لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟

لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
6350
عدد القراءات

2019-11-07

تظهر جماليات الأفلام عموماً في نوعين من المتعة: بصرية وفكرية؛ وتبدو الأبرز في فيلم "الجوكر" 2019، للمخرج تود فيلكيس، هي تلك المشاعر المتضاربة التي تنتاب المشاهد حيال الفيلم وبطله: هل يتعاطف مع الجوكر أم يكرهه؟ وما هو موضوع الفيلم بالتحديد؟! وهل له موضوع واحد أم مواضيع متعددة؟! ولماذا توارى فيليكس وراء قناع المهرج؟ ولمَ اختار لبطله تلك الخلفية النفسية والطفولة المعذبة؟ وهل حالة آرثر المرضية هي سبب ثورته أم أنّ معاملة الناس القاسية له؟ وبين من يدور الصراع في الفيلم؟ بين الفقراء وأنفسهم أم بين الفقراء والأثرياء؟ وهل ما شاهدناه قصة متخيلة أم أنّ لها دلالات وبالتالي تصف واقعاً حاضراً أو تستشرف ظاهرة قادمة؟
ثلاثة أشكال للصراع
يمكن القول إنّ موضوع فيلم "الجوكر" يتألف من ثلاثة أشكال للصراع: تتمظهر بداية في شكل صراع نفسي بين التعاسة والسعادة، عكسه آرثر فليك (خواكين فينيكس) في ملامح وجهه التي مزجت الألم بالضحك؛ هو في طبقته الأولى صراع ذاتي بين آرثر والجوكر، وفي طبقته الثانية صراع اجتماعي بين الفقراء، ثم صراع طبقي بين الفقراء والأثرياء.

اقرأ أيضاً: فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟
ذروة هذا الصراع الذي تجلّى في القتل لم يكن نتيجة تطوُّر طبيعي لأشكال هذا الصراع ولكن نتيجة تحوُّل، بالدرجة الأولى، وقد برز هذا التحول بعد أن حصل آرثر على مسدس؛ وبعد أن أطلق الشرارة الأولى تحوّل المجتمع كله إلى مهرجين وكأنّ المجتمع كان ينتظر هذه الشرارة، ينتظر مخلّصه أو بطله.

انتقام أم ثورة؟

في المشهد قبل الأخير يرسم آرثر فليك ابتسامة المهرج العريضة بدمه النازف من فمه؛ ابتسامة جديدة صادقة ماكرة لا تشبه سابقاتها المفتعلة، ثم يرقص وهو يقف على سيارة الشرطة بينما أفراد الجموع الغاضبة يمارسون العنف من حوله وهم يرتدون أقنعة المهرج التي تعكس حالة التماهي والتوحد التي بلغها المجتمع.

ولد آرثر بقلب طفل واستمر يحمل هذا القلب وتلك الابتسامة البريئة كلما قوبل بإطراء أو مديح

أصبح المهرج بعد قتله لثلاثة من الأثرياء بطلاً في عيون الآخرين، وقد كان قبل هذه الجريمة نكرة في نظر نفسه والآخر، من خلال هذا العنف اكتسب المهرج وجوده؛ إنّه زمن التهريج وثورة المهرجين، أو من أصبحوا أو أُجبروا على أن يكونوا كذلك؛ حيث يمكن للمهرج وحده أن يقتل بدم بارد ثم يرقص على دم ضحاياه، هذه قراءة أُولى ممكنة ضمن قراءات أخرى تعكس عمق الفيلم. فهناك من يرى في الجوكر حالة فردية عن فنان فاشل تحوَّل بفعل الضغوط إلى قاتل، وهذه نظرة تبتعد، برأيي، عن مضمون وجوهر الفيلم.
استثناء الجوكر لزميله القزم من القتل فيه دلالة على أنّ آرثر لا يقتل حباً في القتل أو المتعة، هو ينتقم ممن أساؤوا له بمن فيهم أمه التي خنقها في النهاية بعد أن عرف أنّها شريكة زوجها في تعذيبه وهو طفل، فهي بذلك لا تختلف عن أي شخص آخر آذاه.

الطفل أب الرجل
ثمة عبارة شهيرة في علم النفس تقول إنّ "الطفل أب الرجل"، بمعنى أنّ كل ما يختبره الطفل في طفولته سيعيشه طوال عمره، فإن عاش طفولة سعيدة سيعيش رجولة سعيدة والعكس صحيح. وآرثر تعرض لنوعين من البرمجة النفسية: العنف المادي ممثلاً بالضرب على يد زوج أمه، واللطافة ممثلة بالحث على الابتسام وباسمه "هابي/سعيد" الذي تناديه به أمه، وقد انتصرت اللطافة بداية على القسوة إلى أن حانت لحظة التحول.

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
عمله الكوميدي يتطلب منه أن يبتسم دائماً، ثمة عبارة مكتوبة عند سلم الخروج تذكره بذلك: "لا تنس أن تبتسم Don't forget to smile"، لكن عند طرده من عمله يقوم آرثر بطمس كلمتين لتبقى عبارة: "لا تبتسم"، في إشارة إلى التحول الذي طرأ على شخصيته، وإلى أنّ تبسّمه في الجزء الأول من حياته لم يكن مفيداً، عندما كان آرثر تجسيداً حياً لمقولة المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"، وفي الجزء الثاني أصبح تجسيداً لمقولة المسيح النقيضة: "ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً".

المهرج مزدوج: يمكن أن يعكس البراءة ويرسم الابتسامة كما يمكن أن يُتخذ أداة للتخفي وارتكاب الجرائم

ولد آرثر بقلب طفل واستمر يحمل هذا القلب وتلك الابتسامة البريئة كلما قوبل بإطراء أو مديح على الرغم من التعذيب الذي تعرض له من زوج أمه وتسبب في حالته النفسية ما أجبره على تناول الأدوية؛ لا يحدث هذا الانقلاب العنيف بعد ضربه من قبل مجموعة من الشباب حتى أدموه، ونعلم من السياق أنّه عانى كثيراً من قسوة الناس مع ذلك ظل محافظاً على هدفه في رسم الابتسامة على وجوه الناس، ولذلك اتخذ من الكوميديا طموحاً ومهنة.
يحدث الانقلاب بعد أن سلَّحه زميله في العمل بمسدس، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنّ المجتمع هو من يصنع المجرمين، قد يكون لدى الضحية الدافع للتنفيس عن غضبه، لكن ينقصه الوسيلة أو القوة لتحقيق ذلك، وما أن تتوفر له تلك الوسيلة ويلقى التشجيع حتى يشرع في استخدامها إلى أن تطال دائرة العنف الشخص الذي سلَّحه.
قال آرثر في لحظة دالّة إنّ الأفكار السلبية تنتابه طوال حياته، لكن تلك الأفكار السلبية لم تتحول إلى ممارسات سلبية إلا بعد أن حصل على سلاح، والطريقة التي أمسك بها آرثر المسدس واستعماله له لأول مرة في منزله تسجل لحظة مفعمة بالمفاجأة والدهشة وكأنّه طفل أمام لعبة جديدة يجهلها تماماً.
واجه آرثر هذا العالم القاسي بالضحك، حدّ أنّ ضحكه أصبح مرضاً، وبدل أن يتحول ضحكه الهستيري إلى عدوى تصيب من حوله بالسعادة يقابله الناس بالغضب والعنف، ولعل ردة الفعل هذه هي التي جعلت ضحكه أقرب إلى البكاء ومرضاً ينبه إليه الناس حتى لا يساء فهمه.

وجهان للإعلام
المقابل الموضوعي لسلاح العنف، متمثلاً في المسدس هو اللطافة، الكلمة اللطيفة التي أثنى بها مقدم البرامج موراي فرانكلين (روبرت دي نيرو) قابلها آرثر بالحضن، وبابتسامته ولغته الطفولية، وحين سخِر منه على الهواء قابل آرثر تلك السخرية برصاصة على رأسه وعلى الهواء مباشرة.

بعد جريمته الأولى تحوّل المجتمع كله إلى مهرجين وكأنه كان ينتظر هذه الشرارة ومخلّصه أو بطله

دور دي نيرو قصير ويعكس ما يمكن للإعلام القيام به: يمكنه أن يكون إيجابياً أو سلبياً، وهذا ما أظهره موراي عندما أثنى على آرثر في البداية ثم عندما سخر منه، وأثر الإعلام على الفرد هو نفس الأثر على المجتمع؛ فبإمكان الفرد أن يقود المجتمع، إن بَنَيته بنيت المجتمع وإن هدمته هدمت المجتمع.
في آخر مشهد يتم إغلاق الدائرة، نرى آرثر جالساً أمام شابة سمراء مسؤولة عن متابعة علاجه وصحته النفسية، بينما كانت المسؤولة في المشاهد السابقة امرأة متقدمة في السن، بهذا الإبدال ومن خلال هذا المشهد نعرف أنّ كل ما سبق من أحداث هي حلم يدور في رأس آرثر، في هذا النوع من الاستشراف يصبح المضمون تنبيهاً يضعنا أمام خيارين: اللطافة أو القسوة، وبهذا تصل فكرة الفيلم في أنّ الإنسان بريء مهما تعرض لأحداث قاسية ويبدأ في اللجوء إلى القسوة والعنف عندما يُسلَّح أو يعجز عن الدفاع عن نفسه بوسائل سلمية، وقناع المهرج مزدوج: يمكن أن يعكس البراءة ويرسم الابتسامة كما يمكن أن يُتخذ أداة للتخفي وارتكاب الجرائم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



فيلم "الباباوان": رحلة بين الشك واليقين في أروقة الفاتيكان

2020-02-17

تدور أحداث فيلم الباباوان (The Two Popes) حول المرحلة التي تلت وفاة البابا "يوحنا بولس الثاني"، عام 2005؛ إذ تجري الكنيسة عملية انتخابات، حيث تجتمع الكرادلة من كلّ أنحاء العالم، لاختيار بابا جديد لها، وتحتدم المنافسة بين الكاردينال الألماني، جوزيف راتزنغر(البابا بينديكت السادس عشر لاحقاً)، والكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوليو (البابا فرنسيس حالياً)، وليفوز بالنهاية راتزنغر، الرجل الذي يُعبّر عن النزعة اليمينية والمحافظة داخل الكنيسة، مقابل خسارة بيرجوليو الذي يدعو للتغيير والإصلاح من داخل الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: هكذا كشف فيلم "تقوى" الفساد المستشري في التنظيمات الإسلامية التركية
بورجوليو (الممثل جوناثان برايس)، القادم من مدينة بيونس آيرس، لم يكن يطمح لمنصب البابا، لكنّه بالمقابل لم يكن راضياً عن نتائج الانتخابات، يقول لكاردينال، زميل له: "صوتت الكنيسة لتبقي الإصلاحات المتأخرة متأخرة"، وعندما يسأله زميله: ماذا ستفعل الآن؟ يجيبه بأنّه سيعود للأرجنتين، ويخطط لتقاعده.

بوستر الفيلم
في عام 2012؛ تكون الكنيسة قد غرقت بالفضائح المسربة عن فساد في مصرف الفاتيكان، والتحرش الجنسي بالأطفال، ويتزامن ذلك بطلب البابا بينديكت السادس عشر (الممثل أنطوني هوبكنز) للكاردينال خورخي بورجوليو من الأرجنتين، لمقابلته في إيطاليا.
بورجوليو يظنّ أنّ سبب طلب الزيارة هو الردّ على أكثر من رسالة بريدية أرسلها للفاتيكان، يطلب فيها الاستقالة من منصبه، لكن ما إن يقابل البابا حتى يكتشف أنّ استقالته مرفوضة، والأسباب التي نفهمها في بداية الفيلم؛ أنّ استقالة بورجوليو سيفهمها الرأي العام باعتبارها احتجاجاً على سياسة الكنيسة، بسبب الفضائح التي عصفت في أروقتها مؤخراً.

هل يكون فيلم "الباباوان" عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

لم يبتعد نصّ سيناريو الفيلم عن شرطه المسرحي كثيراً؛ إذ إنّ كاتب السيناريو، أنطوني مكارتين، اقتبس نصّ السيناريو من مسرحيته ("The Pope " 2017)؛ لذلك شكَّلَ الحوار الثنائي بين البابا بينديكت السادس عشر، والكاردينال خورخي بورجوليو، حجر الأساس في الفيلم الذي حاول المخرج توظيفه بصرياً عبر ربط الحوار بسيرة حياة الكاردينال بورجوليو في شبابه على طريقة "الفلاش باك"، ورغم أنّ هذه الحيلة فيها مجازفة ما، ربما، من ناحية دخول مسار مختلف عن مسار الحدث الرئيس الذي هو الأزمة التي تمرّ بها الكنيسة، إلا أنّنا من الممكن أن نراها مقبولة، بحسب سياق الاختلاف الجذري بين البابا بينديكت وبورجوليو، لفهم رحلة الشك واليقين عند رجل دين مسيحي، وأسباب مواقفه الإصلاحية ضدّ المواقف المحافظة والسلبية لبينديكت والكنيسة الكاثوليكية في عهده، والذي سيكون بالنهاية خليفة البابا بينديكت السادس عشر.

يبدأ البابا بينديكت بانتقاد الكاردينال بورجوليو منذ بداية حوارهما معاً؛ إذ يقول البابا لبورجوليو: "أظنّ أنك تقدّم القربان المقدس علناً إلى أشخاص لا تحقّ لهم المناولة للمطلقين مثلاً"، ليجيب بورجوليو: "أعتقد أنّ القربان ليس مكافأة للطاهرين، إنّه طعام للجائعين"، بعدها يقول البابا: "إذاً، المهم ما نؤمن به، وليس ما علَّمته الكنيسة لمئات السنين"، ليردّ بورجوليو: "لا.. "مرقس" الإصحاح الثاني، العدد 17 "جئت لأدعو خطاة" كما علَّمت الكنيسة لآلاف السنين، ليتحدث بعدها البابا بينديكت عن ضرورة وضع حدود، وتشييد جدران، فيقول بورجوليو في النهاية: "الرحمة هي الديناميت الذي يهدم الجدران".

اقرأ أيضاً: فيلم "طفيلي": هل تهدّد الفوارق الاجتماعية مصير العالم؟
شيئاً فشيئاً، تتكشف لنا شخصية أخرى للبابا بينديكت السادس عشر، فرغم اختلاف الآراء بينه وبين الكاردينال بورجوليو، إلا أنّ البابا يبدأ في الحديث عن نفسه، وعن شبابه، لنكتشف أنّ البابا يحبّ العزف على البيانو، ولديه أسطوانة موسيقية من تأليفه، كما أنّه كان يسمع فرقة "البيتلز" في شبابه، كما أنّه، إلى الآن، يتابع برامج فكاهية على شاشة التلفزيون.
تأتي لحظة الكشف عن السبب الذي دعا فيها البابا، الكاردينال بورجوليو، لزيارته، وهو أنّ البابا يرغب بالتخلي عن منصبه والاستقالة من البابوية، بشرط ألّا يقدم بورجوليو استقالته، وأن يكون هو خليفته.

اقرأ أيضاً: 20 فيلماً ينبغي أن تكون على قائمة مشاهداتكم عام 2020
يصاب الكاردينال بورجوليو بصدمة؛ إذ يصرّ على أنّه ليس الشخص المناسب لمنصب البابا، لكن عند إلحاح البابا عليه، وبأنّه لن يتراجع عن قراره، يصارح بورجوليو البابا بأنّ له ماضياً لا يعرف عنه شيئاً، وأنّه ماضٍ غير مشرف؛ إذ يعترف بورجوليو بأنّه؛ إلى الآن يشعر بتأنيب الضمير لوقوفه مع الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، وكان السبب بتعذيب أصدقائه المقربين في تلك الفترة، وما يزال الإحساس بالعار يلاحقه حتى هذه اللحظة.
كما أنّ البابا بينديكت، بدوره، يقرّر الاعتراف للكاردينال بخطاياه، التي لا يعرف المشاهد ما هي؛ إذ إنّ المخرج يصور لنا الاعتراف من غير أن نسمع ما يعترف به البابا للكاردينال.

 فيلم "الباباوان" للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس
فيلم "الباباوان" ينتمي لتلك النوعية من الأفلام، التي تطرح وجهات نظر في قضايا كبيرة؛ دينية أو سياسية أو اجتماعية، لن يحلها عمل فني في النهاية، إنما يلقي الضوء على جانب من جوانبها؛ لذلك لم يكن نصّ الفيلم يمضي في مسار واحد، إنما كانت هناك مسارات تتقاطع وتلتقي فيما بينها.

يختم المخرج البرازيلي الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا

لا يمكن القول إنّ الفيلم هو سيرة ذاتية لخورخي بورجوليو فقط، ولا هو بالمناظرة الفكرية بين بابا وكاردينال، ولا هو إلقاء الضوء على كواليس ما يجري بالكنيسة الكاثوليكية، إنما هو اجتماع كلّ ذلك؛ صدف و"أقدار"، وتجربتان حياتيتان، سينتج عنهما اختلافات جذرية، ظاهرها يُصورّ على أنّه صراع بين قوى الخير وقوى الشرّ داخل أروقة الكنيسة، لكنّ الحوار والنقاش الطويل بين الرجلين سيفكّك للمشاهد ثنائية الخير والشرّ بصورتها الحادة والثابتة.
يختم المخرج الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا.
خاتمة تشير ربما لنهاية الخلافات بين الرجلين، أو ربما لتقول للمشاهد؛ حتى رجال الدين الذين تدور حولهم هالة من القداسة يخطئون، ولهم حياة تشبه حياة الناس العاديين. 
يضع فيلم "الباباوان"، للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس، المشاهد في حيرة من أمره؛ هل يستسلم لمتعة مشاهدة عمل سينمائي مختلف من حيث الطرح والأسلوب ورشاقة أداء بطلي الفيلم؛ (أنطوني هوبكنز وجوناثان برايس)، أم يشكّك في أن يكون الفيلم عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

للمشاركة:

التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

صورة غسان مفاضلة
كاتب وتشكيلي أردني
2020-02-13

لم تكن طريقة الموت المأساوية التي باغتت حياة التشكيلي السوري، لؤي كيالي (1934- 1978)، أثناء نومه، سوى التمثيل الأشدّ رمزيةً واختزالاً للاضطرابات النفسية التي تناوبت على أعوامه الأخيرة بالعزلة والاكتئاب، وهو التمثيل الأخير الذي خطف حياته بفعل حريق متسلّل، ليطويَ معه سيرة الرائي مع الجمال المخضّب بالأحزان.

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86، عن إقدامه على حرق "أو تمزيق" لوحات معرضه "في سبيل القضية"، الذي تزامن مع هزيمة حزيران 1967، لتبدأ معها، أو بسببها، انتكاساته النفسية. ورغم الأزمات النفسية المتكررة التي اعتزل بسببها التدريس والرسم "بين الحريقين"؛ فإنّ إنجازاته في الأعوام العشرة الأخيرة من حياته المضطربة، شكّلت منعطفاً مفصلياً في خياراته وتحولاته الفنية التي جعلت منه أحد أعلام الحداثة التشكيلية في مشهدها العربي المعاصر.

لؤي كيالي (1934- 1978)
وسواء كانت حادثة موته احتراقاً في منزله بمسقط رأسه في مدينة حلب، جراء سقوط لفافة تبغ على فراشه، عندما داهمه النوم بفعل المهدئات النفسية، حادثة عرضية، أم كانت انتحاراً، بحسب من اعتبروها نتاج معاناته وعزلته، وأحياناً نتاج "تشكيكه بجدوى الفنّ في بعض المفترقات"؛ فإنّ حادثة إحراقه لأرشيفه الصحفي، ولوحات معرضه "أو تمزيقها"، لم تكن عرضيةً أبداً؛ كانت أشبه ما تكون بصرخةٍ مكتومةٍ استدرجته إلى طريق الحريق الأخير؛ حريقٌ فاجعٌ وجارحٌ.

التجريح الذي طال معرضه "في سبيل القضية" كان ظاهرياً؛ بسبب التحوّل الذي طال موضوعاته المعروفة بقسماتها التعبيرية والجمالية، وانتقالها إلى موضوعات أخرى غير مألوفة عن الفنان، تتعلّق بالقضايا الوطنية والقومية، لكنّ باطن التجريح عند الذين هاجموه من النقّاد والفنانين الذين رأوا أنّ تحوّله الفني كان "تحولاً انتهازياً"، لم يخرج عن كونه "ثرثرة عابرة" حول منبت الفنان الأرستقراطي الذي صار "فناناً ملتزماً".

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة، والتي وشّحت وجوه الناس وعادياتهم اليومية بحزنها الشفيف؛ إنّه الحزن نفسه الذي أطلّ من خلاله على المأساة الفلسطينية "مأساة اللاجئين النازحين عن الأرض المحتلة، مأساة ضخمة، حاولت قدر استطاعتي توظيف إمكاناتي لتغطية أبعادها في اللوحة"؛ يقول عن لوحات معرضه الذي أقيم حينها، في المركز الثقافي العربي بدمشق، ليطوف، بعد ذلك، على عدد من المحافظات السورية، وتضمّن المعرض نحو ثلاثين لوحة صوّرت مأساة الشعب الفلسطيني.

لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة
الضجة التي أثيرت حول معرضه، ورأت أنّ تأثّره بالقضايا الوطنية والقومية "تأثر زائف"، خاصة من فنان اشتهر، بحسبهم، برسم الوجوه النسائية المفعمة بأسباب الحياة والجمال، ورسم "البورتريهات" ليشتريها الأثرياء؛ هي ما دفعته إلى إتلاف لوحات معرضه، ليدخل بعدها في أزمات نفسية لازمته حتى رحيله.

ظلّت حالات الاكتئاب تتناوب كيالي إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة، والكشف عن فرادة منجزه في مشواره المعذّب والقصير؛ ففي عام 1952، وهو في سنّ الثامنة عشر، أقام معرضه الأول في مدرسته الثانوية بحلب، قبل أن ينتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق، التي انقطع عنها لدراسة الفنون في روما، عام 1956، وبعد مرور أكثر من ستة عقود على معرضه الأول، عُرضت إحدى لوحاته التي تصوّر جنوداً سوريين وسط المعركة، في مزاد "كريستيز" العالمي، في دبي عام 2014.
في الأعوام الخمسة الأولى، بعد عودته من إيطاليا، حقّق الفنان شهرة محملة بمنجزه اللافت في الوسط التشكيلي بدمشق؛ كانت لوحات ابن الطبقة الثرية، الوسيم المرهف والمزاجي، تباع منذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة في روما، عام 1961، بأسعار هي الأعلى في مشهدها السوري، وحظيت على الدوام بتقدير مجايليه من الفنانين والنقاد، وفي مقدمتهم فاتح المدرّس، الذي شاركه في بينالي "فينيسيا" عام 1960، أما معرضه في صالة "لافونتانيلا" في روما، عام 1959، حينما كان طالباً في أكاديميتها، فقد شكّل نافذة الوسط الفني الإيطالي للتعرّف إلى صاحب التعبيرية الناعمة التي تؤاخي بين الحزن والجمال.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
هل كانت موهبته وبزوغه الفني المبكّرين، وحساسيته المفرطة تجاه إكراهات الحياة وعذابات الإنسان، سبباً في توتراته النفسية وصراعاتها؟! ربما، لكنّها في جميع حالاتها، المكتومة والصارخة، لم تكن لتحدّ من إنجازاته التي شكّلت إضافةً مبكرةً للحداثة التشكيلية في أفقها العربي المعاصر.

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة
الفنان الذي بدأت رحلته الإبداعية المبكرة مع الموضوعات المحببة لعشاق الفنّ الأثرياء، وجد نفسه بعد منتصف ستينيات القرن الماضي مأخوذاً بهموم الناس البسطاء والهامشيين، ومنحازاً للقضايا الوطنية والقومية؛ لم تكن تعنيه مسايرة رغبة المقتنين والأثرياء ممن اعتادوا موضوعاته الفنية، وألِفوا قسماتها التعبيرية، كلّ ما كان يعنيه، هو الإنصات إلى صدى صوته الداخلي، وهو يمور بالقلق والاضطراب، الصدى الذي خلع على تعبيراته الواقعية المعجونة بالعزلة والتوجّس، وشاحاً منسوجاً من الحزن والجمال. 

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان
بعد أن تفاقمت أزمته النفسية، عام 1969، انقطع عن الحياة العامة ليلوذ بعزلته البيتية في مدينة حلب، ذهب مع أهله للعلاج في بيروت، وما إن تحسّنت حالته، مطلع سبعينيات القرن الماضي، حتى عاد للتدريس مرة أخرى في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ثم ما لبثت الأزمة الثانية التي شفي منها أن عاودته مرة ثانية، واستمرت تداعيات أزمته النفسية حتى قيام حرب تشرين، عام 1973، ليستعيد بعدها تمالكه النفسي، ويعود لمزاولة الرسم بإيقاع جديد من حيث التقنية والتكوين؛ فجعل من الخشب المضغوط مفردة تعبيرية شفيفة، لها مذاق موضوعاته وملمسها، فيما راحت مساحاته اللونية، ضمن بنيتها التكوينية الرشيقة، بالتمدّد والاتساع  والاستقرار.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال
ظلّت حالات الاكتئاب تتناوبه بوتائر مختلفة، إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما، التي سبق أن شكّل علاقات واسعة ووثيقة مع مثقفيها وفنانيها، غير أنّه ما لبث أن عاد إلى حلب، عام 1978، بعد أن اكتشف أنّ المناخ الثقافي والفني الذي عرفه سابقاً في حاضرة الفنّ والجمال، لم يعد له وجود.
لكنه عاد بأزمة نفسية أكثر ضراوة من سابقاتها، لجأ معها إلى المهدئات التي فتحت الطريق أمام النار، لاختطاف "الرائي" من نومه الأخير.

للمشاركة:

أشهر 6 أفلام عن الاضطرابات النفسية.. هل شاهدتها؟

2020-02-11

تتميز السينما عن غيرها من الفنون الإنسانية، بقدرتها على الجمع بين الحوارات العميقة والمشاهد البصرية، في معالجة الأفكار والقضايا المجتمعية والغوص في أعماق النفس البشرية، وقد حازت مواضيع علم النفس والاضطرابات النفسية اهتمام الكثير من المخرجين السينمائيين، الذين سلطوا الضوء على أعراض الأمراض النفسية المختلفة وشخصية المضطرب وفهمه لواقعه وتفاعله مع محيطه، فضلاً عن تلك التي تناولت السير الشخصية لأشهر علماء النفس.
"حفريات" اختارت ستة من أهم وأشهر الأفلام السينمائية، التي تناولت هذا الموضوع.

1975 One Flew Over the Cuckoo's Nest

فيلم "أحدهم طار فوق عش الوقواق"، ويتداوله البعض باسم "أحدهم طار فوق عش المجانين"، وهو فيلم دراما أمريكي، مقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأمريكي؛ كين كيسي، اختاره معهد الفيلم الأمريكي ليكون على قائمة أفضل 100 فيلم في التاريخ الأمريكي، كما احتل المرتبة الخامسة عشرة في قائمة أفضل 250 فيلماً بتاريخ السينما على موقع IMDB.

"فتاة مضطربة" مستوحى من قصة حقيقية للكاتبة الأمريكية سوزانا كيسن التي عاشت عاماً ونصف العام في مصحة النفسية

وتدور أحداث الفيلم حول قصة "راندل باتريك"، الذي يدّعي الجنون بعد إيداعه السجن، ليتم نقله إلى مصحة نفسية وإجراء الفحوصات اللازمة له، للتأكد من صحته العقلية، حيث يعيش باتريك (الذي يجسد شخصيته الممثل الأمريكي جاك نيكلسون)، مع المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة، فيما يواجهون جميعاً تسلط وديكتاتورية الممرضة التي تجسدها الممثلة الأمريكية لويز فليتشر؛ حيث تتحول المصحّة من مهرب للبطل من السجن، إلى سجن آخر يحاول الفرار منه.

اقرأ أيضاً: قائمة بأبرز الأفلام والمسلسلات الأجنبية في 2020

ويغوص الفيلم، الذي أخرجه الأمريكي، ميلوش فورمان، في تفاصيل الحياة اليومية لقاطني المصحّات النفسية، وآلية تعامل النظام مع المرضى وأثر الحبوب المُهدئة على شخصياتهم من خلال التفاصيل اليومية للأبطال.
وقد حاز الفيلم 5 جوائز أكاديمية عن فئات؛ "أفضل فيلم، أفضل ممثل، أفضل ممثلة، أفضل إخراج، أفضل سيناريو".

1988 Rain Man

فيلم أمريكي مقتبس عن قصة حقيقية؛ تدور حول الشاب ريموند، الذي يجسد شخصيته الممثل داستن هوفمان؛ حيث يعاني ريموند من التوحد منذ صغره، الذي يعيق تواصله وفهمه لمحيطه وللآخرين، لكنه يتمتع بقدرات عقلية استثنائية تمكنه من إجراء العمليات الحسابية بقدرة خارقة.

اقرأ أيضاً: أفلام المافيا: أيقونات فنية تعيد قراءة الجريمة المنظمة فلسفياً
ويتوفى والد ريموند أثناء تواجده في المصحة النفسية، تاركاً له ميراثاً كبيراً، في حين يترك لأخيه المعافى شارلي، والذي يجسد شخصيته الممثل توم كروز، سيارة قديمة فقط، حيث يقرر الأخير استغلال حالة ريموند الصحية ليسيطر على ميراثه.
وفاز الفيلم الذي أخرجه الأمريكي؛ باري ليفنسون، بـ 4 جوائز أوسكار عن فئات؛ "أفضل فيلم، أفضل مخرج سينمائي، أفضل نص سينمائي أصلي، وأفضل ممثل"، كما ترشح لعدة جوائز أخرى.

Girl, Interrupted 1999

"فتاة مضطربة"؛ فيلم مستوحى من قصة حقيقية للكاتبة الأمريكية سوزانا كيسن، التي عاشت عاماً ونصف العام في إحدى المصحات النفسية، بعد محاولتها الانتحار، حيث عمدت خلال وجودها في المصحة إلى تسجيل مذكراتها الشخصية ورحلة تعافيها من المرض.
ويتناول الفيلم قصة كيسن، التي جسدت شخصيتها الممثلة الأمريكية وينونا رايدر، ومعاناتها من اضطراب "الشخصية الحدية"، الذي بدأت أعراضه بالظهور بعد تخرجها من المدرسة الثانوية، ويوضح الفيلم تفاصيل حكاية الكاتبة الأمريكية التي ينتابها التيه والاكتئاب.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الأفلام المصرية التي عالجت إشكاليات عصر الانفتاح
ويسلّط الفيلم الضوء على ثنائية الإصرار على المضيّ في التعافي من المرض، والخوف والتهرب من مواجهته، ليتنقل بالمشاهد بين مشاعر البطلة في لحظات الضعف والقوة ومواجهة محيطها، وعلاقتها مع نزلاء المصحة، التي تتشابك بطريقة درامية إنسانية.
الفيلم من إخراج الأمريكي؛ جايمس مانجولد، وبطولة كل من رينونا رايدر وأنجلينا جولي، التي حصلت على الأوسكار عن فئة أحسن ممثلة لدور ثانٍ، لتجسيدها شخصية ليزا في الفيلم. 

The machinist 2004

الميكانيكي؛ فيلم غموض تم تصوير مشاهده في إسبانيا، تدور أحداثه حول الميكانيكي "تريفور"، الذي جسد شخصيته الممثل كريستيان بيل، حيث يعاني البطل من الأرق المزمن وقلة النوم، وهلاوس تؤثر على عمله بعد فترة.

اقرأ أيضاً: أشهر أفلام عالجت صراعات الصحافة والسياسة

تمر الأحداث وتزداد حالة تريفور سوءاً، الأمر الذي ينعكس على حياته الاجتماعية والعملية، حيث تؤثر الهلاوس التي يراها على عمله في المصنع الذي يعمل فيه، ما يدفع زملاءه في العمل إلى نبذه والتعامل معه بحذر وريبة.
الفيلم من إخراج؛ براد أندرسون، وبطولة كل من جينيفر جيسون، وكريستيان بيل، الذي اضطر لفقدان 27 كيلوغراماً من وزنه ليتلاءم مظهره مع دور تريفور الهزيل.

When Nietzsche Wept 2007

"عندما بكى نيتشه"؛ هو فيلم مأخوذ عن رواية شهيرة، تحمل نفس العنوان، للأخصائي النفسي؛ إيرفين يالوم، يتحدث عن الحقبة التي سبقت كتابة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه لكتابه الشهير؛ "هكذا تكّلم زرادشت"، حين كان نيتشه مجرد أستاذ جامعي مغمور لا يحضر محاضراته سوى قلّة قليلة، تشعر بالضيق ممّا يطرحه من نظريات، حيث يقع في حب فتاة تُعجب بأفكاره السابقة لعصره، قبل أن ترفض الارتباط به ويُصاب بحالة اكتئاب تدفعه لمحاولة الانتحار.

فاز فيلم Rain Man بـ4 جوائز أوسكار عن فئات أفضل فيلم وأفضل مخرج سينمائي وأفضل نص سينمائي أصلي وأفضل ممثل

ويتناول الفيلم لقاءً مُتخيلاً بين نيتشه، والأخصائي النفسي الشهير جوزيف بروير، والذي يحاول علاج الأول من اكتئابه بطلب من الفتاة التي حاول الانتحار لأجلها، ليُدخل المشاهد في حوارات عميقة توضح وجهتي نظر الفلسفة وعلم النفس حول الحياة والعلاقات الإنسانية من خلال بطلي الفيلم.
كما يتضمن الفيلم حوارات بين الدكتور بروير وعالم النفس الشهير؛ سيغموند فرويد، حول علم النفس، مُلقياً الضوء على تطور علم النفس التحليلي في تلك الحقبة.
الفيلم من إخراج؛ بينشاس بيري، ويلعب به الممثل الأمريكي أرماند أسانتي دور نيتشه، إلى جانب؛ بين كروس الذي يلعب دور الدكتور بروير، وجيمي إلمان بدور سيغموند فرويد.

A Dangerous Method 2011

فيلم يتناول السيرة الذاتية لعالمي النفس الشهيرين؛ سيغموند فرويد وكارل يونغ، وسابينا سبيلرين، التي تحولت من مريضة نفسية إلى واحدة من أوائل النساء المتخصصات في علم النفس التحليلي، تدور أحداث الفيلم حول العلاقة المضطربة بين فرويد ويونغ، حيث يحاول الأخير، وهو تلميذ فرويد، تخطّي منهج فرويد التحليلي وابتكار منهج خاص به، من خلال علاقة غير مشروعة مع مريضته؛ سابينا سبيلرين.

