لوفر أبوظبي يحتضن تماثيل عين غزال: شعاع عابر للعصور

صورة غسان مفاضلة
كاتب وتشكيلي أردني
1602
عدد القراءات

2019-02-21

لم يمض سوى عام واحد على تشييد أول متحفٍ عالميٍ في العالم العربي، حتى تبوأ متحف اللوفر الشهير في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، مكانته المرموقة بين أكبر المتاحف العالمية، بوصفه أحد أهم المشاريع الثقافية الطموحة للتجسير بين ثقافات الشعوب والانفتاح على منجزاتها الحضارية عبر العصور.

احتفاء لوفر أبوظبي بالروابط ما بين الثقافات التي تتجاوز حدود الجغرافيا يتيح تأمّل جوهر الإنسانية بعيونٍ شاخصةٍ إلى التاريخ

يتجاوز "لوفر" أبو ظبي، الذي أمّه في عامه الأول أزيد من مليون زائر، فكرة المتاحف التقليدية التي عادةً ما تفصل بين الأعمال الفنية لجهة حضارة منشأها، أو حقبتها التاريخية المعزولة عن التفاعلات والتأثيرات الخارجية؛ فهو وفق منطلقاته وأهدافه يسعى إلى تسليط الضوء على القواسم المشتركة للتجربة الإنسانية الساردة لقصة الحضارة البشرية خارج حدود الجغرافيا والعرق والتاريخ، وذلك باعتماده منهجاً متفرّداً قائماً على التسلسل الزمني لمعروضاته وتصنيفاتها بحسب الموضوع والسمة الفنية، وهو ما يتيح استكشاف العلاقات الجوهرية بين شواهد الحضارة البشرية على امتداد حقبها التاريخية.

اقرأ أيضاً: "منقذ العالم" لدافنشي..قريباً في اللوفر أبوظبي
ليست ندرة المعروضات الفنية ذات الأهمية التاريخية والثقافية والاجتماعية، والتي تناهز نحو 650 عملاً فنياً، هي فقط ما يميّز فرادة متحف لوفر أبو ظبي، الواقع في قلب المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، فهناك، أيضاً، التصميم المعماري الباهر للمتحف الذي ابتدعه المهندس جان نوفيل الذي يُعدّ من أشهر المعماريين العالميين في الخمسين سنة الأخيرة، والحائز على جائزة "بريتزكر" Pritzker للهندسة المعمارية عام 2008، ليستحيل المتحف على يديه إلى تحفةً فنيّةً لا تُضاهى بركائزها الجمالية والوظيفية والثقافية المستوحاة من العناصر البيئية والحضارية لدولة الإمارات.
ما يلفت الانتباه ويثير الدهشة في لوفر أبو ظبي الذي صُمم على شكل مدينة مصغرة تشبه "أرخبيلا في البحر"، تلك القبة الفضيّة الضخمة بقطرها البالغ 180 متراً، والتي تبدو لوهلة عائمةً فوق المياه بخفة وانسياب بالرغم من وزنها (7500 طن) الذي يضاهي وزن برج "إيفل" في باريس.
مبنى متحف اللوفر في أبو ظبي

قبة من ظلال سعف النخيل
القبة التي تظلل صالات عرض المتحف الدائمة والمؤقتة والموزعة على 55 مبنى بمساحة 9200 متر مربع، استمدت تصميمها من البيئة التراثية في الإمارات، ومن ظلال سعف أشجار النخيل في الواحات، بحيث تسمح بدخول أشعة الشمس نهاراً، وتتيح رؤية السماء المرصّعة بالنجوم ليلاً، وذلك من خلال 7850 نجمة مفرغة وموزعة بزوايا وأحجام مختلفة على ثماني طبقات مُخرّمات ومتراصات فوق بعضها بعضاً، لتُفضي إلى لوحة انتشارية تحركها أشعة الشمس على جدران وأرضيات المتحف بتكوينات هندسية من الظل والضوء. كما جاء استلهام تصميم الجداول المائية التي تجري عبر المتحف من نظام الفلج التقليدي للري.

اقرأ أيضاً: اللوفر في أبوظبي: الفن والتسامح
يضم المتحف، الذي استغرق 10 أعوام من العمل الدؤوب بتكلفة تجاوزت المليار دولار، اثنتي عشرة قاعة عرض دائمة، تسرد بموضوعاتها المشتركة، القصة الأولى للحضارة الإنسانية، وهو ما نجده ماثلاً في قاعة "القرى الأولى" وقاعة "القوى العظمى الأولى"، بما تزخران به من مقتنيات آثار عصور ما قبل التاريخ. وهناك، أيضاً، قاعة الحضارات والإمبراطوريات من العصور المختلفة، وبجانبها قاعة الأديان العالمية التي تسلط الضوء على مقتنيات عديدة تجسد دور الدين في تشكيل الحضارة الإنسانية. كما توجد مجموعة مخصصة لطرق التبادل التجاري الآسيوي، ومجموعة أخرى من المتوسط إلى الأطلسي.
ويطالعنا في  قاعة "مفترق الطرق" معرض علم أوصاف الكون، والذي يأخذنا عبر مقتنيات تاريخية غيرت مجرى علوم الفلك والجغرافيا والجيولوجيا. وهناك قاعة "العالم من منظور جديد" وقاعة "في بلاط الأمراء" المخصصة لمقتنيات من قصور السلاطين والأمراء عبر التاريخ. بينما تعرض القاعات الأخرى، موضوعات فنية بامتياز، مثل معرض "أسلوب جديد في العيش"، و "عالم حديث" ومعرض "الحداثة موضع تساؤل" وقاعة "منبر عالمي".

اقرأ أيضاً: كيف اختلفت زها حديد عن سائر روّاد العمارة؟
إضافة إلى موضوعات القاعات الدائمة في المتحف الذي تقوم عليه دائرة أبو ظبي للثقافة والسياحة بالتحالف مع متحف اللوفر الباريسي ووكالة متاحف فرنسا، هناك أيضاً أربع معارض مؤقتة تقام كل سنة لعرض مقتنيات قادمة من مجموع المتاحف الفرنسية الشريكة. وأقام المتحف، منذ افتتاحه في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وبالتعاون مع المتاحف الفرنسية الشريكة، وفي إطار موسمه "تبادُل فتَفاعُل" أربعة معارض عالمية هي: "من لوفر إلى آخر: إنشاء متحف للجميع"، و"العالم برؤية كروية"، و"من وحي اليابان: رواد الفن الحديث"، و"طرق التجارة في الجزيرة العربية: روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور"، إلى جانب "كولاب" وهو معرض جمع أربعة فنانين مقيمين في الإمارات العربية المتحدة تعاونوا مع أربعة مصانع فرنسية، فضلاً عن معارض متحف الأطفال.
من داخل متحف اللوفر في أبو ظبي

رحلة داخل لوفر أبوظبي
تبدأ الرحلة داخل المتحف، والتي يصاحبها الشغف والفضول والتعلّم، من نشأة الترجمات الفنية للثقافات منذ عصور ما قبل التاريخ، فنتعرف على تمثال "أميرة من باختريا" والذي يعود إلى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد من منطقة آسيا الوسطى. كما تطالعنا أولى أعظم الإمبراطوريات من خلال المجموعة الجنائزية للأميرة الفرعونية "حنوت تاوي" والعملة الإغريقية "الديكادراخما" للفنان إيوانيتوس.

