتبار هذا التاريخ موعداً حاسماً للأزمة. وحتى ذلك الحين، لن تقوم الحرب، ولن يسقط النظام الإيراني، وربما لن يكون هناك حل يتم التفاوض عليه؛ الأمر الذي يتطلب ضبط الأعصاب، والامتناع عن ردود فعل قد تتسبب في حرب لا أحد يرغب فيها.
خلال هذه الفترة الفاصلة إلى موعد الانتخابات، هناك مخاطر محتملة. فإيران ستستمر في التصعيد والعدوان في المناطق المحيطة بالخليج، واستهداف مصالح أميركية أو خليجية خارج حدودها، عبر وكلاء طهران من ميليشياتها في المنطقة. والتحدي القائم، والأخطر، هو رفعها نسبة التخصيب، وسيعطي الاعتراف الإيراني بذلك لإسرائيل حجة «مشروعة» لقصفها خلال الأشهر المقبلة. وفي حال وقوع الهجوم الإسرائيلي، ستكون ردود فعل إيران عسكرية، لكن في أي اتجاه؟ إيران تخشى من التورط في حرب غير محسوبة مع إسرائيل التي قد ترد بعنف، وبأسلحة غير تقليدية، في حال أمطرت إيران مدنها بهجمات صواريخ واسعة. ولهذا قد يكون الخليج الهدف الأقرب، والأرجح أنها ستدفع «حزب الله» في لبنان إلى مهاجمة إسرائيل، وتوسيع دائرة الأزمة.
لهذا، أمام السياسيين احتمالات سيئة كثيرة، وعليها يبنون اليوم تحالفات موجهة ضد إيران، هدفها إرسال رسالة تقول إن الحرب لن تكون مشروع ترمب وحده، ولا هي حرب أميركية فقط. كما أنها تكتب مرافعة قوية موجهة للرأي العام الداخلي والدولي، توضح أنها لا تريد حرباً إلا إذا كانت في حال دفاع عن النفس، مفروضة عليها، وهي الضحية.
ماذا عن الحصار الاقتصادي الذي تعتبره إيران بمثابة إعلان حرب عليها؟ الحكومة الأميركية، من الناحية النظرية، لم تمنع إيران من بيع نفطها، أي أنها لا تمنع ناقلات النفط من أن تملأ صهاريجها، وتغادر ميناء بندر عباس، وتبيعه لمن تشاء. ليس ممنوعاً أن تبيعه، بل الممنوع هو أن تشتريه دول وشركات لها مصالح مع الولايات المتحدة، وإن فعلت ستمتنع أميركا عن المتاجرة معها، عقاباً. هنا، يفترض أن تدرك إيران قوة خصومها ونفوذهم، وعليها أن تقبل وتتخلى عن سياستها العدوانية. فلا أحد ينوي شن حرب على إيران، لكن هل بمقدور إيران الصبر، وعدم شن حرب لوقف عملية الخنق التي تتعرض لها؟ لا يبدو أن قادة النظام في طهران قد حسموا أمرهم بعد بشكل نهائي؛ نراهم يختبرون جملة من الخطوات، من تلغيم ناقلات النفط في ظلام الليل، وشن حملات إعلامية تخويفية، وفتح باب التفاوض مع فرنسا على الاتفاق النووي.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية