لنعترف.. الخطاب العلماني في مصر مأزوم أيضاً

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
4234
عدد القراءات

2019-05-22

يُتّهم الخطاب الديني المعاصر بأنّه خطاب مغلق وجامد، غير مرتبط باحتياجات الناس ولا مشاكلهم، ولا واقعهم الراهن، خطاب واقع في أسر الماضي ومشكلاته، وتابع كلية لاجتهادات السلف، كما يركز على الشكل، وليس على أهمية جوهر الدين في حياة الشعوب، فهل الخطاب العلماني قد نجح في تجاوز كل السلبيات التي يأخذها على الخطاب الديني المعاصر أم أنّ الخطاب العلماني هو أيضاً خطاب مأزوم؟
الخطاب العلماني مغلق ومتعصب
إننا إذا تأملنا الخطاب العلماني المتداول في مصر عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، فإننا نجد أنّه خطاب مغلق دوغمائي، يتسم بالتعصب إزاء كل ما هو ديني وكأنّ الدين والعلمانية لا يمكن أن يلتقيا، تماماً مثلما يتسم الخطاب الديني بالتعصب ضد كل ما هو علماني.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

لم يراع الخطاب العلماني في مصر أهمية كون الدين طاقة روحية فاعلة في حياة الشعوب، وأهمية كونه مصدراً رئيسياً للقيم الإنسانية الرفيعة والنبيلة لدى قطاع كبير من معتنقيه، وذلك لأنّ الخطاب العلماني حين يكثف هجومه على أنماط الفكر الديني الجامد تتماهى لديه الفوارق وتزول الحدود بين الهجوم على الخطاب الديني والهجوم على الدين في ذاته، وهذا ما يؤدي إلى نفور الناس من أصحاب الخطاب العلماني وخاصة المتشددين منهم، كما يمنح أصحاب الخطاب الديني الوسيلة لكي ينفروا الجمهور والعامة منهم باتهامهم بالإلحاد، وأنهم يريدوت إنهاء دور الدين في الحياة الاجتماعية بما يؤدي إلى عزل أصحاب الخطاب العلماني.

دور دعاة العلمانية المحدد
يَحمل دعاة الخطاب العلماني حملاً شديداً على دعاة الخطاب الديني ويتخذون من السخرية والاستخفاف بهم وسيلة لتنفير الناس منهم، وبيان مدى تهافت هذا الخطاب، وتهافت مضمونه، وعدم ارتباطه بقضايا العصر وهمومه، وبالفعل نجح أصحاب الخطاب العلماني في كسر شوكة رموز الاتجاهات السلفية، وكسر تأثير الدعاة الجدد على تجمعات الشباب، كما أدت النخب العلمانية وظيفة هامة -بوعي أو بدون وعي- وهي المساهمة في كسر رموز الحركات الدينية، وتعرية مطامعها، وتفكيك خطاب الإسلام السياسي وبيان تهافته، ومدى استغلاله للدين في مصالحه الخاصة، وهو هدف جوهري سعت له الأنظمة الحاكمة في المنطقة بعد اكتشافها مدى خطورة الإسلام السياسي عليها، ولهذا فقد فتحت الأنظمة السياسية المنابر الإعلامية للنخب العلمانية لكشف وتفكيك خطاب الإسلام السياسي، وذلك بمباركة عالمية في هذا الشأن.
الخطاب العلماني خطاب ماضوي
وعلى الرغم من انتقاد الخطاب الديني بأنه خطاب ماضوي، فإنّ الخطاب العلماني قد وضع الماضي نفسه موضع اتهام، وحمّله المسؤولية التاريخية عن الجمود، والتدهور، والتخلف، وقد عكف الخطاب العلماني على الروايات الغريبة التاريخية في التراث الديني ليصب عليها كل غضبه، مثل إرضاع الكبير، ونكاح البهيمة، والعديد من الفتاوى الغريبة، وحاول أن يوصل رسالة من خلال الكشف عن هذه الروايات بأن هذا هو التراث الديني الذي ننتمي إليه، وأنه هو المسؤول عن كل أسباب تخلفنا ونكبتنا، وذلك على الرغم من الصفحات الكثيرة المشرقة في تراثنا الديني.

الخطاب العلماني مغلق دوغمائي يتسم بالتعصب إزاء كل ما هو ديني وكأنّ الدين والعلمانية لا يمكن أن يلتقيا

لعل هذا النهج في الخطاب العلماني يجعله هو نفسه أسيراً للماضي؛ لأنه حين ركز جُلّ جهده على السخرية والكشف عن قطاع من تراثنا القديم، جعل وجهة الخطاب العلماني ماضوية تماماً كالخطاب الديني، ولا فرق بينهما سوى أنّ العلمانيين يعودون للماضي لتعرية مثالبه، والكشف عن ممارسات السلف السلبية في التاريخ، ومحاولة نزع أقنعة القداسة عن ممارسات واجتهادات السلف التاريخية، في حين أنّ دعاة الخطاب الديني يعودون للماضي لكي يتخذوا من اجتهادات السلف وسيلة لتسيير حياة المعاصرين.

وبقدر ما يتسم الخطاب الديني بالغوغائية والدعائية، فإنّ نفس العيب نجده في الخطاب العلماني، الذي يقف على كل شاردة وواردة تصدر عن دعاة الخطاب الديني لتظهرهم بأنهم هم وحدهم المصيبة الكبرى، وهم سبب نكبتنا دون غيرهم، وأنّ علينا أن نتحرر منهم ومما يقولون، ويعجز قطاع كبير من أبواق النخب العلمانية عن تعرية الاستبداد السياسي السائد في المنطقة، وعن المحنة السائدة الآن في المنطقة، وهو ما يعني اتهام العلمانيين للخطاب الديني بأنّه قرين الاستبداد السياسي السائد، فإنّ النخب العلمانية نفسها أصبحت تؤيد النظم المستبدة من أجل حمايتها من بطش أصحاب التشدد الديني، ولا فرق، من وجهة نظري، بين السلفي المتشدد والعلماني المتشدد في المنهج ومنطق التفكير، فقط الاختلاف في الوجهة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟

وبقدر ما اتسم الخطاب العلماني بعيوب قد تكون هي نفسها عيوب أصحاب الخطاب الديني، فإنّ الخطاب العلماني السائد قد افتقد إلى رؤية مستقبلية لواقع المجتمعات العربية وإمكانية التغيير، وضرورة التركيز على التنمية الشاملة في كافة نواحي الحياة، ولم تشغل الخطاب العلماني ضرورة التركيز على قيم الحرية والعدل واحترام الإنسان، وهي القيم التي ينبغي أن تكون مركزية في الخطاب العلماني، ولا شك أنّ غياب الرؤية المستقبلية نابع من انهماك الخطاب العلماني في الماضي، وفي أن يكون كل دوره ومعظم صوته على أمرين لا ثالث هما أولاً: تعرية الخطاب الديني السائد سواء الرسمي أو الأهلي، وثانياً: تفكيك فكر الجماعات السلفية وحركات الإسلام السياسي.

لم يراعِ الخطاب العلماني في مصر أهمية كون الدين طاقة روحية فاعلة في حياة الشعوب

ومن ثم فإننا بحاجة إلى تقويم الخطاب العلماني بالشكل الذي لا يقصي حضور هذا الخطاب في الواقع الجماهيري، فلا بد أن تسعى النخب العلمانية لتأصيل وجودها الفكري والنظري في التاريخ الثقافي الإسلامي، من منطلق أنّ الإسلام من أقرب الأديان التي يمكن أن تنفتح على العلمانية، وأنّ التراث الثقافي العقلي في الإسلام طيّع لهم لكي ينتظموا فيه، فلا ينبغي أن يكون التاريخ الثقافي طيعاً فقط لأصحاب التوجهات الأصولية، كذلك لابد أن تكون هناك رؤية نقدية للواقع التاريخي الذي نعيش فيه، ولا تنصب الرؤية النقدية على كل ما هو ديني فقط، لأن هذا يكون وسيلة للتنفير من الخطاب العلماني، والأهم من ذلك لابد أن تكون هناك رؤية مستقبلية لإمكانية النهضة والتطوير والتغيير لدى النخب العلمانية، وكيف يمكن أن ننهض بالمجتمع في كافة المجالات، وذلك لأن ارتباط الخطاب العلماني بهموم الناس ومشاكلهم ومصالحهم هو الذي يمنحه التواجد والتأثير.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

وفيما عدا ذلك يمكن القول إنّ استمرار خطاب النخب الذي يحارب كل ما هو ديني وبصورة صادمة، سيؤدي إلى فقدان مصداقيته، وسيتم النظر إلى رموز ودعاة العلمانية أنهم مجرد أبواق تؤدي وظيفة معينه في تفكيك الإسلام السياسي والخطابات المتشددة، ومتى انتهت وظيفتها انتهى دورها، وهذا ما أستشرفه لدعاة الخطاب العلماني في المستقبل.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



لنعترف.. الخطاب العلماني في مصر مأزوم أيضاً

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
عدد القراءات

2019-05-22

يُتّهم الخطاب الديني المعاصر بأنّه خطاب مغلق وجامد، غير مرتبط باحتياجات الناس ولا مشاكلهم، ولا واقعهم الراهن، خطاب واقع في أسر الماضي ومشكلاته، وتابع كلية لاجتهادات السلف، كما يركز على الشكل، وليس على أهمية جوهر الدين في حياة الشعوب، فهل الخطاب العلماني قد نجح في تجاوز كل السلبيات التي يأخذها على الخطاب الديني المعاصر أم أنّ الخطاب العلماني هو أيضاً خطاب مأزوم؟
الخطاب العلماني مغلق ومتعصب
إننا إذا تأملنا الخطاب العلماني المتداول في مصر عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، فإننا نجد أنّه خطاب مغلق دوغمائي، يتسم بالتعصب إزاء كل ما هو ديني وكأنّ الدين والعلمانية لا يمكن أن يلتقيا، تماماً مثلما يتسم الخطاب الديني بالتعصب ضد كل ما هو علماني.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

لم يراع الخطاب العلماني في مصر أهمية كون الدين طاقة روحية فاعلة في حياة الشعوب، وأهمية كونه مصدراً رئيسياً للقيم الإنسانية الرفيعة والنبيلة لدى قطاع كبير من معتنقيه، وذلك لأنّ الخطاب العلماني حين يكثف هجومه على أنماط الفكر الديني الجامد تتماهى لديه الفوارق وتزول الحدود بين الهجوم على الخطاب الديني والهجوم على الدين في ذاته، وهذا ما يؤدي إلى نفور الناس من أصحاب الخطاب العلماني وخاصة المتشددين منهم، كما يمنح أصحاب الخطاب الديني الوسيلة لكي ينفروا الجمهور والعامة منهم باتهامهم بالإلحاد، وأنهم يريدوت إنهاء دور الدين في الحياة الاجتماعية بما يؤدي إلى عزل أصحاب الخطاب العلماني.

دور دعاة العلمانية المحدد
يَحمل دعاة الخطاب العلماني حملاً شديداً على دعاة الخطاب الديني ويتخذون من السخرية والاستخفاف بهم وسيلة لتنفير الناس منهم، وبيان مدى تهافت هذا الخطاب، وتهافت مضمونه، وعدم ارتباطه بقضايا العصر وهمومه، وبالفعل نجح أصحاب الخطاب العلماني في كسر شوكة رموز الاتجاهات السلفية، وكسر تأثير الدعاة الجدد على تجمعات الشباب، كما أدت النخب العلمانية وظيفة هامة -بوعي أو بدون وعي- وهي المساهمة في كسر رموز الحركات الدينية، وتعرية مطامعها، وتفكيك خطاب الإسلام السياسي وبيان تهافته، ومدى استغلاله للدين في مصالحه الخاصة، وهو هدف جوهري سعت له الأنظمة الحاكمة في المنطقة بعد اكتشافها مدى خطورة الإسلام السياسي عليها، ولهذا فقد فتحت الأنظمة السياسية المنابر الإعلامية للنخب العلمانية لكشف وتفكيك خطاب الإسلام السياسي، وذلك بمباركة عالمية في هذا الشأن.
الخطاب العلماني خطاب ماضوي
وعلى الرغم من انتقاد الخطاب الديني بأنه خطاب ماضوي، فإنّ الخطاب العلماني قد وضع الماضي نفسه موضع اتهام، وحمّله المسؤولية التاريخية عن الجمود، والتدهور، والتخلف، وقد عكف الخطاب العلماني على الروايات الغريبة التاريخية في التراث الديني ليصب عليها كل غضبه، مثل إرضاع الكبير، ونكاح البهيمة، والعديد من الفتاوى الغريبة، وحاول أن يوصل رسالة من خلال الكشف عن هذه الروايات بأن هذا هو التراث الديني الذي ننتمي إليه، وأنه هو المسؤول عن كل أسباب تخلفنا ونكبتنا، وذلك على الرغم من الصفحات الكثيرة المشرقة في تراثنا الديني.

الخطاب العلماني مغلق دوغمائي يتسم بالتعصب إزاء كل ما هو ديني وكأنّ الدين والعلمانية لا يمكن أن يلتقيا

لعل هذا النهج في الخطاب العلماني يجعله هو نفسه أسيراً للماضي؛ لأنه حين ركز جُلّ جهده على السخرية والكشف عن قطاع من تراثنا القديم، جعل وجهة الخطاب العلماني ماضوية تماماً كالخطاب الديني، ولا فرق بينهما سوى أنّ العلمانيين يعودون للماضي لتعرية مثالبه، والكشف عن ممارسات السلف السلبية في التاريخ، ومحاولة نزع أقنعة القداسة عن ممارسات واجتهادات السلف التاريخية، في حين أنّ دعاة الخطاب الديني يعودون للماضي لكي يتخذوا من اجتهادات السلف وسيلة لتسيير حياة المعاصرين.

وبقدر ما يتسم الخطاب الديني بالغوغائية والدعائية، فإنّ نفس العيب نجده في الخطاب العلماني، الذي يقف على كل شاردة وواردة تصدر عن دعاة الخطاب الديني لتظهرهم بأنهم هم وحدهم المصيبة الكبرى، وهم سبب نكبتنا دون غيرهم، وأنّ علينا أن نتحرر منهم ومما يقولون، ويعجز قطاع كبير من أبواق النخب العلمانية عن تعرية الاستبداد السياسي السائد في المنطقة، وعن المحنة السائدة الآن في المنطقة، وهو ما يعني اتهام العلمانيين للخطاب الديني بأنّه قرين الاستبداد السياسي السائد، فإنّ النخب العلمانية نفسها أصبحت تؤيد النظم المستبدة من أجل حمايتها من بطش أصحاب التشدد الديني، ولا فرق، من وجهة نظري، بين السلفي المتشدد والعلماني المتشدد في المنهج ومنطق التفكير، فقط الاختلاف في الوجهة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟

وبقدر ما اتسم الخطاب العلماني بعيوب قد تكون هي نفسها عيوب أصحاب الخطاب الديني، فإنّ الخطاب العلماني السائد قد افتقد إلى رؤية مستقبلية لواقع المجتمعات العربية وإمكانية التغيير، وضرورة التركيز على التنمية الشاملة في كافة نواحي الحياة، ولم تشغل الخطاب العلماني ضرورة التركيز على قيم الحرية والعدل واحترام الإنسان، وهي القيم التي ينبغي أن تكون مركزية في الخطاب العلماني، ولا شك أنّ غياب الرؤية المستقبلية نابع من انهماك الخطاب العلماني في الماضي، وفي أن يكون كل دوره ومعظم صوته على أمرين لا ثالث هما أولاً: تعرية الخطاب الديني السائد سواء الرسمي أو الأهلي، وثانياً: تفكيك فكر الجماعات السلفية وحركات الإسلام السياسي.

لم يراعِ الخطاب العلماني في مصر أهمية كون الدين طاقة روحية فاعلة في حياة الشعوب

ومن ثم فإننا بحاجة إلى تقويم الخطاب العلماني بالشكل الذي لا يقصي حضور هذا الخطاب في الواقع الجماهيري، فلا بد أن تسعى النخب العلمانية لتأصيل وجودها الفكري والنظري في التاريخ الثقافي الإسلامي، من منطلق أنّ الإسلام من أقرب الأديان التي يمكن أن تنفتح على العلمانية، وأنّ التراث الثقافي العقلي في الإسلام طيّع لهم لكي ينتظموا فيه، فلا ينبغي أن يكون التاريخ الثقافي طيعاً فقط لأصحاب التوجهات الأصولية، كذلك لابد أن تكون هناك رؤية نقدية للواقع التاريخي الذي نعيش فيه، ولا تنصب الرؤية النقدية على كل ما هو ديني فقط، لأن هذا يكون وسيلة للتنفير من الخطاب العلماني، والأهم من ذلك لابد أن تكون هناك رؤية مستقبلية لإمكانية النهضة والتطوير والتغيير لدى النخب العلمانية، وكيف يمكن أن ننهض بالمجتمع في كافة المجالات، وذلك لأن ارتباط الخطاب العلماني بهموم الناس ومشاكلهم ومصالحهم هو الذي يمنحه التواجد والتأثير.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

وفيما عدا ذلك يمكن القول إنّ استمرار خطاب النخب الذي يحارب كل ما هو ديني وبصورة صادمة، سيؤدي إلى فقدان مصداقيته، وسيتم النظر إلى رموز ودعاة العلمانية أنهم مجرد أبواق تؤدي وظيفة معينه في تفكيك الإسلام السياسي والخطابات المتشددة، ومتى انتهت وظيفتها انتهى دورها، وهذا ما أستشرفه لدعاة الخطاب العلماني في المستقبل.