اقرأ أيضاً: اللوفر أبوظبي: تاريخ البشرية بالفن والضوء
وفي غرفة مخصصة للأديان العالمية يستعرض المتحف ثلاثة كتب سماوية من ضمنها مخطوطة من "المصحف الأزرق" وإنجيل وكتاب التوراة، بالإضافة إلى نصوص بوذية. أما طرق التبادل خلال القرون الوسطى وحقبة العصر الحديث، فتتمثل في تحف فنية متنوّعة من السيراميك. وتستمر رحلة التواصل البشري في المتحف مع أعمال آسيا ومنطقة البحر المتوسط، وكذلك بين أوروبا وأمريكا لتتسع دائرة التواصل مع تطوّر العلوم والمعارف.
كما يعرض المتحف لوحتي "نامبان" اليابانية واللتين تشكلان أول اتصالٍ بين أوروبا والشرق الأقصى. ويعرض أيضاً، بعضاً من أهم الأعمال العالمية، بدءاً من صور الأمراء والأزياء المتشابهة في بعض الحقب التاريخية.
وفي قسم العصر الحديث، تطالعنا لوحة "الغجري" للفنان إدوار مانيه (1832–1883) ولوحة "الأولاد وهم يتصارعون" للفنان بول غوغان (1848–1903) ولوحة "تشكيل بالأزرق والأحمر والأصفر والأسود" للفنان بييت موندريان (1872–1944)، ويختتم العرض بالعمل المذهل للفنان آي ويوي (1957) وتشكيكه بمعاني العولمة.

اقرأ أيضاً: "عمارة الفقراء".. ماذا تعرف عن مشروع حسن فتحي المعماري؟‎
كما تشمل مجموعة المقتنيات الفنية أعمالاً قام لوفر أبوظبي بتكليف فنانين معاصرين بتنفيذها، بمن فيهم الفنانة الأمريكية جيني هولزر (1950) التي نفّذت 3 جدران حجرية تم الكشف عنها عقب اقتتاح المتحف. وقد نُحت على الجدار الأول مقتطفات من "مقدمة" إبن خلدون، أما الجدار الثاني فيحمل نصوصاً مستوحاة من لغات بلاد الرافدين (السومرية والأكادية المكتوبة بالخط المسماري) الموجودة على "لوح الأسطورة" في حين تبرز على الجدار الثالث نصوص مدعمة بالشرح من طبعة عام 1588 لمقالات الكاتب والفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين.
أما الفنان الإيطالي جوسيبي بينوني (1947) فأبدع التحفة الفنية "أوراق النور" (2017) وهي عبارة عن شجرة مصنوعة من معدن البرونز تتفاعل مع فكرة التصميم المعماري للمتحف من خلال مرايا تم تثبيتها على فروع الشجرة بحيث تعكس أشعة الضوء النافذة من قبة المتحف العملاقة. ومن خلال التعاون الوثيق مع ورشات عمل المتحف الوطني للسيراميك في فرنسا، قدّم بينوني عمل "بروباجيشن" والتي تعني "انتشار" (2017)، وهو عبارة عن جدارٍ من قطع الخزف التي تشكل فيما بينها دوائر مرسومة يدوياً ذات مركزٍ مشترك. ويستلهم هذا العمل رؤيته من بصمة مؤسس دولة الإمارات العربية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
رؤية أبوظبي للوفر
ومع الرؤية التي انطلق منها متحف اللوفر أبوظبي، وهي احتفاؤه بالروابط ما بين الثقافات التي تتجاوز حدود الجغرافيا وسياق الحضارات، يُتاح لنا تأمّل جوهر الإنسانية بعيونٍ شاخصةٍ إلى التاريخ. وما تماثيل "عين غزال" التي يعرض المتحف واحدة منها، سوى مثال ساطع على "إشعاع النور" المُتسرّب من رحم التاريخ.
 تماثيل عين غزال

تماثيل "عين غزال".. من رحم التاريخ إلى "اللوفر"
مرةً أخرى، تعود تماثيل عين غزال، بقاماتها المنتصبة منذ عشرة آلاف عامٍ، وعيونها الشاخصة بأحوال الحضارات وتحولاتها، لتسرد من اللوفر أبوظبي، حكاية الإنسان قبل بزوغ فجر التاريخ مع الزمان والمكان.
سبق لمتحف اللوفر الشهير في باريس، الذي يُعدّ أهم وأكبر متحف في العالم، أن استعار قبل نحو عقدين تمثالاً لمدة 30 عاماً من مجموعة التماثيل البالغ عددها 36 تمثالاً، والتي عُثر عليها مصادفةً في قرية عين غزال (10 كيلومترات شرق العاصمة الأردنية عمّان) خلال عملية شقّ الطريق السريع بين عمّان ومدينة الزرقاء عام 1974.