"عندما بكى نيتشه"؛ فيلم مأخوذ عن رواية شهيرة تحمل نفس العنوان للأخصائي النفسي إيرفين يالوم

ويتضمن الفيلم حوارات معمقة بين بطليه حول تفسير الأحلام والخيالات اللاواعية ومناهج التحليل النفسي، في حقبة عانى فيها فرويد من انتقادات لاذعة في الأوساط الأكاديمية حول منهجه القائم على التحليل في علم النفس.
كما يُلقي الفيلم الضوء على قصة علاج سبيلرين، وكيفية تحولها من مريضة نفسية إلى مُتخصصة في علم النفس التحليلي بمساعدة يونغ.
الفيلم من إخراج؛ ديفيد كروننبرج، وبطولة؛ كيرا نايتلي، التي تلعب دور سبيلرين، إلى جانب فيجو مورتينسون، الذي يلعب دور فرويد، ومايكل فاسبندر بدور يونغ.

للمشاركة:



محاولة اغتيال وزير الدفاع اليمني.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

نجا وزير الدفاع اليمني، اليوم، من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته أثناء تفقده جبهات القتال شرق البلاد.

 

 

وأضافت مصادر، نقل عنها موقع "المشهد" اليمني؛ أنّ محاولة الاغتيال بعبوة ناسفة استهدفت موكب وزير الدفاع، الفريق محمد المقدشي، نتجت عنها وفاة عدد من مرافقيه.

وزير الدفاع اليمني ينجو من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته

هذا وقد تمكنت قوات الجيش الوطني من إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي، باتجاه مواقع محررة، جنوب محافظة الجوف.

وأكّد موقع الجيش "سبتمبر نت"، نقلاً عن مساعد قائد المنطقة العسكرية السادسة، العميد محمد بن راسيه؛ أنّ "قوات الجيش مستمرة في مطاردتها للمليشيا الحوثية، في الجبال المحاذية لمحافظة صنعاء، وتكبدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد على امتداد جبهات محافظة الجوف".

قوات الجيش الوطني تعلن إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي جنوب الجوف

إلى ذلك أعلن التحالف العربي، الذي تقوده السعودية، تنفيذه عملية ناجحة ضدّ جماعات تهريب البشر والجريمة المنظمة في محافظة المهرة اليمنية.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي، في بيان نشرته، أمس، وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"؛ أنّ تلك الجماعات التي تشكل أنشطتها "خطراً أمنياً حقيقياً يقوض جهود الحكومة اليمنية الشرعية (المعترف بها دولياً) في فرض الأمن والاستقرار بالمحافظة"، حاولت، الإثنين الماضي، تعطيل جهود الأجهزة الأمنية الحكومية في مجال وقف وضبط عمليات التهريب بالمحافظة.

التحالف العربي في اليمن يعلن إجراءات ضدّ "خطر أمني حقيقي" في المهرة

وأوضح المتحدث؛ أنّ "الشخصيات معروفة في المحافظة والمتزعمة لتلك الجماعات" حاولت بذلك "تسهيل هذه العمليات باستخدام العنف والقوة المميتة باستهداف الوحدات الأمنية وقوات التحالف للمحافظة على مصالحها التخريبية"، ما أسفر عن وقوع بعض الإصابات في صفوف عناصر الأجهزة الأمنية الحكومية والإضرار بالأمن العام ومصالح المواطنين.

وشدّد المالكي على أنّ الأجهزة الأمنية وقوات التحالف اضطرت في هذه الظروف إلى اتخاذ "الإجراءات المناسبة، وبحسب ما يقتضيه الموقف للدفاع عن النفس والمحافظة على الأمن"، مؤكداً أنّ العملية أدت إلى ضبط العديد من الأسلحة بحوزة المنفذين.

 

للمشاركة:

بهذه الطريقة يواجه المرشد الإيراني عزوف الشباب عن الانتخابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

اتخذ المرشد الإيراني، علي خامنئي، خطوة استباقية من الضغط لضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية، المقررة هذا الأسبوع، بوصفها "واجباً دينياً" على الإيرانيين، مشهراً الورقة الدينية لمواجهة عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقررة، الجمعة المقبلة.

 وقال خامنئي أمام حشد من أنصاره، أمس، وفق ما نقلت "رويترز": "التصويت ليس فقط مسؤولية ثورية ووطنية، بل هو أيضاً واجب ديني".

وقال خامنئي: "الانتخابات وسيلة لتقوية البلاد، ووجود برلمان ضعيف ستكون له تبعات طويلة الأمد، وجود برلمان ضعيف سيؤثر سلباً على حربنا مع الأعداء".

وتابع المرشد الإيراني: "الانتخابات ستحيّد النيات الأمريكية السيئة، ستثبت الانتخابات مجدداً أنّ الشعب إلى جانب النظام".

خامنئي يحاول ضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية بوصفها "واجباً دينياً"

ورفض "مجلس صيانة الدستور"، المسؤول عن مراجعة طلبات الراغبين في الترشح، تأهل 6850 من المعتدلين، مما صبّ في صالح المحافظين الذين يتمتعون غالباً بأفضلية في عدد المرشحين خلال الانتخابات الإيرانية، ولم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً، وبينهم نواب بارزون.

وتجري الانتخابات البرلمانية بإيران، في 21 شباط (فبراير) الجاري، وتأتي الانتخابات هذا العام في توقيت سيئ للإصلاحيين والمعتدلين الذين يواجهون سخطاً شعبياً بعد تعثر الوعود التي تعهد بها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في انتخابات الرئاسة 2017.

ومن المرجح أن يهيمن المحافظون، وهم التيار الأقرب للمرشد الإيراني مقارنة بالتيار المنافس، على المجلس المؤلف من 290 مقعداً؛ بسبب العدد الكبير من راغبي الترشح الذين رفض مجلس صيانة الدستور طلباتهم، ويحقّ لنحو 58 مليوناً التصويت من بين 83 مليوناً هم عدد سكان إيران.

 

للمشاركة:

مؤتمر دولي في بروكسل يدين أردوغان وسياساته.. البيان الختامي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

دان التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب التدخل التركي في شرق المتوسط، وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخّل التركي العسكري المباشر في ليبيا، مندداً بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، مع الحكومة التركية، معتبراً أنّ هاتين الاتفاقيتَين تهددان الاستقرار في المتوسط، ويمكن أن تحولا ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

وأضاف المشاركون في المؤتمر، الذي استضافه البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس، تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، أنّ سياسة الخارجية التركية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان غير واضحة، وقد تضع أنقرة في مخاطر جمّة؛ بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، لافتين إلى أنّ سياسة أردوغان كانت سبباً رئيساً في خسارة ثقة الأوروبيين منذ أعوام.

التجمّع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب يدين التدخل التركي في شرق المتوسط وفي ليبيا

وقال المشاركون في كلمات منفصلة: "أردوغان وقّع اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس، التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية"، لافتين إلى أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابيين في ليبيا أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق.

وندّد المشاركون في المؤتمر، الذي عقد بمشاركة أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية، كداعش والنصرة وجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة أيضاً في الكثير من الدول كجماعة إرهابية، وذلك على الملأ، عبر الدعم اللوجستي والعسكري وكذلك السياسي في المحافل الدولية.

متسائلين: كيف لأوروبا أن تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي ضمن سياساته العثمانية التوسعية التي يطبقها يومياً؟ ولافتين إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة لم تستخدم منذ الحقبة النازية، أو حتى خلالها.

تالياً نصّ البيان الصحفي الكامل الذي صدر عن المؤتمر في بروكسل:

مؤتمر بروكسيل يحذّر من خطر التدخل التركي في المتوسط:

  • وزير الخارجية التركية الأسبق يشار ياكيش: "سياسات أردوغان قد تحوّل ليبيا إلى سوريا جديدة".
  • كوستاس مافريديس: "أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية لم تستخدم منذ الحقبة النازية".
  • نيازي كيزيليورك: "أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية".
  • ماغنوس نوريل: "أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق".
  • جان فالير بالداكينو: "تركيا تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين في المتوسط".

الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٠

تحت إطار التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب استضاف البرلمان الأوروبي في بروكسل، يوم الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير)٢٠٢٠، مؤتمراً أوروبياً تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، وقد تحدث في هذا المؤتمر عدد من النواب والسياسيين والخبراء يمثلون مختلف التوجهات السياسية من عدة دول أوروبية ومتوسطية، وهم: معالي يشار ياكيش (وزير الخارجية التركية الأسبق)، ود. كوستاس مافريديس (النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان)، البروفيسور نيازي كيزيليورك (النائب في البرلمان الأوروبي من قبرص)، إضافة إلى الدكتور ماغنوس نوريل (الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، وجان فالير بالداكينو (رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس).

وضمّ هذا المؤتمر أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً، يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، وقد ركزت الكلمات على شقّين أساسيين، هما: التدخل التركي في شرق المتوسط وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخل التركي العسكري المباشر في ليبيا؛ حيث ندّد عدد من المشاركين بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، مع الحكومة التركية اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، معتبرين أنّ هاتين الاتفاقيَّتين تهدّدان الاستقرار في المتوسط، كما عبروا عن خشيتهم من التدخل التركي في المتوسط مما له تداعيات إقليمية وعالمية، ومن تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

بداية قدم وزير الخارجية التركية الأسبق، يشار ياكيش، عرضاً تاريخياً مفصلاً للحدود الجغرافية البحرية في المتوسط، ورأى أنّ طول الحدود البحرية التي يبلغ 1700 كلم مع اليونان وباقي دول المتوسط هو أحد الأسباب التي دفعت بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتوقيع الاتفاق مع الحكومة الليبية.

التنديد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين

ياكيش رأى أنّ لتركيا مطالبات بتقسيم الحدود البحرية وحرية الوصول إلى ثرواته، وهذا هو الهدف الذي يسعى من خلاله أردوغان إلى الحصول على حقّ قانوني بخصوص الحدود البحرية، بالتالي؛ تمّ التوقيع على اتفاق أحادي مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية دون التشاور مع باقي دول المتوسط، وزير الخارجية التركي الأسبق، قال إنّ أردوغان وقع أيضاً اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس لكنّ مشكلة هذه الحكومة، على حدّ تعبيره، أنّها مسيطر عليها من قبل حركة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية. مؤكداً أنّ عمق المشكلة أنّ السياسة المتبعة من قبل حكومة أردوغان "تجعلنا نطرح تساؤلات عن الأخطار التي تحدق بتركيا من خلال انغماسها في ليبيا".

يشار ياكيش حذّر من أنّ ليبيا قد تتحول إلى سوريا جديدة بسبب ثرواتها البترولية، خاصة أنّ تركيا في هذا المشهد ليس لديها أيّة سياسة واضحة المعالم للخروج من هذه الأزمة، ومن أنّ السياسة الخارجية التركية غير الواضحة من قبل أردوغان قد تضع تركيا في مخاطر جمة، بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، وفي الختام؛ رأى ياكيش أنّ السلطة تفسد في إشارة إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، "الذي خسر ثقة الأوروبيين منذ أعوام"، على حدّ قوله.

من جهته، تحدّث الدكتور كوستاس مافريديس، النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان عن "الموت الإستراتيجي"، وهو عنوان كتاب لمفكر تركي، أحد المنظرين الذين يجلّهم أردوغان ويحاول تطبيق نظريته فيما خصّ السياسة الخارجية عبر إعادة إحياء السياسة العثمانية التوسعية.

 د. مافيرديس رأى أنّ هذا النموذج هو بسيط جداً بالنسبة إلى أردوغان؛ حيث إنّ البرلمان التركي يدعمه ويصوّت له بقوانين هدفها حماية الشعوب التي لها أصول عثمانية في المنطقة، كما حصل مع المسلمين في قبرص.

مضيفاً أنّ هذه هي السياسة التي يطبقها أردوغان بحذافيرها في العالم الإسلامي منذ عدة أعوام، وهي تضعه في مواجهة مباشرة مع باقي دول المنطقة، بالتالي؛ فإنّ هذه السياسة التوسعية هي جوهر المشكلة عبر هذه السياسات الهجومية التي لا تراعي القوانين الدولية.

رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي ندّد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه، الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين، وذلك على الملأ عبر الدعم اللوجستي والعسكري، وكذلك السياسي في المحافل الدولية، وسأل مافريديس كيف لأوروبا أنّ تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي وهذه السياسات العثمانية، التوسعية التي يطبقها يومياً.

مشيراً إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة، لم تستخدم منذ وحتى خلال الحقبة النازية، الدكتور كوستاس مافريديس شدّد على أنّ الاتفاقات التي وقعها أردوغان مع ليبيا، لا تتطابق مع قوانين الأمم المتحدة أو القوانين الأوروبية، لأنّ تركيا لا تعترف بقبرص وهي بلد عضو في الأمم المتحدة وعضو في الاتحاد الأوروبي. وختم حديثه بالقول؛ إنّ سياسات أردوغان تهدّد استقرار المتوسط، مؤكداً أنّ لا دور لتركيا في ليبيا، بالتالي؛ فإنّ تدخّلها هناك سيحول ليبيا إلى سوريا أخرى.

أما د. نيازي كيزيليورك، النائب في البرلمان الأوروبي، عن قبرص فوضع التدخل التركي في ليبيا في خانة الصراع على مصادر الطاقة، ورأى أنّ أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية، وأضاف أنّ لقبرص الحق الكامل في استثمار مواردها من الطاقة ضمن حدودها البحرية لكن تركيا ترفض أن تعترف بهذه السيادة وبهذا الحق.

د. كيزيليورك تساءل في هذا الإطار عن سبب رفض أردوغان للتفاوض مع دول المنطقة للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويسمح بتوزيع الثروات من الطاقة ضمن القوانين المعمول بها دولياً.

النائب القبرصي أكّد أنّ رفض اردوغان لإجراء مثل هذه المفاوضات يحرم حتى القبارصة من الشطرين بهذه الثروات، محذراً من خطر التمادي في هذه السياسات على منطقة المتوسط، ومشيراً إلى فشل السياسة الخارجية التركية.

في المقابل؛ تحدّث الدكتور ماغنوس نوريل، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عن السياسة الخارجية التركية لنظام أردوغان، ورأى أنّ "التدخّل التركي في ليبيا يجسد مرحلة ما بعد سياسة صفر المشاكل، وهي مرحلة مليئة بالمشاكل، وصفها بالسياسة التوسعية التي تهدّد الأمن والاستقرار.

الدكتور نوريل رأى أنّ "هذه الخيارات التوسعية باتت تشكل عبأ على تركيا، وخلقت لها مشاكل مع دول المنطقة كإيران ومصر. كما شدّد الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على ضرورة تدخل أوروبا لمنع تصدير السلاح إلى ليبيا، وخصوصاً السلاح القادم من تركيا؛ لأنّه يتسبب بزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، ويشكل خطراً على بلدان المتوسط لقرب نظام أردوغان من الميلشيات المرتبطة بالإخوان المسلمين، بالتالي المجموعات الإرهابية.

وختم الدكتور نوريل بالتحذير من خطر الإسلام السياسي، الذي ما يزال يتمدّد في شمال أفريقيا، على الرغم من سقوط ما يعرف بخلافة داعش، معتبراً أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي، أكثر مما كانوا عليه سابقاً في سوريا والعراق، ومؤكداً أنّ تركيا، وبلا شك، تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين.

جان فالير بالداكينو، رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس، تحدث أيضاً عن السياسة التوسعية لتركيا في ليبيا، وركّز على مدى خطرها على الحرب التي تخوضها فرنسا على الإرهاب في أفريقيا، ومالي تحديداً.

ورأى جان؛ أنّ لتركيا أطماع في مصادر الطاقة في منطقة المتوسط، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية، متمثلة في سياسة هجومية توسعية تستخدم الإسلام السياسي والقومية العثمانية لتبرير تدخلها في البلدان المجاورة.

رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس تأسف لعدم تعامل أوروبا بحزم مع حكومة أردوغان، خاصة في ملف النازحين وتسلل الإرهابيين إلى أوروبا من سوريا، بالتالي تحول هذا الملف إلى مصدر ابتزاز استغله أردوغان في تعامله مع أوروبا، مؤكداً أنّ أوروبا لديها مشكلة كبيرة مع تركيا، بسبب دعمها للإسلاميين بشكل واضح وصريح، وأنّ طموحات أردوغان هي وراء التوتر في المتوسط.

 

للمشاركة:



سنقصف سوريا حتى آخر جندي إيراني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

عبد الرحمن الراشد

إن داومت إسرائيل على قصف المواقع الإيرانية في سوريا كما تفعل، فإن إيران ستغادر وينتهي بذلك شبه الاحتلال للدولة الضعيفة المدمرة. فالقوات الإيرانية وميليشياتها لا ترد على الهجمات الإسرائيلية الموجعة، ولم يبدِ الروس، الشريك الأول، بدورهم اعتراضا، إلا تصاريح إعلامية عبروا فيها عن عدم رضاهم، قائلين إنه تصعيد خطير من جانب إسرائيل ضد المدنيين في دمشق ومحيطها، وإن هجماتها كادت تتسبب في إسقاط طائرة مدنية إيرانية.
وأقوى تصريح إسرائيلي ما قاله وزير الدفاع الجديد، نفتالي بينيت: «سنتحول من العمل الوقائي إلى العمل الهجومي، فهو الإجراء الوحيد الذي يضمن لنا طرد إيران خارج سوريا. وإننا نقول لهم، أي الإيرانيين، سنجعل سوريا فيتنام الإيرانية، وستواصلون النزف حتى مغادرة آخر جندي إيراني الأراضي السورية». ما يدور ليس حرباً بالمفهوم التقليدي، بل ضربات نوعية ومطاردة مستمرة.
ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي الملحوظ عن الهجمات الأميركية في سوريا، وإعادة تسليح بعض فصائل المقاومة السورية، وتزويدها بصواريخ كانت وراء إسقاط طائرتي هليكوبتر للنظام السوري.
وتبدو العمليات الأميركية الإسرائيلية المستمرة في سياق عمل مشترك للضغط على إيران حتى تخرج من سوريا، ودفعها إلى الخلف في العراق. وكان اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، ومسؤول العمليات العسكرية الإيرانية في سوريا، قد تم في السياق نفسه، أي إخراج الإيرانيين من سوريا.
لكنّ في القصة سطوراً غير واضحة، حيث لا نرى لنظام دمشق أثراً، وفيما إذا كانت للاشتباكات المتعددة الجنسية في الحدود الشمالية مع تركيا علاقة بذلك! لا نرى نظام دمشق متحمساً للدفاع عن حليفه الإيراني، ولا الروسي مهتماً أيضاً، وتركت إيران معزولة تحارب وحدها. أما المعارك التي تدور رحاها بالقرب من حدود تركيا، فهي جزء من التصفيات النهائية للوضع السوري ذات الموضوعات المتعددة، منها نظام الحكم في الحل النهائي، واللاجئون، والتنظيمات المسلحة، وإخراج الأتراك والإيرانيين. لكن الجزء الذي يهم عدداً من دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، بشكل أكثر هو إخراج إيران. وهي لن تخرج إلا بعد المزيد من النزف، وخروجها سيسهل عملية الحل النهائي للأزمة السورية.
وبالنسبة لدمشق وروسيا فإن دور إيران انتهى، فقد موّلت الحرب وقاتلت حتى حمت النظام من الانهيار التام، والآن أصبحت إيران عبئاً على حليفيها. والفارق بين وجود روسيا وإيران في سوريا، أن الأولى تريد دمشق ضمن منظومتها في المنطقة، أما إيران فلها أهداف أوسع في سوريا؛ تريد أن تجعلها مثل لبنان، دولة تابعة ومنصة عسكرية في مواجهة إسرائيل، وتستخدم سوريا لتأمين وجودها في العراق، ضمن صراع النفوذ الإقليمي.
إن تم إخراج إيران من سوريا فسيكون أهم إنجاز سياسي وعسكري، حيث سيضعف نفوذها سريعاً في كل من العراق ولبنان، لهذا الهدف استراتيجي، والمهمة لن تكون سهلة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

حزب الله يسوّق بضاعة إيران الكاسدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي قاسم

لم تتوقف إيران منذ عودة الخميني من منفاه عام 1979، بعد أن أطاحت ثورة حدثت هناك بحكم الشاه، عن التهديد يوميا برمي إسرائيل في البحر، وتدمير الولايات المتحدة.

لا جديد في ذلك، المشكلة أن تصدّقَ أطراف عربية هذه الادعاءات وتسمح لإيران بإطلاق التهديدات من فوق أرضها.

وليست المشكلة أيضا، أن إيران وحكامها يصدقون أنهم أولياء الله على الأرض، فهم أولا وأخيرا يخدمون مصالحهم على حساب غيرهم من الشعوب، ولكن الكارثة أن تصدّقَ جهات عربية تلك الادعاءات.

بعد أيام من استهداف غارات إسرائيلية مقارّ تابعة لها في محيط مطار دمشق، اعتبر الحرس الثوري الإيراني أن الظروف الآن غير ملائمة لمواجهة إسرائيل. وقال حسين سلّامي، قائد الحرس الثوري في مقابلة تلفزيونية الاثنين، إن هناك إمكانات كبيرة للقضاء على إسرائيل “لكن الظروف ما زالت غير ملائمة”.

سلّامي نصح الإسرائيليين بعدم الاعتماد على الأميركيين، وأخذ العبرة من آخرين قال إنهم فعلوا ذلك ولم يحققوا أي نتيجة، وقال إن طهران بنت قدراتها على مستوى عالمي، لتصل إلى مستوى القوة العسكرية الأكبر في العالم، وأن هدف إيران يتمحور حول انهيار الكيان الصهيوني والقضاء على وجوده وعلى الوجود الأميركي في المنطقة.

إيران، حسب سلّامي، مستعدة لمواجهة سيناريوهات الحرب المختلفة مع الولايات المتحدة، وللانتقام من عملية اغتيال القيادي بالحرس الثوري قاسم سليماني.

وبالطبع لن تقوم إيران بهذه المهمة بنفسها، بل ستنيط بها وكلاء لها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله، فهو كما يقول سلّامي أقوى اليوم بعشرات الأضعاف مما كان عليه في حرب عام 2006، واستطاع التغلب على “التكفيريين” بعد أن بات أكثر تسلحا ومناعة وخبرة.

حزب الله، الذي يستمد شروط بقائه من خرافات يسوّقها آيات الله، لم يكذّب خبرا، وكشف عن نصب تمثال جديد لقائد ميليشيا “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في بلدة “مارون الراس” على الحدود اللبنانية.

وتداولت مواقع لبنانية لقطات تظهر تجمعا للعشرات من مناصري ميليشيا “حزب الله”، أثناء إزالة الستار عن التمثال وهو يشير إلى الأراضي المحتلّة من إسرائيل وخلفه العلم الفلسطيني، في بادرة رمزية، لا تخفى دلالاتها، أُريدَ من خلالها إيصال رسالة، ليس لإسرائيل فقط، بل لمخدوعين من العرب اعتقدوا طويلا أن غاية حزب الله هي تحرير فلسطين.

وكان سلّامي قد هدد خلال مراسم أربعينية قاسم سليماني في طهران التي جرت الأسبوع الماضي، بأن إيران “ستضرب إسرائيل والولايات المتحدة إذا ارتكبتا أقل خطأ”.

استهداف إسرائيل لن يكون من إيران فقط، كما أكد سلّامي، وكان الأجدر به أن يقول إن الاستهداف لن يكونَ من إيران مطلقا. وكما جرت العادة كانت أطراف أخرى موالية لطهران، وفي مقدمتها حزب الله، تقوم بالمهمة نيابة عن نظام الملالي، غير عابئة بالأضرار التي ستلحق بلبنان واللبنانيين، الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة، أثارت غضب الشارع اللبناني.

ولم ينسَ سلّامي أن يؤكد شرعية التواجد الإيراني في سوريا، الذي تم بدعوة من الحكومة السورية حسب قوله، لمحاربة الجماعات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدا أن طهران لن تتوانى ولن تتسامح في الدفاع عن أمنها القومي.

استطاعت طهران أن تسوّق بضاعتها الكاسدة في المنطقة العربية، مستعينة بحزب الله، ومستغلة غضب الكثيرين من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، ولكنها فشلت في تسويق نفس البضاعة للدول الكبرى والمحافل الدولية، التي صنفت إيران بين الدول المتعاطفة إن لم تكن الداعمة للإرهاب.

حزب الله اليوم حسب دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” بواشنطن، هو الفاعل غير الحكومي الأكثر تسلحا في العالم، وتستشهد الدراسة بأرقام تشير إلى أن الحزب امتلك خلال حرب 2006، 15 ألف صاروخ بينما يمتلك حاليا 130 ألف صاروخ، حاولت الدراسة أن تقنعنا أنها تشكل تحديا لسلاح الجو الإسرائيلي، وتجبر إسرائيل على استخدام قوات المشاة في أي حرب قد تقع بين الطرفين، وهذا ما ينشده حزب الله.

قد يكون رأس أفعى الشر مستوطن في طهران، ولكن الحل لن يكون إلا في عواصم دول عربية، عملت إيران كل جهدها على توتير الأوضاع الداخلية فيها، بدءا من بغداد ومرورا بدمشق وبيروت، وصولا إلى صنعاء.

ماذا قدمت طهران للعراق وسوريا ولبنان واليمن، سوى المساهمة في خلق الأزمات وتأجيجها؟

باتت الغالبية العظمى في تلك الدول تدرك أن الحل لن يكون إلا صناعة محلية، وأن إيران لن تكون أحن عليهم من أنفسهم.

هناك أكثر من سبب يدفع إيران إلى القلق، بدءا من العراق، حيث اقترب فيه العراقيون من تجاوز خلافاتهم الطائفية، التي سوّق لها ملالي طهران، وصولا إلى سوريا التي تشير فيها خارطة المعارك إلى سيطرة القوات الحكومية على الوضع، في وقت لم يعد يذكر فيه السوريون اسم إيران إلا للتعبير عن التذمر.

وفي اليمن يبحث الجميع عن مخرج لأزمة افتعلتها إيران هناك، ويتساءل اليمنيون عن سبب للاقتتال في ما بينهم، فلا يجدون من سبب لذلك سوى وهمٍ وأكاذيب سوّقتها طهران وصدقوها في غفلة منهم.

عزل إيران وعودة الوعي لهذه الدول الثلاث، سيحيي الأمل في أن يراجع حزب الله، الذي اختطف الدولة في لبنان، سياساته الخاطئة ويدرك أن عاصمة لبنان هي بيروت وليست طهران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي الدين هلال
المتابع لحركة السياسة التركية داخليا وخارجيا، لا بد أن يتضح له أنها تعبر عن رؤية للمستقبل كما يتصوره الرئيس أردوغان، وأنها رؤية تخالف الأسس التي قامت عليها دولة تركيا الحديثة وأسسها كمال أتاتورك، وأنها تسعى لاستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية أو ما يسمى باسم "العثمانية الجديدة"، وهي مجموعة من الأفكار التي تزاوج بين المبادئ التي قامت عليها تركيا الحديثة والتقاليد الإمبراطورية العثمانية.

من أهم مظاهر هذا التفكير الدعوة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمعاهدات الدولية التي تم توقيعها وقتذاك والتي مثلت الأساس القانوني لنشأة الجمهورية التركية، بحجة أنها ترتيبات مجحفة بحق الأتراك. ولكي نفهم ذلك، نتذكر أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 دارت بين طرفين؛ الأول تحالف كان أبرز دوله المملكة المتحدة وإيرلندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، والثاني تحالف بين ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية.

وانتهت الحرب بانتصار الطرف الأول وفرض شروطه على الدول المهزومة، ووضع الأسس للعلاقات بين الدول وإقامة منظمة عصبة الأمم. كان من هذه الشروط، استقلال بعض الولايات والأقاليم التي كانت خاضعة لهذه الدول أو وضعها تحت نظام الانتداب، وفقا لميثاق عصبة الأمم.

وبالنسبة للإمبراطورية العثمانية اتخذت هذه الترتيبات عدة أشكال. كان أولها معاهدة سيفر الموقعة في أغسطس/آب 1920، والتي بمقتضاها قُسمت أقاليم الإمبراطورية، ومنح الاستقلال للقوميات غير التركية وفرض النفوذ الغربي عليها، ومثل ذلك صدمة مروعة للأتراك وبالذات فيما يخص الحدود مع اليونان فشنوا حربا ضدها خلال الفترة 1922-1923.

وانتهت بانتصار القوات التركية، ودعوة الحلفاء إلى مؤتمر دولي في مدينة لوزان السويسرية 1923، ورأس الوفد التركي عصمت أنونو (1884-1973) أحد أبرز الساسة الأتراك الذي أصبح الرئيس الثاني للجمهورية بعد وفاة أتاتورك عام 1938. واستمرت جلسات المؤتمر لمدة ثلاثة شهور، وفي نهايته تم التوقيع على معاهدة لوزان الثانية، التي أنشئت دولة تركيا الحديثة في حدودها الراهنة.

تتكون هذه المعاهدة من 143 مادة موزعة على 17 وثيقة بين اتفاقية وميثاق وملحق، وتناولت ترتيبات الصلح بين الدول أطراف المعاهدة وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا الحديثة والحلفاء، وفقا لقواعد القانون الدولي.

ونصت المعاهدة على رسم حدود الدولة التركية مع اليونان وبلغاريا وأصبحت أرمينيا الجمهورية دولة مستقلة، وحلت النزاعات الإقليمية بينها والدول الأوروبية الأخرى. وبالنسبة للمنطقة العربية فقد أنهت أي صلة سياسية أو قانونية مع قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام التي ضمت سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ووضعت قواعد لتنظيم التجارة والإقامة والقضاء، فنصت على ضرورة التزام الدولة التركية الجديدة بحماية حقوق جميع مواطنيها والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللون والدين،

وبعدم وضع أي قيود على اختيار أي لغة يختارونها، وأنهت العمل بنظام الامتيازات الأجنبية الذي تمتعت به الدول الأوروبية، ووضعت القواعد الخاصة بتقسيط الديون العثمانية وقواعد المرور في المضائق المائية التركية واعتبارها ممرات دولية لا يجوز لتركيا تحصيل رسوم مرور من السفن العابرة فيها. وقد نصت المعاهدة أيضا على حماية حقوق الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان.

تحدث أردوغان في هذا الأمر أكثر من مرة وعبر عن رغبته في مراجعة آثار هذه الاتفاقية واستعادة الحقوق التي اغتصبتها الدول المنتصرة في الحرب الأولى، فقال إن خصوم تركيا أجبروها على توقيع معاهدة سيفر 1920 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وترتب على ذلك تنازل تركيا عن جزر تابعة لها في بحر إيجة، ووصف معاهدة سيف بأنها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها.

وحسب اعتقاده، فإنه بعد مرور قرن من توقيع الاتفاقية ونشأة الدولة التركية الحديثة، فإنه يجوز إعادة النظر في هذه الترتيبات؛ ومنها مثلا فرض رسوم على السفن المارة في مضيق البسفور، والتفكير في حفر قناة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة التي كانت تحظرها معاهدة لوزان. وهو اعتقاد لا يوجد له أساس في المعاهدة.

وتبقى قضية ولاية الموصل، التي تدعي تركيا وجود علاقة خاصة معها، وذلك بسبب خضوعها للإدارة العثمانية لمدة 4 قرون من عام 1534 إلى عام 1918، ولوجود أعداد كبيرة من التركمان الذين ينتسبون لأصول تركية ويعيشون فيها. والحقيقة أن وضع "الموصل" تعرض لتغيرات تستحق التسجيل، ففي اتفاقية "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916، كانت الموصل ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1918، احتلت القوات البريطانية الموصل، وألحقتها بأراضي العراق التي احتلتها خلال سنوات الحرب.

وأثار ذلك غضب فرنسا، وحدثت مقايضة بين الدولتين، فتخلت فرنسا عن الموصل مقابل لواء الإسكندرونة شمال غربي سوريا. رفضت تركيا هذه الإجراءات مؤكدة حقها في الموصل مدعية أن قواتها انسحبت منها طواعية. فقامت عصبة الأمم ببحث الموضوع ومحاولة الوصول إلى تسوية مرضية للطرفين، ولكنها لم تنجح فاتخذت قرارا في 1925 بتبعية الموصل إلى العراق. لم تقبل تركيا بالقرار، وبدأت مفاوضات تركيا بريطانية انتهت بتوقيع اتفاقية أنقرة التي وقعت عليها أيضا المملكة العراقية في مايو/أيار 1926.

أقرت الاتفاقية بتبعية الولاية للعراق وتنازل تركيا عن ادعاءاتها فيها، وترسيم الحدود بين البلدين. وإثر ذلك اعترفت تركيا بالعراق في مارس/آذار 1927. نصت الاتفاقية أيضا على حصول تركيا على 10% من عائدات نفط الولاية لمدة 25 سنة، وأعطت تركيا حق التدخل العسكري في الموصل وشمالي العراق لحماية الأقلية التركمانية إذا تعرضت لاعتداء أو تهددت وحدة الدولة العراقية.

ورغم ما يبدو أن معاهدة أنقرة قد أنهت الوضع القانوني لولاية الموصل، فإن ذلك غير صحيح فقد كانت هناك معارضة في البرلمان أثناء عرضها للموافقة عليه، ووقتها قال كمال أتاتورك إن تركيا سوف تعمل على استعادة الموصل في الوقت المناسب، أي عندما نكون أقوياء.

وتحدث الرئيس تورجوت اوزال الذي حكم تركيا خلال الفترة من 1989 إلى 1993 عن ضرورة إقامة حكم ذاتي للأقلية التركمانية في العراق. وطالب الرئيس سليمان ديميريل في عام 1995، بضرورة تعديل الحدود بين البلدين لأسباب تتعلق بالأمن التركي، وأن الموصل ما زالت مرتبطة بتركيا. وفي 2003، صرح وزير الخارجية عبد الله جل – الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- بأن تركيا سوف تحصل على حقوقها من النفط بالأساليب القانونية.

تعتبر تركيا اليوم أن هذه الاتفاقية أقرت بالعلاقة الخاصة بينها والموصل، وأن ما يحدث فيها يرتبط بالأمن التركي، وكان من تجليات ذلك أن أردوغان صرح في سبتمبر/أيلول 2016، بأن العراق يحتاج إلى عمل عسكري مشابه لعملية "درع الفرات" التي نفذتها تركيا في سوريا، وطلبت الحكومة التركية من العراق المشاركة في معركة تحرير الموصل من سيطرة "داعش".

وتشير كل هذه التصريحات إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في تركيا تعتقد أن اتفاقية أنقرة تم فرضها على الجمهورية التركية الوليدة وهي في مرحلة ضعف وفي حاجة لمساعدة الدول الغربية، وأنها اتفاقية غير عادلة ومن الضروري تعديلها، وأن من حقهم التدخل في شمال العراق إذا تعرض الأمن القومي التركي لتهديدات نابعة من هذه المنطقة، وأن الاتفاقية تقوم على أساس أن هناك "وحدة العراق"، وأنه إذا تعرضت هذه الوحدة للتهديد فإن الاتفاقية تكون قد فقدت أساسها وأصبحت ملغاة.

من الواضح أن أردوغان يشعر أن لديه "فائض قوة" يتيح له الفرصة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إن لم يكن من الناحية القانونية فمن خلال خلق واقع جديد على الأرض.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية