لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟

16508
عدد القراءات

2019-03-05

كثر الحديث عن الصوفية مؤخراً، باعتبارها البديل الإسلامي المعتدل والمقابل الموضوعي للجماعات الإسلاموية المتشددة، وأنّ الفكر الصوفي المتسامح والمتقبل للآخر؛ قادر على طرد الأفكار المتطرفة والمتشددة من المجتمع.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟

والحقيقة؛ أرى هذا الطرح ممتلئاً بالعاطفة، وينقصه الكثير، وسبب تفكّكه، عدم تفهّم العوامل التي ساعدت على نشوء الإسلاموية، مع فقر معرفي بصور التدين الشعبي وأطواره، إضافة إلى عدم إدراك اللحظات التاريخية، للانتقال من صورة تدين شعبي إلى أخرى، أو كيف يُشبع المجتمع رغبته في الانتماء الديني.

كان الانتماء إلى الطرق الصوفية ردّ فعل طبيعي للتعصب المذهبي، خصوصاً أنّ الصوفيين قدموا الإسلام سمحاً متسامحاً يقبل الآخر

والتدين الشعبي، كما يقول د. محمد فياض: "الوجه الخفي للتدين الحقيقي، وهو بمعنى آخر "التدين التقليدي"، ويعني ذلك النمط الذي يهدف إلى تسجيل الهروب من مواجهة واقع اجتماعي شديد القسوة، أو الذي يرصد الدين، كما يعاش، وكما يمارسه الناس في حياتهم اليومية، بما يتعارفون عليه خلال هذه الممارسات"، ويقول أيضاً: "إنّه تديّن يصدر عن الظروف الحياتية التي يوجد فيها الأفراد والجماعات؛ أي هو الدين التاريخي الاجتماعي، المتضمن في ثقافة المجتمع، والذي يتخلّل كلّ بنياته، والناس يؤسسون بالفعل، وفي سياقات تاريخية بنائية أديانهم الشعبية".

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية
وعلى هذا، يمكننا رصد أول صورة للتدين الشعبي في صدر الإسلام، تمثل في الانحياز إما لمعسكر الإمام علي، رضي الله عنه، ضدّ معسكر معاوية، وهو عامل سياسي اجتماعي، خصوصاً مع انتصار الأمويين وتكوين دولتهم، فكان حبّ علي وآل البيت، رضي الله عنهم، هروباً من واقع الأمويين شديد القسوة؛ أي شكلاً من أشكال التدين المصبوغ بالسياسة، ثم ما لبث أن تحوّل هذا الحبّ إلى مسار آخر، بعيد عن ممارسة المسلمين الطبيعية، إلى شكل أكثر تعقيداً، فانصرف عنه الناس إلى صورة أخرى من صور التدين الشعبي، لإشباع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: "شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية
فكان الانتماء المذهبي الفقهي ردّ فعل للتعصب السياسي، خصوصاً أنّ الخطاب المذهبي تبنّى الابتعاد عن الفصل في أحقية علي أو معاوية في الحكم، فكان الاستغراق في الأحكام الفقهية ردّ فعل للمرحلة السابقة، كما قامت المذهبية بشغل الناس بتفاصيل الأحكام الفقهية، مما جنّبهم الانخراط في الخلاف حول الحكم والسياسة، ولم يعد لدى المسلمين اعتراض كبير على احتكار فصيل معيّن للحكم، فانشغل الناس بالأئمة والمذاهب وآرائهم وأقوالهم، وشروح أفكارهم، والأحاديث التي استندوا إليها، وأصبح التدين الشعبي يميل إلى الانحياز إلى المذاهبية.
ثم توقفت المذاهب عن أداء دورها في المجتمع، وانصرف المتمذهبون إلى المشاحنات فيما بينهم حول فسافس الأمور، وتطور الخلاف حتى وصل إلى معارك بين أتباع المذاهب جميعهم، ما أدّى إلى حرق دور يعضهم، وإغلاق مساجد بعينها، وتحطيم أسواق معروفة بأنّها لأصحاب مذهب ما، وتم الاعتداء على الشوافع من قبل الحنابلة، وردّ الشوافع بحرق أسواق الحنابلة ...إلخ، عندها تفككت بنى التدين على أساس المذهبية، فانصرف الناس إلى صورة أخرى من صور التدين تشبع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر
فكان الانتماء إلى الطرق الصوفية ردّ فعل طبيعي للتعصب المذهبي، خصوصاً أنّ الصوفيين قدموا الإسلام سمحاً متسامحاً يقبل الآخر، ولو كان هذا الآخر عاصياً مذنباً، فاتسعت رقعة المنتمين للتدين الشعبي على أساس صوفي، وانتشرت الطرق، وأصبح لها الكلمة العليا في تكوين ثقافة المجتمع، وتدفق الناس إلى الطرق الصوفية بحثاً عن الانتماء الديني الشعبي.