تماثيل عين غزال بإطلالتها من متحف لوفر أبو ظبي تستدعي التأمل في القدرات الإبداعية لإنسان ما قبل التاريخ

التماثيل، بمكوناتها الإنشائية، ودلالاتها الرمزية والتعبيرية، تُعدّ من أندر الشواهد على إمكانات إنسان عصر ما قبل التاريخ في تخطي شروط التكيّف مع إملاءات الطبيعة وتحدياتها، نحو تلك الآفاق التي راح الإنسان يبدع في رحابها طرائقه في التعبير عن هواجسه ومعتقداته.
لا تنحصر أهمية تماثيل عين غزال في سيل المعلومات الذي أتاحته لعلماء الآثار والأنثروبولوجيا في التعرّف على أقدم القرى المستقرة التي جمعت بين مزيج الزراعة و"الصناعة" والرعي في العصر الحجري الحديث (8500-4500 ق. م)؛ بل تجاوزتها نحو الكشف عن فرادة القيم التعبيريّة والتقنيّة والجماليّة التي حازتها أول تماثيلٍ فنيّةٍ متكاملةٍ عرفتها مسيرة الإنسان على امتداد العصور الحجرية. وهي في خلاصتها المادية والروحية تُمثّل عصارة مجتمعٍ توفّر على مستوى عالٍ من الاستقرار والرقي والرفاه، قبل الشروع في تدوين سجلات التأريخ.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال
بعد اكتشاف موقع قرية عين غزال التي تُغطي مساحتها نحو 150 دونماً، تواصلت على مدار 17 عاماً منذ عام 1982 عشرة مواسم من الكشوفات والتنقيب في الموقع من خلال دائرة الآثار الأردنية وكلية الآثار في جامعة اليرموك، وبمشاركة جامعات غربية أخرى. وكانت النتيجة اكتشاف قرى زراعية ظلّت مأهولة بشكل متواصل على امتداد حوض وادي الزرقاء لأكثر من 3 آلاف عام حتى منتصف الألفية الخامسة قبل الميلاد، والتي تمثل نهاية العصر الحجري الحديث المتأخر/ ما قبل الفخاري.
 من أندر الشواهد على إمكانات إنسان عصر ما قبل التاريخ

بيوت عين غزال
بيوت عين غزال بمعمارها ومرافقها ومؤثثاتها المتنوعة، شكّلت مدخلاً مهماً للتعرّف على النمط البيئي للقرية ومنظوماتها الاجتماعية، وأعرافها وتقاليدها وإنجازاتها، وهو ما تُشير إليه البقايا الأثرية للبيوت والشوارع وغرف الخزين والمعابد والمدافن، وتؤكدهُ أساليب الحرفيين في تصنيع أدواتهم ومعداتهم، وتمكّنهم من تحويل المواد الطبيعية إلى مواد مصنّعة غير مسبوقة، خاصةً، تصنيع مادة الجصّ المستخدمة في تشييد التماثيل التي عُثر عليها أثناء التنقيبات الأثرية، مدفونةً في حفرةٍ أعدّت لها تحت أرضيّة بيتٍ مهجورٍ وسط القرية.

البراعة التي تجلّت في تماثيل "عين غزال"، صناعةً وتركيباً وتعبيراً، شكّلت منعطفاً فارقاً في مسيرة الإنسان مع النحت

ورغم أنّ الهدف الرئيسي لصناعة تلك التماثيل لم يحسم بشكلٍ قاطعٍ، إلا أنّ الكيفية التي وجدت عليها، إنشاءً وتكويناً وتعبيراً، ومن ثمّ العناية التي أحاطت طريقة دفنها؛ تُشير إلى الأهمية الاعتبارية والمكانة الرمزية التي كانت تحظى بها التماثيل. وهو ما يعزّز ارتباطها بمعتقد ديني عرفته المجتمعات الزراعية الأولى التي استوطنت القرية الناهضة على مشارف فجر التاريخ.

اقرأ أيضاً: الإسكندرية تحارب التطرّف بتأسيس متحف للأديان
الاعتقاد بشيوع معتقدٍ دينيٍ لدى "الغزاليين" الأوائل، تعزّزه، أيضاً، المقاربة بين طريقة دفنهم لتماثيلهم، وطريقة دفن موتاهم تحت أرضيات البيوت في وضع القرفصاء؛ إذ كانوا يغطون القبور بطبقة من الجصّ حتى تتحلّل الجثث، ثم يقومون بفتح القبور، ثم يفصلون الجماجم عن أجسادها، ليتم دفنها بعد طلائها بالجصّ في أماكن خاصة. وهذا ما يشير، على الأرجح، إلى اعتقاد أهالي تلك المنطقة بالعودة للحياة بعد الموت، يعزّز ذلك الاعتقاد وجود العديد من المقتنيات والأواني والأقنعة والدمى الطينية التي عُثر عليها  في مدافن "الغزاليين" الذين يقدّر عددهم في منتصف الألفية الثامنة قبل الميلاد بنحو 3 آلاف نسمة.
الطقوس الدينية لإنسان العصر الحجري
إلى جانب تماثيل عين غزال التي تتشابهُ مع تماثيل أريحا على الضفة الغربية من نهر الأردن في فلسطين، والتي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد (بأسبقية الأولى على الثانية بنحو 3 آلاف عام)؛ تأتي الدمى الطينية باشكالها الآدمية والحيوانية التي تشكّل عنصراً بارزاً من المكتشفات المصاحبة للتماثيل، لتكشف المزيد عن الطقوس الدينية لإنسان العصر الحجري، وتصوراته لدورة الحياة ممثلةً بالخصب والولادة والموت.

اقرأ أيضاً: متحف اللوفر أبو ظبي.. حوار ثقافات متعددة من خلال الفن
العديد من الدمى الحيوانية مثّلت الأبقار وقد غُرست في أجسادها الشفرات والسكاكين الصوانية، إشارة إلى تقديمها قرابين للآلهة. فيما صَوّرت جلّ الدمى الآدمية موضوعات الخصب والولادة التي تُنسب إلى الآلهة الأم، بوصفها نموذج الرغبة الجماعية في تجدّد الحياة واستمرارها. وتُعدُ دمية "فينوس" عين غزال من أهم دمى المجموعة الطينية. وهناك طيفٌ واسعٌ من تماثيل العصور الحجرية التي أطلق عليها علماء آثار ما قبل التاريخ اسم "فينوس" الذي يشير إلى الأم الكبرى في تلك العصور، استناداً، أو تيمناً، بآلهة الخصب والجمال "ڤينوس" الرومانية التي تقابلها "أفروديت" الإغريقية.

تماثيل عين غزال تتشابهُ مع تماثيل أريحا على الضفة الغربية من نهر الأردن في فلسطين

البِنْية التكوينية للتماثيل التي تراوح أطوالها بين 40 - 100 سم، ليست مجرد كيان حاضن للمادة وملامح التعبير وتوجهاته، وليست مساحةً لتراكم الخبرة والتقنية، وحسب؛ إنها البِنْية التي صارت معها التماثيل مِصْهرةً للتقنية والتوجّه والتعبير.
لم يتوقف إنسان "عين غزال" عند المُعطى الوظيفي للنحت الذي عرفه إنسان العصر الحجري القديم عبر تصنيع أدواته الحجرية وتسخيرها لخدمته المعيشية؛ بل شرَع الإنسان الغزالي، بما حقّقه من رفاهٍ واستقرارٍ على ضفاف "وادي الزرقاء" في ابتكار مواده وتقنياته، وتطويعها بما يخدم تنصيب تماثيله التي صار معها النحت لأول مرةٍ، فناً قائماً على الإنشاء والتركيب، وإعلاء قيم الجمال في التمثيل والتعبير.

اقرأ أيضاً: منزل أحمد فؤاد نجم 'سفير الفقراء' يتحول الى متحف

وبالتزامن مع إضافته الجمالية والتعبيرية التي وشّح بها التماثيل والدمى البشرية والحيوانية، ظل "الغزالي" الأول على صلة مباشرة مع الجانب الوظيفي لمصنوعاته النحتية المرتبطة بالزراعة والصيد، مثل الأطباق ومدقّات الحبوب والمجارش المصنّعة من الحجارة البازلتية والجيرية، إضافة إلى تصنيعه الفؤوس والسكاكين وشفرات المناجل من الحجارة الصوانية. وفي مراحل متقدمة صنع الجرار والكؤوس وأواني الطهو من الصلصال.
البراعة في تماثيل "عين غزال"
البراعة التي تجلّت في تماثيل "عين غزال"، صناعةً وتركيباً وتعبيراً، شكّلت منعطفاً فارقاً في مسيرة الإنسان مع النحت عبر عشرات آلاف السنين. وذلك حين تجاوز إطار النحت ومخرجاته المرتبطة بـ "ثقافة تصنيع الأدوات" وتكوين الأشكال البدائية المحوّرة والمستوحاة من الطبيعة، إلى إطار ثقافة تصنيع المادة، وخلع خصائصها العملية والحسيّة على أجساد تماثيله، وصولاً إلى تذويبها في إيقاع التعبير والتشكيل.

اقرأ أيضاً: متحف مصري للتسامح يسرد التكامل بين الأديان لمحاربة التطرف

مادة الجصّ التي استخدمت في كِسْوة هياكل التماثيل المكوّنة من القصب والقش، تمّ تصنيعها من خلال طهي الحجارة الكلسية على درجة حرارة تزيد عن 900 درجة مئوية، لينتج عنها المادة الجصيّة التي تصبح ليّنة طيّعة التشكّل عند خلطها مع الماء، وصلبة متماسكة بعد جفافها. ويُرجّح أن تكون عملية تحويل الحجارة الكلسية إلى مواد جصّية وفق آلية تصنيعها في عين غزال، هي أول تطبيق كيميائي عرفه الإنسان.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف

البِنْية التكوينية للتماثيل التي تراوح أطوالها بين 40 - 100 سم، ليست مجرد كيان حاضن للمادة وملامح التعبير وتوجهاته، وليست مساحةً لتراكم الخبرة والتقنية، وحسب؛ إنها البِنْية التي صارت معها التماثيل مِصْهرةً للتقنية والتوجّه والتعبير. وهو ما منحها هويةً استثنائيةً نتعرّف على ملامحها عِبر الإيقاع الحركي بوصفه فاعلية تبسط حضورها في بِنْية التماثيل، وباعتباره مبدأ التوزيع ونظام التركيب المجسّدين في الشكل والتكوين.

مركز التعبير والتكوين
ليست بِنْية التكوين، فقط، هي ما يلفت الأنظار إلى التماثيل بأحجامها المتفاوتة، وتكويناتها الكاملة والنصفية ذات الصيغ المفردة والمزدوجة (تماثيل برأسين)؛ فهناك العيون "اللوزية" التي سرعان ما تسحبنا بحدقاتها النافرة، واتساعها المُفْرط، نحو مركز إشعاع التعبير. وحين نكون على مقربةٍ من مرماها الساهم/ النافذ/ المتأمل، نتعرّف إلى بعضٍ تقمّصاتها ومخبوءاتها السابقة على أبجدية تدوين التاريخ بنحو أربعة آلاف عام. ومع مرمى العيون نفسها، يلوح حوارٌ من ترسبات الأزمنة المتعاقبة بين "الرائي والمرئي". حوارٌ مفتوحٌ على قطبي الأثر والمخيال، ومُشرعٌ على إفضاءات الحَدْس والتأويل.

اقرأ أيضاً: هذه قصة متحف نزوى في عُمان
إضافة إلى المركز الذي تتصدّره العيون "الغزالية" في توجيه مسارات التعبير، استأثرت، أيضاً، باهتمام تلويني-  تقني لم تحظَ به الأجزاء الأخرى في تكوين التماثيل. فاللون الأسود المُستخدم في رسم حدود العيون وحدقاتها، والذي تم تحضيره من القار الأسود المُستجلب من منطقة البحر الميت؛ منحها حضوراً لافتاً تبوأت معه، على مستوى الجاذبية والإيحاء، مركز التمثيل والتكوين.
لا تتوقف العيون بما تنطوي عليه من إيحاءات "تخيّليّة" وانطلاقاً من المركزية التي تتصدرها في الجاذبية والتمثيل، عن كونها مصدر الهالة التي تتوشّح بها التماثيل. إذ لا يغدو المزيج الذي تذوب فيه المادة مع التعبير، أكثر من كونهِ سبباً مؤقتاً، أو وسيطاً مركّباً، للوصول إلى خلاصة التعبيرٍ المجسّد – بسلاسةٍ وإفراطٍ، في العيون التي لا تتركُ مجالاً لتفادي الإفلات من سطوة حضورها المُفضي إلى جسد التمثال وهويته.

ربما يرتبط هذا المنظور بعلاقة التماثيل بالمعتقد الديني لدى إنسان عين غزال، خاصةً أنّ ما يميّز وجوه التماثيل من دون استثناء، تركيزها على العيون ونظراتها المتجهة، بشكلٍ قاطعٍ ونافذٍ، نحو اتجاه واحد لا حياد عنه، وهو ما ذهب ببعض مختصي آثار العصور الحجرية إلى إمكانية ربطها باتجاه عقائدي توحيدي عرفته مجتمعات العصر الحجري الحديث في الشرق الأدنى القديم.
كيف تعامل إنسان عين غزال مع تماثيله؟
الكيفية التخيّليّة التي تعامل بها إنسان عين غزال مع تماثيله، تحديداً مع عيون التماثيل التي جعلها تتصدّر مركز التعبير؛ تقفزُ بنا زمنياً على امتداد نحو 10 آلاف عام، باتجاه المعترك الحداثي الذي شهده النحت في النصف الأول من القرن العشرين، وعلى وجهٍ خاص مع النحات السويسري ألبيرتو جياكوميتي (1901- 1966) الذي يُعدّ أول من نحت الإنسان وفق إطارٍ تخيّليّ جعل من النحت، بالنسبة للفنان "ذريعةً للوصل إلى العيون فقط". 
ففي الوقت الذي تقوم به العيون بزحزحة مركزية التعبير في تماثيل عين غزال، فإنها لا تغفل عن اقتراح إستراتيجيات جديدة تنطلق من إعادة قراءة سياق التعبير والتكوين في الزمان والمكان؛ فهي تجعل من التماثيل مشروعاً مفتوحاً على تراكمات الإضافة في المكان، سواء أكانت معروضةً في اللوفر، أم كانت في المحيط البيئي لإنسان عين غزال قبل عشرة آلاف عام. كما أنّ العيون نفسها تجعل من التماثيل استبطاناً لتحولات الزمان التي تنغلُ فيها، مثل الاختراقات والتفسّخات والتآكلات التي تستدعي ربط الإحالات بين ما هو معطى وما هو متخيّل في السياق ذاته. 

تماثيل عين غزال، بإطلالتها الجديدة من متحف اللوفر أبو ظبي، وبما تُشيعهُ من سرديات الحضارة الإنسانية المبكرة، ما تزال تستدعي التأمل في القدرات الإبداعية والفكرية والثقافية التي عرفها إنسان ما قبل التاريخ على مشارف العاصمة الأردنية عمّان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: