لماذا لن يختفي الدين ولن يقدر العلم على أن يدمّره؟

4288
عدد القراءات

2019-06-12

ترجمة: كريم محمد


عام 1966؛ أي قبل ما يزيد عن 50 عاماً ونيف، توقع الأنثروبولوجي المولود في كندا، أنطوني والاس، بثقة، زوالاً عالمياً للدين على يد العلم المتقدم؛ حيث إنّ "الإيمان بالقوى الخارقة للطبيعة محكوم عليها بالموت في كافة أنحاء العالم، وذلك نتيجة للكفاءة المتزايدة للمعرفة العلمية وانتشارها"، والحال أنّ رؤية والاس لم تكن استثنائية؛ فقد اتخذت العلوم الاجتماعية الحديثة التي تشكلت في أوروبا الغربية، في القرن 19، تجربتها التاريخية الأخيرة من العلمنة باعتبارها نموذجاً كونياً، فثمة افتراض كامن في صلب العلوم الاجتماعية، إما الافتراض أو التنبؤ في بعض الأحيان بأنّ جميع الثقافات ستتلاقى في نهاية المطاف على شيء مقارب تقريباً للديمقراطية العلمانية الغربية الليبرالية، إلا أنّ ما حدث كان شيئاً أقرب إلى عكس ذلك.

في كنيسة المخلص المقدس في شورا، إسطنبول/  تصوير غيلين بيريز/ فليكر

لم تفشل العلمانية في مواصلة مسيرتها العالمية الثابتة فحسب؛ بل حلّت في الدول التي كانت متنوعة، مثل؛ إيران والهند وإسرائيل والجزائر وتركيا، حكومات دينية محل الحكومات العلمانية التي كانت قائمة فيها، أو شهدت ظهور حركات دينية قومية مؤثرة؛ فالعلمنة، كما تكهنت بها العلوم الاجتماعية، فشلت في نهاية المطاف.

توقع العلماء أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة، وأنّ العلم سيكون قوة معلمنة، ولكن ذلك لم يحدث

ومن المؤكد أنّ هذا الفشل ليس باتّاً وقاطعاً، فما تزال العديد من البلدان الغربية تشهد انخفاضاً في المعتقدات والممارسات الدينية، وتبين أحدث بيانات التعداد الصادرة في أستراليا، مثلاً؛ أنّ 30٪ من السكان يعرّفون أنفسهم بأنّهم "لا دين لهم"، وأنّ هذه النسبة آخذة في الازدياد، وتؤكد الدراسات الاستقصائية الدولية مستويات منخفضة نسبياً من الالتزام الديني في أوروبا الغربية وأستراليا، حتى في الولايات المتحدة، والتي تشكل مصدر إحراج منذ أمد لأطروحة العلمنة، فقد شهدت ارتفاعاً في نسب اللاإيمان؛ فنسبة الملحدين في الولايات المتحدة الآن في أعلى مستوى لها (إذا كانت "أعلى" هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق)؛ أي 3%، ومع ذلك؛ فبالنسبة إلى الجميع، يبقى العدد الإجمالي للأشخاص الذين يرون أنفسهم دينيين مرتفعاً، وتشير الاتجاهات الديمغرافية إلى أنّ النمط العام للمستقبل القريب سيكون مستقبلاً للنمو الديني، بيد أنّ هذا ليس الفشل الوحيد لأطروحة العلمنة.

توقع العلماء والمفكرون وعلماء الاجتماع أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

توقع العلماء والمفكرون وعلماء الاجتماع أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة، وأنّ العلم سيكون قوة معلمنة، ولكن ذلك لم يحدث ببساطة، فإذا نظرنا إلى تلك المجتمعات التي ما يزال الدين فيها حيوياً، فإنّ سماتها المشتركة الرئيسة أقل صلة بالعلوم، وأكثر ارتباطاً بمشاعر الأمن الوجودي والحماية من بعض أوجه عدم اليقين الأساسية للحياة في شكل منافع عامة، لربما تكون شبكة الأمان الاجتماعي مرتبطة بالتقدم العلمي، ولكن على نحو حرّ فقط، وتفيدنا، مرة أخرى، حالة الولايات المتحدة ههنا؛ حيث يمكن القول: إنّ الولايات المتحدة هي المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية في العالم، ولكن في الوقت نفسه هو المجتمع الأكثر تديناً في المجتمعات الغربية، فكما خلص عالم الاجتماع البريطاني، ديفيد مارتن، في كتابه "مستقبل المسيحية" (2011): "لا توجد علاقة ثابتة بين درجة التقدم العلمي والانخفاض في مستوى التأثير والمعتقد والممارسة الدينية".