الدعوة للطرق الصوفية كبديل ارتداد تاريخي لصورة قديمة للتدين الشعبي، جرّبه المسلمون، وانفضوا عنه، والتاريخ لا يعود للوارء

نجحت الصوفية، في بعض الوقت، في تقديم نفسها كرافعة للمجتمع، خصوصاً أنّ الخطاب الصوفي قام بتهدئة وتخدير الجماهير، فتلقوا الفقر والقهر والظلم والفساد بنفوس صابر، فأعجب هذا الحكام المستبدين، فدعموهم دعماً لسلطانهم، وضماناً لبقائهم في الحكم، ومن ثم تقبلت الأمة الطرق الصوفية بكثير من المحبة والتقدير والعطف والسخاء، ولمّا توقفت الطرق الصوفية عن تقديم رسالتها في المجتمع؛ انصرف عنها الناس.
ومما خلفته الصوفية أولاً: الاتكالية؛ حيث انتشرت ثقافة ترك الدنيا والزهد فيها، والتواكل على الآخرين، ثانياً: شيوع الفكر الغرائبي والتفكير الخرافي والأسطوري، مقابل الفكر العلمي والمنهجي، فتضرر العقل الجمعي للمجتمعات المسلمة، ولعلّي لا أبالغ إن قلت، إنّ بعض الطرق الصوفية مارست سلطة روحية على أتباعها، ليست أقلّ من تلك التي مارسها المتطرفون على أتباعهم باسم الدين أيضاً؛ فمن الآداب التي يؤمن بها أصحاب الطرق الصوفية، كما ورد في كتاب "الآداب المرضية لسالك الطرق الصوفية"، لمولانا الشيخ محمد البوزيدي، والتي منها على سبيل المثال؛ أن "يتأدب المريد ولا يزور شيخه إلا بهدية"!، و"عدم الإكثار من الجلوس مع شيخه"!، مع ما يتناقض هذا من فرضية اتباع المريد للشيخ اتباعاً كاملاً؛ فكيف يتسنّى للمتبوع أن يتبع شيخه دون الجلوس معه؟! ممنوع الكلام بحضرة الشيخ، عدم الجلوس عن يمين الشيخ، ولا عن يساره، عدم الأكل مع الشيخ، ولا السير إلى جواره، ولا النظر إليه، والأخطر والأصعب من هذا كله؛ عدم تقريب عيال المريد من عيال الشيخ إلا للتبرك بهم فقط، وعلاقة المريد بالشيخ هي عصب الطرق الصوفية، فانصرف الناس إلى صورة أخرى من صور التدين تشبع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: حضرة عنايت خان.. ما هو الدين عند الصوفي؟
فكانت الجماعات المتشددة هي الملجأ للإشباع الديني الشعبي، وجاءت كردّ فعل لمخلفات الطرق الصوفية والمذهبية؛ فالعقل الخرافي والأساطير قابله فكر متشدّد، عقائدياً وسلوكياً ومظهرياً، سواء في عصر ابن تيمية، منشئ الإسلاموية، أو في زمن محمد بن عبد الوهاب؛ مجدد الإسلاموية في العصر الحديث، فكلاهما كانا ردّ فعل على تدهور الطرق الصوفية وفشلها في مجتمعيهما.
إنّ بؤس المذهبية واستبداد الطرائقية، كانتا سبباً في نشوء الجماعات السلفية التي استعادت دورها في المجتمع وتلقّاها الكثير من المسلمين كمظهر من مظاهر التدين الشعبي.

اقرأ أيضاً: كيف تخفّت الجماعة خلف قناع الصوفية؟
إنّ الدعوة للطرق الصوفية كبديل؛ هو ارتداد تاريخي واجتماعي لصورة قديمة للتدين الشعبي، جرّبه المسلمون، ثم انفضوا عنه، والتاريخ لا يعود للوارء، وأحسب أنّ المطلوب هو تجهيز المجتمع لتقبّل صورة جديدة من صور التدين الشعبي، التي بدأت إرهاصاتها، وإن لم تكتمل ملامحها بعد، الطور القادم، وهو التدين الإنساني، الذي يجب أن نمهّد له الطريق، عبر إعلاء العلاقة الفردية بين العبد وربه، دون وساطة من إنسان؛ سواء كان عالم المذهب، أو شيخ الطريقة، أو أمير الجماعة والتنظيم، عبر التخلي عن الطقوسية، مع تدعيم قيم التسامح والتعايش والتقبل، لا أزعم أنّ بنى هذا التدين مكتملة، أو أنّ خطابه واضح وصريح، لكنّي متأكد أنّ طور الطرق الصوفية لم يعد ممكناً، ولا مقبولاً، ولا قادراً على تدعيم العقل العلمي الإنساني، وأحسب أنّ على الباحثين والمفكّرين بذل مجهود ضخم لميلاد هذا الشكل من أشكال التدين الشعبي.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟

عدد القراءات

2019-03-05

كثر الحديث عن الصوفية مؤخراً، باعتبارها البديل الإسلامي المعتدل والمقابل الموضوعي للجماعات الإسلاموية المتشددة، وأنّ الفكر الصوفي المتسامح والمتقبل للآخر؛ قادر على طرد الأفكار المتطرفة والمتشددة من المجتمع.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟

والحقيقة؛ أرى هذا الطرح ممتلئاً بالعاطفة، وينقصه الكثير، وسبب تفكّكه، عدم تفهّم العوامل التي ساعدت على نشوء الإسلاموية، مع فقر معرفي بصور التدين الشعبي وأطواره، إضافة إلى عدم إدراك اللحظات التاريخية، للانتقال من صورة تدين شعبي إلى أخرى، أو كيف يُشبع المجتمع رغبته في الانتماء الديني.

كان الانتماء إلى الطرق الصوفية ردّ فعل طبيعي للتعصب المذهبي، خصوصاً أنّ الصوفيين قدموا الإسلام سمحاً متسامحاً يقبل الآخر

والتدين الشعبي، كما يقول د. محمد فياض: "الوجه الخفي للتدين الحقيقي، وهو بمعنى آخر "التدين التقليدي"، ويعني ذلك النمط الذي يهدف إلى تسجيل الهروب من مواجهة واقع اجتماعي شديد القسوة، أو الذي يرصد الدين، كما يعاش، وكما يمارسه الناس في حياتهم اليومية، بما يتعارفون عليه خلال هذه الممارسات"، ويقول أيضاً: "إنّه تديّن يصدر عن الظروف الحياتية التي يوجد فيها الأفراد والجماعات؛ أي هو الدين التاريخي الاجتماعي، المتضمن في ثقافة المجتمع، والذي يتخلّل كلّ بنياته، والناس يؤسسون بالفعل، وفي سياقات تاريخية بنائية أديانهم الشعبية".

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية
وعلى هذا، يمكننا رصد أول صورة للتدين الشعبي في صدر الإسلام، تمثل في الانحياز إما لمعسكر الإمام علي، رضي الله عنه، ضدّ معسكر معاوية، وهو عامل سياسي اجتماعي، خصوصاً مع انتصار الأمويين وتكوين دولتهم، فكان حبّ علي وآل البيت، رضي الله عنهم، هروباً من واقع الأمويين شديد القسوة؛ أي شكلاً من أشكال التدين المصبوغ بالسياسة، ثم ما لبث أن تحوّل هذا الحبّ إلى مسار آخر، بعيد عن ممارسة المسلمين الطبيعية، إلى شكل أكثر تعقيداً، فانصرف عنه الناس إلى صورة أخرى من صور التدين الشعبي، لإشباع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: "شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية
فكان الانتماء المذهبي الفقهي ردّ فعل للتعصب السياسي، خصوصاً أنّ الخطاب المذهبي تبنّى الابتعاد عن الفصل في أحقية علي أو معاوية في الحكم، فكان الاستغراق في الأحكام الفقهية ردّ فعل للمرحلة السابقة، كما قامت المذهبية بشغل الناس بتفاصيل الأحكام الفقهية، مما جنّبهم الانخراط في الخلاف حول الحكم والسياسة، ولم يعد لدى المسلمين اعتراض كبير على احتكار فصيل معيّن للحكم، فانشغل الناس بالأئمة والمذاهب وآرائهم وأقوالهم، وشروح أفكارهم، والأحاديث التي استندوا إليها، وأصبح التدين الشعبي يميل إلى الانحياز إلى المذاهبية.
ثم توقفت المذاهب عن أداء دورها في المجتمع، وانصرف المتمذهبون إلى المشاحنات فيما بينهم حول فسافس الأمور، وتطور الخلاف حتى وصل إلى معارك بين أتباع المذاهب جميعهم، ما أدّى إلى حرق دور يعضهم، وإغلاق مساجد بعينها، وتحطيم أسواق معروفة بأنّها لأصحاب مذهب ما، وتم الاعتداء على الشوافع من قبل الحنابلة، وردّ الشوافع بحرق أسواق الحنابلة ...إلخ، عندها تفككت بنى التدين على أساس المذهبية، فانصرف الناس إلى صورة أخرى من صور التدين تشبع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر
فكان الانتماء إلى الطرق الصوفية ردّ فعل طبيعي للتعصب المذهبي، خصوصاً أنّ الصوفيين قدموا الإسلام سمحاً متسامحاً يقبل الآخر، ولو كان هذا الآخر عاصياً مذنباً، فاتسعت رقعة المنتمين للتدين الشعبي على أساس صوفي، وانتشرت الطرق، وأصبح لها الكلمة العليا في تكوين ثقافة المجتمع، وتدفق الناس إلى الطرق الصوفية بحثاً عن الانتماء الديني الشعبي.

الدعوة للطرق الصوفية كبديل ارتداد تاريخي لصورة قديمة للتدين الشعبي، جرّبه المسلمون، وانفضوا عنه، والتاريخ لا يعود للوارء

نجحت الصوفية، في بعض الوقت، في تقديم نفسها كرافعة للمجتمع، خصوصاً أنّ الخطاب الصوفي قام بتهدئة وتخدير الجماهير، فتلقوا الفقر والقهر والظلم والفساد بنفوس صابر، فأعجب هذا الحكام المستبدين، فدعموهم دعماً لسلطانهم، وضماناً لبقائهم في الحكم، ومن ثم تقبلت الأمة الطرق الصوفية بكثير من المحبة والتقدير والعطف والسخاء، ولمّا توقفت الطرق الصوفية عن تقديم رسالتها في المجتمع؛ انصرف عنها الناس.
ومما خلفته الصوفية أولاً: الاتكالية؛ حيث انتشرت ثقافة ترك الدنيا والزهد فيها، والتواكل على الآخرين، ثانياً: شيوع الفكر الغرائبي والتفكير الخرافي والأسطوري، مقابل الفكر العلمي والمنهجي، فتضرر العقل الجمعي للمجتمعات المسلمة، ولعلّي لا أبالغ إن قلت، إنّ بعض الطرق الصوفية مارست سلطة روحية على أتباعها، ليست أقلّ من تلك التي مارسها المتطرفون على أتباعهم باسم الدين أيضاً؛ فمن الآداب التي يؤمن بها أصحاب الطرق الصوفية، كما ورد في كتاب "الآداب المرضية لسالك الطرق الصوفية"، لمولانا الشيخ محمد البوزيدي، والتي منها على سبيل المثال؛ أن "يتأدب المريد ولا يزور شيخه إلا بهدية"!، و"عدم الإكثار من الجلوس مع شيخه"!، مع ما يتناقض هذا من فرضية اتباع المريد للشيخ اتباعاً كاملاً؛ فكيف يتسنّى للمتبوع أن يتبع شيخه دون الجلوس معه؟! ممنوع الكلام بحضرة الشيخ، عدم الجلوس عن يمين الشيخ، ولا عن يساره، عدم الأكل مع الشيخ، ولا السير إلى جواره، ولا النظر إليه، والأخطر والأصعب من هذا كله؛ عدم تقريب عيال المريد من عيال الشيخ إلا للتبرك بهم فقط، وعلاقة المريد بالشيخ هي عصب الطرق الصوفية، فانصرف الناس إلى صورة أخرى من صور التدين تشبع رغبتهم في الانتماء الديني.

اقرأ أيضاً: حضرة عنايت خان.. ما هو الدين عند الصوفي؟
فكانت الجماعات المتشددة هي الملجأ للإشباع الديني الشعبي، وجاءت كردّ فعل لمخلفات الطرق الصوفية والمذهبية؛ فالعقل الخرافي والأساطير قابله فكر متشدّد، عقائدياً وسلوكياً ومظهرياً، سواء في عصر ابن تيمية، منشئ الإسلاموية، أو في زمن محمد بن عبد الوهاب؛ مجدد الإسلاموية في العصر الحديث، فكلاهما كانا ردّ فعل على تدهور الطرق الصوفية وفشلها في مجتمعيهما.
إنّ بؤس المذهبية واستبداد الطرائقية، كانتا سبباً في نشوء الجماعات السلفية التي استعادت دورها في المجتمع وتلقّاها الكثير من المسلمين كمظهر من مظاهر التدين الشعبي.

اقرأ أيضاً: كيف تخفّت الجماعة خلف قناع الصوفية؟
إنّ الدعوة للطرق الصوفية كبديل؛ هو ارتداد تاريخي واجتماعي لصورة قديمة للتدين الشعبي، جرّبه المسلمون، ثم انفضوا عنه، والتاريخ لا يعود للوارء، وأحسب أنّ المطلوب هو تجهيز المجتمع لتقبّل صورة جديدة من صور التدين الشعبي، التي بدأت إرهاصاتها، وإن لم تكتمل ملامحها بعد، الطور القادم، وهو التدين الإنساني، الذي يجب أن نمهّد له الطريق، عبر إعلاء العلاقة الفردية بين العبد وربه، دون وساطة من إنسان؛ سواء كان عالم المذهب، أو شيخ الطريقة، أو أمير الجماعة والتنظيم، عبر التخلي عن الطقوسية، مع تدعيم قيم التسامح والتعايش والتقبل، لا أزعم أنّ بنى هذا التدين مكتملة، أو أنّ خطابه واضح وصريح، لكنّي متأكد أنّ طور الطرق الصوفية لم يعد ممكناً، ولا مقبولاً، ولا قادراً على تدعيم العقل العلمي الإنساني، وأحسب أنّ على الباحثين والمفكّرين بذل مجهود ضخم لميلاد هذا الشكل من أشكال التدين الشعبي.