الولايات المتحدة هي المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية في العالم

تغدو قصة العلم والعلمنة أكثر إثارة للاهتمام، عندما ننظر إلى تلك المجتمعات التي شهدت ردود فعل كبيرة ضدّ البرامج العلمانية، مثلاً: دافع رئيس الوزراء الهندي الأول، جواهر لال نهرو، عن المثل العلمانية والعلمية، وجند التعليم العلمي في مشروع التحديث، كان نهرو واثقاً من أنّ الرؤى الهندوسية للماضي الماضي والأحلام الإسلامية بثيوقراطية إسلامية ستستسلم على حدّ سواء لمسيرة تاريخية لا مناص منها من العلمانية؛ فقد أعلن أنّ "هناك شارعاً ذا اتجاه واحد في الزمن"، ولكن باعتبار الارتفاع اللاحق للأصولية الهندوسية والإسلامية، بما فيه الكفاية، فإن كان نهرو على خطأ، وعلاوة على ذلك؛ فإنّ رابطة العلم التي لديها أجندة علمنة قد عادت إلى الوراء، وأصبح العلم ضحية ملازمة لمقاومة العلمنة.

إذا نظرنا للمجتمعات التي ما يزال الدين فيها حيوياً فإنّ سماتها المشتركة أقل صلة بالعلوم وأكثر ارتباطاً بمشاعر الأمن الوجودي

تقدم تركيا حالة أكثر وضوحاً؛ فمثله مثل معظم القوميين الرياديين، كان مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، علمانياً ملتزماً، واعتقد أتاتورك بأنّ العلم كان متجهاّ إلى تنحية الدين جانباً، ومن أجل أن يتأكد من أنّ تركيا على الجانب الأيمن من التاريخ؛ بوّأ أتاتورك العلم، ولا سيما البيولوجيا التطورية، مكانة مركزية في نظام التعليم الحكومي في الجمهورية التركية الوليدة، وإثر ذلك؛ أصبح التطور مرتبطاً ببرنامج أتاتورك السياسي بأكمله، بما في ذلك العلمانية، كما أنّ الأحزاب الإسلامية في تركيا، التي تسعى إلى مواجهة المثل العلمانية لمؤسسي الأمة، هاجمت أيضاً تدريس نظرية التطور، فبالنسبة إليهم؛ يرتبط التطور بالمادية العلمانية، وقد توّج هذا الشعور بالقرار الذي اتخذ في حزيران الماضي، بإلغاء تدريس نظرية التطور من الفصل الدراسي بالمدرسة الثانوية، كرّة أخرى، أصبح العلم ضحية إثم ارتباطها بالعلمنة.

رئيس الوزراء الهندي الأول جواهر لال نهرو

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟

تمثل الولايات المتحدة سياقاً ثقافياً مختلفاً؛ حيث قد يبدو أنّ الإشكالية الرئيسة هي الصراع بين القراءات الحرفية لسفر التكوين والسمات الرئيسة للتاريخ التطوري، لكن في الواقع؛ إنّ الكثير من الخطاب القائل بالخلق (creationist) يركز على القيم الأخلاقية، ونرى في حالة الولايات المتحدة أيضاً أن معاداة التطور تنبع جزئياً، على الأقل، من افتراض أنّ النظرية التطورية هي ذريعة ومطية للمادية العلمانية وللالتزامات الأخلاقية المصاحبة لها، وكما في الهند وتركيا؛ تضرّ العلمانية بالعلم.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين

باختصار، ليست العلمنة العالمية حتمية، وعندما يحدث ذلك؛ فإنّه لا يحصل بسبب العلم، أضف إلى ذلك، عندما تبذل محاولة لاستخدام العلم من أجل الدفع بالعلمانية، فإنّ النتائج يمكن أن تضرّ بالعلم، وتفشل الأطروحة القائلة: إنّ "العلم يسبب العلمانية"، ببساطة، في الاختبار الإمبيريقي، فتجنيد العلم كأداة للعلمانية يتبين أنه إستراتيجية ضعيفة، فالعلم ومزاوجته بالعلمانية أمر أخرق جداً؛ لأنه يثير السؤال الآتي: لماذا يعتقد أحدهم خلاف ذلك؟

أمريكا المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية بالعالم، ولكن في الوقت نفسه المجتمع الأكثر تديناً في المجتمعات الغربية

والحال؛ أنّ الناس في يومنا هذا أقل ثقة في أنّ التاريخ يتحرك من خلال سلسلة من المراحل المحددة نحو وجهة واحدة، ولا يؤيد معظم مؤرخي فكرة وجود صراع دائم بين العلم والدين، رغم استمرار هذا الاعتقاد الرائج. والتصادمات المشهورة، مثل قضية غاليليو، انتقلت إلى السياسة والشخصيات، وليس فقط العلم والدين، وقد كان لداروين مؤيدون دينيون كبار ومعارضون علميون، والعكس بالعكس، وأضحت كثير من الحالات المزعومة الأخرى، من الصراع بين العلم والدين، الآن، محض اختلاقات خالصة، وفي الواقع؛ كانت القاعدة التاريخية في الغالب واحدة، وهي الدعم المتبادل بين العلم والدين، وفي الأعوام التكوينية في القرن السابع عشر، اعتمد العلم الحديث على الشرعية الدينية، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساعد اللاهوت الطبيعي في تعميم العلم.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون

لقد عرض النموذج الصراعي بين العلم والدين وجهة نظر خاطئة عن الماضي، وعندما اقترن بتنبؤات العلمانية فقد أدى إلى رؤية خاطئة للمستقبل، وفشلت نظرية العلمنة في كلّ من الوصف والتنبؤ، والسؤال الحقيقي هو: لماذا ما نزال نواصل مواجهة مؤيدي الصراع بين العلم والدين؟ فالكثير منهم هم من العلماء البارزين، وسيكون من غير الضروري أن نتدرب على محادثات ريتشارد دوكينز حول هذا الموضوع، لكنه -في أي حال من الأحوال- ليس صوتا انفرادياً؛ حيث يعتقد ستيفن هوكينغ أنّ "العلم سيفوز لأنه يتقدم"، وقد أعلن سام هاريس أنّ "العلم يجب أن يدمر الدين"، ويعتقد ستيفن واينبرغ أنّ العلم أضعف الثقة الدينية؛ كما يتوقع كولين بلاكيمور أنّ العلم سيجعل الدين غير مهم في نهاية المطاف، والحال؛ أنّ الأدلة التاريخية لا تدعم ببساطة مثل هذه المزاعم، بل إنها، في حقيقة الأمر، تشير إلى أنها مزاعم مضللة.

يعتقد ستيفن هوكينغ أنّ "العلم سيفوز لأنه يتقدم"

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟

فلماذا يستمرون في ذلك؟ الإجابات عن ذلك سياسية، وبغضّ النظر عن أيّ ولع دائم بالتفاهمات التاريخية الطريفة للقرن التاسع عشر، فعلينا أن ننظر إلى الخوف من الأصولية الإسلامية، والسخط على نظرية الخلق (creationism)؛ فهو سخط على التحالفات بين اليمين الديني وإنكار تغير المناخ، والقلق بشأن تآكل السلطة العلمية. وفي حين أننا ربما نكون متعاطفين مع هذه المخاوف، إلا أنّه لا ينبغي أن يكون ثمة تمويه لحقيقة أنها تنشأ عن التدخل غير المفيد للالتزامات المعيارية في المناقشة، والتفكير الحالم، الآمل بأنّ العلم سيحطم الدين، ليس بديلاً عن تقييم رصين للواقع الحالي، ومن المحتمل أن يكون الاستمرار في هذه الدعوة مؤثراً على العكس من ذلك.

اقرأ أيضاً: عبدالجبار الرفاعي وسؤال التوفيق بين العلمانية والإيمان

الدين لن يختفي عمّا قريب، ولن يحطمه العلم، وإذا كان من شيء، فإنّ العلم هو الذي يتعرض لتهديدات متزايدة لسلطته وشرعيته الاجتماعية، وعلى ضوء ذلك؛ يحتاج العلم إلى جميع الأصدقاء الذين يمكنه الحصول عليهم، ومن المستحسن أن يعمل مناصروه على التوقف عن إنتاج العدو الديني له، أو الإصرار على أنّ الطريق الوحيد لمستقبل آمن يكمن في التحام العلم والعلمانية.


المصدر: بيتر هارسون

اقرأ المزيد...

الوسوم:



لماذا لن يختفي الدين ولن يقدر العلم على أن يدمّره؟

عدد القراءات

2019-06-12

ترجمة: كريم محمد


عام 1966؛ أي قبل ما يزيد عن 50 عاماً ونيف، توقع الأنثروبولوجي المولود في كندا، أنطوني والاس، بثقة، زوالاً عالمياً للدين على يد العلم المتقدم؛ حيث إنّ "الإيمان بالقوى الخارقة للطبيعة محكوم عليها بالموت في كافة أنحاء العالم، وذلك نتيجة للكفاءة المتزايدة للمعرفة العلمية وانتشارها"، والحال أنّ رؤية والاس لم تكن استثنائية؛ فقد اتخذت العلوم الاجتماعية الحديثة التي تشكلت في أوروبا الغربية، في القرن 19، تجربتها التاريخية الأخيرة من العلمنة باعتبارها نموذجاً كونياً، فثمة افتراض كامن في صلب العلوم الاجتماعية، إما الافتراض أو التنبؤ في بعض الأحيان بأنّ جميع الثقافات ستتلاقى في نهاية المطاف على شيء مقارب تقريباً للديمقراطية العلمانية الغربية الليبرالية، إلا أنّ ما حدث كان شيئاً أقرب إلى عكس ذلك.

في كنيسة المخلص المقدس في شورا، إسطنبول/  تصوير غيلين بيريز/ فليكر

لم تفشل العلمانية في مواصلة مسيرتها العالمية الثابتة فحسب؛ بل حلّت في الدول التي كانت متنوعة، مثل؛ إيران والهند وإسرائيل والجزائر وتركيا، حكومات دينية محل الحكومات العلمانية التي كانت قائمة فيها، أو شهدت ظهور حركات دينية قومية مؤثرة؛ فالعلمنة، كما تكهنت بها العلوم الاجتماعية، فشلت في نهاية المطاف.

توقع العلماء أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة، وأنّ العلم سيكون قوة معلمنة، ولكن ذلك لم يحدث

ومن المؤكد أنّ هذا الفشل ليس باتّاً وقاطعاً، فما تزال العديد من البلدان الغربية تشهد انخفاضاً في المعتقدات والممارسات الدينية، وتبين أحدث بيانات التعداد الصادرة في أستراليا، مثلاً؛ أنّ 30٪ من السكان يعرّفون أنفسهم بأنّهم "لا دين لهم"، وأنّ هذه النسبة آخذة في الازدياد، وتؤكد الدراسات الاستقصائية الدولية مستويات منخفضة نسبياً من الالتزام الديني في أوروبا الغربية وأستراليا، حتى في الولايات المتحدة، والتي تشكل مصدر إحراج منذ أمد لأطروحة العلمنة، فقد شهدت ارتفاعاً في نسب اللاإيمان؛ فنسبة الملحدين في الولايات المتحدة الآن في أعلى مستوى لها (إذا كانت "أعلى" هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق)؛ أي 3%، ومع ذلك؛ فبالنسبة إلى الجميع، يبقى العدد الإجمالي للأشخاص الذين يرون أنفسهم دينيين مرتفعاً، وتشير الاتجاهات الديمغرافية إلى أنّ النمط العام للمستقبل القريب سيكون مستقبلاً للنمو الديني، بيد أنّ هذا ليس الفشل الوحيد لأطروحة العلمنة.

توقع العلماء والمفكرون وعلماء الاجتماع أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

توقع العلماء والمفكرون وعلماء الاجتماع أن يؤدي انتشار العلم الحديث إلى الدفع بالعلمنة، وأنّ العلم سيكون قوة معلمنة، ولكن ذلك لم يحدث ببساطة، فإذا نظرنا إلى تلك المجتمعات التي ما يزال الدين فيها حيوياً، فإنّ سماتها المشتركة الرئيسة أقل صلة بالعلوم، وأكثر ارتباطاً بمشاعر الأمن الوجودي والحماية من بعض أوجه عدم اليقين الأساسية للحياة في شكل منافع عامة، لربما تكون شبكة الأمان الاجتماعي مرتبطة بالتقدم العلمي، ولكن على نحو حرّ فقط، وتفيدنا، مرة أخرى، حالة الولايات المتحدة ههنا؛ حيث يمكن القول: إنّ الولايات المتحدة هي المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية في العالم، ولكن في الوقت نفسه هو المجتمع الأكثر تديناً في المجتمعات الغربية، فكما خلص عالم الاجتماع البريطاني، ديفيد مارتن، في كتابه "مستقبل المسيحية" (2011): "لا توجد علاقة ثابتة بين درجة التقدم العلمي والانخفاض في مستوى التأثير والمعتقد والممارسة الدينية".

الولايات المتحدة هي المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية في العالم

تغدو قصة العلم والعلمنة أكثر إثارة للاهتمام، عندما ننظر إلى تلك المجتمعات التي شهدت ردود فعل كبيرة ضدّ البرامج العلمانية، مثلاً: دافع رئيس الوزراء الهندي الأول، جواهر لال نهرو، عن المثل العلمانية والعلمية، وجند التعليم العلمي في مشروع التحديث، كان نهرو واثقاً من أنّ الرؤى الهندوسية للماضي الماضي والأحلام الإسلامية بثيوقراطية إسلامية ستستسلم على حدّ سواء لمسيرة تاريخية لا مناص منها من العلمانية؛ فقد أعلن أنّ "هناك شارعاً ذا اتجاه واحد في الزمن"، ولكن باعتبار الارتفاع اللاحق للأصولية الهندوسية والإسلامية، بما فيه الكفاية، فإن كان نهرو على خطأ، وعلاوة على ذلك؛ فإنّ رابطة العلم التي لديها أجندة علمنة قد عادت إلى الوراء، وأصبح العلم ضحية ملازمة لمقاومة العلمنة.

إذا نظرنا للمجتمعات التي ما يزال الدين فيها حيوياً فإنّ سماتها المشتركة أقل صلة بالعلوم وأكثر ارتباطاً بمشاعر الأمن الوجودي

تقدم تركيا حالة أكثر وضوحاً؛ فمثله مثل معظم القوميين الرياديين، كان مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، علمانياً ملتزماً، واعتقد أتاتورك بأنّ العلم كان متجهاّ إلى تنحية الدين جانباً، ومن أجل أن يتأكد من أنّ تركيا على الجانب الأيمن من التاريخ؛ بوّأ أتاتورك العلم، ولا سيما البيولوجيا التطورية، مكانة مركزية في نظام التعليم الحكومي في الجمهورية التركية الوليدة، وإثر ذلك؛ أصبح التطور مرتبطاً ببرنامج أتاتورك السياسي بأكمله، بما في ذلك العلمانية، كما أنّ الأحزاب الإسلامية في تركيا، التي تسعى إلى مواجهة المثل العلمانية لمؤسسي الأمة، هاجمت أيضاً تدريس نظرية التطور، فبالنسبة إليهم؛ يرتبط التطور بالمادية العلمانية، وقد توّج هذا الشعور بالقرار الذي اتخذ في حزيران الماضي، بإلغاء تدريس نظرية التطور من الفصل الدراسي بالمدرسة الثانوية، كرّة أخرى، أصبح العلم ضحية إثم ارتباطها بالعلمنة.

رئيس الوزراء الهندي الأول جواهر لال نهرو

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟

تمثل الولايات المتحدة سياقاً ثقافياً مختلفاً؛ حيث قد يبدو أنّ الإشكالية الرئيسة هي الصراع بين القراءات الحرفية لسفر التكوين والسمات الرئيسة للتاريخ التطوري، لكن في الواقع؛ إنّ الكثير من الخطاب القائل بالخلق (creationist) يركز على القيم الأخلاقية، ونرى في حالة الولايات المتحدة أيضاً أن معاداة التطور تنبع جزئياً، على الأقل، من افتراض أنّ النظرية التطورية هي ذريعة ومطية للمادية العلمانية وللالتزامات الأخلاقية المصاحبة لها، وكما في الهند وتركيا؛ تضرّ العلمانية بالعلم.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين

باختصار، ليست العلمنة العالمية حتمية، وعندما يحدث ذلك؛ فإنّه لا يحصل بسبب العلم، أضف إلى ذلك، عندما تبذل محاولة لاستخدام العلم من أجل الدفع بالعلمانية، فإنّ النتائج يمكن أن تضرّ بالعلم، وتفشل الأطروحة القائلة: إنّ "العلم يسبب العلمانية"، ببساطة، في الاختبار الإمبيريقي، فتجنيد العلم كأداة للعلمانية يتبين أنه إستراتيجية ضعيفة، فالعلم ومزاوجته بالعلمانية أمر أخرق جداً؛ لأنه يثير السؤال الآتي: لماذا يعتقد أحدهم خلاف ذلك؟

أمريكا المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية بالعالم، ولكن في الوقت نفسه المجتمع الأكثر تديناً في المجتمعات الغربية

والحال؛ أنّ الناس في يومنا هذا أقل ثقة في أنّ التاريخ يتحرك من خلال سلسلة من المراحل المحددة نحو وجهة واحدة، ولا يؤيد معظم مؤرخي فكرة وجود صراع دائم بين العلم والدين، رغم استمرار هذا الاعتقاد الرائج. والتصادمات المشهورة، مثل قضية غاليليو، انتقلت إلى السياسة والشخصيات، وليس فقط العلم والدين، وقد كان لداروين مؤيدون دينيون كبار ومعارضون علميون، والعكس بالعكس، وأضحت كثير من الحالات المزعومة الأخرى، من الصراع بين العلم والدين، الآن، محض اختلاقات خالصة، وفي الواقع؛ كانت القاعدة التاريخية في الغالب واحدة، وهي الدعم المتبادل بين العلم والدين، وفي الأعوام التكوينية في القرن السابع عشر، اعتمد العلم الحديث على الشرعية الدينية، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساعد اللاهوت الطبيعي في تعميم العلم.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون

لقد عرض النموذج الصراعي بين العلم والدين وجهة نظر خاطئة عن الماضي، وعندما اقترن بتنبؤات العلمانية فقد أدى إلى رؤية خاطئة للمستقبل، وفشلت نظرية العلمنة في كلّ من الوصف والتنبؤ، والسؤال الحقيقي هو: لماذا ما نزال نواصل مواجهة مؤيدي الصراع بين العلم والدين؟ فالكثير منهم هم من العلماء البارزين، وسيكون من غير الضروري أن نتدرب على محادثات ريتشارد دوكينز حول هذا الموضوع، لكنه -في أي حال من الأحوال- ليس صوتا انفرادياً؛ حيث يعتقد ستيفن هوكينغ أنّ "العلم سيفوز لأنه يتقدم"، وقد أعلن سام هاريس أنّ "العلم يجب أن يدمر الدين"، ويعتقد ستيفن واينبرغ أنّ العلم أضعف الثقة الدينية؛ كما يتوقع كولين بلاكيمور أنّ العلم سيجعل الدين غير مهم في نهاية المطاف، والحال؛ أنّ الأدلة التاريخية لا تدعم ببساطة مثل هذه المزاعم، بل إنها، في حقيقة الأمر، تشير إلى أنها مزاعم مضللة.

يعتقد ستيفن هوكينغ أنّ "العلم سيفوز لأنه يتقدم"

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تلتقي العلمانية مع الدين؟

فلماذا يستمرون في ذلك؟ الإجابات عن ذلك سياسية، وبغضّ النظر عن أيّ ولع دائم بالتفاهمات التاريخية الطريفة للقرن التاسع عشر، فعلينا أن ننظر إلى الخوف من الأصولية الإسلامية، والسخط على نظرية الخلق (creationism)؛ فهو سخط على التحالفات بين اليمين الديني وإنكار تغير المناخ، والقلق بشأن تآكل السلطة العلمية. وفي حين أننا ربما نكون متعاطفين مع هذه المخاوف، إلا أنّه لا ينبغي أن يكون ثمة تمويه لحقيقة أنها تنشأ عن التدخل غير المفيد للالتزامات المعيارية في المناقشة، والتفكير الحالم، الآمل بأنّ العلم سيحطم الدين، ليس بديلاً عن تقييم رصين للواقع الحالي، ومن المحتمل أن يكون الاستمرار في هذه الدعوة مؤثراً على العكس من ذلك.

اقرأ أيضاً: عبدالجبار الرفاعي وسؤال التوفيق بين العلمانية والإيمان

الدين لن يختفي عمّا قريب، ولن يحطمه العلم، وإذا كان من شيء، فإنّ العلم هو الذي يتعرض لتهديدات متزايدة لسلطته وشرعيته الاجتماعية، وعلى ضوء ذلك؛ يحتاج العلم إلى جميع الأصدقاء الذين يمكنه الحصول عليهم، ومن المستحسن أن يعمل مناصروه على التوقف عن إنتاج العدو الديني له، أو الإصرار على أنّ الطريق الوحيد لمستقبل آمن يكمن في التحام العلم والعلمانية.


المصدر: بيتر هارسون